إسلام ويب

كتاب الطهارة [1]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر علم الفقه من أهم علوم الشرع، ولخطورة مكانته اشترط أهل العلم فيمن يريد بلوغه أن تتوافر لديه الملكة الفقهية، وذلك من خلال معرفة أقوال أهل العلم وأدلتهم، ودلالات الأدلة ومراتبها، وما يكون منها مقتضياً للحكم، ومراتب الخلاف وغيرها.

    1.   

    أهمية الفقه وتكوين الملكة الفقهية

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله: [ قال الشيخ الإمام العالم العلامة الأوحد شرف الدين قدوة الأنام مفتي الفرق، أوحد زمانه موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى:

    الحمد لله المحمود على كل حال، الدائم الباقي بلا زوال، الموجد خلقه على غير مثال، العالم بعدد القطر وأمواج البحر وذرات الرمال، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا تحت أطباق الجبال، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وآله خير آل، صلاة دائمة بالغدو والآصال.

    أما بعد: فهذا كتاب في الفقه على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه، اجتهدت في جمعه وترتيبه وإيجازه وتقريبه، وسطاً بين القصير والطويل، وجامعاً لأكثر الأحكام عرية عن الدليل والتعليل؛ ليكثر علمه ويقل حجمه، ويسهل حفظه وفهمه، ويكون مقنعاً لحافظيه، نافعاً للناظر فيه، والله سبحانه المسئول أن يبلغنا أملنا، ويصلح قولنا وعملنا، ويجعل سعينا مقرباً إليه ونافعاً لديه ].

    هذه المقدمة للإمام أبي محمد موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي ، في هذه الرسالة التي كتبها وجمع فيها جملة من الأحكام ضمنها سبيل الاختصار، ونبه فيها على ما كان من مختلف مذهب الإمام أحمد ، وما كان فيها من المتفق من الروايات أو الأوجه عند الأصحاب.

    وبين يدي هذا الكتاب في الفقه أشير إلى بعض المقدمات على سبيل الاقتصاد، ثم نأتي إلى الباب الأول منه في كلام المصنف.

    أهمية الاطلاع على كتب الفقه ومعرفة الأقوال ورتب الخلاف ونحو ذلك

    إن الفقه في الشريعة هو أحد الأوجه التي تبين حقيقة العلم الذي نظمه أئمة الاجتهاد، وإنما سمي الفقه على هذه الرتبة وعلى هذه التسمية اعتباراً بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح وغيره: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )، وإذا نظرت المؤلفات في الفقه من كتب العلماء والفقهاء مقارنة بعلوم الشريعة الأخرى وجدت أن الفقه في الجملة هو أوسعها تأليفاً وتصنيفاً، وهذا يعني لطالب العلم والناظر فيه أن الفقه ليس ثمة اقتصاد في الكتب المصنفة فيه، فإنك ترى كتب المذاهب الفقهية الأربعة، أو ما زاد على ذلك أو ما أشار إليه فقهاء المحدثين من الأحكام، كالأحكام التي سماها مالك في موطئه، أو البخاري في صحيحه، أو الترمذي في جامعه، أو ما ذكره شراح الحديث كـأبي عمر بن عبد البر في شرحه لموطأ مالك أو الموفق أو الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).

    النتيجة أن الآراء الفقهية والتصانيف الفقهية هي أوسع ما كتب مقارنة ببقية العلوم، وهذا يستدعي أن طالب العلم لا بد له من تحقيق ملكة علمية فقهية، يكون بها منهجه في الفقه منهجاً معتدلاً، رفيع الفقه وفاضل الفقه؛ ليأتي على مشابهة فقه السالفين من الأئمة، ويأتي على آثارهم وعلى منهجهم، وعلى سدادهم في حسن الاستنباط وحسن الترجيح وحسن النظر في مسائل الشريعة.

    وإذا تحصلت هذه المقدمة وهذه الملكة لطالب العلم تحقق له كثير من فقه الشريعة، فإن الفقه إنما يعتبر باسمه، والفقه في اللغة: هو الفهم، فلا بد أن طالب العلم يصل إلى العناية بتحقيق الملكة العلمية، من جهة معرفة الأقوال، ومن جهة معرفة الخلاف، ومن جهة معرفة رتب الخلاف، ومن جهة فقه الأدلة التي تعتبر في الفقه، وهي التي سماها علماء الأصول، وما يكون من هذه الأدلة مقتضياً للأحكام التي سميت بالأحكام التكليفية أو الأحكام الوضعية، وكذلك فقه الدلالات، فيكون فقيهاً في أصول الفقه، عارفاً بمسائل أصول الفقه، مستبين المنهج من حيث التطبيق بالنظر في فقه السالفين والمتقدمين من الأئمة، وحين ينظر في كتب المتأخرين ولا سيما المحقق والفاضل منها، وجملة كتب الفقه فاضلة، لكن ثمة مقام من التحقيق يتحصل لفقيه أكثر من غيره، ومنها كتب الموفق رحمه الله.

    وقد انتهينا فيما سلف من رسالته المختصرة المسماة بـ(عمدة الفقه)، ونأتي في هذا المجلس بتوفيق الله سبحانه وتعالى وعونه على هذا الكتاب من متوسط كتبه، وهو كتاب كما أشار في مقدمته مجرد عن التعليل وعن الدليل، على سبيل التخفيف والتيسير، وإن كان الحنابلة رحمهم الله اعتنوا بهذا الكتاب عناية فائقة، في التعليق عليه وبيان أدلة الأحكام التي سماها، وفصلوا ما أطلقه من الخلاف، ورجحوا فيه، وفي هذا كتب مشهورة من أخصها وأشهرها: كتاب الشرح الكبير لـشمس الدين أبي الفرج بن أبي عمر المقدسي الحنبلي، وكذلك كتاب الفروع لـابن مفلح وكذلك كتاب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف لـأبي الحسن المرداوي رحمه الله.

    فهذه المصنفات وغيرها التي صنفت على (المقنع) هي كاشفة لما أجمله المصنف من الأحكام فيه، ومبينة للأدلة والتعليل، بحسب طبيعة تصنيف الكتاب أو صفة تصنيف الكتاب.

    الأوجه التي لا بد للناظر في الفقه أن يراعيها

    فإذا نظرت لهذا الكتاب على هذا الاعتبار وأتيت الأحكام فيه على هذا التقدير من جهة العناية بالخلاف بين الفقهاء فهذا مقام، ومن جهة العناية بمعرفة رتبة الخلاف فهذا مقام ثان، ومن جهة معرفة الدليل من حيث التسمية الأولى فهذا مقام ثالث، ومن جهة معرفة رتبة الدليل فهذا مقام رابع، ومن جهة ما كان من موارد الخلاف ينظر في الدليل المقابل، وترى النظر بين الدليلين على سبيل تقدير التقابل بينهما، فتنظر في أيهما أعلى رتبة وأعلى دلالة.

    فتحصل أن النظر المبتدأ في الفقه يجمع أربعة أوجه لا بد للفقيه أو الناظر في الفقه من معرفتها:

    الوجه الأول: معرفة الخلاف والإجماع فتتميز عنده موارد الإجماع عن موارد الخلاف، والإجماع الذي في كتب الفقهاء هو على أثر الإجماع المعرف في كتب الأصول، بمعنى أن المسائل التي تسمى في كتب الفقهاء بالإجماع منها ما هو من الإجماع القطعي الصريح، ومنها ما هو من الإجماع الذي دون ذلك، وهو الإجماع الظني أو ما سموه بالإجماع السكوتي، فهذا مقام ما تحرر فيه الإجماع وما حفظ فيه الإجماع، وما حفظ فيه الخلاف.

    الوجه الثاني: معرفة رتبة الخلاف، والمقصود برتبة الخلاف أن الأحكام الفقهية يميز قدرها من جهة اتصالها بأدلة الشريعة ودرجة الخلاف الواقعة عليها، فإن المسائل التي ليست إجماعاً وهي مسائل الخلاف تكون على أوجه، منها ما يكون الخلاف فيها شاذاً، ومنها ما يكون الخلاف فيها محفوظاً، ولكنه وقع على خلاف قول الجماهير، ويراد بالجماهير جماهير الفقهاء المجتهدين بدءاً بفقهاء الصحابة، ثم صار يعتبر فقه المحدثين وفقه أهل الرأي بعد ذلك، ثم مع تنوع الأمصار تنوع الفقه بين الأمصار الحجازية والأمصار الشامية والأمصار العراقية وغيرها، لكن الفقه الذي اشتهر من هذه الأمصار فقه أهل مكة والمدينة، فقه المدينة الذي تمثل في فقه الفقهاء السبعة، وفقه الإمام مالك وفي العراق فقه المحدثين، وكذلك فقه الكوفيين كما هو معروف، فصار فقه الرأي وفقه المحدثين، وكذلك الفقه الذي في الشام.

    ويعتبر الفقه في الوجه الثاني إذا كان الخلاف محفوظاً لكنه وقع على خلاف قول الجماهير، ويراد بالجماهير هنا جماهير الفقهاء، ولا يتأتى أنه قول الجماهير إلا إذا تحقق فيه التنوع، بمعنى تنوعت الأمصار وتنوعت المدارس.

    فإذا رأيت أن هذا القول عليه الأغلب من أهل الحديث وأهل الرأي، وعليه الأغلب من فقهاء الأمصار وأئمة الأمصار تحقق تماماً أنه قول الجمهور، وإن قابله من الخلاف ما هو محفوظ، لكن هذا هو الذي يتحقق فيه أنه قول الجماهير.

    الوجه الثالث: قول الأكثر، وهو قاصر عن إطلاق الجماهير، كقول الثلاثة من الأئمة الأربعة، فهذا قول الأكثر، لكن ليس بالضرورة أن يتحقق أن يكون قول الجماهير من المتقدمين قاطبة، فهذا بحث يحتاج إلى تحرير، فقول الأكثر رتبة دون ذلك.

    الوجه الرابع: أن يكون الخلاف مشهوراً ومستفيضاً، ولا يتحرر فيه القول بأنه قول الجماهير أو الأكثر، بل يكون من مشهور الخلاف بين الفقهاء، فهذه الأوجه التي يأتي الخلاف عليها وما كان من الخلاف شاذاً فإنه في الجملة لا يعتبر، وما كان من الخلاف على خلاف قول الجماهير الذين تنوعت أمصارهم وتنوعت منازعهم واجتهادهم الفقهي ما بين أهل الرأي وأهل الحديث، فما عليه الجماهير فإنه في الجملة هو الصحيح، وهذا ما انتهى إليه كبار المحققين من متأخري العلماء.

    وقد انتهى إلى مثل هذا المعنى جملة منهم الإمام ابن تيمية رحمه الله والحافظ أبو عمر بن عبد البر وجماعة، وأبلغ منهم في تقرير هذا الحافظ ابن رجب ، ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يتبين هذا في بحث المسائل.

    وأما ما كان عليه الأكثر من جهة الاصطلاح الفقهي المتأخر فهذا فيه مادة واسعة من النظر، وكذلك الرتبة الذي بعده وهو ما اشتهر واستفاض من الخلاف حتى لا يتميز فيه قول يمكن أن يضاف للجمهور أو للأكثر من الفقهاء، فهذا أوسعها محلاً للنظر.

    فائدة معرفة رتب الخلاف

    إن المعرفة برتب الخلاف تفيد طالب العلم في إدراك مآخذ الأئمة رحمهم الله من حيث الدليل؛ لأننا إذا انتقلنا للمقدمة التي بعده ذكرنا معرفة الخلاف ثم النظر في رتبته، ثم بعد ذلك النظر في الدليل، ثم النظر في رتبته، والنظر في الدليل أول مقامات النظر فيه: تعريف الدليل، وليكون طالب العلم فقيهاً مدركاً يجب أن يعلم أن تعريف الدليل لا يتأتى باصطلاح يحفظه، وإلا فإن كتب الأصول والقواعد تعرف الدليل وأنه: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب، وهذا التعريف وإن كان مقرباً للمقصود إلا أنه لا يكون جامعاً ولا متحققاً بالفعل في العقل أو في الذهن عند النظر. إلا حيث فقه الدليل فقهاً شرعياً؛ ولهذا كان الإمام الزهري رحمه الله يقول: إنا نقول وليس كل مسألة نجد فيها الإسناد، فهذه الكلمة من كلام الزهري ، وهو يعد من أئمة التحقيق في الحديث وأئمة الفقه، ومن كبار فقهاء المحدثين، يقول: إنا نقول وليس كل شيء نجد فيه الإسناد، فإن طالب العلم إذا عرف الدليل على قدر من الاقتصاد، وعلى قدر من الاختصار الذي يخالف منهج المتقدمين صار يعرض له كثير من الشذوذ في آرائه الفقهية بحجة أنه لم يقع هذا الحكم من أحكام التكليف أو أحكام الوضع؛ لعدم وجود الدليل، ولو تحقق لبان له أن الدليل أوسع مما اقتصد أو اقتصر نظره عليه، ولذلك فإن الجمهور من العلماء قاطبة الذين تنوعت أمصارهم وتنوعت اجتهاداتهم ومنازعهم ما بين أهل الرأي وأهل الحديث يتفقون على كثير من الأقوال، ويكون الخلاف إما شاذاً أو محفوظاً، ولكنه يسير عارض، مع أننا إذا بحثنا على طريقة النظر في الدليل بوجه مقيد ضعيف لا يتأتى ظهور أن هذا عليه دليل مسمى، ولو كان الدليل على هذا الاقتصاد في النظر لتعطلت كثير من الأحكام الشرعية عن أوجهها المناسبة.

    ولذلك فإن علماء الأصول والفقهاء وما كان المتقدم من الصحابة وأئمة التابعين وأصحاب الصدر الأول من المجتهدين إلا أئمة في الفقه والأصول، حتى ميز علم الأصول بالتصنيف فيه، وهذا يتمم المقدمة التي بعده وهي النظر في رتبة الدليل، فإنهم لما نظروا في أدلة فروع الشريعة، وكان الاستنباط فيها واسعاً، ولما كان تسمية الأحكام تقع على أوجه متنوعة في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم رأيت أنهم سموا الدليل: الكتاب والسنة والإجماع، ثم سردوا بعد الكتاب والسنة والإجماع عدداً من الأدلة سموها الأدلة الثانية أو الأدلة المختلف فيها، مثل: دليل القياس، ودليل الاستحسان، ودليل المصلحة المرسلة، ودليل الاستصحاب، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، وهذا الأخير إن كان متصوراً في النظر لكنه ليس متحققاً في الوقوع.

    المقصود أن هذه الأدلة مع أنه قد استقر في علم الشريعة وقواعدها وأصول دينها أن الكتاب والسنة جامعان لأحكام الدين كله، أصولاً وفروعاً، وإنما قالوا في الفروع ما قالوا من الأدلة؛ لأنها في حقيقة الحال العلمية متفرعة عن الكتاب والسنة، ولولا هذا التفرع والاتصال المتحقق لما صح أن يسمى القياس دليلاً، ولما صح أن يسمى الاستحسان دليلاً، ولما صح أن تسمى المصلحة المرسلة دليلاً.

    سبب اختلاف العلماء في قبول الأدلة المتفرعة عن الكتاب والسنة

    إن الأدلة الثانية التي اختلف في قبولها الفقهاء والأصوليون، كاختلاف أهل الظاهر مع الجمهور في قبول القياس، وكخلاف كثير من أصحاب الشافعي ولا سيما المتأخرين الذين جزموا بترك دليل الاستحسان، وكاختلاف الجمهور مع مالك في عمل أهل المدينة، فهذا الخلاف الذي وقع في هذه الأدلة مادته وموجبه شيء واحد، وهو أن ابن حزم لم يتحقق له أن القياس متفرع عن الكتاب والسنة، وتحقق للجمهور أن القياس متفرع عن الكتاب والسنة، ولم يتحقق لكثير من أصحاب الشافعي أن دليل الاستحسان يتفرع عن الكتاب والسنة؛ ولهذا سموه قولاً بالهوى، وزجروا عنه، ولم يتحقق للجمهور أن عمل أهل المدينة يتفرع عن سنة لازمة، بينما تحصل لـمالك في اجتهاده أن عمل أهل المدينة إذا أطبقوا قبل مقتل عثمان فإنه يحصل عن سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: اختلافهم في الأدلة الثانية أو ما سموه الأدلة المختلف فيها هو اختلافهم في تحقق الاتصال من عدمه، ثم إذا تحقق الاتصال كقول الأئمة الأربعة في دليل القياس حيث أثبت الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة أن القياس متفرع عن الكتاب والسنة، فاعتبروه دليلاً خلافاً لأهل الظاهر، لكن درجة هذا التفرع عند أبي حنيفة وأهل الرأي عالية، بخلاف أهل الحديث الذين لا يرون الاتصال عالياً، فمن جعل الاتصال أعلى صار يستعمل دليل القياس بشكل أبلغ.

    وجعل الإمام أحمد وكثير من أهل الحديث قول الصحابي إذا لم يعرف له مخالف أبلغ في الاتصال بالسنة، ولهذا كثر احتجاج فقهاء المحدثين بمثل هذا، فهذا الفقه في الأدلة وفي ترتيبها، وثمة باب أوسع منه، فإن هذا الباب يمكن تعيينه في الجملة، فتقول: إن الراجح العمل بدليل الاستحسان، أو الراجح ترك العمل بدليل الاستحسان، لكن أوسع من هذا تحقيقه على الأفراد، فإن الفقه معرفة الدليل ومعرفة اتصال هذا الدليل المعين -سواء كان من الكتاب أو السنة أو من الأدلة الثانية- بالواقعة أو بالحكم أو بالفرع أو بالنازلة، ومعنى تحقيق الاتصال: وجود المناسبة الجامعة بين الحكم والدليل، حتى يقع أنه دليل مناسب له، وإلا فإن جميع الآراء التي قيلت في الفقه -حتى الآراء الشاذة منها- قد استدل أصحابها لها بأدلة من حيث الجملة وهي أدلة صحيحة، فقد يستدلون برواية صحيحة، لكن تقع الدلالة ليست كذلك، وقد يقولون: هذا قياس فيتبين أنه قياس غير مناسب لهذا الفرع، لأسباب علمية متوالية، فهذا أيضاً فقه واسع، وهو فقه تطبيق هذه الأدلة على الأحكام.

    وبعده رتبة أخرى وهو فقه الدلالات، من حيث الأمر وأحكامه والنهي وأحكامه، والعام والخاص والمطلق والمقيد .. إلى آخره.

    هذا العرض لهذه المقدمات أو الأوجه والتي بتحقيقها وتدريب طالب العلم نفسه وفقهه عليها تتكون لديه الملكة الفقهية، بمعنى: أن يعرف الخلاف، وأن يعرف رتبة الخلاف، وأن يعرف الدليل، وأن يعرف رتبة الدليل، وأن يعرف الدلالات، هذا من حيث التصور النظري.

    ومن حيث التطبيق لا بد له من المشاكلة لفقه المتقدمين بكثرة النظر فيه، أو فقه المحققين من المتأخرين، ومنهم المصنف رحمه الله.

    أهمية النظر في كتب فقهاء السلف وطرق إجاباتهم

    لا بد لطالب العلم في الفقه من النظر في كتب السالفين وأجوبتهم، وبخاصة من نقل فقههم في المسائل كالإمام أحمد رحمه الله، وهي جملة من التصانيف التي رواها كبار الأصحاب رحمهم الله عن الإمام أحمد رضي الله عنه، فيبين ما في أجوبته من الفقه والمآخذ للأدلة، وما يدعه من الخلاف وما لا يدعه، وكذلك النظر في أجوبة مالك التي جمعت كما في المدونة، أو كلام مالك وآرائه الفقهية التي أشار إليها في الموطأ.

    وكذلك كلام أئمة الحنفية، ومن هذا كتاب الحجة على أهل المدينة لـمحمد بن الحسن الشيباني ، وما كتب الشافعي في الأم، فإذا قرأت في الحجة على أهل المدينة لـمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ، وقرأت الأم للإمام الشافعي وقرأت جوابات مالك ، وقرأت جوابات الإمام أحمد ، وقرأت في فقه المحققين من المتأخرين، وفي كتب الأصحاب من الحنابلة كـالموفق ، والحافظ ابن رجب وكذلك صاحب الفروع، والإمام ابن تيمية رحمه الله، فهؤلاء وأمثالهم من محققي الحنابلة وكذلك المحققون من أصحاب الأئمة الأربعة ممن وصلنا فقههم.

    وليس المقصود من قراءة كتاب الشافعي أن تجمع مذهب الشافعي ، ولا يراد من قراءة مسائل الإمام أحمد أن تجمع مذهب الإمام أحمد ، فإن هذا صعب المنال، وقد اختلف الأصحاب كثيراً في ترتيب المذهب، وإنما تقرأ المسائل لتعرف فقه السالفين، وكيف يجيبون في المسائل، وكيف ينتزعون الأحكام، وما المسائل التي يغلقون فيها، وما المسائل التي يحملون فيها على السعة، وفي فقه محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة تقرأ الجدل والنظر بين الفقهاء ومادة الاختلاف الصحيحة التي يستعملونها، وكيف يستعملون أدلتهم على من يخالفهم في الاجتهاد.

    فإذا تحصلت المقدمات النظرية المرتبة في علم أصول الفقه، واعتنى طالب العلم الفقيه أو المتفقه بمعرفة الخلاف ومعرفة رتبته، ومعرفة الدليل ورتبته، ونظر في كتب السالفين جمع الله له مقدمة إذا ابتدأها أو حررها وبناها على أصول الأدلة وهي الكتاب والسنة حصل له الفقه على الوجه الصحيح بتوفيق الله.

    لكن إن كان يعرف الخلاف ولا يعرف رتبته فهذا أحد أسباب الضعف، وإن كان يغلو في شأن الخلاف والجماهير ولكنه يسقط الاعتبار والنظر، أو بعبارة أكثر تحقيقاً يقصر في فقه الدليل ومعرفة رتبته فهذا أيضاً أحد أسباب الضعف في الفقه؛ وكذلك إن كان لم يتذوق فقه السابقين والمتقدمين من سلف هذه الأمة وأئمة مجتهديها فهذا من أسباب الضعف في الفقه.

    نفي التعارض بين إعمال الأدلة المختلف فيها والاستجابة لله ولرسوله

    هذه المقدمة بمجموعها لا تنازع مقدمة معروفة، وهي: أن الله سبحانه وتعالى تعبد المسلمين خاصة وعامة بما بعث به نبيه وبما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم.

    فهذه مقدمة علمية إيمانية واجبة على كل مسلم، لا يجوز له أن يقدم قول أحد على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، هذه مقدمة قطعية الثبوت، قطعية الإيمان، قطعية الاتباع، لكنك تعرف أن كلامنا في النظر في الفقه، ولو كان هذا في باب أصول الدين لما كان للاستنباط والاجتهاد والتردد معنىً، ولهذا لم يحتاجوا في أصول الدين أن يسموا دليل القياس، ولا يتأتى أصلاً، ولا يتأتى في أصول الدين إعمال دليل الاستحسان، لكن لما كان هذا في فروع الشريعة وفقهها تأتى هذا الاستنباط وهو جوهر الفقه في الدين، وهذا الذي تضمنه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس في قوله: ( اللهم فقهه في الدين ).

    والنتيجة في هذا أنه لا ينبغي أن يضيق النظر والفقه عند طالب العلم، فيتوهم أن العناية بالخلاف أو العناية برتبة الخلاف أو العناية برتبة الأدلة وتفاصيل الدلالات أنه يتمانع مع مطلق الاستجابة لأمر الله ورسوله، فهذا تمانع وهمي، بل هذا هو تحقيق الفقه، وأنت تعلم أن الذين بنوا فقههم على هذه الأصول وعلى هذا الاستنباط هم أئمة الدين وأئمة العلم، سواء كانوا من فقهاء الرأي، أو حتى من كانوا أقرب إلى الآثار وهم فقهاء المحدثين رحمهم الله ، كالإمام أحمد و إسحاق و مالك و الثوري وغيرهم.

    التكامل في فقه المتقدمين

    هذه مقدمة لا بد لطالب العلم من حسن اعتبارها، ليتحقق له بناء الملكة الفقهية على قدر مناسب، فيكون رأيه وفتواه وجوابه وبحثه الفقهي يقع على التوسط والاعتدال النابع من الشريعة التي بعث الله بها نبيه عليه الصلاة والسلام، وجعل هذه الأمة وسطاً، ولهذا فإن من التكامل في فقه المتقدمين أن آراءهم لا تقع على وجه واحد، بخلاف من يضعف فقهه ويكون نظره ضيقاً وقاصراً، فإننا نجد آراءه على وجه واحد.

    والمقصود بالوجه الواحد أنه إما أن يغلب عليه الإغلاق أو يغلب عليه الإسقاط، بخلاف فقه مالك أو فقه أحمد فإن الإمام أحمد أخف الأئمة الأربعة في جملة من المسائل، وأوسعهم رأياً في جملة من المسائل، وثمة مسائل أغلق فيها الإمام أحمد ، فلا نرى أن المذهب الحنفي أو المذهب الشافعي أو المذهب المالكي أو المذهب الحنبلي يمكن أن يقال في أي واحد منها: هذا مذهب يوسع، وهذا مذهب يضيق؛ بل نقول: ثمة أبواب أوسع المذاهب فيها مذهب مالك كالأطعمة، وثمة أبواب أوسع المذاهب فيها مذهب أبي حنيفة كالأشربة، وثمة أبواب أوسع المذاهب فيها مذهب أحمد كالمعاملات المالية في الجملة، وثمة أبواب أوسع المذاهب فيها مذهب الإمام الشافعي وهلم جراً.

    فهذا التنوع في الآراء داخل المذهب الواحد وفي فقه الإمام الواحد هو الفقه؛ لأن القرآن وهو الأصل وكذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم تضمن هذا وهذا، وهذا معنى أن الأمة وسط.

    أي: أن ثمة مقامات لا بد فيها من الحزم والضبط، ولهذا وقعت الشريعة هكذا، فالله شرع الزكاة وشرع نفقة الزوجة على زوجها، وشرع المواريث، وهذه الثلاثة كلها في المال، ومع هذا قدر مقادير الزكاة فيما أنزل في القرآن أو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر ).

    وكذلك الميراث شرعه الله وقدره، وكذلك نفقة الزوجة على زوجها شرعها الله، لكنه ما قدرها، ولم يقدرها النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار كما في مقدار الزكاة العشر أو نصف العشر أو ربع العشر، إنما قال سبحانه: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ[الطلاق:7]، ولهذا وكلت إلى العرف.

    فهذا التنوع في التشريع لا بد لطالب العلم من اعتباره، ولا بد لطالب العلم من جمعه، حتى لا يفتات على الدليل، ويبقى المعيار الذي يتم عليه الفقه وينضبط هو الاتباع لكلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.

    فهذه مقدمة هي أشرف المقدمات؛ لئلا يكون النظر في فقه الفقهاء تعصباً أو تقليداً يتأتى معه التقصير في اتباع الدليل، فهذا التمانع وهمي، ولا ينبغي للمسلمين ولو تأخر عصرهم في هذا العصر أن يقع عندهم هذا التمانع، فإنه تمانع وهمي سببه إما الغلاة في التعصب أو الغلاة في نبذ التمذهب ودعوى التمسك بالدليل، وإلا ليس ثمة تمانع بين النظر في فقه الفقهاء وتراتيب فقههم وآرائهم وبين حسن التمسك بالدليل، والأئمة أنفسهم حققوا هذا، واقتدى بهم أصحابهم، وأقروا هذا وجرت سيرة العلماء على هذا الاعتبار، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى أوجب على العامة والخاصة من المسلمين الاتباع لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا لا يصح أن يزاحمه فقه فقيه، ولا رأي ناظر، ولا اجتهاد مجتهد.

    وكذلك لا ينبغي تخطي رقاب الأئمة وكبار الفقهاء إلى فقه غيرهم، إلا على وجه يتحقق فيه أنه وجه صحيح، وهذا ما نبه إليه الإمام أحمد رحمه الله، لما قال: لا تقل في مسألة إلا ولك فيها إمام، فإنما هو اتباع، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة:100]، ومن اتباعهم اتباعهم في الفقه بفقه وعدل واقتداء بالسنن والآثار التي جاءت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأئمة الاجتهاد.

    المصطلحات التي استعملها صاحب المقنع

    نجد في كلام المصنف أنه يذكر الروايتين، ويذكر الوجهين، وكذلك الأصحاب يذكرون الروايتين والوجهين والاحتمالين والقولين والتخريج، هذه أشهر المصطلحات.

    فأما الرواية أو الروايات أو الروايتان فهي ما نقل عن الإمام نفسه، أي: عن الإمام أحمد .

    وأما الوجهان فالمقصود به ما عليه قول الأصحاب، سواء كان وجهاً أو وجهين أو أوجهاً.

    وأما الاحتمال: فإنه ما فيه محتمل من القول عند الأصحاب.

    والتخريج: هو التخريج على آراء الإمام نفسه، وبعض فقهاء المذهب جعلوا الاحتمال شبيهاً بالتخريج، من جهة أن التخريج تخريج على الرواية عن أحمد ، والاحتمال إنما هو في نظر الأصحاب أنفسهم مما لم يصرحوا به، وهذا موافق من وجه دون وجه، فإن الاحتمال قد يذكره من يصرح بالوجه لكنه لا يجزم بالاحتمال كما يجزم بالوجه.

    وأما القول أو إذا قالوا: فيها قولان، فالمستقر عند أكثر المتأخرين أن القول للأصحاب وليس للإمام أحمد ، وأما المتقدمون فيقصدون بالقول تارة معنى الروايتين، كما في طريقة أبي بكر الخلال ، أو طريقة ابن أبي موسى ، فليس استقرار مصطلح القولين كاستقرار مصطلح الوجهين، وليس صريحاً في اتصاله بالإمام أحمد كصراحة مصطلح الرواية والروايتين.

    1.   

    طريقة العلماء في تقسيم المياه

    قال المصنف رحمه الله: [ كتاب الطهارة ].

    يبتدئ عامة الفقهاء بكتاب الطهارة؛ لأنها الشرط المبتدأ في الصلاة، فإنه ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ).

    قوله: [ باب المياه. وهي ثلاثة أقسام ]

    هذا الذي ذكره المصنف رحمه الله هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وعليه جماهير الأصحاب، وهو قول أكثر الفقهاء، أن المياه ثلاثة أقسام، وهذا الذي ذكره الفقهاء هو استقراء لجملة النصوص.

    والأقوال التي في المذهب -أي: في مذهب الإمام أحمد - وهي أقوال للفقهاء من غير الحنابلة أن المياه على أحد هذه الأوجه التي ذكرها الفقهاء:

    الوجه الأول: أن المياه ثلاثة أقسام كما ذكر المصنف، وهذا قول الأكثر، وهي: الطاهر، والطهور، والنجس، فيجعلون الطاهر هو: الطاهر في نفسه، الذي لا يرفع به الحدث، ولا يزول به النجس، فلا يطهر غيره.

    والطهور هو: الذي يرفع به الحدث، فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره.

    والنجس هو: ما كان لا يصح معه رفع الخبث، ولا يحصل به رفع الحدث، وليس طاهراً في نفسه، وهو ما تغير بالنجاسة إجماعاً أو كان دون ذلك على اختلاف كما سيأتي، وهذه هي الطريقة المشهورة.

    الطريقة الثانية: قالوا: إن الماء ينقسم إلى طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، ونجس، وهذا تعبير الخرقي من أصحاب الإمام أحمد وطريقة طائفة من الأصحاب، وهذا فرق اصطلاحي.

    ومنهم من يقول: الماء ينقسم إلى قسمين: طاهر، ونجس، ويجعل الطاهر مطهراً، فما ثمة إلا ماء طاهر مطهر أو نجس، وهذه طريقة ابن تيمية وجماعة.

    وطائفة يقولون: هو أربعة أقسام: طاهر، وطهور، ونجس، ومشكوك فيه، وهذه طريقة طائفة من أصحاب أحمد .

    وفي الجملة -وهذا لعله يكون مثالاً أولاً لتطبيق المقدمة التي ابتدأناها- ليس التحقيق هنا أن تقول: أي هذه الآراء أرجح، أو أن يسبق سابق بالنظر، فيقول: الراجح ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ لعدم وجود الدليل على وجود قسم ثالث، هذا نظر لا يقال: إنه خطأ لكنه ليس ذلك النظر المحقق أو الذي ينبني عليه التحقيق في الفقه، بل يجب النظر في حقيقة هذا الخلاف بين الفقهاء، هل هو خلاف في نفس الأمر أم أنه في الجملة خلاف في الاصطلاح، فقدر منه هو خلاف في الاصطلاح، وقدر منه خلاف في نفس الأمر.

    بمعنى: أنهم اتفقوا في الجملة وحكى الإجماع غير واحد أن الأصل في الماء الطهارة، واتفقوا على أن الماء المتغير بالنجاسة يكون نجساً، وما كان يسيراً كما سيأتي -واليسير عند أكثرهم ما دون القلتين- ووقعت فيه نجاسة فيه قولان مشهوران: هل يكون نجساً بملاقاة النجاسة أم لا بد فيه من التغير؟

    إذاً: إذا كان النجس قد استقر حكمه، سواء كان مجمعاً على كونه نجساً أو مختلفاً فيه، بمعنى: أن النجس تميز حكمه، كذلك الطاهر الذي يكون مطهراً، فمن أين جاء الإشكال؟

    فقسم الخرقي الطاهر إلى: طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، أو قسم الجمهور من الفقهاء فقالوا: طهور وطاهر، وجعلوا الطاهر ما ليس مطهراً.

    ثمة نوعان من المعاني هي التي استدعت هذا الخلاف وهذا التقسيم، أو وجهان من المعنى استدعت هذا الاصطلاح وهذا التقسم وهذا الاختلاف.

    والماء إذا خالطه غيره، هذه الملاقاة إذا لاقى الماء طاهراً، فصار ماءً مقيداً، وبدأ الإطلاق في حقه ينقطع، فيصير ماءً إضافياً، إذا تغير بغير ممازج، وإذا تغير بالطاهرات إذا كان ماءً إضافياً، وهذا الذي جعل الإمام ابن تيمية يقول: الماء طاهر ونجس، والطاهر هو الطهور المطهر؛ لأنه يجعل ما تغير بالطاهرات لا يسمى ماءً، نقول: إنما البحث في الماء المطلق، فإذا كان يسمى ماء ورد أو أضيف إليه طاهر معين فغلب على اسمه، حتى صار يسمى باسم هذا الطاهر، كما لو أضفت الشاي إلى الماء، فصار يسمى (شاياً)، يقول ابن تيمية : إذا دخلت عليه الطاهرات فجعلته ماءً إضافياً كماء الورد، أو جعلته مغير الاسم فلسنا بحاجة إلى أن نقول: هناك طاهر، وكلام الفقهاء كالجمهور لا ينتهي نظرهم إلى هذا فقط، بل عندهم درجات أقل من هذا، ويعتبرونها من باب الطاهر غير المطهر.

    الوجه الثاني من المعنى وهو ما سيشير إليه المصنف في تقسيمه للماء إلى ثلاثة أقسام، متى يكون طاهراً ومتى يكون طهوراً؟ سترى أنه يجعل الطهور هو الباقي على أصل خلقته، فالباقي على أصل الخلقة هو الطهور، لكن إن عرض عارض من جهة الطاهرات فأثر فيه، أو عرض فيه معنى من المعاني التي ذكرتها الشريعة، كما لو خلت به امرأة، وهو يسير فإنه يصير عند الأصحاب على الأقسام الثلاثة، يجعلونه طاهراً وليس مطهراً. وكذلك في المذهب إذا كان قائماً من نوم الليل فيجب ألا يغمس يده في الإناء إن كان يريد أن يبقيه على الطهورية، فإذا غمس فيه يده لم يصح لمن بعده أن يتوضأ فيه، فيجعلونه طاهراً إذا غمس فيه القائم من نوم الليل يده فيه.

    هذه المعاني هي التي استدعت تقسيم الفقهاء الماء إلى ثلاثة أقسام، والمعنى الأول يعتبر بانقطاع الاسم المطلق من عدمه، من حيث الترجيح، فما دام أن الاسم المطلق قائم فإنه يسمى ماءً، ولو خالطه شيء من الطاهرات فإنه يبقى طاهراً مطهراً، وإذا انقطع الاسم المطلق فصار اسماً إضافياً كماء الورد، أو ذهب اسم الماء عنه، وغلب الاسم الثاني، فإنه لا يعد من الماء المسمى في الطهارة أصلاً في القرآن، وهذا مأخذ الإمام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول: إنما الماء الذي أخبر الله أنه أنزله ليكون طهوراً هو الماء الباقي على أصل خلقته، فإذا كان يسمى ماء الورد أو يسمى باسم الطعام الذي خالطه، فإنه ليس هو المذكور في القرآن للطهارة.

    إذاً: هذان الوجهان من المعنى، إما المعنى الحسي أو المعنى المعتبر بالنظر في خطاب الشارع كالماء الذي غمس فيه القائم من نوم الليل يده في المذهب، أو الذي خلت به المرأة بطهارة كاملة وهو يسير، فيقولون: إنه لا يرفع حدث الرجل، بل يكون الماء غير نجس، ولكنه طاهر في حق الرجل ولا يرفع الحدث، ومثله ما غمس القائم فيه من نوم الليل يده، فإنهم يجعلونه طاهراً لا يرفع الحدث لمن بعده.

    كذلك ما كان بأثر الحس وهو ما خالطه من الطاهرات، فالذي انتهى إليه نظر الإمام ابن تيمية رحمه الله أنه يجعل الماء على قسمين، ويجعل مسألة خلو المرأة بالماء مسألة مختصة بالنظر، حتى لو رجح فيها ما رجح، فإن هذا يكون على سبيل الاستثناء لا على سبيل التقسيم، فلا يستدعي وجود قسم مسمى بالشريعة باختصاصه، فإن هذا يكون استثناءً على تقدير ترجيحه، وإن كان ليس راجحاً انتهى هذا الإشكال.

    ومثله غمس القائم من نوم الليل يده يجعلها مسائل، ينظر فيها على سبيل الاختصاص، فإن رجح فيها أنه لا يؤثر اتفق مع أصل المعنى، بمعنى: إذا رجحت أن غمس القائم من نوم الليل يده لا يؤثر في طهورية الماء اتفق مع أصل التسمية، وإذا رجحت خلاف ذلك صار هذا من باب المستثنى بحكم الشارع، وأما ما كان بأثر الحس فيجعل الاعتبار فيه لوقوع الاطلاق من عدمه، فيقول: حيث كان الإطلاق قائماً يسمى ماءً مطلقاً في العرف، فإنه يكون هو الطاهر المطهر، وهو الذي أخبر الله في القرآن أنه أنزله ليكون طهوراً.

    يقول: وهذا لا ينقطع إطلاقه بأدنى مخالطة، فإن المياه تخالط كثيراً من الطاهرات، ومع ذلك في عرف الناس يبقى تسميته ماءً، وأما إذا غلب عليه حتى صار اسماً إضافياً كماء الورد، أو انقطع الاسم عن ثبوته فيه فسمي باسم الطاهر الثاني، فيقول: إن هذا ليس الماء المطلق المقصود في أحكام الطهارة، فلا يتأتى أن نقول: إنه طاهر، وإن كان طاهراً في حقيقته، لكنه لا يدخل في تقسيم الأحكام، فعاد النظر إلى أن هذا الخلاف ليس على إطلاقه من جهة تحققه على المعاني، بل قدر منه عند التحقيق اصطلاحاً.

    بمعنى: أن الذي يقول: الماء المشكوك فيه إنما سماه قسماً لوجود مسائل فيه، يقول الفقهاء: هذا ماء مشكوك فيه، فهل يقدم الحظر فيه، أو يقدم اعتبار الأصل، فلما وجد هذا النوع من المسائل قال بعض أصحاب الإمام أحمد بوجود قسم سموه المشكوك فيه لوقوع بعض المسائل فيه، فمن لم يذكر هذا القسم الرابع لا ينفي هذه المسائل والنظر في أحكامها.

    إذاً: حتى ابن تيمية لما قال: طاهر مطهر ونجس، وما هو إلا قسمان، هل نفى النظر في الماء الذي خلت فيه المرأة؟ لا، نظر فيه ورجح رأياً، ونظر في الماء الذي غمس القائم فيه من نوم الليل يده ورجح رأياً، وكذلك من قسم الماء إلى ثلاثة أقسام وهم الجمهور يقولون: غمس القائم من نوم الليل يده لا يؤثر في طهورية الماء.

    فإذاً: هذا الاختلاف اصطلاحي في كثير من مادته، وفيه قدر من المعنى يتأتى على ترتيب هذا الاصطلاح ويتأتى بدونه.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315048

    عدد مرات الحفظ

    723544545