إسلام ويب

شرح العبودية [4]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى، وهي الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وقد وصف الله تعالى بها كرام خلقه من الأنبياء والملائكة والصالحين، وهي أول واجب على المكلف؛ لأنها الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم، وقد ضل وانحرف في العبادة ومفهومها طوائف من أهل البدع، كالصوفية وأهل الكلام والعلمانيين ونحوهم، فجانبوا الصواب واتبعوا سبل الغواية والانحراف.

    1.   

    تعريف بكتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

    اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت العليم الحكيم.

    سنبدأ هذا الدرس بالتعريف بكتاب من كتب السلف الكرام، وهو كتاب (الإيمان) لـأبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى.

    وأبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله من العلماء المتقدمين، وهو من علماء القرن الثاني، ولد في منتصف القرن الثاني، وأخذ العلم عن مشايخ الإمام أحمد رحمه الله، مثل سفيان بن عيينة ويزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم.

    وأخذ عنه العلم أئمة كبار مشهورون، مثل الإمام الدارمي رحمه الله، وابن أبي الدنيا والبغوي وغيرهم، وهو عالم في فنون متعددة: عالم في الفقه وفي العقيدة وفي القراءات وفي اللغة، وله في الفقه كتاب مشهور اسمه (الأموال) وله كذلك في اللغة (غريب الحديث)، وله في العقيدة هذا الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه.

    موضوع كتاب الإيمان لأبي عبيد

    وهذا الكتاب من أوائل المصنفات التي صنفت في هذا الموضوع الخطير من موضوعات العقيدة، وموضوع الإيمان من أخطر موضوعات العقيدة على الإطلاق، فموضوع الإيمان هو أول موضوع اختلفت فيه الأمة، فإن أول فرقة خرجت عن جماعة المسلمين وشقت صفوفهم هي فرقة الخوارج، وهؤلاء كفروا أعيان المسلمين بسبب الكبائر، فكانت أول فرقة خرجت ومرقت عن السنة في موضوع الإيمان.

    وقد ناقش أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه هذا أهم مسائل الإيمان، خاصة مسألة تعريف الإيمان وحقيقته، ونقد في هذا الكتاب الطائفتين اللتين وصفتا بالإرجاء، وهما فرقة الجهمية الذين قالوا بأن الإيمان هو مجرد التصديق، أو الذين قالوا بأن الإيمان هو مجرد المعرفة فقط، وأخرجوا عمل القلب وإقرار اللسان وعمل الجوارح عن مسمى الإيمان، وكذلك فرقة مرجئة الفقهاء الذين قالوا: إن الإيمان هو تصديق القلب وإقرار اللسان بدون عمل الجوارح، وأما أعمال الجوارح فإنهم قالوا: لا تدخل إنما هي بر وإحسان وعمل صالح، لكنها لا تدخل في حقيقة الإيمان نفسه، بحيث لو ترك الإنسان جنس أعمال الجوارح فإنه لا يكفر، وأما عند الجهمية فإنه لو ترك جنس العمل عموماً -مثل عمل القلب وعمل الجوارح مطلقاً، بل وإقرار اللسان- فإنه لا يكفر، والعياذ بالله.

    كما أنه ناقش بعض الشبهات التي أثارها المرجئة، ونقل الحجج من القرآن والسنة على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وناقش موضوع زيادة الإيمان ونقصانه، وناقش كذلك موضوع الاستثناء في الإيمان، ونحوها من الموضوعات المهمة ذات الارتباط بموضوع الإيمان.

    بيان أهمية الكتاب

    وأهمية هذا الكتاب تبرز من عدة جهات:

    أولاً: أنه من أول الكتب التي صنفت في هذا الموضوع، وكتاب مثله الإيمان لـابن أبي شيبة ، فإنه لم يصنف في موضوع الإيمان -فيما أعلم- قبل هذين الكتابين كتاب مستقل في موضوع الإيمان، وإنما كان يكتب في ذلك في العقائد العامة، هذا أولاً.

    ثانياً: أنه متقدم، فقد ولد مؤلفه -كما قلت- في منتصف القرن الثاني، وهو من أقران الإمام أحمد رحمه الله، وهو عالم متميز، يتميز -كما قلت- بفهمه للغة، لا سيما أن أهل الإرجاء يعتمدون على اللغة كثيراً، فإن أكبر قضية اعتمد عليها الباقلاني في كتابه (الإنصاف) في تقرير أن الإيمان هو مجرد التصديق هي اللغة، فإنه يقول: إن الإيمان في لغة العرب هو مجرد التصديق.

    واستدل على ذلك بقوله تعالى: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف:17]، وأن الإنسان إذا سئل: هل أنت تؤمن باليوم الآخر؟ فإنه يقول: نعم. وإنما يفهم من قولك: (تؤمن باليوم الآخر) معنى: (تصدق) فقط.

    وهذا الإمام بين أن الإيمان مع كونه في اللغة يدل على التصديق، بين كذلك أنه في الاصطلاح الشرعي زيد على مفهوم التصديق العمل.

    والقرآن نزل بلسان العرب، وفي بعض الاصطلاحات الشرعية زيد على المعنى اللغوي معنى إضافي شرعي، وهذا المعنى الإضافي الشرعي يعرف من خلال النصوص الشرعية ومن خلال كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

    أهمية كتاب الإيمان في العصر الحاضر

    والإمام أبو عبيد إمام مسند، ولهذا تنبغي العناية بهذا الكتاب وقراءته وتلخيصه، وهو كتاب صغير حققه الشيخ الألباني قديماً، وهو من أهم الكتب في موضوع الإيمان، لا سيما أن موضوع الإيمان موضوع مهم جداً في هذه الآونة الأخيرة التي بدأت تخرج فيها مقالات المرجئة مع الأسف في بعض الأحيان باسم السنة، فإن بعض المنتسبين إلى السنة يقرر الإرجاء عقيدة، ثم ينسبها إلى السنة، ولا شك في أن هذا من الضلال والعياذ بالله، ويكون الأمر خطيراً عندما يقرر المذهب الباطل بهذه الطريقة، بحيث يقرره رجل ينتسب إلى السنة ثم ينسبه إلى السنة كذلك.

    وهناك كتاب ألف في موضوع الإرجاء، وهو كتاب (إحكام التقرير في أحكام التكفير) ألفه مراد شكري ، ونقل فيه أقوال المرجئة، أمثال: الرازي والغزالي والإيجي والدردير وغيرهم، ونقلها وهو يقرر أنها هي عقيدة أهل السنة، ولهذا صدر فيه بيان من اللجنة الدائمة، بينت فيه أن هذا الكتاب هو على عقيدة غلاة المرجئة الذين حصروا الإيمان في مجرد المعرفة فقط؛ ولهذا كان لا بد من أن يكون للإنسان زاد يتقي به هذه الاتجاهات الخطيرة التي تؤثر على عقيدة الإنسان، مثل الإرجاء ومثل عقيدة الخوارج ونحوهما من العقائد المضلة، لا سيما عقيدة المستغربين الذين يسمون أنفسهم بأصحاب الفكر المستنير، وسيأتي شيء من الكلام على هذه الفرقة فيما بعد إن شاء الله.

    1.   

    الانحراف في تعريف العبادة ومفهومها

    انحراف أهل الكلام

    كنا قد وقفنا في تعريف العبادة في الدرس السابق عند تعريف أهل الكلام، وقلنا: إن أهل الكلام حصروا العبادة في مجرد الإقرار وتصديق القلب فقط، وهذا التعريف لمفهوم الإيمان سببه أمران:

    الأمر الأول: الإرجاء.

    والأمر الثاني: تفسيرهم للإله بأنه القادر على الاختراع.

    وسبق أن أشرت إلى أن أهل الكلام طوائف متعددة، ومن هذه الطوائف التي بقيت إلى الآن فرقة الأشاعرة وفرقة الماتريدية، ولهما وجود في حياة المسلمين، وهما من الفرق التي تقرر أن الإيمان هو مجرد التصديق، كما أشرت إليه في التعريف بكتاب الإيمان، وترتب على هذا أن العبادة عندهم هي مجرد التصديق القلبي فقط، والتصديق القلبي هو مجرد التصديق بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت؛ لأنهم يفسرون (الإله) في شهادة التوحيد بمعنى: القادر على الخلق والقادر على الاختراع والإنشاء والإبداع، فمعنى (لا إله إلا الله) عندهم: لا خالق إلا الله، ولا شك في أن هذا ليس هو المقصود من (لا إله إلا الله) فإن المشركين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى عنهم: كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35]، مع أنهم في ذات الوقت كانوا يثبتون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، وهذا يدل على أنهم لم يفهموا من (لا إله إلا الله) أنها تقتضي مجرد إثبات الخلق والرزق لله وحده فقط، وإنما فهموا أن المقصود أنه لا بد من أن يدين الإنسان لله عز وجل ويخضع له بكل شيء، فيخضع له بقلبه، ويخضع له بجوارحه ويخضع له بلسانه، وهذه هي حقيقة الإيمان عند السلف، وهي أنه مركب من ثلاثة أشياء: من عمل القلب وتصديقه، ومن عمل الجوارح، ومن قول اللسان كذلك.

    الآثار المترتبة على الانحراف الكلامي في مفهوم العبادة

    وقد ترتب على هذا الانحراف عند أهل الكلام أن تكون العبادة هي الأفعال والأقوال التي تصرف لمن يعتقد فيه أنه خالق ورازق، فالعبادة عندهم هي الأقوال والأعمال التي تصرف لمن يعتقد فيه الربوبية، فإذا رأى أحدهم رجلاً يطوف حول قبر أو يذبح له أو ينذر له أو يستغيث بغير الله، قال: هذا في حد ذاته ليس كفراً؛ إلا إذا كان يعتقد أن هذا الذي صرفت له العبادة خالق ورازق، وحينئذ افترق الناس إلى فرقتين في مفهوم العبادة وفي مفهوم الشرك أيضاً، فصار أهل الكلام يعرفون العبادة بتعريف غير تعريف أهل السنة، وصاروا يعرِّفون الشرك بتعريف غير تعريف أهل السنة، فهم يقولون: العبادة هي الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة التي تصرف لمن يعتقد فيه الخلق والرزق والإحياء والإماتة والربوبية.

    أما أهل السنة فإنهم يقولون: العبادة هي الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة التي تجمع بين الخضوع والذل وبين المحبة، حتى لو صرفت لمن يعتقد أنه حجر، أو أنه ولي، أو أنه نبي، أو ملك من الملائكة، فما دام أنها أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة اجتمع فيها الذل والخضوع واجتمع معها المحبة كذلك فهي عبادة مصروفة، فإما أن تكون لله فتكون حينئذ توحيداً، وإما أن تكون لغير الله فتكون حينئذ شركاً.

    وترتب على هذا الخلاف بين السلف رضوان الله عليهم وبين أهل الكلام في مفهوم العبادة ترتب عليه خلاف كبير في الواقع، فأهل السنة يقولون: إن الذين يقفون حول القبور وينذرون لها ويذبحون لها كفار، وأهل الكلام يقولون: هم لم يعبدوا غير الله. ولهذا فإن كتاب: (مفاهيم يجب أن تصحح) لـمحمد علوي المالكي قال فيه صاحبه بالنص: ولا يكفر المستغيث بغير الله ما لم يعتقد الخلق والإيجاد لغير الله تعالى. فعنده لو أن إنساناً استغاث بولي وهو يعتقد أنه غير خالق بل هو مخلوق، فليس فعله من الشرك، وأنه إذا ذبح لولي أو نذر له فإن هذا ليس من الشرك، إلا إذا اعتقد أن هذا الولي هو الخالق الرازق، وهذا لا شك في أنه لا يقول به أحد في الدنيا، فإنه لا يوجد طائفة تقول: إن هذا الكون أوجده إلهان وصانعان متفقان في الصفات وفي الأفعال، وإنما أكثر الملل وأكثر الأمم على أن الله هو الخالق الرازق، فمن أين دخل عليهم الشرك حتى اقتضى هذا أن يرسل الله إليهم الرسل؟ لقد دخل عليهم الشرك عندما صرفوا العبادات لغير الله، وعندما صرفوا الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة لغير الله عز وجل، وعندما صلوا لغير الله، حتى لو كان من صلوا له يعتقدون فيه أنه مخلوق، وعندما ذبحوا لغير الله ونذروا لغير الله واستغاثوا بغير الله، وعندما أحبوا غير الله حب الذل، وعندما خافوا من غير الله خوف العبادة، وعندما توكلوا على غير الله واعتمدوا عليه حصل فيهم الشرك، وعندما تحاكموا إلى غير الشرع، فبذلك حصل عندهم الشرك والكفر.

    وهذا التعريف الباطل الذي يعرف به أهل الكلام العبادة يرده حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة)، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبداً للدينار، مع أنه لا يوجد أحد في الدنيا يتصور أن الدينار خلقه، أو أن الدراهم خلقته، أو أن الخميصة أو الخميلة تخلق وترزق.

    فالعبادة في مصطلح الشرع لا يلزم منها أن يكون هناك اعتقاد بأن الله عز وجل هو الخالق الرازق فيمن صرفت له، لكن لا شك في أن العبادة الشرعية المقبولة عند الله هي التي تصرف لله عز وجل باعتقاد الربوبية له، ولا يتصور أن يوجد إنسان يصرف العبادات لله عز وجل وهو لا يعتقد فيه أنه خالق ولا رازق ولا محيٍ ولا مميت.

    انحراف الصوفية في تعريف العبادة

    والطائفة الثالثة التي انحرفت في مفهوم العبادة هي: الصوفية.

    فإن الصوفية فسروا العبادة بأنها شهود الخلق والرزق وشهود الإنعام، ومعنى الشهود -كما سيأتي معنا إن شاء الله- هو ملاحظة النعمة أو ملاحظة الخلق أو الاهتمام به فهذا الشهود عندهم هو العبادة، ولهذا يفسر القشيري في كتابه (الرسالة) العبودية بأنها شهود الحقيقة الكونية العامة، وهي مقتضى الخلق. ولهذا اتفق الصوفية وأهل الكلام وصاروا على طريقة واحدة، ولهذا تجد أن المتأخرين من الصوفية، والمتأخرين من أهل البدع يجمعون بين ثلاثة أشياء: يجمعون بين الانحراف في الاعتقاد -فتجد أحدهم مثلاً أشعري العقيدة- والانحراف في السلوك، فتجد أنه -مثلاً- قادري السلوك أو نقشبندي، والانحراف في الفقه، فتجد أنه متعصب لإمام من الأئمة، فلو جاءه الحديث لرده بسبب قول هذا الإمام، وهذه لا شك في أنها ثلاث مصائب متعاونة، وقد تركبت في حياة المتأخرين خاصة.

    1.   

    منزلة العبودية

    وننتقل الآن إلى القضية الثانية التي أشرت إليها سابقاً، وهي قضية منزلة العبودية التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله، فقد ذكر رحمه الله في منزلة العبودية ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: أن العبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى.

    الأمر الثاني: أن العبودية هي التي أرسل الله عز وجل بها جميع الرسل.

    الأمر الثالث: أن الله عز وجل وصف كرام الخلق بالعبودية، مثل الملائكة والأنبياء.

    وسنزيد على ذلك -إن شاء الله- حتى نوصله إلى عشرة أمور.

    العبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى والمرضية له

    أما الأمر الأول فيقول عنه: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له التي خلق الخلق لها، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]. هذه الآية اختلف فيها المفسرون، فبعضهم يفسر العبادة في هذه الآية بأنها العبادة العامة التي تقتضي الخضوع المطلق لجميع الكائنات، وهي الموافقة لمعنى الخلق ومعنى الملك، وحينئذ فسروا هذه الآية فقالوا: معنى قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] أي: ما خلقتهم إلا ليطيعوني طاعة عامة.

    وهكذا لا يحصل شيء في حياة الناس إلا بإرادة الله عز وجل وتقديره سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن يحصل شيء من غير إرادة الله عز وجل أبداً؛ لأنه فعال لما يريد.

    لكن التفسير الصحيح لهذه الآية هو أن المقصود بقوله: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ -كما قال ابن عباس وغيره من المفسرين-: إلا لآمرهم فيطيعوني، وأنهاهم فينتهون، وحينئذ يكون المعنى في قوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، أي: إلا ليخضعوا الخضوع الاختياري الذي هو موافقة الأمر والنهي عن اختيار وعن رغبة، وهذه هي العبودية الشرعية التي جاء الأمر بها.

    وأما العبودية التي فسرت بها هذه الآية أولاً فهي العبودية الجبرية التي سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، ولا شك في أن كون العبادة هي الغاية المطلوبة والمرضية والمحبوبة لله سبحانه وتعالى، يدل على أهمية هذه العبادة ومنزلتها.

    العبودية هي الغاية من إرسال الرسل

    وأما الأمر الثاني فهو أن العبودية أرسل الله تعالى بها جميع الرسل، والآيات الواردة في أن الله عز وجل أرسل جميع الرسل بالعبادة تنقسم إلى قسمين: آيات عامة تشمل جميع الرسل، وآيات مفردة لكل رسول.

    فمن الأمثلة على الآيات العامة قول الله عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

    وأما الآيات المفردة لكل رسول فمنها قول نوح عليه السلام لما أرسله الله عز وجل إلى قومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لأقوامهم، ثم ذكر الآية العامة في هذا الموضوع، وهي قول الله عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:36].

    وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92]، كما في الآية الأخرى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:51-52].

    وجعل ذلك لازماً لرسوله إلى الموت، كما قال: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، فمنهج الرسل جميعاً هو الدعوة إلى عبادة الله عز وجل، ومعنى الدعوة إلى عبادة الله: الدعوة إلى إفراد الله عز وجل بإرادات القلب، مثل: المحبة، والخوف، والرجاء، والاعتماد، والتسليم، والخضوع، ونحو ذلك، وعبادات الجوارح، وعبادات اللسان، وهذا هو محط نظر الدين، ومحط نظر الإسلام، ومحط نظر الشرع، وهو السبب الذي جعل الرسل الكرام رضوان الله عليهم ينكرون على أقوامهم ما هم عليه من الشرك، فإن الأقوام -كما سبق أن أشرت- يقرون بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ونحو ذلك.

    فمنهج الرسل في الدعوة إلى الله عز وجل هو أن يبتدئوا أولاً بالدعوة إلى العبادة، وهي أساس العقيدة.

    بيان خطأ المعرضين عن الاشتغال بقضايا العقيدة بحجج واهية

    وهناك أشخاص يقولون: إن العقيدة يسيرة، ولهذا لا داعي لأن نشتغل بتقريرها والبحث فيها، وإنكم أعطيتم هذه القضية أكبر من حجمها.

    وهؤلاء لو رجعوا لوجدوا أن منهج الأنبياء جميعاً أن أول ما يبتدئون به مع الأقوام هو الدعوة إلى الاعتقاد الصحيح؛ لأن أعظم قضية في الدين هي قضية إقرار المسلم بربوبية الله تعالى، وإقراره بإلهيته وفعل العبادة له، وإقراره بأسمائه وصفاته، فإذا لم يكن موضوع العقيدة موضوعاً مهماً فما هي الموضوعات المهمة إذاً؟!

    ولهذا فإن معاذاً رضي الله تعالى عنه عندما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن أمره أن أول ما يبدأ بالعقيدة، فقال: (إنك تأتي قوماً أهل الكتاب، فليكن أول ما تأمرهم به شهادة ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله).

    ومن العجيب أن الذين يقولون: إن موضوع العقيدة يسير يستدلون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه معاوية بن الحكم السلمي وكان قد ضرب جاريته فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: فأعتقها فإنها مؤمنة) فيقولون: انظروا كيف قرر العقيدة في دقائق! ولهذا فإنه لا حاجة إلى أن تطيلوا الشرح في الموضوع وتفرعوا وتوسعوا.

    ولا شك في أن هذا خطأ كبير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قرر لهذه الجارية العقيدة لم يقرر لها كل العقيدة، وإنما قرر لها المسائل الأساسية، فقرر لها أن الله في العلو، وقرر لها صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولتتلقى منه، هذا أولاً.

    ثانياً: أنه كان يريد أن يطمئن على أنها مؤمنة، وليست بمشركة، ولهذا فأكثر آيات القرآن الكريم تختم بالأسماء والصفات، أو في أثنائها ينبه على علم الله عز وجل وقدرته، وأنه سبحانه وتعالى مع الإنسان في كل لحظة، وكل هذا من العقائد.

    وحينئذ فلا شك في أن تقرير العقيدة من أهم الأمور في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا صححت العقائد عند الناس استقام دينهم، وإذا فسدت عقائدهم ضلوا وانحرفوا عن المنهج السليم، وإذا كانت عقائدهم صحيحة فإن بقية الأعمال تبنى عليها، سواء في موضوعات الفقه، أو في موضوعات العمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو في أي موضوع من الموضوعات.

    ثم إن الإيمان هو القوة وهو أساس العقيدة، فالإيمان الكامل إذا تحقق في النفس استطاع الإنسان أن يواجه الفتن والشيطان وهوى النفس الأمارة بالسوء، ونحو ذلك.

    فمن هذا المنطلق نعرف أن منهج جميع الرسل الكرام هو الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، وتقريرها، وأعظم العقيدة التي يدعى إليها العبادة لله سبحانه وتعالى.

    وصف كرام الخلق بالعبودية

    وأما الأمر الثالث فهو وصف كرام الخلق بالعبودية، يقول: وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه، فقال تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:19-20].

    وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف:206].

    وذم المستكبرين عنها بقوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    ونعت صفوة خلقه بالعبودية، وهذا تابع لنفس الموضوع، فقال تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6]، فإنه وصفهم بأنهم عباد الله، والإضافة على نوعين: إضافة تشريف، وإضافة خلق وإيجاد، فهنا الإضافة إضافة تشريف؛ لأن الحديث عن أهل الجنة.

    وقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63]، ولما قال الشيطان: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39-40] قال الله تعالى: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:41-42].

    وقال في وصف الملائكة بذلك: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وًَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:26-28].

    وقال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:88-95].

    فهذه الآيات جميعاً وصف الله عز وجل فيها كرام الخلق من الأنبياء ومن الصالحين والملائكة بأنهم عابدون لله عز وجل، وهذا يدل على فضل العبودية، وأهميتها، فإنه إذا وصف بالشيء أفضل المخلوقات، دل ذلك على مكانته منزلته وأهميته.

    وقال تعالى عن المسيح الذي ادعيت فيه الإلهية والبنوة: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59]، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تطروني -يعني: لا تبالغوا في المدح والثناء علي- كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله).

    وقد أطرت النصارى المسيح فوق درجة العبودية ظناً منهم أن درجة العبودية درجة عادية ويسيرة، والواقع أن درجة العبودية درجة كبيرة، ولهذا ادعوا أنه إله، وادعوا أنه ابن للإله، يريدون أن يعظموا المسيح لمكانته في قلوبهم، لكنهم ضلوا بهذه الطريقة.

    وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خيرت بين أن أكون ملكاً نبياً أو أكون عبداً رسولاً، فاخترت أن أكون عبداً رسولاً) فمن أعظم المقامات العبودية لله عز وجل، وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله، فقال في الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء:1].

    لأن الإسراء مقام عظيم بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال في الإيحاء: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10].

    وقال في الدعوة: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19].

    وقال في التحدي: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23].

    العبودية هي الميثاق الذي أخذه الله على عباده

    تلك ثلاثة أمثلة ذكرها الشيخ في بيان منزلة العبودية، ويمكن أن نضيف عليها في بيان منزلة العبودية أن العبودية هي الميثاق، ولهذا يقول الله عز وجل: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة:83].

    العبودية حق الله تعالى

    وهي كذلك حق الله تعالى، ويدل على ذلك حديث معاذ بن جبل رضي الله عندما كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال: (أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ فقال: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، فالعبودية حق خالص لله عز وجل، ومن أجلها وجب الجهاد والقتال، ولا شك في أن الجهاد والقتال أمره صعب وعسير على الإنسان، ومع هذا أوجبه الله سبحانه وتعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).

    وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).

    العبودية أول واجب على المكلف

    ومما يدل على منزلة العبودية أنها أول واجب على المكلف، ولهذا جاء في حديث معاذ بن جبل عندما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن أنه قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وهذا نص في الأولية.

    العبودية هي الأساس في المحاورة مع أهل الأديان

    والعبودية هي الأساس في الحوار مع أي أمة من الأمم، ونحن نسمع كثيراً عن الحوار بين الأديان، والحوار بين أهل السنة وغيرهم من الفرق الضالة مثل الصوفية، والشيعة وغيرهم، وهذا الحوار له ضابط شرعي ينبغي أن يدركه الإنسان، وهو قول الله عز وجل: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64].

    إذاً: الأساس في الحوار ينبغي أن يكون في تقرير أن الله عز وجل هو المعبود، وهو سبحانه وتعالى وحده الخالق الرازق المحيي المميت الذي يجب أن تصرف له العبادة، أما الذين يدعون إلى الحوار مع اليهود، أو مع النصارى، ويقولون: إن الحوار يقتضي أن يتنازل الإنسان عن بعض ما عنده، ويتنازل الخصم عن بعض ما عنده، ونلتقي في منتصف الطريق، فلا شك في أن فعلهم هذا من أعظم الضلال والانحراف.

    وقد يقول قائل: أنتم عندما تناقشون الأمم الأخرى، كاليهود أو النصارى، أو أي أمة من الأمم فإنكم تناقشونهم وعندكم نظرة سابقة عن دينكم بأنه هو الحق ولا يمكن أن يتغير، وغيركم عنده نظرة عن دينه بأنه هو الحق الذي لا يتغير، فكيف يمكن أن يقنع بعضكم بعضاً؟!

    ونقول: إن القضية يسيرة ولله الحمد، فهذا الدين مقرر بأعظم الأدلة والبراهين، وهو ليس ديناً إيمانياً يؤمن به الإنسان هكذا، بحيث يُقبل الحوار في ترك بعضه، أو نقصان بعض منه، بل هذا الدين مؤسس بأعظم الأدلة البرهانية التي لا تقبل خلافاً عند العقلاء من الناس، ولهذا سبق أن أشرت إلى أن هذا القرآن مليء بالأدلة العقلية التي إذا قرأها الإنسان المستقيم العقل فإنه سينقاد لها مباشرةً، وحينئذ عندما يناقش الإنسان اليهود أو النصارى أو غيرهم فإنه يأخذ هذه الأدلة العقلية ويحتج بها عليهم، كما أن دينهم واضح البطلان، بل إنهم يعلمون ذلك، ولكن الذي يمنعهم من الالتزام بدين المسلمين ليس هو عدم وجود أدلة عند المسلمين تكفي في الاستدلال على عقائدهم، بل لأنهم يتبعون الهوى، ويتبعون الشهوة، ويحسدون هذه الأمة المسلمة على أن تكون هي الأمة الرائدة القائدة لجميع الأمم في الأرض، ولهذا ينبغي أن يدرك الإنسان مخاطر قضية الحوارات والآراء المعاكسة، وما يسمونه بالرأي والرأي الآخر، فهذا لا يدخل في أساسات الدين، فإن أسس الدين مقررة وإجماعية متفق عليها، وليس فيها خلاف، فقضايا العقائد الأساسية متفق عليها، ولا تقبل النقاش، ولا تقبل الخلاف، وكونها لا تقبل النقاش لأنها برهانية عقلية يقينية صحيحة، لكن نحن نقول: لا نقبل النقاش حتى لا نعرض ديننا لكل عابث، ولهذا كان السلف رضوان الله عليهم ينهون عن المناظرات، وعن المجادلات، فقد كان في زمن الدولة العباسية بعض الخلفاء من أصحاب الأموال، وكذلك الوجهاء والوزراء وغيرهم، كانوا يجمعون الطوائف المختلفة والمفترقة ثم ينظرون إليهم ويطلبون منهم أن يتجادلوا، فيطرحون قضية من قضايا العقيدة مثلاً، أو قضاياً الإيمان، أو أي مسألة من المسائل، ويبدءون بالجدال فيها، فإذا تجادلوا وتناقشوا في هذا الموضوع العقدي الخطير يبدأ الفقهاء يعجبون بمن يغلب، وتكمن أهمية المناظرة في استثارة كل واحد منهم، بحيث إنه تكون حجته أقوى، ويبدءون يزينون الكلام ويجملونه ويحسنونه، ويتناقشون في أخطر القضايا العقدية، وبعضهم جاهل بدين الله، ولهذا قد يقول القول وهو لا يعلم حقيقته، وقد يوصله ذلك إلى الردة -والعياذ بالله-، وهو لا يعلم حقيقة هذا القول الذي قال به، فهذه المناظرات وهذه المجادلات لا يقبلها دين الله عز وجل، وإنما نقول: إن دين الله عز وجل ثابت بالأدلة القطعية، ومقرر بالأدلة العقلية التي لا تقبل النقاش، وإذا جئنا نحاور أمة من الأمم لا نحاورهم بأن نتنازل عن عقائدنا، بل نحاورهم بدعوتهم إلى العقائد الصحيحة التي عندهم، كما قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران:64]، فما هي الكلمة السواء بيننا وبينهم؟ إنها أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ [آل عمران:64]، وهذا أمر يعرفه أهل الكتاب، ويعرفه كل صحيح الفطرة، وهو أن الخالق لابد من أن يعبد وحده، فإذا جئتم باجتهادات من عندكم، فجئتم بأولياء وبصالحين تريدون التقرب بهم إلى الله، نقول: اتركوا هذه المسائل إلى المتفق عليه، وهو أن الخالق لابد من أن يعبد وحده، وهذا هو حقيقة الدين.

    العبودية أساس الاستخلاف والنصر

    العبودية أساس دخول الجنة

    ونختم بقضية أن العبودية هي أساس دخول الجنة كما تعلمون، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم ماله ودمه وحسابه على الله) وفي حديث آخر: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).

    ثم بعد ذلك تعرض الشيخ لمسألة العلاقة بين الدين والعبادة، وقد سبق أن تحدثنا عن موضوع العلاقة بين العبادة والدين، وبين العبادة والإيمان، وبين العبادة والإسلام، وبين العبادة والتوحيد.

    وكذلك أشار إلى تعريف الدين، وأنه يجمع بين الذل والخضوع وبين المحبة، وفصل في ذلك، وقد سبقت الإشارة أيضاً إليه.

    1.   

    اشتراط الخضوع والمحبة لتحصيل العبادة

    ثم يقول رحمه الله في آخر كلامه في هذا الموضوع: ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له. وقد سبق أن أشرنا إلى هذا، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله عز وجل، بل لابد من الخضوع ولابد من المحبة، فإذا اجتمعا حصلت العبادة، وإذا كان هناك خضوع بغير محبة فإنه لا يكون عبادة، وإذا كان هناك محبة بغير خضوع فإنها لا تكون عبادة، وقد أشرت إلى فائدة هذا التعريف والعناية به، وهو أن بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة قد يكفرون من خضع لغير الله عز وجل، ولو كان مكرهاً، وهذا لا شك في أنه إجحاف وغلو وظلم، والعياذ بالله.

    1.   

    اختصاص الله عز وجل بعبادة الخلق له

    ثم بعد ذلك دلل على أن العبادة خاصة بالله سبحانه وتعالى، فقال: فجنس المحبة تكون لله ولرسوله كالطاعة، فإن الطاعة لله ولرسوله، والإرضاء لله ولرسوله، كما قال تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة:62]، والإيتاء لله ورسوله، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة:59].

    وأما العبادة وما يناسبها من التوكل والخوف ونحوه فلا تكون إلا لله وحده.

    ثم استدل ببعض الأدلة، ويمكن أن نشير إلى وجه الدلالة فيها؛ كقوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].

    فإنه قال: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ [آل عمران:64]، وهذا فيه حصر العبادة لله عز وجل، وذلك أن النفي مع الإثبات في آن واحد يدل على الحصر والقصر، وهذا معروف عند أهل البيان والبلاغة.

    ومن ذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة:59]، فانظر كيف قرن بين الله ورسوله في مسألة الإيتاء؛ لأن الإيتاء يمكن أن يكون من الله، ويمكن أن يكون من الرسول، كما قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، لكن انظر إلى الحسب -وهو الكفاية والتوكل-، فقد قال تعالى: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ [التوبة:59] ولم يقل: (حسبنا الله ورسوله) لأن الحسب عبادة، أما الإيتاء فيمكن أن يكون من الله، ويمكن أن يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك.

    فانظر إلى هذه الآية العجيبة، ففيها إيتاء وحسب ورغبة، فالإيتاء جعله لله وللرسول، وجعل الحسب لله وحده، والرغبة لله وحده، وهذا يدل على أن حصر الحسب والرغبة في الله عز وجل مقصود، والدليل على أنه مقصود هو كونه جعل الحسب بين موضعين من الإيتاء، حيث قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة:59]، هذا هو الموضع الأول، ثم قال بعد ذلك: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ [التوبة:59]، ثم قال: سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ [التوبة:59]، فجعل الإيتاء لله والرسول في بداية الآية، وفي آخر الآية كذلك جعله لله ولرسوله، وجعل الحسب بينهما لله وحده، والرغبة كذلك جعلها لله وحده، فالإيتاء لله وللرسول، كقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

    اختصاص الله تعالى بالحسب ومعنى قوله: (يا أيها النبي حسبك الله...) وبيان انحراف الشيعة في معناها

    وأما الحسب -وهو الكافي- فهو لله وحده، كما قال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173].

    ومما يدل على أن الحسب -وهو الكفاية والتوكل على الله- يجب أن يكون لله فقط قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]. يعني: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، وليس المقصود من هذه الآية أن المؤمنين أيضاً حسبك، فلا يمكن أن يصلح هذا المعنى؛ لأن الحسب عبادة، فيجب أن تكون لله فقط.

    يقول في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64] أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله، يعني: كافيك وكافي المؤمنين أيضاً هو الله، ومن ظن أن المعنى: (حسبك الله والمؤمنون معه) فقد غلط غلطاً فاحشاً كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.

    فالشيخ رحمه الله بسط الكلام في هذه الآية في كتاب (منهاج السنة النبوية في الرد على الرافضة القدرية)، وهذا الكتاب ألفه في الرد على كتاب اسمه: (منهاج الكرامة) لـابن المطهر الحلي ، وقد استدل ابن المطهر الحلي على إمامة علي بن أبي طالب بهذه الآية، وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64] فإنه قال: البرهان الرابع والعشرون يعني: من الأدلة على أن علي بن أبي طالب هو الإمام وليس أبا بكر - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، يقول: فقد ثبت من طريق أبي نعيم قال: نزلت في علي . وهذه فضيلة لم تحصل لأحد من الصحابة غيره، فيكون هو الإمام.

    ولا شك في أن هذا الفهم فهم أعوج، وقد أبطله شيخ الإسلام في صفحات طويلة في هذا الكتاب، وسبب ذلك -كما أشار الشيخ نفسه- أنه قال: إن معنى قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64] يعني: حسبك الله وحسب المؤمنين أيضاً الله عز وجل. فيقول: وقد ظن بعض الغالطين أن معنى الآية أن الله والمؤمنين حسبك، ويكون قوله: وَمَنِ اتَّبَعَكَ [الأنفال:64] مرفوعاً عطفاً على الله، أي: حسبك الله والمؤمنون أيضاً حسبك. وهذا خطأ قبيح مستلزم للكفر، فإن الله وحده حسب جميع الخلق، كما قال الله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] أي: الله وحده كافينا كلنا، فكل من النبيين قال: (حسبي الله)، فلم يشرك بالله غيره في كونه حسبه، فدل على أن الله وحده حسبه ليس معه غيره.

    ثم ذكر مجموعة من الآيات، وكرر بعض الكلام المذكور، مثل أن الرغبة لله فقط، وأن الحسب له أيضاً فقط، ثم قال: وكذلك التحسب الذي هو التوكل على الله وحده، فلهذا أمروا أن يقولوا: (حسبنا الله)، ولا يقولوا: (ورسوله) كما في الآية السابقة، فإذا لم يُجدِ أن يكون الله ورسوله حسب المؤمن فكيف يكون المؤمنون مع الله حسباً لرسوله؟!

    يشير إلى المعنى الذي سبق معنا، وهو قول الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ [التوبة:59] فلم يقل في الآية: ورسوله.

    أي: فإذا كان الله عز وجل ذكر عن المؤمنين أنهم قالوا: (حسبنا الله)، ولم يشركوا الرسول في الحسب وهو رسول الله، فكيف يكون معنى قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64] أن المؤمنين حسب للرسول وهو أفضل منهم بلا شك؟!

    وأيضاً: فإن المؤمنين محتاجون إلى الله كحاجة الرسول إلى الله، فلابد لهم من حسب، ولا يجوز أن تكون معونتهم وقوتهم من الرسول وقوة الرسول منهم، فإن هذا يستلزم الدور، بل قوتهم من الله.. إلى أن يقول: فهذا كقوله: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال:62-63]، فإنه هو وحده المؤيد للرسول بشيئين: أحدهما: نصره، والثاني: بالمؤمنين، وهناك قال: حَسْبَكَ اللَّهُ [الأنفال:62].. إلى قوله: وإذا تبين هذا فهؤلاء الرافضة رتبوا جهلاً على جهل، فصاروا في ظلمات بعضها فوق بعض، فظنوا أن قوله: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64] معناه أن الله ومن اتبعك من المؤمنين حسبك. ثم جعلوا المؤمنين الذين اتبعوه هم علي بن أبي طالب ، وجهلهم في هذا أظهر من جهلهم في الأول، وأما هذا فلا يخفى على عاقل، فإن علياً لم يكن وحده من الخلق كافياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن معه إلا علي لما أقام دينه.

    يقول الشيخ اعتراضاً على هذا: وهذا علي لم يغن عن نفسه ومعه أكثر جيوش الأرض، بل لما حاربه معاوية مع أهل الشام كان معاوية مقاوماً له أو مستظهراً، سواء كان ذلك بقوة قتال، أو قوة مكر واحتيال، فالحرب خدعة.

    الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهو المحل الثاني

    فإذا لم يغن عن نفسه بعد ظهور الإسلام واتباع أكثر أهل الأرض له فكيف يغني عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل الأرض كلهم أعداؤه؟!

    ثم ذكر بعض الشبهات وناقشها نقاشاً طويلاً، ويمكن أن يراجع كلام شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب (منهاج السنة النبوية) كما يمكن أن يراجع ذلك أيضاً في كتاب (زاد المعاذ في هدي خير العباد) في أول الجزء الأول، فإن ابن القيم أشار إلى هذه القضية وناقشها مناقشة مستفيضة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم ترك أداء الزكاة

    السؤال: ما رأيك في قول المرجئة: إن تارك الزكاة يرتفع عنه الإيمان، ولا يقال: ليس له إيمان؟

    الجواب: ترك الزكاة مسألة خلافية بين العلماء، لكن إذا اجتمع قوم واتفقوا على الترك فإنهم يقاتلون قتال المرتدين، فإن من نواقض الإيمان أن تجتمع طائفة على الإعراض عن أمر من أمور الإسلام، وتتفق على ذلك، وهذا الاجتماع وهذا الاتفاق والتعاون والتظاهر والتناصر على عدم تطبيق أمر من أمور الإسلام، أو على ترك أمر من أمور الإسلام لا شك في أنه ردة إذا حاربوا وقاتلوا، فلو أن طائفة من الناس من أهل مدينة أو أهل قرية امتنعوا عن الصلاة فإنهم يقاتلون قتال الكفار، وكذلك إذا امتنعوا عن الزكاة نقاتلهم قتال الكفار إذا قاتلوا، وكذلك إذا امتنعوا عن الجهاد، أو امتنعوا عن أداء أي شعيرة من شعائر الإسلام العامة، فإنهم يقاتلون، فإذا قاتلوا فقتالهم هو قتال المشركين المرتدين، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما قاتل المرتدين.

    حكم من حكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاد وجوبه

    السؤال: إذا حكم المرء بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه أو غرض من الأغراض مع اعتقاده بوجوب الحكم بما أنزل الله فهل يكون كافراً؟

    الجواب: الحكم بغير ما أنزل الله نوعان:

    الأول: أن يحكم بغير ما أنزل الله في قضية جزئية، مثل القاضي الذي يحكم في مسألة بشهوة مع اعترافه بأصل الأحكام الشرعية، ومع تطبيقه لها في غالب أحكامه، فهذا لا يكفر، وإنما هو عاص.

    وأما تنحية الشريعة بأكملها وإقامة قانون وضعي بدلاً عن هذه الشريعة فلا شك في أن هذا كفر ناقل عن الإسلام، ومخرج من الملة، فإن هذا فيه إعراض عن هذه الشريعة بالكلية، وفيه رد لها، وهو كفر يخرج عن الإسلام، وكذلك إذا شرع أحد قانوناً في قضية من القضايا، فإنَّ هذا استحلال في الحقيقة؛ لأن أي قانون من القوانين يبدأ بقوله: (يجوز) أو (لا يجوز)، حتى القوانين الإدارية العادية تبدأ بنص: (لا يجوز للموظف أن يعمل كذا وكذا)، وكذلك القوانين التشريعية تبدأ بقولهم: (لا يجوز) أو (يجوز)، فالقوانين الوضعية التي تكون قانوناً وقاعدة عامة تطبق على كل الناس إذا غيرت فيها الأحكام الشرعية فهي كفر ينقل عن الملة، ويمكن أن يراجع في هذا الموضوع كتاب: (تحكيم القوانين الوضعية) للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى، فإنه وضح هذا توضيحاً بيناً، حيث ذكر أنواع الحكم بغير ما أنزل الله الذي يخرج من الملة، فذكر أنواعاً تتعلق بالاستحلال القلبي، مثل اعتقاد أن القانون الوضعي خير من حكم الشرع، أو اعتقاد وجوب الحكم الوضعي، أو اعتقاد أن الحكم الوضعي مثل الحكم الشريعة، وذكر نماذج من الاعتقاد، ثم ختمها بتنحية الشريعة والإتيان بالقانون الوضعي، وهذا يدل على أن ذلك كفر من غير اعتقاد؛ لأنه لو كان كفراً باعتقاد أيضاً لكان في هذا تكرير للأنواع السابقة، وهو -رحمه الله- رجل دقيق في العلم، ويمكن أن يراجع الكتاب ففيه خير كثير.

    الأدلة العقلية التي تثبت صحة الإسلام

    السؤال: ما هي الأدلة العقلية التي تثبت صدق الإسلام؟

    الجواب: إن أي موضوع من موضوعات الإسلام يمكن الاستدلال عليه، فموضوع التوحيد فيه أدلة عقلية، موضوع النبوات فيه أدلة عقلية، وموضوع المعاد الأخروي فيه أدلة عقلية، وسبق في إثبات صفة العلم أن من الأدلة العقلية على هذا الموضوع قول الله عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] يعني: لا يتصور أن يخلق الخلق وهو بغير علم، فإن الخالق لابد من أن يكون عالماً، وإلا لم يكن خالقاً، وكذلك في إثبات صفة القوة يقول الله عز وجل: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت:15] أي: لا أحد أشد منا قوة، والدليل العقلي على خطأ قولهم هو قول الله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت:15]، أي: أنتم -يا من ادعيتم القوة المطلقة- مخلوقون، فالذي خلقكم أقوى منكم؛ لأنه لو لم يكن أقوى منكم لما استطاع خلقكم، فالقوة العالية التي يفتخرون بها يقدر الله تعالى على إزالتها.

    وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد فت عظماً وقال: هل تظن أن هذا سيبعثه الله بعد ذلك؟ فأنزل الله عز وجل: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا [يس:78]، يعني: لما جاء بالعظم وفته، وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78] فالدليل العقلي هنا: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:79] فالذي أنشأها أول مرة قادر على إحيائها، وهذا واضح، فلو أنك طبعت كتاباً، وبعد أن انتهيت من طباعته مزقته، أفلا تستطيع طباعته مرة أخرى؟! وهكذا الخلق، فالذي خلقك أول مرة هو الله عز وجل، فإذا أهلكك فإنه يستطيع أن يحييك مرة أخرى؛ لأنه هو الذي ابتدأك، بل إن البداية أشد، وهناك أدلة عقلية أخرى غير هذه الأدلة، وإنما هذه أمثلة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315046

    عدد مرات الحفظ

    723516799