إسلام ويب

رسالة العبودية [8]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بين الله تعالى في كتابه العزيز محبته لعباده المؤمنين العاملين، وخص بخلته من اصطفاه من عباده، وبين أن المحبة الصادقة له إنما تكون بالانقياد لأمره الشرعي ونهيه، والبعد عن مواطن معصيته وسخطه، منبهاً على أن أي محبة له غير مقترنة باتباع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فهي محبة كاذبة ظالمة.

    1.   

    الخلة والمحبة واستلزامها لكمال العبودية لله تعالى

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والخلة: هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه].

    هذا المقطع متعلق بوصف الله لإبراهيم بهذه المنزلة العظيمة وهي: الخلة، قال تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء:125].

    وأيضاً في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً).

    والخلة معناها: المحبة، وهي درجة عالية من درجات المحبة، وهذا دليل على أن الله عز وجل يحب ويحب، فهو يحب عباده الصالحين، والصابرين، والمتقين، والمتطهرين، والتوابين، والذاكرين، وهو سبحانه وتعالى أيضاً يحب، فهو سبحانه وتعالى لكمال ذاته وصفاته وإنعامه على الخلق محبوب، وعلى قدر درجة محبة العبد تكون راحته وسعادته وعبوديته لله سبحانه وتعالى، فإن أساس العبودية: المحبة، كما سيأتي معنا بإذن الله تعالى.

    فالله عز وجل يحب ويحب، وقد نفى عنه هذا الوصف المنحرفون في صفات الله تعالى وهم الجهمية، فإنهم نفوا أن يكون الله عز وجل يحب، كما نفوا أنه سبحانه وتعالى يحب، وقالوا: إن الله عز وجل لا يحب؛ لأن المحبة من الأعراض، والأعراض تستلزم الحدود، والحدود منتفية عن الله عز وجل، وهذه شبهة عقلية فاسدة جاءوا بها من أجل أن يلغوا دلالات النصوص الشرعية في هذا الباب.

    وأيضاً قالوا: إن الله لا يحب، فلا تتعلق به محبة العبد، واعتبروا أن محبة العبد لا تتعلق إلا بالمحدثات، وهذا لا شك أنه باطل، ولهذا كان علماء السلف يسمون هؤلاء الجهمية: غلاظ الأكباد، يعني: ليس عندهم رقة، وليس عندهم تعلق بالله عز وجل، وإلا فإن تعلق المحبة بالله سبحانه وتعالى أمر يشعر به الإنسان في ذاته، ونفي هذه المحبة المتعلقة بالعبد لا شك أنها نفي لأمر طبيعي يشعر به الإنسان، ومن هنا يكون استنكار الإنسان لها أشد وأكبر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون: قلب متيم إذا كان معبداً للمحبوب، والمتيم: المتعبد، وتيم الله: عبد الله، وهذا على الكمال حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ولهذا لم يكن له صلى الله عليه وسلم من أهل الأرض خليل، إذ الخلة لا تحتمل الشركة، فإنه كما قيل:

    قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلاً].

    يعني: الخلة هي رأس المحبة، وهي القمة في المحبة؛ ولهذا لا تقبل القسمة والاشتراك، بينما عموم المحبة يمكن أن تنقسم فيكون هناك أكثر من محبوب للشخص، أما محبة التأله التي فيها ذل وخضوع وانكسار فلا تكون إلا لله وحده لا شريك له.

    1.   

    بيان حب الصحابة لربهم وحب ربهم لهم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بخلاف أصل الحب، فإنه صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة : (اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما). (وسأله عمرو بن العاص : أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة ، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها)].

    يعني: أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فقبح الله الرافضة الذين يبغضون من يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أبا بكر وهو من أفضل أصحابه، وهؤلاء يبغضون أبا بكر ويلعنونه ويطعنون فيه، فقبحهم الله ما أشد عصيانهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم!

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال لـعلي رضي الله عنه: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) وأمثال ذلك كثير].

    أبو بكر وعلي بن أبي طالب وبقية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبهم النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت تتفاوت درجات المحبة، فأعلى أصحابه محبة عنده هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، وهذه هي مراتب الأفضلية بالنسبة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول الله عز وجل: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد:10]، فجعل الفتح الذي هو غزوة الحديبية مميزاً بين من أسلم قبلها ومن أسلم بعدها، ولهذا فالذين أسلموا من قبل هم الأفضل وهم الأكمل، لكن هذا لا يعني أن الذين جاءوا من بعد ليس لهم فضل، ولهذا قال الله عز وجل فيهم: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [النساء:95]، فهم من أهل الفضل والمكانة، ولهذا يوجد من الكتاب الجهلة والصحفيين الذين لا يعرفون من العلم إلا اسمه من يتجرأ على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبالذات على من يسمون بالطلقاء، والمقصود بالطلقاء: الصحابة الذين أسلموا عام الفتح، عندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، فيبغضون بعضهم، وقد يذمونهم وينتقدونهم، أو ينتقصون عمراً بن العاص أو معاوية .. أو نحو ذلك، فكل هؤلاء من الضالين المنحرفين -والعياذ بالله- فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم من أهل المحمدة، ومن أهل الفضل، ومن أهل المكانة العالية، أما من يتكلم عليهم فلا شك أنه:

    كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهن قرنه الوعل

    1.   

    الفرق بين المحبة والخلة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر تعالى أنه (يحب المتقين) (ويحب المحسنين) و(يحب المقسطين) و(يحب التوابين) و(يحب المتطهرين) ويحب الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4]، وقال: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، فقد أخبر بمحبته لعباده المؤمنين، ومحبة المؤمنين له حتى قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].

    أما الخلة فخاصة، وقول بعض الناس: إن محمداً حبيب الله، وإبراهيم خليل الله، وظن أن المحبة فوق الخلة قول ضعيف، فإن محمداً أيضاً خليل الله كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المستفيضة، وما يروى: أن العباس يحشر بين حبيب وخليل وأمثال ذلك فأحاديث موضوعة لا تصلح أن يعتمد عليها.

    وقد قدمنا أن محبة الله تعالى: هي محبته ومحبة ما أحب، كما في الصحيحين: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)].

    هذه الآيات هي في سياق كون الله عز وجل يحب؛ لأنه أضاف المحبة إليه، فيحب يعني: الله عز وجل، فهناك ضمير مستتر في الجملة يعود إلى الله سبحانه وتعالى.

    وهناك محبة لله ولوازم لهذه المحبة، فمن لوازم محبة الله عز وجل: محبة ما يحب، مثل: فرائض الله عز وجل التي أمر بها، فإنه لا يأمر شرعاً إلا بما يحب، ومن ذلك أيضاً: الأعيان التي يحبها الله كالصحابة والأنبياء قبل ذلك، وكالأماكن التي يحبها الله مثل: مكة، والمدينة، وبيت المقدس، وبلاد الشام عموماً، ومثل: الأوقات التي يحبها الله سبحانه وتعالى، كمحبة الله لشهر رمضان أكثر من محبته لغيره من الشهور، ومحبته سبحانه وتعالى للعشر الأوائل من ذي الحجة أكثر من محبته لغيرها.. وهكذا، فربك يخلق ما يشاء ويختار.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن من كان فيه هذه الثلاث وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئاً أو اشتهاه إذا حصل له به مراده، فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى.

    ومن قال: إن اللذة إدراك الملائم كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والأطباء فقد غلط في ذلك غلطاً بيناً، فإن الإدراك يتوسط بين المحبة واللذة، فإن الإنسان مثلاً يشتهي الطعام، فإذا أكله حصل له عقيب ذلك اللذة، فاللذة ليست هي الأكل، ولذلك يشتهي النظر إلى الشيء فإذا نظر إليه التذ به، واللذة تتبع النظر، ليست نفس النظر، وليست هي رؤية الشيء، بل تحصل عقيب رؤيته، قال تعالى: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ [الزخرف:71]، وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات والآلام من فرح وحزن، وأمثال ذلك يحصل بالشعور بالمحبوب أو الشعور بالمكروه، وليس نفس الشعور هو الفرح ولا الحزن].

    هذه قضية واضحة، فإن اللذة التي تتعلق بهذه الأعمال ليست هي مجرد إدراك الملائمة، وإنما هي قدر زائد على هذا الإدراك؛ لأن إدراك الملائمة هو الشعور به، لكن ما يحصل في القلب من ارتياح وانبساط وما يحصل فيه من مشاعر تتفاوت من شخص إلى شخص بناء على اللذة التي حصلها،فينبغي إدراك هذه القضية.

    والضالون من أهل الكلام وغيرهم عندما يقولون: إن محبة الله عز وجل هي إرادة الثواب أو إرادة هذا العمل أو نحوه، يريدون بهذا الهروب من معنى المحبة وردها إلى الإرادة، لكن المحبة قدر زائد على مجرد الإرادة، وفي حالة العبد يكون هناك في المحبة لذة، وهي قدر زائد على مجرد الإدراك، فإن الإدراك أمر علمي قد يحصل بدون فرح ولا سرور، وقد يحصل بدون انبساط، وقد يحصل بدون أي علامة من علامات التفاعل مع هذا الأمر، فالإدراك معناه: العلم أو الإرادة، لكن القدر الزائد على الإدراك والقدر الزائد على العلم هذا هو ما يسميه الآن علماء النفس: بالعواطف، أو هو المشاعر التي تحصل للإنسان من فرح وحزن ولذة وسعادة.. ونحو ذلك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح ما يجده المؤمن الواجد من حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة، وتفريعها، ودفع ضدها.

    فتكميلها: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما تقدم.

    و تفريعها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.

    و دفع ضدها: أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار. فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب المؤمنين الذين يحبهم الله؛ لأنه أكمل الناس محبة لله؛ وأحقهم بأن يحب ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه الله، والخلة ليس لغير الله فيها نصيب، بل قال: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) علم منه مزيد مرتبة الخلة على مطلق المحبة].

    كلامه السابق الهدف منه: التفريق بين المحبة والخلة، وأن الخلة من المحبة، وأن الخلة خاصة، والمحبة عامة، فقد يوجد إنسان محب لله عز وجل لكن ليس خليلاً له، كما هو حالنا نحن، وكما هو حال كل المسلمين، بل خلص المسلمين من الصالحين لم يصلوا إلى هذه المرتبة، فهذه المرتبة مرتبة خاصة لا يمكن الوصول إليها إلا لأشخاص معينين دلت النصوص الشرعية عليهم كإبراهيم عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حقيقة المحبة وموضعها من العبودية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا: أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته، وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، أو أن المحبة فيها انبساط في الأهواء، أو إذلال لا تحتمله الربوبية، ولهذا يذكر عن ذي النون أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال: أمسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها. وكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية، وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد].

    هذا يروى عن مكحول . رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح عنه.

    وبالنسبة لمسألة وجود المحبة في العبودية، وأنها تعتبر من أسس العبودية فهذا أمر متفق عليه عند أهل السنة، لكن أهل البدع خالفوا في هذه القضية وقالوا: إن المحبة ليست داخلة في العبودية، وفهموا أن العبودية هي مجرد إذلال وخضوع، ولهذا قالوا: بأن العبد عابد لله عز وجل، أي: ذليل له، وأن المحبة قدر بعيد لا يستطيعها أي أحد، والحقيقة: أن المسلم أي مسلم لا بد أن يجتمع فيه الخضوع والذل مع المحبة كأصل من أصول الإسلام، ثم بعد ذلك يختلف الناس في ازديادهم في العبادة، فإذا زادت عبادته لله عز وجل زادت محبته له حتى يصل إلى مراتب عالية جداً، ولهذا كان أعلى أهل الإيمان هو النبي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم الذي وصل إلى مرتبة الخلة التي هي أعلى المحبة، والسبب في نفي وجود المحبة في العبودية عند الصوفية وأهل الكلام: هو تعظيمهم لموضوع العبودية، وهو فرع عن مذهبهم في القدر الذي سبق أن أشرنا إليه، وقولهم بالجبر، وأن الإنسان خاضع لله عز وجل ذليل له اضطرارياً، وأن العبودية لله هي تحقيق مقتضى الخضوع الاضطراري التام الذي ليس معه اختيار بالنسبة للعبد، ولهذا فالعبودية عندهم تختلف من حيث معيتها عن العبودية عند أهل السنة، فالعبودية عندهم تقتضي مجرد الخضوع للإرادة الكونية، فإذا خضع للإرادة الكونية وخضع للأمر الكوني وللعبودية الكونية فإنه حينئذ يكون عابداً، وهذا لا شك أنه خطأ كبير؛ لأن الإرادة الكونية العامة هي ما خلقه الله عز وجل في الكون ابتلاء للإنسان، وهو مطالب بمنازعة بعض ما خلقه الله، فالله عز وجل خلق الكفر ابتلاء، وخلق المعاصي والذنوب، وخلق الحر والبرد، وخلق أموراً كثيرة مما يكرهه هو ومما يكرهه الإنسان، والحكمة في هذا الموضوع هي: الابتلاء، فيجب على الإنسان أن يدفع ما خلقه الله عز وجل من المكروهات بما أمر به من المحبوبات، فالله عز وجل خلق الكفر وأمر بالإيمان، فيدفع الكفر بالإيمان، والله عز وجل في الأمور الطبيعية خلق البرد وينبغي على الإنسان أن يدفعه بالابتعاد عن مواطنه، أو البحث عما يبعده عن مواطنه، وهكذا في سائر الأمور سواء الشرعية أو الطبيعية.

    1.   

    حكم الاكتفاء بالمحبة في العبودية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية].

    يعني: كما أنه يوجد أشخاص أخرجوا المحبة من حقيقة العبودية يوجد أشخاص أيضاً حصروا المحبة في العبودية إلى درجة أنه كما قال الشيخ: أوصلهم إلى نوع الرعونة، وادعاء العشق، بل بعضهم يأتي بالأشعار والأبيات التي يذكرها الشعراء في معشوقاتهم من النساء ويجعلها بينه وبين الله عز وجل، وقد يستخدم لفظ العشق، ولا شك أن هذا أمر مذموم وغير صحيح، فإن محبة الله عز وجل تختلف عن محبة المخلوقين، ولا شك أنه قد توصله هذه الدعوى إلى فقدان الخوف من الله سبحانه وتعالى، والأمن من مكره سبحانه وتعالى، ولهذا يقول العلماء: إن الخوف والرجاء كالجناحان للطائر. فإن الانبساط في المحبة قد يوصل إلى الإرجاء، ولهذا جاءت المقالة التي تنقل عن رابعة العدوية أنها قالت: إنا لا نعبد الله خوفاً من ناره ولا طلباً لجنته، وإنما نعبد الله سبحانه وتعالى محبة فيه. وهذا لا شك أنه خطأ وغير صحيح، فنحن نعبد الله عز وجل محبة فيه، وخوفاً من ناره، وطلباً لجنته ورضوانه، ولهذا جاءت الأحاديث الصريحة والآيات القرآنية الواضحة التي تبين ثواب الأعمال، والترغيب في الجنة، والآيات الواضحة التي تبين الترهيب من النار، ولو لم يكن لهذا دور في العبودية لما كان هناك مبرر لذكرها، ولهذا ينقل عن رابعة أنها كانت إذا سمعت بعض الآيات الواردة في الجنة أو النار تقول: يدللوننا كأننا أطفال. ولا شك أن هذا خطير إذا ثبت ذلك عنها، والله عز وجل يقول عن الرسل أنهم كانوا: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]، فدعوة الرغب تقتضي وجود المحبة والرغبة فيما عند الله، ودعوة الرهبة تقتضي وجود الخوف منه، فلا بد من الاجتماع بين الخوف والرجاء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة، حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية، وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله، ويدعي أحدهم دعاوى تتجاوز حدود الأنبياء والمرسلين، أو يطلب من الله ما لا يصلح -بكل وجه- إلا لله، لا يصلح للأنبياء ولا للمرسلين فضلاً عمن هو دونهم.

    وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ، وسببه: ضعف تحقيق العبودية التي بينها الرسل، وجردها الأمر والنهي الذي جاءوا به، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته، وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين، وفي النفس محبة طائشة جاهلة، انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله].

    الشيخ هنا يتحدث عن حمق من يشتغل بالعبادة مع جهل فيه أوصله إلى نوع من الرعونة أو طلب غير الممكن، كأن يطلب بعض صفات الله عز وجل له.. ونحو ذلك، فإنه يوجد من الحمق في مجتمعات المسلمين اليوم شيء كثير وبالذات عند المنافقين، وخصوصاً الذي يكتبون في الصحافة هذه الأيام، فكثير -مع الأسف- ممن يكتب في الصحافة هذه الأيام هو من هذا الجنس والنوع، ولهذا يوجد بعض الكتاب اليوم يتكلم في الدين وهو ليس من أهله لا علماً ولا اطلاعاً، فليس عنده علم شرعي يمكن أن يتكلم به، وليس عنده اطلاع يمكن أن يتكلم به، ومن أمثال هؤلاء رد الكاتب الجاهل أبي السمح على الشيخ صالح الفوزان ، والحقيقة أنه ليس في مستوى الرد عليه، لكن الشيخ صالح أراد أن يزيل شبهة يمكن أن توجد عند العوام فبين أن قضايا الولاء والبراء ليس فيها أي تكفير غير من كفره الله سبحانه وتعالى، ومع هذا يأتي مثل هذا الأحمق ويرد على الشيخ ويذكر نماذج ليس فيها تكفير، منها مثلاً: أن الشيخ يحرم ابتداءهم بالسلام، فهل هذا فيه تكفير؟ بل هذا غاية ما فيه أنه يحرم ابتداؤهم بالسلام، وهذه أمور ليست جديدة، ومنها مثلاً: ويجب أن يضطروا إلى أضيق الطريق، وهذه هي الوثيقة العمرية التي كتبها في عهده لأهل الذمة، وهذا أمر متفق عليه عند أهل العلم وليست أمراً بعيداً، والحقيقة أن المشكلة التي نعاني منها في هذا الزمان هو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من علامات آخر الزمان في قوله عليه الصلاة والسلام: (وينطق فيه الرويبضة)، فأنا لا أشك أبداً أن هناك مجموعة كبيرة من الكتاب الذين يكتبون في الصحافة هم من الرويبضة، وهم التافهون الذين يتكلمون في الأمور العامة، فيأتي إنسان ويبطن في نفسه إرادة سيئة على مستوى بنات المسلمين في بلادنا مثلاً، فيأتون بمقترح مثل مقترح التربية الرياضية للبنات، وأن البنت ليست ممنوعة بأن تحرك يديها يميناً وشمالاً، أو تتحرك أماماً أو خلفاً، أو أن تجلس في بيتها وتتحرك قليلاً، لكن وجود مادة مستقلة لها أهداف معينة كوجود فريق نسائي رياضي يمثل بلادنا في المنتديات العالمية، وأن ينافس على كأس، أو وجود سابحات يظهرن بسراويل صغيرة، وسنتيانات يعرضن أجسادهن على الكاميرات العالمية، فهذا هو الهدف الأساسي، وإلا فالتبرير الذي يذكره بعض هؤلاء السفهاء تبرير غير مقنع عقلاً، فعندما يقول: إن البدانة منتشرة في البنات السعوديات، فنقول له: وهل أنت مسئول عن أجساد البنات السعوديات حتى لا تسمن البنت أو تنحف؟ فلربما أراد رجل زوجة سمينة، ثم مادة الرياضة موجودة عند البنين، فهل صار الطلاب كلهم نحافاً؟!

    فالشاهد: أن هؤلاء عابثون؛ إذ يأتون بقضية عامة ويدخلونها بطريقة هي في الأصل مكشوفة، لكنه يتذرع بذرائع فاسدة غير صحيحة.

    فأهل الحمق والجهل كثيرون، وقد ابتلانا الله عز وجل في هذه الأيام بحمقى كثر؛ ولهذا يجب علينا أن نحتسب على هؤلاء الحمقى والمغفلين، والاحتساب عليهم هو بالاتصال لهذه الصحف، والمطالبة بإيقاف العبث وهذا التقيؤ على الناس، والمطالبة بأن تكون هناك أمانة للكلمة التي تقال، وأن تقال بأمانة وصدق، لا بعبثية وأسلوب استفزازي للناس، والعجيب أن هذا الكاتب الذي يسمى أبا السمح رد عليه كاتب آخر وهو طبيب اسمه الدكتور وليد فتيحي ، فرد عليه أبو السمح يقول له: أنت تخصصك في الطب، فلماذا تتكلم في المسائل الدينية؟ فنقول له نحن: وأنت تخصصك مسئول عن بنك من البنوك الربوية، ولهذا يا إخواني! مثل هؤلاء يجب أن يطالب ولي الأمر أياً كانت ولايته، سواء كانت ولاية عامة أو خاصة، أو كان مسئولاً عن صحيفة أو جريدة أن يطالب بإيقاف مثل هذا العبث وهذا الأسلوب الاستهتاري بعقول المسلمين وأديانهم، فالمحافظة على أديان الخلق مقصد من مقاصد الشريعة، فالشريعة لها خمسة مقاصد، منها: حفظ الدين، والمقصود بحفظ الدين: أن يحافظ على دين الناس فلا يصله نوع من التأثير، وهذا المقصد يشمل منع الإلحاد، فلا يصح مثلاً: أن نطلب من كتاب ملاحدة أن يكتبوا في صحفنا ويدعون فيها إلى إنكار وجود الله عز وجل، ومن ذلك أيضاً: منع الذين يدعون إلى عبادة غير الله عز وجل، والذين يدعون إلى السحر والشعوذة، أو الذين يدعون إلى عقائد باطلة وفاسدة مثل: المذاهب العصرية، أو الذين يتكلمون في الدين وهم من غير أهله فيخلطون به، فمقصد حفظ الدين يُلزم بمنع أمثال هؤلاء وإيقافهم، والأخذ على أيديهم، والاحتساب عليهم، فهذه إشارة جاءتنا عندما تكلم الشيخ عن حمقى الصوفية، فأردنا أن نتكلم عن حمقى الصحافة أيضاً.

    1.   

    الانقياد للمحب شرط في ثبوت المحبة الصادقة

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين وفي النفس محبة طائشة جاهلة انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله ويقول: أنا محب، فلا أؤاخذ بما أفعله من أنواع يكون فيها عدوان وجهل، فهذا عين الضلال، وهو شبيه بقول اليهود والنصارى: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18] ].

    يعني: كأنه عندما ادعى أنه محب لله ظن أن له أن يفعل ما يشاء؛ لأن الحبيب يستحي من حبيبه ولا يعاقبه، فهذا فهم فاسد، وهو كفهم اليهود عندما قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18] يعني: إذا قيل لهم: لماذا تحرفون الكتاب؟ لماذا تعتدون؟ لماذا تفعلون الزنا؟ لماذا تقومون بأكل الربا؟ اعتذروا وقالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى لهم: قُُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:18]، فإن تعذيبه لهم بذنوبهم يقتضي أنهم غير محبوبين، ولا منسوبين إليه بنسبة البنوة، بل يقتضي أنهم مربوبون مخلوقون.

    فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه، ومحبوبه لا يفعل ما يبغضه الحق ويسخطه من الكفر والفسوق والعصيان، ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها فإن الله يبغضه ويبغض منه ذلك، كما يحب عبده المؤمن ويحب منه ما يفعله من الخير، إذ أن حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه، ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها كان بمنزلة من زعم أن تناول السم لا يضره مع مداومته عليه، وعدم تداويه منه لصحة مزاجه.

    ولو تدبر الأحمق ما قص الله في كتابه من قصص أنبيائه، وما جرى لهم من التوبة والاستغفار، وما أصيبوا به من أنواع البلاء الذي كان فيه تمحيص لهم وتطهير بحسب أحوالهم، علم ضرر الذنوب بأصحابها، ولو كان أرفع الناس مقاماً، فإن المحب للمخلوق إذا لم يكن عارفاً بمحابه ولا مريداً لها بل يعمل بمقتضى الحب وإن كان جهلاً وظلماً كان ذلك سبب بغض المحبوب له ونفوره عنه، بل سبباً لعقوبته.

    وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعاً من الجهل بالدين].

    كلمة (السالكين) كثيراً ما يستخدمها شيخ الإسلام رحمه الله، ويقصد بها أحياناً: المتعبدين عموماً، وأحياناً طوائف من الصوفية.

    1.   

    مظاهر الغلو في المحبة عند الصوفية

    قال رحمه الله تعالى: [وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعاً من الجهل بالدين، إما من تعدي حدود الله، وإما من تضييع حقوق الله، وإما من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقيقة لها، كقول بعضهم: أي مريد لي ترك في النار أحداً فأنا منه بريء، فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحداً من المؤمنين يدخل النار فأنا منه بريء. فالأول جعل مريده يخرج كل من في النار, والثاني جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار].

    يعني: كأن النار في أيديهم، وكأن الله عز وجل أوكلهم ليخرجوا من شاءوا ويتركوا من شاءوا، وهذا الاعتقاد موجود عند طوائف من الصوفية، فهم يعتقدون أن الأولياء قادرون على إخراج من يشاءون من النار، ولهذا تجد تلاميذهم يطالبون الشيوخ بأنهم إن وجدوهم في النار أن يخرجوهم منها، ويعدهم الشيخ بذلك قائلاً: لن أتركك في النار، وكأن النار بيده يخرج من يشاء منها، ويدخل من يشاء الجنة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم حتى لا يدخلها أحد، وأمثال ذلك من الأقوال].

    قوله: (حتى لا يدخلها أحد) يعني: حتى الكفار، وهذا شيء غريب وعقائد عجيبة جداً عند الصوفية.

    1.   

    موقف العلماء مما ينسب لمشايخ الصوفية الصادقين

    قال: [وأمثال ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض المشايخ المشهورين وهي إما كذب عليهم، وإما غلط منهم].

    هذه مسألة مهمة جداً، فأحياناً تنسب لبعض الشيوخ المتزهدين الأوائل أمثال الجنيد وغيره أقوال لا تثبت عنهم، كما ينسب الشيعة إلى جعفر الصادق أقوالاً لا تثبت عنه، وذلك أن هذه الطوائف -الصوفية والشيعة بالذات- ينتسبون إلى أشخاص، فينسبون إليهم أقوالاً وفتاوى وأفكاراً، وهي ليست ثابتة عنهم، وإنما يكذبون عليهم، وقد مرت فترة من الفترات اشتهر فيها وضع الأحاديث النبوية، والأقوال المنسوبة لأمثال هؤلاء المعظمين عند هذه الطوائف، فـعبد القادر الجيلاني عالم حنبلي من علماء أهل السنة، عندما تقرأ كلام الصوفية عنه تتعجب؛ إذ لا يمكن أبداً أن يصدر مثل هذا الكلام عن عبد القادر الجيلاني ، والسبب في هذا: هو الكذب عليه، فهم يكذبون عليه، وينقلون عنه ما لم يقله، وينسبون إليه ما لم يفعله، ولهذا لا بد من التحقق في كتب المتأخرين من الصوفية والشيعة؛ لكونها مليئة بالأكاذيب، سواء المنسوبة إلى الله، أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى بعض الأولياء والصالحين، فهم يشتغلون بهذه النسب، أما الشيعة فيعتقدون ذلك ديناً، وينقلون عن جعفر الصادق ما ليس صحيحاً عنه، ومن ذلك أنهم ينقلون عن أنه قال: التقية ديني ودين آبائي وأجدادي. فينسبون شيئاً من العقائد ثم ينفونه في مكان آخر حتى يضللوا الناس، وحتى لا يستطيع أحد أن يحاكمهم، وهذه عقيدة مشهورة عندهم تسمى بالتقية، ولهذا يقول ابن تيمية رحمه الله في (منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية) يقول: دينهم الكذب، ويتعبدون بالكذب على الصالحين والأولياء والأئمة.

    1.   

    طرق العبودية بين السنة والصوفية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومثل هذا قد يصدر في حال سكر وغلبة وفناء يسقط فيها].

    السكر والغلبة والفناء: هذه مصطلحات خاصة عند الصوفية، فالسكر: هو حالة من حالات الانتعاش النفسي بعد الكشف أو الفناء، أما الفناء: فهو درجاته، وسيأتي الحديث عنه بشكل تفصيلي، فالصوفية لهم طريقة في التعبد غير طريقة أهل السنة، فطريقة أهل السنة أن التعبد مداره الأمر والنهي، فما أمر الله به عمل به، سواء أمر أيجاب أو استحباب، وما نهى الله عز وجل عنه انتهي عنه، فكلما ازداد عملك فيما أمر الله عز وجل به وابتعدت عما نهى الله عز وجل عنه كلما زادت مقامات الإيمان عندك، وهذا هو الإيمان وهذه هي العبودية، وله مقامات عالية وكثيرة، وذلك على قدر التزام الإنسان بدينه الذي هو فعل الأمر وترك النهي، فهذا هو طريق التعبد عندنا، ويكون هذا الطريق مع الإخلاص لله سبحانه وتعالى، واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وترك الابتداع، أما الصوفية فطريقتهم في التعبد مختلفة تماماً، فهم يبدءون عن طريق الخلوة، فيقولون: إن أفضل طريقة: هي أن تجلس في خلوة تنقطع عن الناس فيها، وتنقطع عن قراءة القرآن، وطلب الحديث، وطلب العلم، هكذا نص عليها الغزالي في (إحياء علوم الدين) وتلتزم بورد معين، أي: ذكر معين، وهذا هو ذكر عادي جداً، لكنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل من كلام أحد شيوخ الصوفية، وأحياناً يكون الذكر نفسه ممتلئاً بالخرافات أو بالبدع، فيردده مرتين، أو ثلاث مرات، أو عشرين ألفاً، وأحياناً مئات الآلاف، وأحياناً يردد اسماً واحداً مثل: الله الله الله الله الله آلاف المرات، أو: لطيف لطيف لطيف لطيف لطيف لطيف لطيف، أو يأخذ سورة واحدة مثل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ويرددها آلاف المرات مثلاً، فيستمر على هذه الحال حتى يأتيه الكشف، والكشف: هو حالة تحصل عند الإنسان تزيل أمامه حجب المعرفة، فتكون معرفته بالله أعظم، وأحياناً يوجد منهم من يعتمد على بعض الرياضات المأخوذة عن الهنود، فيقوم برياضات مثل: الجوع، فيجلس عليه فترات طويلة، ولهذا عقد الغزالي فصلاً كاملاً في (إحياء علوم الدين) في فضل الجوع، والجوع له فضل إذا كان الإنسان صائماً، أو قلل الأكل؛ لأن كثرة الأكل تفسد القلب، وهذا أمر متفق عليه، لكن هم يفضلون الجوع كوسيلة من وسائل الوصول إلى الكشف، وأحياناً يقف الرجل على رأسه فترة طويلة، وأحياناً ينزع ملابسه ويجلس في الهجير في الوقت الذي تشتد فيه الشمس أوقاتاً طويلة حتى يتأثر عقله، فيحصل عند بعضهم نوع من الأمراض النفسية ونوع من الهستيريا، وهم يسمون هذا: كشفاً، وحينئذ ما يأتي للإنسان من كشوف فهي عندهم يقين وصواب مائة بالمائة، ومن هنا يجد الشيطان فرصة لأن يدخل عليه، وأن يلعب ويعبث به، ولهذا فإن الشياطين أكثر ما عبثت بالصوفية، والصوفية هم أئمة السحر في العالم، وكل كتب السحر التي تباع الآن في العالم الإسلامي مؤلفوها هم من الصوفية الكبار، فشمس المعارف الكبرى مؤلفه محمد بن علي البومي ترجم له يوسف بن إسماعيل النبهاني في جامع كرامات الأولياء فقال: وكان مجاب الدعوة، وأسرار الحروف وما يتعلق بعبادة الكواكب وغيرها جاءت من الصوفية.

    إذاً: فالخلاف بيننا وبين الصوفية خلاف جذري، وبعض الناس يتصور أن الخلاف بيننا وبين الصوفية هو خلاف في المولد مثلاً، أو أن الصوفية يذكرون الله كثيراً ونحن لا نذكر الله كثيراً، وهذا تسطيح للقضية، وتصوير لها بغير صورتها الحقيقية، فالصوفية منهج متكامل، وليس بالضرورة أن كل من يقول: أنا صوفي يتحقق فيه هذا الأمر، فالمدعون كثر، لكن المنهج الصوفي فيه غرائب وعجائب، ولهذا فإن أصحاب الطريقة الرفاعية يعتمدون ألواناً من السحر مثل: أكل الحيات والعقارب، ومثل إدخال النار إلى الجوف وإخراجها، ومثل: إدخال السيف في العين وإخراجها من الخلف، وكلها مظاهر من مظاهر السحر، ولو ترجعون إلى كتب التراجم عند الصوفية تجدون العجائب، فتجدون من ينام مع الكلاب السنوات الطويلة، ومن يترك ملابسه عليه الأعوام المتعددة والمتكررة، ومن يجلس في الأماكن الوسخة والقذرة ويأكل منها، ويسمون هؤلاء: الملامية، يعني: الأشخاص الذي يعملون أعمالاً يلومهم عليها الناس حفاظاً على عدم انكشاف سرهم، وقد يكون قطباً يدور عليه الكون، فهم يرون أن هذا الكون يدور على مجموعة أقطاب، قد يمشون بيننا ونحن لا ندري عنهم، ويقولون: إن الكون يدور على مجموعة من الأولياء، قد يكون هذا الولي جالساً بجنب زبالة فتظن أنه مسكين فقير جاهل وهو يحرك الكون، ولهذا توجد عندهم مصطلحات مثل: الغوث، ولو رجعنا مثلاً لكتاب (الرسالة) للقشيري لوجدنا أنه يفسر الغوث: بأنه هو الذي يستغاث به، ويستمد منه عند الحوائج، وهذا هو حقيقة الشرك بالله رب العالمين.

    وكما قلنا: لا يعني أن كل واحد يقول: أنا صوفي، توجد عنده الشركيات، بل قد يوجد شخص يقول: أنا صوفي، ويتبرأ من هذه الشركيات كلها، فنقول: التبرؤ هذا لا يعني أنه ليس من أهل الصوفية، فالصوفية نشأت ولها أكثر من ألف ومائتي سنة، فأول من سمي صوفياً هو عبدك الصوفي ، وتوفي سنة مائتين، وعلماء المسلمين كتبوا عن التصوف كتابات مليئة، لكن كثيراً من الناس لا يدري عن شيء، وخصوصاً الذين يتلقون من الصحافة، إذ يأتي شخص صوفي فيمدح منهجه ويثني عليه ويصوره بأنه هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم فيصدقه الناس، بينما لو يرجع الشخص إلى الرسائل الجامعية التي كتبت عن الصوفية فقط لوجدها أكثر من حمل بعير، لا يستطيع الإنسان أن يطلع عليها جميعاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومثل هذا قد يصدر في حال سكر وغلبة وفناء يسقط فيها تمييز الإنسان، أو يضعف حتى لا يدري ما قال، والسكر لذة مع عدم تمييز، ولهذا كان من هؤلاء من إذا صحا استغفر من ذلك الكلام].

    وقد يسمون هذا الكلام: الشطحة أو الشطح، وهو الكلام الذي يقوله الصوفي حال السكر، فهم يعتمدون على الغناء أحياناً، ولو رجعنا إلى كتاب ابن القيم (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان)، لوجدنا أنه تكلم عن الغناء وقال: إنه يوجد عند طائفتين: عند الفساق الذين يبحثون عن الشهوات المحرمة، وعند الصوفية أيضاً، فإنهم قد يجتمعون في ساحة ويسمونها: الحضرة، يغنون ويطبلون ويرقصون، حتى إن الإنسان يغمى عليه، وحينها تدخلهم الشياطين ويتكلمون بكلام فيه غرابة، وعندما يصحو أحدهم يقول: لا أتذكر شيئاً من ذلك، ولهذا يذكر عن أحدهم: أنه كان يقول: ما في الجبة غير الله. والجبة: هي التي تلبس، والمعنى: أنه ادعى الألوهية لنفسه، فعندما يسأل عن ذلك يقول: أنا ما كنت أعقل ولا أتذكر شيئاً.

    1.   

    ضابط المحبة الصادقة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل والغرام، كان هذا أصل مقصدهم، فإن هذا الجنس يحرك ما في القلب من الحب كائناً ما كان، ولهذا أنزل الله محبة يمتحن بها المحب فقال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] ].

    وهذا هو الضابط: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، فليس هناك أحد يحب الله عز وجل أكثر من النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان خليل الله، وهو حبيب الله، ومع هذا ما جمع الصحابة في حضرة واحدة، وقاموا يغنون ويرقصون حتى يغمى عليهم ويتكلمون بهذا الكلام وهذه الخرافات، وقد ذكر الشعراني في آخر طبقاته: إبراهيم العريان فقال: كان سيدي إبراهيم العريان يقف أمام الناس في المسجد ويخطب بهم وهو عريان، ليس عليه شيء، ويقول الناس: أنهم رأوه في أكثر من مكان في وقت واحد، وكان يستعيذ بالله من النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي على إبليس، ويخرج إلى الناس بعد أن يكون عرياناً بالسيف فيطردهم ويخرج الناس من المساجد، وهذه من كراماته رحمه الله، وأقول: إذا كانت هذه كراماته فما هي مشاكله؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا يكون محباً لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية، وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسننه صلى الله عليه وسلم، ويدعي من الحالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر وتحليل الحرام له، وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته وطاعته].

    بل بعضهم صار مثل النصارى إذا تزوج امرأة بكراًفلا يفض بكارتها إلا ولي من أولياء هؤلاء، فهم قد بلغوا أموراً خطيرة جداً، بل بلغوا إلى عبادة غير الله حقيقة، فالمشاهد ما انتشرت في بلاد المسلمين إلا عن طريق الصوفية، فتراهم يحيون المشاهد والقبور والمزارات، ويبنون على القبر حتى تظن أنه مسجد ويقولون عن القبر: هنا روضة ومطاف حول القبر، فحولوا القبور إلى مساجد وأماكن للعبادة، مع أن القبور ليست مكاناً للعبادة، بل هي مكان للدفن، ولهذا لم يكن في يوم من الأيام أحد يستطيع أن ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حول البقيع إلى مساجد وأماكن ودوراً للعبادة، فهؤلاء العابثون غيروا كثيراً من مواصفات المنهج الإسلامي.

    1.   

    الجهاد أساس محبة الله ورسوله وموقف الصوفية منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رسوله الجهاد في سبيله، والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به].

    الصوفية هم من أكبر الطوائف المعارضة للجهاد، فهم لا يرون الجهاد أبداً، ولهذا عندما انتشر التصوف في بلاد المسلمين أصابهم الذل والخور والانهزام إلى درجة أن المستعمرين استعمروا كثيراً من البلاد الإسلامية بلا مقاومة، بل إن بعض شيوخ التصوف كان يقف مع المستعمرين ويأمرهم بالبقاء في بلاد المسلمين والجلوس فيها، وكان بعض المسلمين -مع الأسف- يأتي إلى قبور بعض الأولياء ويصيح عنده: يا نقشبند ! أغثنا، يا نقشبند ! المغول يريدون قتلنا، فيقتلونه على قبر نقشبند وهو يصيح عنده فلا ينفعه شيء ولا يقاوم عن نفسه، ولهذا لا توجد حركة من حركات الصوفية استخدمت أسلوب المقاومة إلا وكانت شاذة عند التصوف، وإنما أرادوا إنشاء مثل حالة المهدي الذي كان في السودان، فكما أنه يوجد من الأشخاص المنتسبين إلى السنة اليوم من يطالب المسلمين بالخضوع الكامل للكفار وعدم مقاومتهم وهذا مخالف للسنة، فكذلك يوجد من الصوفية وهم طوائف قليلة يطالبون بالمقاومة ضد الاستعمار، لكن الأصل في التصوف أنه ضد الجهاد الإسلامي وهذا أمر معروف تاريخياً.

    1.   

    علاقة المحبة بالأمر الكوني

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رسوله الجهاد في سبيله، والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به، وكمال بغض ما نهى الله عنه، ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]، ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها، وعبوديتهم لله أكمل من عبودية من قبلهم، وأكمل هذه الأمة في ذلك هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل، فأين هذا من قوم يدعون المحبة؟! وسمعوا كلام بعض الشيوخ: المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده، فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان، ولا يمكن لأحد أن يحب كل موجود، بل لا يمكن أن يحب إلا ما يلائمه وينفعه، وأن يبغض ما ينافيه ويضره].

    لأن الأمور الموجودة منها: أمور تلائم، ومنها: أمور تنافر، وهناك أمور يمكن للإنسان محبتها، وأمور لا يمكن محبتها، ولهذا فإن الدعوى التي تقتضي الجبر المطلق والخضوع المطلق لكل من خلقه الله عز وجل دعوى باطلة من ناحية الشريعة، وباطلة من الناحية الواقعية، فمثلاً: لو جاءك شخص وقتلك فهل تحبه؟ هذا أمر غاية في البطلان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل لا يمكن أن يحب إلا ما يلائمه وينفعه، وأن يبغض ما ينافيه ويضره، ولكن استفادوا بهذا الضلال من اتباع أهوائهم، ثم زاد انغماساً في أهوائهم وشهواتهم، فهم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة، زاعمين أن هذا من محبة الله، وكذبوا وضلوا؛ لأن محبة الله لا تكون إلا ببغض ما يبغضه الله ورسوله، وجهاد أهله بالنفس والمال.

    وأصل ضلالهم أن هذا القائل الذي قال: إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب، قصد بمراد الله تعالى: الإرادة الكونية في كل الموجودات، أما لو قال مؤمن بالله وكتبه ورسله من غير هؤلاء الصوفية مثل هذه المقالة فإنه يقصد الإرادة الدينية الشرعية التي هي بمعنى: محبته ورضاه، فكأنه قال: تحرق من القلب ما سوى المحبوب لله، وهذا معنى صحيح، فإن من تمام الحب لله ألا يحب إلا ما يحبه الله، فإذا أحببت ما لا يحب كانت المحبة ناقصة، وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه، فإن لم أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محباً له، بل محباً لما يبغضه].

    1.   

    الأسئلة

    التكفيريون وبيان خطرهم

    السؤال: ما هي عقيدة التكفيريين؟ وما نصيحتك لمن ينتمون لهم؟

    الجواب: التكفيريون كلمة غير منضبطة، والأولى هو استخدام أسلوب أو اصطلاح الخوارج، فإن الخوارج هم الذين يكفرون الناس بالذنوب، فكل من كفر أحداً لم يكفره الله ولم يكفره رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا ضال منحرف، وأول فرقة انحرفت في باب التكفير في تاريخ المسلمين هم الخوارج، وكان انحرافهم هو أنهم يكفرون أصحاب المعاصي: الزاني، وشارب الخمر، وآكل الربا، والمغتاب.. ونحو ذلك، فيكفرونه ويخرجونه عن دائرة الإسلام، وهذا إسراف وعدوان، فإن أهل المعاصي وإن كان إيمانهم ناقصاً وهم من أهل الوعيد إلا أن أصل الإسلام باق معهم، أما تكفير من كفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهذا هو المنهج والمعتقد الصحيح، ولهذا فبعض الناس يشغبون ويضعون غباراً كثيراً حول مسألة التكفير بدون توضيح، وهنا يكون الخطأ، فنحن مثلاً نكفر من يعبد القبور، والذين يطوفون حولها، ويستغيثون بالله، ونكفر من يأتي بالقوانين الوضعية وينحي شريعة الله عز وجل، ونكفر الذي يستحل ويعتقد حل المعاصي، ونكفر من يسب الله أو رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكفر كل من كفره الله عز وجل في القرآن، لكن بعض الناس يشغب على أهل السنة، فإذا سمعنا مثلاً: أن كاتباً أو أديباً -وهو بعيد عن الأدب- يسب الله أو يسب الرسول صلى الله عليه وسلم فقلنا: هذا كفر، شغبوا علينا وقالوا: أنتم تكفرون الناس؟ فنقول: هذا كافر ولا شك به، وإلا فلو كان الذي يسب الله أو يسب الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بكافر فلا يوجد كافر في الدنيا، بل إن النصارى وبعض اليهود يحترمون الله أشد من هؤلاء الذين يسبون الله والرسول صلى الله عليه وسلم في روايتهم الأدبية وغيرها، فالأمر المحرم في باب التكفير هو الاعتداء والجور بتكفير أصحاب المعاصي، أو التساهل في التكفير، فمتى وجد للشخص عذر يمنع عنه التكفير فإنه لا يكفر؛ لأن الأصل هو بقاء الإسلام، فيدخل في النقد الذين عندهم غلو في التكفير حيث يكفرون من تلبس ببعض المكفرات مباشرة وهذا غير صحيح، بل الواجب هو التأني والتريث والدراسة وصدور هذا الأمر عن أهل العلم، خصوصاً في القضايا العامة، فالقضايا العامة لا يصح للشباب أن يجتهدوا من عند أنفسهم؛ لأن هذا يدعو إلى التفرق مع الزمن، لكن يصدرون عن أهل العلم المعتبرين الثقات من أهل السنة والجماعة، وهم كثير -ولله الحمد- في بلادهم، وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى، حيث جعل العقيدة السلفية الصحيحة التي ندرسها في المساجد هي التي ينشرها شيوخنا وعلماؤنا الرسميون وغير الرسميين ممن لهم وظائف دينية مثل: هيئة كبار العلماء، أو أساتذة الجامعات، أو غيرهم من الشيوخ الذين لهم جهد في إصلاح العقيدة في الناس، فالمقصود: هو أن القضايا العامة لا يصح لأحد أن يشذ فيها وإنما يصدر فيها عن أهل العلم؛ حتى تكون مسيرة الدعوة إلى الله ومسيرة الإصلاح ومسيرة الشباب الصالحين مسيرة منضبطة، تمشي في طريقها الصحيح.

    إذاً: ينبغي عند مسائل التكفير الانتباه إلى قضيتين أساسيتين:

    القضية الأولى: الحذر من الأشخاص الذين يكفرون أصحاب الذنوب، وهؤلاء هم الخوارج.

    والأمر الثاني: هو إدراك أن قضايا التكفير حساسة ودقيقة وغامضة ينبغي للإنسان أن يدرسها، وفي القضايا العامة ينبغي أن يصدر فيها عن أهل العلم.

    حكم لزوم عدد معين في العبادات

    السؤال: قال لي زميل في العمل: إنه يردد آية من القرآن الكريم عدة مرات قليلة قبل النوم، فعندما يستيقظ يجد أن قلبه كان يذكر الله وهو نائم، وأنه وصل إلى درجة من الإيمان عالية نوعاً ما، فهل هذا من التصوف؟

    الجواب: هذه ليست معروفة في السنة، بل السنة إذا أوى الإنسان إلى فراشه أن يذكر الله عز وجل بالذكر الوارد، وفيه مجموعة من الآيات، مثل: آية الكرسي والمعوذات وبعض الأدعية الصحيحة، هذا هو الوارد فيما يتعلق بأذكار النوم، أما قراءة آية وترديدها بطريقة معينة والتزامها فهذا لم يرد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يبتعد عن الأمور التي قد توصله إلى الابتداع.

    الطريق إلى محبة الله

    السؤال: كيف أصل إلى محبة الله جل جلاله؟

    الجواب: سبق أن أشرت إلى أن الطريق إلى الوصول إلى محبة الله واضح وهو التزام ما أمر الله به، ويدخل في هذا الواجبات والمستحبات، والبعد عن كل ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه، فإذا انضبط في أداء الواجبات، سواء واجبات الأعمال في الظاهر، أو واجبات القلب كالتوكل على الله، والاعتماد عليه والإنابة إليه والتدبر للقرآن، والصيام، والإكثار من ذكر الله، وقراءة القرآن، وحضور القلب، والخشوع في الصلاة، والإنفاق في البر والخير على الفقراء واليتامى والمساكين ونحوهم، وبر الوالدين، والنصح للزوجة، والتعامل معها بالمنهج النبوي، وضبط المال بحيث يأتيك من حلال وتصرفه في الحلال، حتى تصبح حياتك كلها حياة شرعية صحيحة، فتبتعد عن الحرام، وتحافظ على جوارحك، حينئذ ينمو الإيمان في قلبك مثل البذرة، وكلما ازداد التزامك كلما ازدادت هذه البذرة في قلبك حتى تصبح شجرة الإيمان قوية في قلبك، وحينئذ تحصل على محبة الله عز وجل.

    زوال الرخص في الأعمال إذا زالت الحاجة إليها

    السؤال: أنا رجل أعمل في شركة، ودرست في مدرسة فقدموني ساعة قبل العمل لأجل المدرسة، ثم تركت المدرسة، ولا زلت مقدماً ساعة قبل الدوام، فماذا ترى؟

    الجواب: الأولى أنه إذا انتهى المبرر الذي من أجله قدمت هذه الساعة فعليك أن ترجع إلى صاحب القرار المعني في هذا الأمر وتخبره بأنك تركت الدراسة، فإن أبقاك على ما أنت عليه بدون أن يكون هناك ضرر على العمل فلا مانع، وإن كان هناك ضرر على العمل فإنه يجب أن ترجع إلى ما كنت عليه سابقاً.

    عموم أحكام الشريعة لجميع الناس

    السؤال: بعض الأشخاص يقولون: إن التخويف والترغيب والآيات والأحاديث الواردة في ذلك هي للعامة، وأما الخاصة وأصحاب المراتب العالية فهم الذين يعبدون الله بالمحبة فقط؟

    الجواب: هذا الكلام غير صحيح، فإن الآيات الواردة في القرآن آيات جاءت عامة لكل الناس، فتشمل الخاصة والعامة وكل أحد، فهذه الفكرة غير صحيحة، والعبادة بالمحبة وحدها توصل إلى الضلال والانحراف، والصحيح هو أن يعبد الإنسان الله عز وجل بالخوف والرجاء والمحبة.

    الفرق بين الكرسي والعرش

    السؤال: ما هو الفرق بين الكرسي والعرش؟

    الجواب: العرش: هو الذي استوى عليه الله سبحانه وتعالى كما قال عز وجل: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، وأما الكرسي فهو الوارد في الآية المشهورة آية الكرسي: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255]، وقد جاء عن ابن عباس : أن الكرسي هو موضع قدمي الرب سبحانه وتعالى.

    حقيقة الحب الطبيعي

    السؤال: ما حكم الإسلام فيمن يحب زوجته حباً يدرك معه أنه مقصر في حب الله والعبودية التامة له؟ وكيف يتخلص العبد من هذا الأسر لغير الله حتى تتحقق العبودية؟

    الجواب: محبة الزوجة لا مانع منها إلا إذا وصل إلى درجة يطيعها فيما حرم الله سبحانه وتعالى، أو يتعلق قلبه بها فيشغله ذلك عن عبادة الله عز وجل وذكره وشكره، وينسيه ما يجب عليه من العبادة، حينئذ يجب عليه أن يجتهد في أداء الأمر واجتناب النهي، وأن يخفف من هذه المحبة التي قد يكون عواقبها النهائية سيئة بالنسبة له.

    توحيد الألوهية أساس التوحيد

    السؤال: ذكرتم أن العبودية تعتبر أساس التوحيد، وتوحيد الله سبحانه مبني على ثلاثة أمور: الأمر الأول: العبودية لله جل وعلا، والأمر الثاني: ربوبية الله، الأمر الثالث: إثبات الأسماء والصفات، وهذه الثلاثة حقيقة التوحيد التي لا يتم الإيمان إلا بها فما معنى هذه العبارة؟

    الجواب: أساس التوحيد: هو توحيد الألوهية، فإذا وجد توحيد الألوهية وهو توحيد العبودية أيضاً فسيوجد معه قطعاً وفي ضمنه توحيد الربوبية؛ إذ يستحيل أن يوجد إنسان منكر لوجود الله ويعبده في نفس الوقت، فتوحيد الألوهية وهو العبودية لله يشمل توحيد الربوبية بالتضمن، ويدخل فيه أيضاً توحيد الأسماء والصفات، فإن العبودية لا تكون تامة إلا بالإيمان بأسماء الله وصفاته، فالعبودية وتوحيد الألوهية شامل لهذه جميعاً، فلو وجد شخص يقول: أنا مؤمن إيماناً تاماً بتوحيد الألوهية إلا أني لا أؤمن بتوحيد الربوبية فسنقول له: أنت تكذب في ادعائك توحيد الألوهية؛ إذ كيف تعبد الله وأنت منكر له؟ فهذا غير ممكن، وهكذا الحال لو قال: أنا مؤمن بتوحيد الألوهية إيماناً تاماً إلا أني غير مؤمن بالأسماء والصفات، فنقول: يستحيل ذلك؛ لأن توحيد الألوهية حقيقته: الالتزام بأمر الله وعبادة الله، وقد أمرك الله بالإيمان بالأسماء الحسنى والصفات العلى، فأنت إذا أطعته كنت موحداً، وإن لم تطعه فلست بموحد، فدعواك بأن عندك توحيد الألوهية دعوى غير صحيحة.

    شروط كون العمل عبادة

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: إن العبادة في معناها الشرعي تشمل أمران: الأمر الأول: هو الذل والخضوع، والأمر الثاني: هو المحبة، فالذل بغير محبة لا يسمى عبادة، وعليه فهل ينفى الشرك عمن كان هذا حاله؟

    الجواب: هذه المسألة سبق أن أشرنا إليها، وقلنا: إن العبادة لا بد فيها من أمرين: الذل والخضوع والمحبة، فإذا وجد ذل وخضوع بدون محبة فلا يعتبر العمل عبادة، ولهذا فإن من قال: بأن المحكومين بغير الشريعة يعبدون حكامهم مع وجود الكراهة لهذه القوانين الوضعية ونحوها فقوله غير صحيح، وهذا منه غلو وإسراف؛ لأن حقيقة العبادة وأركانها لم تتحقق في عملهم، فهم أذلوهم بالقوة لكن ليست هناك محبة، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر آخر الزمان قال: (إلا من رضي وتابع)، والرضا والمتابعة تستلزم المحبة.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245770

    عدد مرات الحفظ

    723933553