إسلام ويب

دراسة موضوعية [17]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أصول عقائد أهل السنة: محبة آل البيت وتوقيرهم مع عدم الغلو فيهم، وتولي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه، والإمساك عما شجر بين الصحابة، واعتقاد أنهم إما مجتهدون مصيبون، أو مجتهدون مخطئون وخطؤهم مغفور لهم بإذن الله تعالى.

    1.   

    الفرق بين علو الهمة والكبر

    قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى: [الفصل الخامس آداب الطالب في حياته العلمية.

    الأدب الرابع والعشرون: كبر الهمة في العلم.

    من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، مركز السالب والموجب في شخصك، الرقيب على جوارحك، كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيراً غير مجذوذ، لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة، والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفاً إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطاً يديك إلا لمهمات الأمور، والتحلي بها يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال، ويجتث منك شجرة الذل والهوان: التملق والمداهنة.

    فكبير الهمة ثابت الجأش لا ترهبه المواقف، وفاقدها جبان رعديد تغلق فمه الفهاهة.

    ولا تغلط فتخلط بين كبر الهمة والكبر، فإن بينهما من الفرق كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، كبر الهمة حلية ورثة الأنبياء، والكبر داء المرضى بعلة الجبابرة البؤساء.

    فيا طالب العلم! ارسم لنفسك كبر الهمة ولا تنفلت منه، وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك لتكون دائماً على يقظة من اغتنامها، ومنها إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة منالاً، وعلى هذا فقس والله أعلم].

    هذا الموضوع سبق أن أشرنا إليه وقلنا: إن طالب العلم ينبغي أن تكون له همة كبيرة وعالية، والهمة غريزة نفسية منها ما يعود إلى وراثة الإنسان وأصل خلقته وطبيعته، ومنها ما يعود إلى التجربة والتدرب، وقراءة أخبار الأولين لا سيما الصحابة والتابعين والأولياء الصالحين، فإن التدرب على كبر الهمة منه ما هو جبلي طبعي، ومنه ما هو مكتسب يمكن للإنسان أن يكتسبه وأن يتدرب عليه.

    وشأن كبر الهمة كشأن بقية الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يدرب نفسه، وأن تكون نفسه عالية في طلبه للعلم، وفي أخلاقه وآدابه، وفي دعوته إلى الله عز وجل، وفي إصلاحه، فإن الإنسان قد يوفقه الله سبحانه وتعالى إذا جد واجتهد، فيكون له من التأثير في الإصلاح وتوجيه الأمة الشيء الكثير.

    وكثير من الناس يستحقر نفسه، والتواضع مطلوب، ولكن ينبغي على الإنسان أن لا يدفعه هذا التواضع إلى أن يكون ضعيف الهمة، ييأس من الوصول إلى درجات عالية في العلم والعمل والدعوة والإصلاح، فينبغي للمسلم ولطالب العلم خصوصاً أن يجتهد في تنمية همته، ومع علو همته ينبغي أن يكون متأدباً بالتواضع والرفق، ولهذا أشار الشيخ إشارة مهمة جداً إلى التفريق بين كبر الهمة والكبر، فإن الكبر واحتقار الخلق وازدراءهم والنظرة الدونية إلى الآخرين، والشعور بالفوقية على الناس ليس من كبر الهمة، بل هو من الكبر، وهي خصلة ضعيفة تدل على الشعور بالنقص، فينبغي للإنسان أن يميز بين هاتين الخصلتين، فكبر الهمة وصف نفسي وغريزي يكون في الإنسان يدفعه إلى العمل، والترقي في مراتب عالية جداً في العلم والعبادة والأدب والخلق والدعوة والإصلاح.. ونحو ذلك، والكبر هو شعور فارغ لا قيمة له يدفع الإنسان إلى احتقار الآخرين، والنظر إليهم على أنهم أقل منه مستوى، وأنه فريد زمانه ووحيد دهره، وأن الناس أضاعوه وأي فتى أضاعوا، وهذا لا شك أنه دليل على الشعور بالنقص.

    فالتوفيق بين كبر الهمة وبين الأدب واضح، فكبر الهمة شعور نفسي يدفع الإنسان للعمل، أما أن يكون الإنسان متكبراً وهو كسلان في العمل، فهذا لا شك أنه هو الذي حذر منه الشرع، فالشرع لم يرغب في أن يكون الإنسان كبير الهمة بمعنى أنه ينظر إلى الآخرين على أنهم أقل منه، أو أنه نوعية مختلفة عن الآخرين، فالنظر إلى الذات منهي عنه، ولا يصح للإنسان أن يكون عنده شهود لذاته، بحيث إنه ينظر إلى ذاته ويعظم نفسه ويكبر نفسه، وهذا مذموم ومحتقر وليس مطلوباً، بل هو أمر سيئ للغاية يؤثر على أخلاق الإنسان وآدابه ودينه، لكن كبر الهمة هي التي تدفع إلى العمل.

    وإذا أردت أن تعرف هل أنت كبير الهمة أو لست كبير الهمة فانظر إلى عملك، ولا تنظر إلى نفسك ومدى شعورها بالفوقية على الخلق، فهذا من الكبر المذموم، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه، فينبغي الحرص على هذه القضية، والتأمل فيها.

    كان للسلف الصالح رضوان الله عليهم أعمال عظيمة تدل على أنهم كبار فعلاً، ومع هذا كانوا يتحلون بالتواضع وبالأدب، وكانوا يحسنون التعامل مع الخلق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم -وهو أكبر الناس همة- تأخذه الجارية وتنطلق به حيث شاءت ليقضي لها غرضها، ولهذا ينبغي أن نعتني بالجمع بين الأخلاق، وأن لا نأخذ بطرف ونسميه بغير اسمه، ثم يكون هذا والعياذ بالله موقعاً للإنسان في الخطأ والخطل والزلل.

    النهمة في طلب العلم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الخامس والعشرون: النهمة في الطلب.

    إذا علمت الكلمة المنسوبة إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (قيمة كل امرئ ما يحسنه)، وقد قيل: ليس كلمة أخص على طلب العلم منها، فاحذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخر! وصوابه: كم ترك الأول للآخر! فعليك بالاستكثار من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وابذل الوسع في الطلب والتحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم فتذكر كم ترك الأول للآخر، وفي ترجمة أحمد بن عبد الجليل من تاريخ بغداد للخطيب ، ذكر من قصيدة له:

    لا يكون السري مثل الدني لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي

    قيمة المرء كل ما أحسن المرء قضاء من الإمام علي ].

    معنى النهمة في الطلب أن يكون عند الإنسان عشق للعلم وتعلق به، وأن لا يشبع من العلم، ولا يشعر أنه قد حصل على المطلوب من العلم، كأن فبعض الناس يرسم لنفسه مقداراً معيناً من العلم، فإذا وصل إليه ظن أنه قد انتهى من العلم، يتخرج من كلية شرعية ويظن أنه انتهى، أو يأخذ شهادة الدكتوراه ويظن أنه قد انتهى، وهذا الظن يدل على أنه لم يفهم العلم، وأنه ليس لديه رغبة حقيقة فيه.

    قيل في بعض الآثار: منهومان لا يشعبان: طالب العلم، وطالب الدنيا، طالب الدنيا لو أعطيته ملايين لتمنى بلايين، وإذا أعطيته مليارات يتمنى ما هو أكثر، فكلما أعطيته نوعاً اشتهى نوعاً آخر، وكذلك طالب العلم؛ لكن طالب العلم يشتهي الأمر المباح والواجب، وأما صاحب الدنيا فقد يقع في الحرام والعياذ بالله.

    فينبغي للإنسان أن تكون لديه نهمة في طلب العلم، فإذا وجد كتاباً أو درساً يفرح بذلك، وتجد أنه يلتهم هذا الكتاب من الجلدة إلى الجلدة، وتجد أنه حريص على العلم، وأنه حريص على المذاكرة، وأنه حريص على الحفظ، وأنه حريص على الفهم، ويبدو حرصه في طلبه للعلم، وليس الحرص في كثرة التنقل بين الدروس، أو يكون لديك في اليوم الواحد ثلاثة دروس أو أربعة دروس بل إن الحرص الحقيقي هو: كثرة دراستك للعلم وإتقانك له، هنا يكون حرصك صحيحاً.

    الرحلة لطلب العلم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [السادس والعشرون: الرحلة للطلب.

    من لم يكن رحلة لن يكون رحلة.

    فمن لم يرحل في طلب العلم للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليرحل إليه؛ لأن هؤلاء العلماء الذين مضى وقت في تعلمهم وتعليمهم والتلقي عنهم، لديهم من التحريرات والضبط والنكات العلمية والتجارب، ما يعز الوقوف عليه أو على نظائره في بطون الأسفار، واحذر القعود عن هذا على مسلك المتصوفة البطالين الذين يفضلون علم الخرق على علم الورق].

    قوله: (من لم يكن رحلة لن يكن رحلة) يعني: من لم يكن كثير الترحال في طلب العلم فلن يرحل إليه فيما بعد، يعني: لن يكون عالماً يرحل إليه، ولهذا يستحب لطالب العلم أن يجتهد في التنقل بين البلاد للحرص على العلم، والاستفادة من عامة الشيوخ الذين يلتقي بهم، ولهذا يقول البخاري : إنه حدث عن ألف من أهل العراق والشام والحجار واليمن ومصر والمغرب وخراسان، كلهم يقول: إن الإيمان قول وعمل، يعني: كلهم من أهل السنة والجماعة.

    وأما قوله: (واحذر القعود عن هذا على مسلك البطالين الذين يفضلون علم الخرق على علم الورق)، فالمقصود بعلم الخرق عند الصوفية: أن في الولاية درجات، وعندهم علامات على تحصيل الولاية، فكما أن أهل الحديث يتلقون العلم بالإجازات، كأن يأتي الإنسان ويدرس صحيح البخاري ويضبطه على شيخ فيجيزه في هذا، فتكون الإجازة علامة على دراسة هذا الإنسان وقراءته وضبطه لصحيح البخاري ، فكذلك الإجازة عند الصوفية تكون عن طريق الخرقة.

    وهم يزعمون أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخذ الخرقة من النبي صلى الله عليه وسلم إجازة له في باب الولاية والسلوك إلى الله تعالى، وأن علي بن أبي طالب أصبح يدرب من بعده، ويعطيهم هذه الخرقة فيتناقلها الأولياء والأصفياء وأصحاب السلوك إلى الله سبحانه وتعالى جيلاً بعد جيل، فأصبحت الخرقة عندهم رمزاً للإجازة والتخرج، مثل الإجازة أو الشهادة التي تدل على أن هذا الإنسان قد استمر في هذا الطريق إلى نهايته، هذا هو علم الخرق عندهم.

    ذكر خرافات مدعي علم الغيب ومفسري الأحلام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق ؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق].

    وكان عبد الرزاق بن همام الصنعاني في اليمن، وكان عالماً مشهوراً، له كتاب كبير اسمه المصنف، رحل إليه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في قصة مشهورة ذكرها الذهبي في السير، وأنهم لقيا عبد الرزاق في مكة وقد جاءا من العراق، فقال يحيى لـأحمد : لماذا لا نقرأ عليه هنا، يعني: في مكة؟ قال: أنا نويت السفر إلى اليمن، فذهب إليه في صنعاء في اليمن وقرأ عليه هناك وأجازهما، فقيل لهذا الصوفي: لماذا لا ترحل إلى عبد الرزاق ؟ قال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق؟ يعني: من يسمع من الله!

    ولهذا يقولون: أنتم أحاديثكم ميت عن ميت، وأما نحن فحديثنا عن الحي الذي لا يموت، يعنون: الله عز وجل، ولهذا يكثرون من قولهم: حدثني قلبي عن ربي، فهو يشعر بخطرات ويشعر بإلهامات تأتيه ويظن أنها من الله عز وجل، وهي من الشيطان في كثير من الأحيان، أو من الوهم الذي يحصل للإنسان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر: (أن للملك لمة وللشيطان لمة، فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة الشيطان تكذيب بالحق وإيعاد للشر)، فالاعتماد على الوهم وعلى ما يقع من الخطرات في القلب اعتماد باطل؛ لأن هذه الخطرات ليست يقينية، والمصادر التي تتخذ في التشريع لا بد أن تكون يقينية.

    ولهذا فالذين يفسرون الأحداث المستقبلية بالرؤى والأحلام، ويقولون مثلاً: إن صدام حسين هو السفياني ، علماً أن السفياني لم يصح فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون: إنه إلى الآن لم يمت، وإنه ما زالت هناك مقاومة، وبعد أن انكشف مشروعهم الفاسد، وأن كلامهم غير صحيح، قالوا: إنه سيخرج مرة أخرى وسينتصر على أمريكا، وسيأخذ الجزيرة العربية، وسيدخل على إسرائيل، ويتكلمون كلاماً ليس عليه مستند شرعي ولا دليل عقلي، وإنما هي خرافات يتكلمون بها، فإذا نصحهم أحد قالوا: ألا تؤمن بالرؤيا؟

    نقول: نعم، نؤمن بالرؤيا، لكن أيضاً نؤمن بأن هناك أحلاماً من إلقاء الشيطان، أو من حديث للنفس.

    ولهذا نلاحظ أنهم في القنوات الفضائية يأتون بأشخاص يفسرون الأحلام، تتصل عليه امرأة من سورية فيفسر لها، وتتصل عليه امرأة من المغرب ويفسر لها، وتتصل عليه امرأة من قطر ويفسر لها، وتتصل عليه امرأة من اليمن ويفسر لها، ولا يعتذر عن حلم واحد، ولا يقول: إن هذا أضغاث أحلام، مع أنه لا يعرف هؤلاء، وأحياناً يتكلم عن أشياء خاصة، أنا سمعت شخصاً اتصلت عليه امرأة وقالت له: إنني امرأة رأيت أنني أدفن زوجي وقد لحفته بشيء أبيض، فقال: أنت امرأة بارة بزوجك وحريصة عليه، وستحصل لك مشكلة معه، ولكن تجاوزيها برفق ولن يحصل مكروه لك إن شاء الله، فكيف عرف هذا الإنسان أن هذه المرأة بارة بزوجها؟ وإذا كانت هذه المرأة أصلاً لا زوج لها، أو كانت مطلقة ورأت زوجها الذي طلقها قديماً، وربما تكون هذه المرأة غير بارة!

    وهكذا يدعون علم الغيب بهذه الطريقة الفجة المقيتة السيئة، فهؤلاء كهنة العصر الحديث، يدعون علم الغيب ويشتغلون به، وبرامج ادعاء علم الغيب وتفسير الأحلام، والكلام في المستقبل، هي برامج موجودة في الدول الغربية وفي القنوات الفضائية الغربية، فجاء هؤلاء وأخذوا باب الرؤيا، ووجدوا لها أصلاً في الشريعة، فوسعوه حتى أدخلوا فيه ما ليس منه.

    إذاً: باب الرؤى شيء، وادعاء علم الغيب بهذه الطريقة الفجة السيئة شيء آخر، والكلام حول المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله شيء ثالث.

    وأحياناً تجدون شخصاً عنده هم معين، وتجد عنده تفكيراً في الأوضاع السياسية، والأوضاع التي تدور في الأمة الإسلامية، وأي حلم يأتيه يفسره مباشرة على هذا التفسير، شخص قال: أنا رأيت حصانين: حصاناً أبيض وحصاناً أسود، وأن الحصان الأبيض في البداية هرب ثم عاد مرة أخرى، فهرب الحصان الأسود، قال: نعم، الحصان الأسود أمريكا سود الله وجوههم، والحصان الأبيض كذا، وأنه في البداية تنتصر أمريكا، ثم ينتصر المسلمون، والحديث عن نفس هذا الموضوع، فتجد أن تفسيراته كلها سياسية، يعني: لا يمكن أن يفسر يوماً من الأيام تفسيراً اقتصادياً، أو تفسيراً اجتماعياً، بل يجمع كل ما يعرض عليه من الرؤى فيقول: عندي خمسة وعشرون ألف رؤيا من الثقات الصالحات اللاتي يقمن الليل، لو أن خمسة وعشرين ألف امرأة يقمن الليل ما صار المسلمون على هذا الوضع.

    وهكذا يتكلمون ويهذون بما لا يعرفون، ويتكلمون في الدين من غير وجهه، وكثير منهم يكتب في الإنترنت، ولهذا ينبغي على الإنسان أن لا يأخذ مثل هذه الأفكار، ويجعل ذهنه زبالة لمثل هذه الأفكار.

    هؤلاء أشخاص عاطلون عن العمل، أنا أتصور أنهم لا عمل دنيوي لديهم، ولا دعوة إلى الله، ولا أمر بمعروف ونهي عن منكر، والخرافة هي شغلهم في أوقاتهم كلها، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من مثل هذه التوجهات الفاسدة، خصوصاً في وقت الأزمات؛ لأن بعض الناس يساوره الإحباط، ولا يعالج الإحباط بالطريقة المشروعة ولا يفتح باب الأمل عنده بالنصوص الشرعية، ولا يثق أن النصر للمسلمين بإذن الله، وأننا نحتاج إلى تغيير في الواقع وإصلاح في الواقع، حتى يتغير هذا الحال، وأنه لا بد من تواصل الجهود في إصلاح الواقع، ولا يعالج الموضوع بالهدي النبوي، فتراه يذهب على هؤلاء الكذابين، وإلى من يدعي علم الغيب، وبعضهم يقول: في شهر ثلاثة أو أربعة سيحدث كذا وكذا وكذا، وإذا لم يحدث شيء، قال: أنا لا أقصد شهر ثلاثة من هذه السنة، وإنما شهر ثلاثة من السنة الآتية، وبعضهم يبلغ من الغباء والحمق إلى درجة أنه لا يحدد شيئاً قريباً بحيث إن الناس يستطيعون متابعته، والتعامل مع الرؤى بهذا الأسلوب لا شك أنه بعد عن المنهج النبوي، أسأل الله عز وجل أن يعيذنا وإياكم من شر هذه التوجهات والانحرافات.

    1.   

    ذكر ما جاء في فضل قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ويحبون آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي).

    وقال أيضاً للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي).

    وقال: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم).

    ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة رضي الله عنها أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)].

    هذا الموضوع متعلق بباب الصحابة؛ لأن جزءاً من أهل البيت من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    والمقصود بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: زوجاته، وأقاربه من بني هاشم كـعلي بن أبي طالب والحسن والحسين والعباس والفضل بن العباس ، هؤلاء هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد نص الله عز وجل في سورة الأحزاب على أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، فذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]، وهذا حديث العباس يشير إلى أن بني هاشم هم من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

    وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لهم منزلة إذا كانوا من المؤمنين أكثر من منزلة بقية المؤمنين؛ لأنهم يجمعون أمرين:

    الأمر الأول: الإيمان.

    والأمر الثاني: القرابة.

    وهذا هو المنهج الحق فيما يتعلق بآل البيت، فنحن نحب آل البيت، فنعطيهم حقهم من المحبة والولاية والنصرة، والمقصود أهل الإيمان منهم، أما أهل الكفر فإنا لا نحبهم، بل نبغضهم، لوجود الأدلة الصريحة في بغضهم، ولوجود مثال واضح وهو أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله عز وجل يقول: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1].

    فآل البيت نحبهم ونناصرهم، ونعرف حقهم وقدرهم، ولكن لا نغلو فيهم، فإن الشيعة قبحهم الله جعلوا من لوازم محبة آل البيت الطعن في الصحابة، فلا يكون المرء محباً لآل البيت إلا إذا كره وذم بقية الصحابة، فعند الشيعة إذا قلت: أنا أحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأحب الحسن والحسين ، وأحب أبا بكر وعمر وعثمان وجميع الصحابة قالوا: لم تتحقق منك المحبة، فمن الفهم الفاسد أن يجعلوا المحب لآل البيت بالضرورة مبغضاً لبقية الصحابة، والمحب لبقية الصحابة بالضرورة مبغضاً لآل البيت، وهذا فهم فاسد ومنحرف عن المنهج السليم والقويم.

    ولهذا نحن نحب آل البيت، ولهم مكانة عظيمة في نفوسنا، لكن لا نغلو فيهم كما غلت الشيعة الروافض قبحهم الله.

    أوجه الغلو عند الشيعة الروافض

    وغلو الشيعة الروافض جاء على أوجه:

    الوجه الأول: أنهم جعلوا محبة آل البيت مقترنة اقتراناً ضرورياً بسب الصحابة وتكفيرهم وذمهم ونحو ذلك.

    الأمر الثاني: أنهم جعلوا آل البيت في منزلة أعلى من المنزلة البشرية المعتادة، فإنهم جعلوا من أئمتهم -وهم بعض آل البيت- آلهة يعبدونها من دون الله، فإنهم يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكمل الشريعة للناس، مخالفة منهم لقول الله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    بل قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى من الشريعة ما يحتاجه الناس في زمانه، ثم أودع البقية عند علي بن أبي طالب ، فقام علي بن أبي طالب بإعطاء ما يحتاجه الناس، ثم أودع البقية عند الحسن ، وهكذا حتى آخر إمام من أئمتهم، وهو الذي في السرداب الآن حسب زعمهم.

    فيرون أن أئمتهم معصومون، وأن كلامهم تشريع، وأن ما يتكلمون به هو جزء أساسي من الشريعة كالقرآن وكالسنة النبوية الصحيحة، فجعلوهم شركاء مع الله سبحانه وتعالى في أمره، ولهذا يعظمون قبور آل البيت إلى درجة الطواف حولها، والتعبد لها، والذبح لها، ويكتبون على القبور: يا علي ! ويا حسن ! ويا حسين !

    وعندما يأتون إلى الاحتفالات البدعية والشركية التي يأتون بها، مثل الاحتفال الذي يحصل في عاشوراء، والاحتفال الذي يحصل بعده بمناسبة موت الحسين ، يتكلمون بكلام في أوصاف علي بن أبي طالب وفي أوصاف أولاده لا تجوز أن تقال إلا لله سبحانه وتعالى، فيجعلون لهم الرزق، ويجعلون لهم إحياء الموتى، ويجعلون لهم العلم بذرات الكون، ويجعلون لهم تدبير كل الكون، وكأن الله عز وجل جعل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبناءه أمر الكون وتركه، بل هم يصرحون بذلك، بأن الله عز وجل أعطاهم هذه الخصائص التي هي جزء أساسي من خصائصه سبحانه وتعالى، ولهذا لا شك في أن عقائد الشيعة الرافضة في هذا الزمان عقائد كفرية.

    فلا يوجد عاقل ممن يعرف عقائد هؤلاء القوم يقول إنهم مسلمون! لأن هذه العقائد الموجودة عقائد كفرية.

    وقد يقول بعض الناس: إن بعض عامتهم لا يعرف هذه العقائد، فنقول: لكن القول بأن الشيعة كطائفة موجودة الآن تعتبر من طوائف المسلمين قول فاسد لا يقوله إنسان يعرف العلم.

    دعوة التقريب بين السنة والشيعة دعوة فاشلة

    والذي يقول: نريد التقارب مع الشيعة، فهو إنسان ضعيف العقل لا يدرك ما هو التشيع ولا يدري ما الشيعة؟ فإذا أراد الإنسان أن يتكلم فليعرف أولاً ما هو التشيع، وما هي كتبه، وما هي عقائدهم الأساسية في أئمتهم، وما هو حالهم عند القبور؟ حينئذ يستطيع أن يعرف دين الشيعة على حقيقته، أما أن يتكلم عن التشيع وهو صحفي لا يحسن أكثر من الكتابة في جريدة، أو تنميق الألفاظ وتحسينها وتزويقها، فهذا لا يصح له أن يتكلم في العلم وهو جاهل به، فالواجب على الإنسان قبل أن يتكلم في أي باب من الأبواب أن يدرك هذه العقائد إدراكاً جيداً.

    وقال بعض المنتسبين إلى المشيخة مع الأسف -وهو الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي - إن الذين يأخذون كتب الشيعة ويستخرجون الشواذ منها مخطئون، وقال: إن الكلام حول تكفير الشيعة خطأ، فإن ما ينقل عن الشيعة هي شذوذات لبعض أئمتهم.

    أقول: هذه مصادرة للعلم، وهذا يدل على أن الدكتور القرضاوي لم يقرأ كتب الشيعة، أو أنه قرأها قراءةً سطحيةً سريعةً، فإنك عندما تقرأ كتابهم وتجد العمود الفقري له الأساسيات فيه كفر؛ فكيف يقال: إنك تأخذ منها ما هو شاذ، كيف يقال ذلك والكتاب مبني على الكفر في الأساس، مثل: فصل الخطاب في إثبات تحريف كلام رب الأرباب.

    وفعلاً هم يرون أن القرآن ناقص وليس بكامل؛ وعلماء السنة الكبار أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية لم يظلموا الشيعة، مع أن شيخ الإسلام رحمه الله كتب كتابه العظيم منهاج السنة النبوية، وصرح بكثير من عقائدهم الغريبة والشاذة والكفرية، في وقت كان الشيعة يسترون فيه مذاهبهم.

    ومع أن الكليني صاحب الكافي توفي قبل ابن تيمية رحمه الله بأكثر من ثلاثمائة سنة، ولم يطلع ابن تيمية على كتاب الكليني ، والذي يقرأ كتاب منهاج السنة النبوية لا يجد أي إشارة لـابن تيمية عن هذا الكتاب؛ مما يدل على أنه لم يطلع عليه لأنه كان مستوراً لا يظهرونه، وإنما ظهرت عقيدة الشيعة وكتبهم بعد الدولة الصفوية عندما ظهرت المطابع.

    ولهذا فإن الشيعة في هذا الوقت بالذات بدأ يتنامى وضعهم، وبدءوا يتكلمون بأن الشيعة لم يعطوا حقوقهم، وحقوقهم التي يريدونها هي سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على المنابر ووتكفيرهم، وأن يقوموا بهذه الخرافات من ضرب الصدور والوجوه أمام الناس، وهذا عبث وليس بدين، ولهذا لا يوجد دين في الدنيا يسب أصحاب النبي الذي ينتسب إليه إلا دين الشيعة، فالنصارى وهم نصارى يعظمون الحواريين الذين كانوا مع عيسى، أما هؤلاء فيكفرون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا أربعة أو خمسة.

    والذي يتتبع الواقع التاريخي يدرك أن أصل عقائد الشيعة جاء من اليهود عن طريق عبد الله بن سبأ ، والذي يقرأ ويطلع على عقائد ابن سبأ التي جاء بها في البداية يجد أنها نفس العقائد التي تبنتها الشيعة، وهي العقائد نفسها الموجودة في كتب الشيعة الآن، ولهذا فإن الشيعة اليوم يشكلون خطراً على أهل السنة بشكل خاص.

    1.   

    عقيدة أهل السنة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته

    قول المؤلف: (ويحبون آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال في غدير خم)، هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد حجة الوداع وهو في طريقه للمدينة في غدير يقال له: غدير خم، وخم هذا رجل، وهذا الغدير قريب من الجحفة ورابغ، فقال لهم: (أذكركم الله في أهل بيتي).

    وما قاله للعباس عمه، في إسناده نظر، وأما حديث: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريش، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بين هاشم) فهو صحيح، وهو يدل على فضل هؤلاء الهاشميين.

    وأهل السنة يتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة رضي الله عنه، وقد جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يبشر خديجة بأن لها في الجنة بيتاً من قصب لا نصب فيه ولا وصب، وهي أم أكثر أولاده، وقد ولد له منها ولدان: القاسم وعبد الله ، وولد له منها أربع بنات الكبرى منهن زينب ، ثم تليها أم كلثوم ، ثم رقية ، ثم فاطمة ، وهي أصغرهن.

    وأول من آمن به وعاضده على أمره خديجة ، فكانت أول من آمن من النساء، وكان لها منه المنزلة العالية، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها كثيراً.

    والصديقة بنت الصديق هي عائشة رضي الله عنها، وهي الصديقة حقاً، إذ صدقها الله عز وجل عندما حصلت لها الفتنة العظيمة، وهي الإفك الذي جاء به أهل النفاق، وقال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام).

    وهناك خلاف بين أهل العلم في أيهما أفضل: خديجة أم عائشة ؟ وأيهما أفضل: فاطمة أم عائشة ؟ ولـابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد تحقيق لطيف فيها، وهو أن عائشة أفضل باعتبار وخديجة أفضل باعتبار، وأن عائشة أفضل باعتبار وفاطمة أفضل باعتبار.

    قال المؤلف رحمه الله: [ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون].

    سمي الروافض بالروافض لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين ، فقد كانوا ينتسبون إلى علي بن أبي طالب ويقولون: نحن شيعته، فلما سألوا زيد بن علي بن الحسين : ما تقول في الشيخين؟ فترضى عنهما وأثنى عليهما ثناءً عظيماً، رفضوه، فقال: رفضتموني! فسموا روافض من تلك الفترة.

    والعجيب أني سمعت محاضرة لأحد الشيعة المعاصرين وهو غاضب من تسمية أهل السنة لهم بالروافض، ويقول: يسبوننا ويسمونا روافض، وينسى أنه وأهل مذهبه يسبون من هو أفضل - أبا بكر وعمر - وكأن سب أبي بكر وعمر مباح!

    قال المؤلف رحمه الله: [ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل].

    النواصب مثل الحجاج بن يوسف ، ومثل الخوارج الذين يسبون آل البيت، ويذمون علي بن أبي طالب وأولاده، هؤلاء لا شك أنهم مذمومون وأن طريقتهم فاسدة.

    1.   

    موقف أهل السنة تجاه الفتن التي وقعت في عهد الصحابة وما روي في ذلك

    قال رحمه الله: [ويمسكون عما شجر بين الصحابة].

    سبق أن علقنا على هذه القضية، والآن يرتب ابن تيمية الأدلة والأخبار التي وردت فيما شجر بين الصحابة، فيبين أن بعضها كذب وأن بعضها ثابت في الأصل لكن زيد فيه ونقص منه، وأن بعضها صحيح لكنهم معذورون فيه لاجتهادهم، أو ما وقع منهم من خطأ فإنه يذهب في بحار حسناتهم.

    قال رحمه الله: [ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما كذب، ومنها ما هو قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة].

    يعني: يجوز أن يقع الصحابي في الذنوب في الجملة لكنه قد يتوب، وقد يغفر الله عز وجل له لجهاده مع النبي صلى الله عليه وسلم، فليسوا معصومين إلا إذا أجمعوا، لأنهم لا يجتمعون على ضلالة.

    قال رحمه الله: [ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر].

    ولهذا فإن العلماء ألفوا كتباً كثيرة في مناقب الصحابة وفضائلهم، ولما ألف البخاري الصحيح كتب كتاباً خاصاً بالمناقب، فيذكرون مناقب الصحبة ويثنون عليهم كثيراً.

    قال رحمه الله: [حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات مما ليس لمن بعدهم].

    وأيضاً الحسنة التي يعملونها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هي أفضل من الحسنة التي يعملها من بعده، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسبوا أصحابي! فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وهذا يدل على أن صدقة الصحابة أفضل بلا شك من صدقة غيرهم؛ لأنها حصلت في وقت عوز وشدة، وكانت في رفع راية الإسلام وفي نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل هذا ليس متحققاً في من بعدهم.

    قال رحمه الله: [وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم].

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني)، وهذا يدل على أن خير الناس بعد الأنبياء مطلقاً هم الصحابة، فانظروا هذه المنزلة العالية، وانظروا إلى هؤلاء المجرمين الذين يشتمون الصحابة ويذمونهم عليهم من الله ما يستحقون.

    قال رحمه الله: [ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلى ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور].

    انظروا الكلام الذي عليه مشكاة النبوة فعلاً، وعليه نور واضح، فمن يذم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو يقدح فيهم أو يكفرهم فمعنى هذا أنه يقدح في النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، فالشيعة المجرمون يقولون: إن الصحابة ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة أو أربعة، وهم الذين نقلوا شريعته، وهم الذين جاهدوا وفتحوا العراق وبلاد الشام حتى وصلت الفتوحات إلى كل مكان شرقاً وغرباً، بل إن الشيعة هم المرتدون في الحقيقة عليهم من الله ما يستحقون، وقبحهم الله!

    قال رحمه الله: [ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل، علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله].

    اللهم صلِّ على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، ونسأل الله عز وجل أن يغفر لأصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله عز وجل أن يجمعنا وإياكم بهم في مستقر رحمته إنه على كل شيء قدير

    1.   

    الأسئلة

    معنى كفر الفعل وكفر المعين

    السؤال: أشكل علي الفرق بين كفر الفعل وكفر المعين، أرجو التوضيح؟

    الجواب: كفر الفعل معناه: أن سب الله كفر، وسب الله فعل، وسب الرسول صلى الله عليه وسلم فعل، وتكفير الصحابة فعل، والتشريع بغير ما أنزل الله فعل، والطواف حول القبور فعل، والذبح لها والنذر لها والاستغاثة بغير الله أفعال قد تحصل هذه السنة، وقد تحصل في الجيل الذي لم يولد بعد، وقد تحصل بعد مائة سنة، وقد تحصل بعد ألف سنة، فحكم الأفعال ثابت منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم وإلى يوم القيامة، وكفر الأفعال وكفر الأنواع منها ما هو أمر متفق عليه، ومنها ما هو أمر مختلف فيه مثل كفر تارك الصلاة.

    والذين يرتكبون مثل هذه الأعمال الكفرية يختلفون، وقد يموتون ويأتي جيل آخر ويرتكب جزءاً منها، وقد يأتي جيل آخر بعده وهكذا، فالحكم الشرعي المتعلق بالأفعال ثابت، وحكم الشرع فيها ثابت، وأدلته ثابتة، وهي متعلقة بباب التوحيد والإيمان الذي هو باب ثابت إلى يوم القيامة، لكن الذين يتلبسون بهذه الأقوال وهذه الأفعال يختلفون، فبعضهم تنطبق عليه شروط التكفير وتنتفي عنه الموانع فيكفر، وبعضهم قد يقوم به مانع من الموانع أو يفقد شرطاً من الشروط فلا يكفر، مع أن الاثنين فعلا فعلاً واحداً!

    تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة

    السؤال: أشكل علي تعريف أهل السنة للإيمان، وما حصل من التشابه بينه وبين تعريف المعتزلة، حيث يقولون: إن الإيمان النطق والاعتقاد والعمل، وكأن الفرق بينهما أن السلف جعلوا العمل للكمال، والمعتزلة جعلوا العمل شرطاً، فما هو الفرق؟

    الجواب: السلف يعرفون الإيمان بأنه قول وعمل، والمعتزلة والخوارج كذلك يعرفون الإيمان بأنه قول وعمل، والمعتزلة يرون أن من ترك جزءاً من العمل فإنه يكفر؛ لأنهم يعتقدون أن العمل وحدة واحدة لا تزيد ولا تنقص، فإذا فقد منه جزء فقد فقد العمل بأكمله فيكفر صاحبه، فمن فقد بر الوالدين مثلاً فإنه يكفر عندهم، وهكذا بقية الأعمال من حيث الترك أو من حيث فعل الكبائر.

    أما أهل السنة فإنهم يعرفون الإيمان بنفس التعريف، يقولون: الإيمان قول وعمل، لكن العمل عندهم يزيد وينقص، والقول يزيد وينقص فما دام أنه يزيد وينقص، فمنه ما يذهب الإيمان بزواله، ومنه ما يذهب كمال الإيمان بزواله، مثاله: شهادة (أن لا إله إلا الله) قول من تركه ذهب عنه الإيمان بالمرة، ومحبة الله عمل، من ترك محبة الله بالمرة فهو كافر، وهكذا من ترك الخوف من الله بالمرة، لكن من ترك جزءاً من العمل كطاعة الوالدين أو ترك العفة فوقع في الزنا، أو ترك أمر النبي صلى الله عليه وسلم باجتناب الخمر فشاربها لم يكفر عند أهل السنة، هذا هو الفارق بينها.

    وأما الكلام العام الذي أشرت إليه وهو قولك: السلف جعلوا العمل للكمال، والمعتزلة جعلوه شرطاً، فهذا تفريق عام غير دقيق، وذلك أن السلف جعلوا بعض العمل كمالاً، لكن جعلوا بعضه جزءاً أساسياً وركناً أساسياً، مثل: محبة الله والخوف منه، والتوكل عليه، ومثل شهادة التوحيد، وكذلك جنس العمل -أي: عموم العمل- ليس من الكمال بل هو أساسي يزول الإيمان بزواله.

    وقولك: إن المعتزلة جعلوا العمل شرطاً، فإن كلمة (كمال) و(شرط) مصطلحات لا بد من تحديدها حسب مفهوم المتكلم بها، وقد وضحت الفرق بين تعريف السلف وتعريف المعتزلة والخوارج للإيمان، فهم اتفقوا أن الإيمان قول وعمل، لكن اختلفوا فيما يترتب عليه، فالمعتزلة يرون أن الإيمان قول وعمل، وأنه لا يزيد ولا ينقص، فمن ترك جزءاً منه وقع في الكفر، وأما السلف فيرون أن الإيمان يزيد وينقص، وأن منه ما يزول الإيمان بزواله، ومنه ما لا يزول الإيمان بزواله.

    حكم ما يرويه ابن عباس وابن عمر في الغيبيات

    السؤال: أشكل علي رد بعض العلماء للأحاديث التي يرويها العبادلة: عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم في أمور الغيب؟

    الجواب: العلماء لم يردوا كلام العبادلة عموماً في المغيبات، وإنما قالوا: إن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس قرءوا في كتب أهل الكتاب، فأحياناً قد ينقلون عن كتب أهل الكتاب دون الإشارة إلى ذلك، ولهذا نحن نقول: إذا تكلم هؤلاء في المغيبات فإما أن يسندوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو لا يسندوه، فإن أسندوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرفوع، ولا يصح لأحد أن يرده، وإن لم يسندوه وهو موجود في كتب أهل الكتاب فإنا نعرف أن هذا الكلام مأخوذ من كتب أهل الكتاب، فإذا لم يكن في كتب أهل الكتاب فإنه في حكم الرفع.

    معنى تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان

    السؤال: هل تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان؟

    الجواب: الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان؛ لأن الزمان والمكان مؤثران، يعني: الزمان والمكان أحياناً يؤثران في تغير صورة المسألة، فتتغير الفتوى بناءً عليها، ولا يعني هذا أن المفتي يتخير من الفتاوى ما يشاء، ثم يفتي بناءً على أن هذا الزمن يقتضي هذه الفتوى، وأن هذا المكان يقتضي هذه الفتوى، فالمفتي ليس مشرعاً يشرع للناس، بل هو ينقل عن الشرع، والذي يشرع هو الله سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم، وأما المفتي فإنه ينقل ما فهمه من كلام الله عز وجل ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الواقعة، لكن أحياناً تكون صورة الواقع حادثة بشكل ما والزمان يغيرها والمكان يغيرها.

    مثاله: التقابض أو نقل المبيع بعد شراء السلعة.

    فالنقل قديماً كان بحمل السلعة، من هذا المكان إلى مكان آخر، لكن الآن ربما يكون النقل بشكل آخر، قد يكون انتقالاً معنوياً مثل انتقال الملكية من شخص إلى شخص آخر، فأحياناً الزمان نفسه يغير صورة الحادثة والواقعة، فعلى هذا تتغير الفتوى المتعلقة بها.

    حكم قول الرجل إذا نصح: الإيمان في القلب

    السؤال: بعض الناس إذا قيل له: افعل كذا، أو اترك كذا، قال: الإيمان في القلب، فهل هذا له علاقة بما يتعلق بالإيمان؟

    الجواب: بعضهم إذا قيل له: صل، قال: الإيمان في القلب، فهذا الفهم فاسد للإيمان، فإن الإيمان يقتضي الصلاة، وإذا قيل له: اترك المنكر، قال: الإيمان في القلب هذا فهم فاسد للإيمان.

    معنى القومية العربية عند البعثيين

    السؤال: ما هي العقيدة البعثية التي يعتقدها البعثيون؟

    الجواب: المقصود بها القومية العربية، وأن الرابط الأساسي عندهم بين الأشخاص هو العروبة، وأن العربي يعظم ويقرب وإن كان كافراً، وغيره يبعد ويقصى وإن كان مسلماً، فأصل الولاء عندهم على العروبة، وليس على الإسلام، ولهذا يعتبرون أن الجاهلية جزء مشرق من تاريخ العروبة، كما أن الإسلام جزء مشرق من تاريخ العروبة، ويساوون بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي أجهل وأبي بكر وأبي لهب ؛ لأن الدين ليس من الأمور المفرقة، فالجامع هو اللغة وليس الدين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245771

    عدد مرات الحفظ

    723980922