إسلام ويب

العقيدة الطحاوية [2]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يتصل بركن الإيمان باليوم الآخر إثبات الحوض الذي أكرم الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم غياثا لأمته, والتصديق بما ورد من صفاته في الأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم, خلافًا لمنكريه من الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم, ومما يتصل كذلك بالإيمان باليوم الآخر التصديق بالشفاعة الثابتة يوم القيامة للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره بأنواعها, العظمى منها فما دونها بشروطها المنصوصة في آيات الكتاب الكريم.

    1.   

    إثبات الحوض

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

    وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.

    اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت العليم الحكيم.

    أما بعد:

    قال الطحاوي رحمه الله تعالى: [والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق].

    هذه الفقرة مشتملة على إثبات الحوض يوم القيامة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والحوض: هو مجمع الماء، والحوض ثبت بالأحاديث النبوية التي بلغت حد التواتر، فقد ذكر القاضي عياض في شرحه لصحيح مسلم المسمى: (إكمال المعلم) بأنه رواه خمسة وعشرون نفساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد عليه النووي في شرح مسلم ثلاثة، وزاد عليهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه لأحاديث الحوض في (فتح الباري) ما يقارب قدر ما ذكروه، فزاد عدد الذين رووا حديث الحوض على خمسين راوياً من الصحابة.

    بل إن الحافظ ابن حجر رحمه الله ذكر في شرحه: أن بعض المتأخرين أوصل عدد الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض إلى ثمانين راوياً، وقد صنف الحافظ الضياء المقدسي صاحب المختارة كتاباً مستقلاً في أحاديث الحوض، كما أن أحاديث الحوض جمعها البيهقي رحمه الله في كتابه: (البعث والنشور)، ورواها جميعاً بأسانيدها، وممن جمع أحاديث الحوض أيضاً الحافظ ابن كثير رحمه الله في كتابه (البداية والنهاية)، وكتاب (البداية والنهاية) يعتبر هو المرجع الأساسي لشارح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز الحنفي رحمه الله، فإن ابن كثير هو شيخه، بل إنه ينقل عنه بالنص كما سيأتي في قضية الشفاعة بإذن الله.

    ومما ينبغي أن يتنبه له الإنسان: أن هناك فرقاً بين الكوثر والحوض، فالكوثر: هو نهر بالجنة، وهو الذي أعطاه ربنا سبحانه وتعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، كما دلت عليه السورة المشهورة سورة الكوثر: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، ودل على أن هذا الكوثر نهر في الجنة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في صحيح البخاري حيث قال: (لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟! قال: هذا الكوثر)، بل جاء في رواية للبخاري توضح هذه الرواية وهي قوله: (بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر...)، فهذا يدل على أن الكوثر نهر في الجنة، كما روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت) قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.

    وفي حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري في كتاب التفسير في تفسير سورة الكوثر قالت: (هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم)، وذكرت: (أن عليه دراً مجوفاً، وآنيته كعدد نجوم السماء)، وزاد النسائي : (في بطنان الجنة، قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها) الراوي عن عائشة سأل عن بطنان الجنة؟ فقالت: وسطها، يعني: أن نهر الكوثر في وسط الجنة.

    لكن روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في الكوثر: (هو الخير الذي أعطاه الله إياه).

    فإن قيل: كيف يمكن أن نجمع بين ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن الكوثر نهر في الجنة وبين كلام ابن عباس الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم التفسير، وهو علم التأويل؟

    فالجواب: يمكن أن نجمع بما جمع به تلميذ ابن عباس سعيد بن جبير ؛ فإنه سأله أبو بشر الراوية عنه فقال: إن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة! يعني: عندما سمع رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، قال: إن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد بن جبير : (النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه) يعني: فلا إشكال.

    ويؤكد كلام سعيد بن جبير ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: (بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ غفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: نزلت علي سورة آنفاً، وقرأ عليهم سورة الكوثر، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة).

    وهذا الحديث الذي فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة) قد يشكل على بعض الناس الذين يقولون: كيف نفرق بين الكوثر والحوض مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الكوثر هو نفسه الحوض؟ والصحيح: أن الكوثر في الجنة والحوض يكون يوم القيامة بعد الصراط، كما سيأتي.

    وأما ماء الحوض فإنه يكون من الكوثر، ويدل على ذلك ما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال -يعني: في الحوض-: (يسكب فيه ميزابان من الجنة)، وكذلك ثبت في مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (ويفتح نهر الكوثر إلى الحوض).

    وإنما أطلق على الحوض أنه كوثر كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لأن الحوض فرع عن الكوثر؛ فهو منه، لكن هناك فرقاً، فالأول الذي هو الكوثر في الجنة، والحوض خارج الجنة.

    مكان الحوض ووقت الورود عليه

    أين ومتى يكون الحوض؟

    ذكر بعض العلماء خلافاً في ذلك، وهو القرطبي رحمه الله في كتابه (التذكرة) ذكر أن بعض العلماء قال: إن الحوض يكون قبل الصراط وقبل أن توزن الأعمال، وقال آخرون: إن الكوثر يكون بعد الصراط، وهذا هو الصحيح، وطريقة البخاري رحمه في روايته لأحاديث الحوض تدل على ذلك، فإنه بوب في كتاب الرقاق (باب في الحوض) بعد ذكره الشفاعة والصراط، وهذه إشارة منه رحمه الله إلى أن الحوض يكون بعد الصراط، ويدل على ذلك ما رواه أحمد والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي، فقال: أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني عند الصراط، قلت: فإن لم أجدك؟ قال: فأنا عند الميزان، قلت: فإن لم أجدك؟ قال: فأنا عند الحوض) وهذا يدل على أن الحوض يكون بعد الميزان وبعد الصراط.

    لكن قد يشكل على هذا القول الأحاديث التي وردت أن النبي صلى الله عليه وسلم يرى بعض أصحابه ثم يذادون عنه فيقول: (أصيحابي أصيحابي! ثم يقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك).

    وإذا كان الحوض بعد الصراط فإن الذي يمر على الصراط إلى الحوض لا بد أن يكون ناجياً، فإنه لا يمكن أن يمر على الصراط ثم يأتي إلى الحوض ثم يذاد ويرجع به إلى النار، فإن من مر على الصراط ونجا منه لا يمكن أن يرجع إليه مرة أخرى.

    لكن هذا يجاب عنه: هؤلاء الذين يذادون عن الحوض يراهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد بقي لهم بقية من الصراط لم يتجاوزوه، ثم يذادون عنه، يعني: يؤخذون إلى النار، ثم ينادي ويقول: (أصيحابي أصيحابي!) وهم لم يتجاوزوا الصراط بأكمله، هذا ما أفاده الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.

    ذكر الخلاف في إثبات أحواض أخرى لبقية الأنبياء عليهم السلام

    هل الحوض خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أم أن لبقية الأنبياء أحواض؟

    المشهور في هذه المسألة هو أن الحوض خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وورد في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما رواه الترمذي من حديث سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل نبي حوضاً، وإنهم يتباهون أيهم أكثر وارداً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم وارداً) لكن هذا الحديث في إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف، كما أن فيه انقطاعاً بين الحسن البصري وسمرة بن جندب ، وبناءً على هذا يكون هذا الطريق الذي رواه الترمذي طريقاً ضعيفاً، ثم إن الترمذي نفسه قال: إن الصحيح هو المرسل، يعني: المرسل عن الحسن ، ورواه ابن أبي الدنيا مرسلاً وصححه الحافظ إلا أن فيه زيادة وهي قوله: (وهو قائم على حوضه بيده عصا يدعو من عرف من أمته، إلا أنهم يتباهون..) إلى آخر الرواية التي سبق أن ذكرناها من رواية الترمذي ، وقد رواه الطبراني أيضاً مرفوعاً عن سمرة لكن في إسناده ضعفاً، كما رواه أيضاً ابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً وفي إسناده ضعف أيضاً.

    ولعل الذين قالوا بأن الحوض خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم اعتمدوا على أنه لم يوجد دليل صحيح يثبت وجود أحواض أخرى للأنبياء لبقية الأنبياء، لكن هذه الأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وتكون في مرتبة الحديث الحسن، وحينئذٍ يكون للأنبياء أيضاً أحواض أخرى، ولكن أكثرهم وارداً هو حوض النبي صلى الله عليه وسلم، بينما الخاص بالرسول صلى الله عليه وسلم هو الكوثر، فإن الكوثر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لأمرين:

    الأمر الأول: أنه لم يثبت أنه أعطي أحد من الأنبياء مثله.

    الأمر الثاني: الامتنان الوارد في السورة، ولا سيما أنه جاء بأسلوب يشبه الحصر، عندما قال: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] فإنه لو كان الكوثر أو مثله قد أعطي لغير النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في هذا امتنان، فلما وجد الامتنان دل على الخصوصية، وأن الكوثر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    صفة الحوض

    أما صفة الحوض فأجمع ما روي في وصفه هو ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها -يعني: من هذه الكيزان- فلا يظمأ أبداً)، وورد في بعض الألفاظ: (من شرب منه -يعني: من الحوض- لا يظمأ أبداً).

    فهذه مجموعة من الصفات:

    الأولى: في طوله، وأن مسيرة شهر.

    والثانية: في لونه، وأنه أبيض من اللبن.

    والثالثة: في ريحه، وأنه أطيب من المسك.

    والرابعة: فيما عليه من الأكواب والكيزان والأباريق، وأنها كنجوم السماء.

    والخامسة: وهي أثر هذا الماء الذي يشربه المؤمنون منه، وهو أنه من شرب منه لا يظمأ أبداً.

    ومن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً في صحيح البخاري قال: (إن ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة، ثم قال: ومنبري على حوضي).

    والمقصود: قوله: (ومنبري على حوضي) يعني: أن مكان المنبر هو نفسه مكان الحوض بعد تبديل الأرض، فإن الله عز وجل يبدل الأرض غير الأرض والسماء كذلك تبدل بعد البعث، ثم يكون مكان الحوض هو في نفس مكان المنبر، كما دل عليه هذا الحديث.

    كما أن ابن أبي عاصم في (السنة) وابن أبي الدنيا في (الأهوال) رويا من حديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وألين من الزبد)، وزاد مسلم من حديث أبي ذر وثوبان : (وأحلى من العسل)، وزاد الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر وابن مسعود : (وأبرد من الثلج).

    طول الحوض وعرضه

    هذه مجموعة من الصفات الثابتة في صفة الحوض، وقد وردت أحاديث متعددة في طوله وعرضه، وسنأتي على هذه الروايات جميعاً، وظاهرها أن بعضها يختلف عن بعض، لكن ورد في مسألة طوله وعرضه وأنهما سواء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في صحيح مسلم وأخرجه الإسماعيلي كذلك (في الجمع بين الصحيحين) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وزواياه سواء) زواياه: طوله وعرضه سواء، كما جاء في حديث النواس بن سمعان وجابر وأبي برزة وأبي ذر أنه قال: (طوله وعرضه سواء)، وهذا أوضح، قال: (طوله وعرضه سواء).

    أما الأحاديث الواردة في مسألة تشبيه طول الحوض، فوردت على ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: ما يدل على أن مسيرة هذا الطول شهر كامل، ومن ذلك حديث أنس رضي الله عنه يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كما بين أيلة وصنعاء اليمن) وأيلة هي العقبة، وصنعاء اليمن هي المدينة المشهورة، وإنما أضافها إلى اليمن حتى يفرق بينها وبين صنعاء الشام، فإن أهل اليمن عندما غزوا في فتوح الشام سكن كثير منهم مكاناً في دمشق سمي بعد ذلك باسم مدينتهم صنعاء، وإضافة صنعاء اليمن هي إضافة من بعض الرواة كما يذكر ذلك بعض الشراح.

    وفي رواية حذيفة بدل صنعاء: عدن، وفي رواية: (ما بين عمان إلى إيلة) وهي نفسها العقبة، وجاء في رواية أبي بردة عند ابن حبان : (ما بين ناحيتي حوضي كما بين إيلة وصنعاء مسيرة شهر) وهذه المسافات كلها معروف أن مسيرتها مسيرة شهر للراحل بالإبل.

    وأما النوع الثاني من الأحاديث الواردة في مسألة الطول: ما يدل على أنها نصف شهر أو دونه، ومن هذه الأحاديث حديث عقبة بن عامر عند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في طوله: (كما بين أيلة إلى الجحفة) ما بين أيلة إلى الجحفة أقل مما بين أيلة إلى صنعاء.

    وفي حديث جابر : (كما بين صنعاء إلى المدينة)، وفي حديث ثوبان : (كما بين عدن وعمان البلقاء) والبلقاء هي مدينة مشهورة في فلسطين، وعند عبد الرزاق في المصنف: (ما بين بصرى إلى صنعاء) وبصرى هي مدينة في أطراف الشام، أو: (ما بين أيلة إلى مكة)، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه: (ما بين صنعاء إلى مكة) أو: (ما بين مكة إلى عمان)، وفي حديث الحسن عن أنس عند أحمد : (ما بين صنعاء ومكة) كما سبق أن أشرت.

    الجمع بين الروايات التي وردت في ذكر مسافة طول الحوض وعرضه

    هذه المسافات التي ذكرناها متقاربة، وهي تدل على أن المسافة نصف شهر تقريباً أو أزيد بقليل أو أنقص بقليل، فهذه نصوص تدل على أن مسافة الحوض شهراً كاملاً، ونصوص أخرى تدل على أن مسافة الحوض نصف شهر فكيف يمكن أن نجمع بين هذه النصوص؟

    جمع بينها أهل العلم بطرق متعددة من الجمع نذكر منها:

    القول الأول: جمع القاضي عياض رحمه الله في شرحه لـمسلم ؛ حيث قال: إن هذا الاختلاف هو اختلاف في التقدير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان في كل موضع يحدث فيه عن الحوض، يضرب لهم -يعني: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- مثلاً ببعد أقطار الحوض وسعته بما يسنح له من العبارة.

    فعند القاضي عياض ليس المقصود هو التحديد، وإنما المقصود هو مجرد التقدير وبيان السعة فقط، ولهذا قد يذكر بعض الأحيان أن مسافته مسافة شهر، وبعض الأحيان يذكر أقل، بحسب ما سنحت له العبارة، هذا جمع القاضي عياض رحمه الله، ولا شك أن في هذا نظراً، فإن ضرب المثل لا يكون تارة بشيء كثير وتارة بشيء قليل، وإنما يمكن أن يعبر بأنواع متعددة منه، لكن تجتمع في المقدار، فهذا القول فيه ضعف.

    القول الثاني في الجمع: هو أن هذا الاختلاف هو لاختلاف الطول والعرض، قالوا: إن بعض الروايات جاءت في الطول وبعضها جاءت في العرض، فما جاء من الروايات أنه يساوي مسيرة شهر فهذا المقصود به الطول؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق: (أن طوله مسيرة شهر)، وما جاء أقل من ذلك فهو في العرض، وهذا جمع بين الأدلة، ولا شك أن هذا أيضاً فيه نظر؛ لأنه سبق أن ذكرنا أن طوله وعرضه سواء.

    القول الثالث: هو أن الفرق بين هذه وتلك هو في مسألة السير البطيء والسير السريع، قالوا: إنه إذا نظر إلى السير السريع يكون التقدير ما بين أيلة إلى صنعاء، وإذا نظر إلى السير البطيء يكون أقل من ذلك، لكن هذا الكلام غير صحيح؛ لأن ظاهر الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد التفريق بينهما بالسير، وهذا جمع فيه تكلف.

    لكن الجمع الصحيح هو ما ذكره النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم : فإن النووي رحمه الله عندما أراد الجمع بين هذه النصوص قال: إن الأحاديث التي ورد فيها ما بين أيلة إلى الجحفة مثلاً أو ما بين مكة إلى عمان، هذه المسافات القصيرة لا تخالف المسافات الطويلة، فإن المسافة الطويلة تشمل القصيرة وزيادة.

    وبناءً على هذا فيكون المعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بداية الأمر يظن أن الحوض من أيلة إلى الجحفة، ثم بعد ذلك أخبر أنه أكثر، وليس هناك تعارض بين الأكثر والأقل، فإن الأقل يدخل في الأكثر، وهذه المسألة تشبه مسألة العام والخاص، فإن العام يشمل الخاص وزيادة، وكذلك الأكثر يشمل الأقل وزيادة، وهذا أيضاً ما رجحه الحافظ ابن حجر رحمه الله، وهو اختياره، وقال: إنه أقرب إلى الصواب.

    لكن يبقى أن نشير إلى أنه ورد في بعض الأحاديث في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن مسافته: (كما بين جرداء وأذرح) وجرداء وأذرح هي قريتان في الشام متقاربتان، يذكر أن بينهما مسافة ثلاثة ليال أو ثلاثة أيام، لكن هذه الرواية التي في البخاري بين الضياء المقدسي في كتابه الذي جمع فيه أحاديث الحوض أن فيها غلطاً، واستدل على وجود الغلط برواية أخرى ساقها بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عرضه مثل ما بينكم -يعني: في المدينة- وبين جرداء وأذرح)، وحينئذ فتكون رواية ابن عمر : (أنه ما بين جرداء وأذرح) غلط، وإنما الصحيح أنها: (ما بين المدينة إلى جرداء وأذرح)، فتكون متفقة مع بقية الروايات الأخرى، يقول المقدسي رحمه الله: فظهر بهذا أنه وقع في حديث ابن عمر حذف تقديره: (كما بين مقامي وبين جرداء وأذرح)، فسقط قوله: (مقامي وبين)، ودل على ذلك رواية أبي هريرة السابقة.

    1.   

    ذكر منكري الحوض وسبب إنكارهم له

    أنكر الخوارج والمعتزلة الحوض، وممن أنكر الحوض كذلك عبيد الله بن زياد ، وهو أحد أمراء العراق لـمعاوية وابنه يزيد ، فقد أخرج أبو داود عن أبي برزة الأسلمي : أنه دخل على عبيد الله بن زياد فذكر ابن زياد الحوض، فقال: (هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فيه شيئاً؟ فقال أبو برزة : نعم، لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً ولا أربعاً ولا خمساً، فمن كذب به فلا سقاه الله منه).

    ويزيد القصة وضوحاً حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي رواه أبو يعلى في مسنده قال -يعني: أنس -: دخلت على ابن زياد وهم يذكرون الحوض، فقال: هذا أنس ، فقلت: (لقد كانت عجائز المدينة كثيراً ما يسألن ربهن أن يسقيهن من حوض نبيهن) وإسناده صحيح.

    وكذلك روى أبو داود من طريق يزيد بن حبان التيمي قال: شهدت زيد بن أرقم وبعث إليه ابن زياد -وهو عبيد الله بن زياد - فقال: (ما أحاديث تبلغني أنك تزعم أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوضاً في الجنة؟ قال: حدثنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    و عبيد الله بن زياد هو من النواصب الذين كانوا يبغضون علي بن أبي طالب ، بل ربما تكلم على بعض الصحابة، فلما جاءه عائذ بن عمرو رضي الله عنه وقال له: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن شر الرعاع الحطمة)، وإني أخشى أن تكون منهم، فقال: اجلس إنما أنت من نخالة أصحاب محمد، فقال له عائذ : وهل كان فيهم نخالة؟! إنما كانت النخالة فيمن بعدهم. يقصده.

    فهذه هي مسألة الحوض، والأقوال في هذه المسألة، وإنما أنكره الخوارج والمعتزلة لمخالفته للعقل في زعمهم، فإن لهم أصلاً في باب السمعيات الخبريات التي لا تقبل العقل: يؤولونها جميعاً، فيؤولون الميزان، ويؤولون الصراط، ويؤولون الحساب، ويؤولون الحوض.. وغير ذلك من السمعيات.

    وأما الأشاعرة فإنهم يثبتون الحوض، ويقولون: إن كل السمعيات بعد إثبات النبوة تكون مثبتة، هذا هو أصلهم في هذه القضية.

    1.   

    الشفاعة

    قال المؤلف رحمه الله: [والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار].

    الشفاعة: هي طلب الخير للغير بالتوسط عند من لديه حاجة المشفوع له.

    أركان الشفاعة

    لها ثلاثة أركان:

    الركن الأول: الشافع وهو الذي يتوسط.

    الركن الثاني: المشفوع له، وهو المتوسط له.

    الركن الثالث: الشفاعة، وهي فعل الشافع.

    أنواع الشفاعة وشروطها

    أنواعها نوعان: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية.

    وأما شروطها فشرطان:

    الشرط الأول: أن يأذن الله سبحانه وتعالى للشافع أن يشفع، كما يدل على ذلك قول الله عز وجل: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255].

    الشرط الثاني: الرضا عن المشفوع له بأن يكون من أهل التوحيد، ويدل على ذلك قول الله عز وجل: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، مخلصاً من قلبه).

    أنواع الشفاعة التي أثبتها الله سبحانه وتعالى

    والشفاعة التي أثبتها الله سبحانه وتعالى أنواع:

    النوع الأول: الشفاعة العظمى لأهل الموقف، وهي المقام المحمود الذي يقول الله سبحانه وتعالى فيه: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، فقد روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس لتدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم موسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيشفع ليقضي بين الخلق أو ليقضى بين الخلق، فيومئذٍ يبعثه -يعني: الله عز وجل- مقاماً يحمده فيه أهل الجمع كلهم).

    أما حديث أبي هريرة الطويل فقد ذكر الشارح ابن أبي العز الحنفي رحمه الله أن سياق الحديث في بدايته يدل على أنه في الموقف، فإنهم يأتون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم ثم إلى موسى ثم إلى عيسى يطلبون أن يحاسبهم الله سبحانه وتعالى، وأن يخرجهم من هذا الموقف، لكن في ختام الحديث ليس فيه شيء من ذلك، بل فيه أنه بعد أن يسجد ويقول الله عز وجل له: (ارفع رأسك، سل تعط واشفع تشفع، فيقول: يا رب! أمتي أمتي، يا رب! أمتي أمتي، يا رب! أمتي أمتي، فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من العذاب من الباب الأيمن من أبواب الجنة)، فليس فيه أنه شفع لهم في الموقف، مع أن أهل العلم يستدلون بهذا الحديث في مسألة الشفاعة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول: والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه، ولا يذكرون أمر الشفاعة الأولى، وهذا الكلام هو نص كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية.

    والصحيح أن حديث أبي هريرة رضي الله عنه يدل على الشفاعة العظمى، وقد استدل به ابن خزيمة في كتاب (التوحيد) على هذا الأمر، كما استدل به القرطبي في كتابه (التذكرة) على الشفاعة العظمى، ووجه الدلالة في هذه المسألة هي أن الحديث اشتمل في بدايته على طلب الشفاعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما في حديث أبي هريرة -: (فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟) يعني: فيخرجكم من هذا الموقف، وليس في نهاية الحديث أنه شفع لهم للخروج من الموقف، لكن فيه أن الله عز وجل يقول: (أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة) وفيه بعد ذلك حصول الشفاعة لأهل الكبائر، وهذا يدل على أنهم حوسبوا، فيبدو أن في الحديث اختصاراً، وأن الصحيح هو أن سياق الحديث بأكمله أنه بعد أن جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم طلب الشفاعة من ربه فشفع للناس، فنزل سبحانه وتعالى فحاسب الناس، ثم شفع النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى لدخول من لا حساب عليه ولا عذاب الجنة.

    وحينئذٍ فلا حاجة للقول بما قال به الشارح من أن الدليل هو حديث الصور؛ فإن حديث الصور حديث طويل ساقه الشارح بأكمله، وفيه: فيقول سبحانه وتعالى: (شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينهم، قال: فأرجع فأقف مع الناس) يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر انشقاق السماوات وتنزل الملائكة بالغمام، ثم يجيء الله سبحانه وتعالى لفصل القضاء.

    وحديث الصور لا يكون مثل حديث أبي هريرة ، فإن حديث أبي هريرة أقوى منه، فحديث أبي هريرة في الصحيحين وحديث الصور تكلم عليه العلماء وقالوا: إن فيه ضعفاً، وفي إسناده إسماعيل بن رافع المدني وهو قاص أهل المدينة، ويبدو أنه ركب الحديث من أحاديث مجموعة وجعلها في سياق واحد، ولهذا ضعف هذا الحديث أهل العلم، وذكروا أن ما وجد فيه من فقرات يشهد لها أحاديث أخرى في الصحيحين أو في غيرها مما ثبت إسناده فهي صحيحة، ووجد فيه ألفاظ منكرة ولا تكون ثابتة، ووجد فيه أشياء لا شواهد لها، وهذه لا تكون صحيحة؛ لضعف إسماعيل بن رافع القاص الذي سبق ذكره.

    النوع الثاني من الشفاعة: الشفاعة في دخول أهل الجنة فيها، وهذه الشفاعة ثابتة في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أول شفيع في الجنة).

    وكذلك روى الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد من قبلك).

    وهاتان الشفاعتان -الشفاعة الأولى والشفاعة الثانية- خاصتان بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيها أحد.

    النوع الثالث من أنواع الشفاعة: الشفاعة بتخفيف العذاب عمن يستحق، وهذه الشفاعة هي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب ، فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أبي طالب : (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه) وهذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم .

    النوع الرابع من أنواع الشفاعة: الشفاعة لرفع درجات أقوام من أهل الجنة، وهذه الشفاعة ذكرها الحافظ ابن كثير ، كما ذكرها أيضاً شارح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز رحمه الله، ولم يذكر عليها دليلاً، والأحاديث الواردة في هذه المسألة هي ما رواه مسلم عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لـأبي سلمة -وهو زوجها- فقال: (اللهم اغفر لـأبي سلمة ، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين! وافسح له في قبره ونور له فيه) وهذا الحديث ليس فيه أنها شفاعة يوم القيامة، وإنما غاية ما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لـأبي سلمة في الدنيا، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا لغير أبي سلمة، فليس في هذا الحديث ما يدل على أن هذه شفاعة لأهل الجنة يوم القيامة في رفع درجات بعضهم، وليس فيه ما يدل على ذلك.

    وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: أن هذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أنه يثبتها، ويمكن مراجعة كلامه في (14/399) من مجموع الفتاوى، لكن لم أجد دليلاً يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الجنة يوم القيامة في رفع درجاتهم، وإنما غاية الأحاديث التي يستدل بها هي دعاء للنبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا لبعض أصحابه أن يرفع سبحانه وتعالى درجته يوم القيامة.

    والشفاعة الخامسة: هي الشفاعة في دخول الجنة بغير حساب، وهذا يدل عليه الحديث السابق حديث أبي هريرة الطويل؛ لأن في آخر الحديث قوله: (أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة)، وقد استدل بعض العلماء بحديث ابن عباس رضي الله عنه في قصة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وليس فيه ما يدل على أن حديث ابن عباس ورد في الشفاعة يوم القيامة، وإنما النص الصريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في قوم يدخلون الجنة بغير حساب يوم القيامة هو حديث أبي هريرة الذي سبق.

    والشفاعة السادسة التي يذكرها العلماء: هي الشفاعة لأهل الكبائر بعد دخول النار.

    يعني: أنهم يدخلون النار، ثم يشفع لهم بعد ذلك فيخرجون من النار ويدخلون الجنة، وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عندما دخل عليه أهل البصرة بواسطة ثابت البناني وهو تلميذه، وذكر فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي ثلاث مرات ويسجد بين يدي الله عز وجل ويحمده بمحامد ثم يقال له في كل مرة: ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع، فيشفع لبعض أهل الكبائر، فيقول الله عز وجل: أخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، وفي المرة الثانية: من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وفي المرة الثالثة قال: من كان في قلبه مثقال أدنى من ذرة من إيمان) ثم خرج أهل البصرة ودخلوا على أبي سعيد الحسن البصري ، فروى أبو سعيد : أن أنس رضي الله عنه قد حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع في الرابعة، وأن الله عز وجل قبل شفاعته.

    والنوع السابع من أنواع الشفاعة: الشفاعة لأهل الكبائر ممن استحق النار ألا يدخلها، وهذه الشفاعة ذكرها الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية، واستدل عليها بحديثين رواهما ابن أبي الدنيا في الأهوال، وهما ضعيفان، ولا يوجد فيما أعلم ما يدل على هذا النوع إلا حديث: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، ووجه الدلالة فيه: العموم، فإن قوله: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) تشمل قبل دخول النار وبعد دخول النار، ولهذا أثبت هذا النوع شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، بينما توقف فيه ابن القيم رحمه الله في شرحه لتهذيب السنن، فإن ابن القيم رحمه الله يقول: هذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه، وقوله: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) هذا العموم يفسره حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وهو: أنه يشفع لهم بعد دخول النار، وأما قبل دخول النار فإنه لم يرد في ذلك نص واضح في المسألة، ولهذا توقف ابن القيم كما سبق أن ذكرنا.

    وذكر الشارح ابن أبي العز رحمه الله نوعاً آخر من الشفاعة، وهي شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، وهذه الشفاعة أخذها من كلام شيخه ابن كثير رحمه الله تعالى، فإنه ذكر هذا النوع ولم يذكر عليه دليلاً، والحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح (14/428) رجح أن هذا نوع من أنواع الشفاعة، واستدل عليه بأثر لـابن عباس رضي الله عنه موقوفاً على ابن عباس قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحاب الأعراف هم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم.

    وهذا الأثر عن ابن عباس الموقوف لما ذكره الحافظ رحمه الله في الفتح سكت عليه، ولم يتكلم عليه بصحة ولا بضعف، ولكن هذا الأثر رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفي إسناده موسى بن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني قال عنه الهيثمي في (مجمع الزوائد): وضاع، وقال عنه ابن حبان رحمه الله في (الضعفاء والمتروكون): كان موسى دجالاً يروي عن ابن عباس شيئاً من التفسير من غير قوله، وهذا قدح كبير، ولهذا يكون هذا الأثر ضعيفاً وغير صحيح، وتكون هذه الشفاعة لا دليل عليها؛ لعدم ورود الدليل في هذه المسألة، هذا بالنسبة لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

    إثبات شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم

    أما شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم فقد وردت الأحاديث الصحيحة أن الملائكة والأنبياء والمؤمنين يشفعون، كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وهو حديث طويل وفيه: (فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع الأنبياء وشفع المؤمنون، ثم لم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين..) إلى آخر الحديث، وهو يدل على أن الأنبياء وعلى أن الملائكة والمؤمنين يشفعون يوم القيامة.

    كما أنه ورد في الصحيح إثبات شفاعة الشهداء، وفي ذلك حديث المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للشهيد عند الله ست خصال: -ومنها- ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه) وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد في مسنده والآجري في الشريعة، وهو صحيح.

    وورد كذلك شفاعة الصيام والقرآن، فقد ثبت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته من نومة بالليل فشفعني فيه، فيشفعان) وهذا الحديث إسناده صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم وصححه وقال: على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ، وصححه كذلك المنذري .

    هذه هي الشفاعة المثبتة.

    1.   

    الشفاعة المنفية

    وأما الشفاعة المنفية: فهي الشفاعة الشركية، ويمكن أن نتحدث عن هذا الموضوع في نقاط، منها: حكم طلب الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم.

    حكم طلب الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم والتوسل به

    طلب الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم هو أن يقول الإنسان: يا رسول الله! اشفع لي، فإن هناك فرقاً بين أن يقول الإنسان: اللهم شفع نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم في، وبين أن يقول: يا رسول الله! اشفع لي، فإذا قال: اللهم، هذا دعاء لله عز وجل وليس فيه إشكال، وإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، فإن طلب الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام بحسب الدور:

    ففي الدنيا يصح للإنسان أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويطلب منه الشفاعة، والمقصود بالشفاعة حينئذ الدعاء، ولا إشكال في ذلك.

    وأما طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في البرزخ فإنه لا يجوز، وهو إما بدعة وإما شرك، فإنه طلب من الغائب أن يشفع له فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، فإن الشفاعة ملك لله عز وجل، كما قال الله عز وجل: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44]، فالشفاعة ملك خاص لله عز وجل لا يجوز أن تطلب إلا منه، لكن قد يقول قائل: إن الله أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة، فإذا أعطى الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة فلماذا لا نطلبها منه الآن؟

    والجواب على هذا هو أن يقال: إن الله عز وجل أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة في الآخرة بعد أحداث، وبعد أن يستأذن من الله عز وجل، وأما في الدنيا وفي البرزخ فلم يعطه شيئاً من الشفاعة، بل هي ملك لله عز وجل، فإذا طلبها الإنسان من غير الله فهو يدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، وهذا من الشرك.

    وأما الحالة الثالثة فهي أن يطلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وهذا لا إشكال فيه، فإنه يطلب الشفاعة والدعاء من حي ينظر إليه ويستطيع أن يدعو له، ولهذا لا يصح للقبوريين أن يستدلوا: بأن الناس يوم القيامة يأتون إلى آدم وإلى نوح وإلى إبراهيم وإلى موسى وعيسى ويأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيستغيثون به، فإن الاستغاثة هذه استغاثة فيما يقدرون عليه وهو الدعاء، ولا إشكال في ذلك، وهذا من جنس أن يطلب الإنسان من مخلوق في الدنيا ما يستطيع عليه، والشرك هو أن يطلب من غير الله عز وجل ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، فإذا طلب الإنسان من مخلوق شيئاً من الأشياء يقدر عليه المخلوق فلا إشكال في هذا، وهذه الصورة لا إشكال فيها، وإنما الذي يدخله الشرك أو هو الشرك بعينه أن يطلب من غير الله عز وجل ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى.

    والمسألة الثانية: التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا أطلقه القبوريون فهم يريدون به استغاثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا قالوا: نحن نتوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم، فإنهم يقصدون الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهي دعاؤه فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وهذا من الشرك.

    1.   

    التوسل المشروع

    وأما التوسل المشروع فإنه ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: التوسل بأسماء الله تعالى كما قال الله عز وجل: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180].

    النوع الثاني: التوسل بالعمل الصالح، كما يدل عليه خبر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، وكل واحد منهم سأل الله عز وجل بصالح عمله.

    النوع الثالث: التوسل بدعاء الصالحين، وهذا ما يدل عليه حديث الأعمى المشهور: (أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يدعو له، فدعا له، ثم قال: اللهم شفعه في)، وهذا توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يدل على جواز التوسل بدعاء الصالحين عموماً، وقد فعله الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره.

    وأما الحديث المشهور الذي فيه الدعاء: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي..) إلى آخر الحديث، فهذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو حديث ضعيف، يقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن العلماء أجمعوا على ضعفه، فإن في إسناده فضيل بن مرزوق وهو ضعيف، وفيه أيضاً عطية العوفي ، قال ابن حبان : إنه كان يسمع من أبي سعيد الخدري ، ثم لما مات أبو سعيد ذهب فأصبح يطلب العلم من الكلبي ، والكلبي وضاع كذاب، فكناه بـأبي سعيد ، فإذا سأله أحد عن الحديث: من حدثك؟ قال: حدثني أبو سعيد ، فيفهم المستمع أن أبا سعيد الخدري هو الذي حدثه، وفي الحقيقة أن الذي حدثه هو الكلبي ، لكنه دلسه بهذه الطريقة، ولا يصح هذا الحديث بأي وجه من الوجوه.

    وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن الشفاعة بشكل مجمل، وفي اللقاء القادم إن شاء الله سنتحدث عن مسائل أخرى بإذنه تعالى.

    1.   

    الأسئلة

    المقصود بقوله عليه السلام عن الحوض: (زواياه سواء)

    السؤال: هل المقصود بقوله: (زواياه سواء): أن الحوض مربع أو مستطيل؟

    الجواب: المقصود به: أنه مربع؛ لأن تساوي الزوايا يدل على أنه مربع.

    عموم الشفاعة العظمى لكل الناس

    السؤال: الشفاعة العظمى هل هي عامة لجميع الخلق أم هي خاصة للمؤمنين الموحدين فقط؟

    الجواب: الشفاعة العظمى عامة لجميع الناس، وهي من أجل أن يأتي الله سبحانه وتعالى لفصل القضاء، وهذه عامة للمسلمين والكفار.

    عصمة الأنبياء

    السؤال: الأنبياء معصومون من الخطأ، ولكن في يوم القيامة كل نبي يعد خطأه، فما توجيه ذلك؟

    الجواب: ليس هناك مانع من أن يخطئ النبي في غير الوحي، فإن الوحي لا يخطئ فيه النبي، لكن غير الوحي يمكن أن يحصل منه الخطأ، فإذا حصل منه الخطأ فإنه يتوب منه في الدنيا، وأما الكبائر فإنهم معصومون منها.

    عموم الشفاعة لأصحاب الصغائر والكبائر

    السؤال: هل الشفاعة تشمل أصحاب الكبائر أم هي فقط لأصحاب الصغائر؟

    الجواب: الشفاعة تشمل أصحاب الكبائر وأصحاب الصغائر أيضاً.

    حكم قول: اللهم أدخلني الجنة من دون شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: من يقول: اللهم أدخلني الجنة ولا تدخلني النار، وأدخلني الجنة من دون شفاعة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، هل هذا الدعاء صحيح، علماً أنه يقصد بذلك: أي بأعماله، وقبل ذلك برحمة الله؟

    الجواب: ليس هناك داع للدعاء بهذه الطريقة السيئة، يعني: كونه يقول: اللهم أدخلني الجنة من دون شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا دعاء عجيب! وهو على كل حال من الاعتداء في الدعاء، والواجب أن يدعو الإنسان ربه سبحانه وتعالى بأن يدخله الجنة ويعيذه من النار، ولا يتشرط بهذا الأسلوب الغريب.

    كيفية الرؤية القلبية

    السؤال: كيف رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه؟ وهل القلب يرى؟

    الجواب: سبق أن بينا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه، والمقصود بالرؤيا هنا رؤيا قلبية، وهي نوع من أنواع الكشف؛ كشف قلبي يعرف الإنسان به ربه، وليس المقصود به رؤية بصرية كما سبق.

    وأما هل القلب يرى؟ فنعم يرى، له رؤية خاصة به وليست مثل رؤية العين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245649

    عدد مرات الحفظ

    723919766