إسلام ويب

المذاهب والفرق المعاصرة نشأة الفرق وأساسها - الخوارجللشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان أول خلاف عقدي في حياة المسلمين هو خلاف الخوارج الذين ظهروا عقب فتنة مقتل عثمان وخرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه حين رضي بالتحكيم بينه وبين جيش الشام, فقاتلهم بعد أن أرسل ابن عباس ليناظرهم, وقد كان انحرافهم في مسألة الإيمان, حيث كفروا مرتكب الكبيرة, وكفروا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, واعتقدوا جملة من العقائد المنحرفة في هذا الباب, وانقسموا بعد ذلك إلى فرق عدة, ولبعض فكرهم بقية باقية في عصرنا الحاضر متمثلة في الإباضية وجماعة الهجرة والتكفير, والنصوص الثابتة في خروجهم وذكر صفاتهم والتحذير منهم كثيرة مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.

    1.   

    عدم وجود الفرق المنحرفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

    أما بعد:

    سيكون الحديث - بإذن الله تعالى- عن نشأة الفرق وعن فرقة الخوارج، وأول ما ينبغي أن نبتدئ به وأن نشير إليه هو: هل وجدت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فرق انحرفت عن سنته صلى الله عليه وسلم؟

    وللجواب على هذا السؤال نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كلامه وقوله وفعله وحي معصوم، يقول الله سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36].

    ويقول الله سبحانه وتعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

    ويقول سبحانه وتعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    ولهذا لم توجد في زمنه صلى الله عليه وسلم فرق ضالة، وإن وجدت بعض الأخطاء فقد أصلحها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومنها: الثلاثة النفر الذين ترهبوا، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء، ويقصدون بذلك التعبد لله سبحانه وتعالى.

    ولا شك أن هذه الفكرة من البدع ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما أنا فأصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فترك هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم هذه الفكرة وهي فكرة الترهب.

    وقد استأذن بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه البدعة وهي الترهب، والاختصاء فرفض صلى الله عليه وسلم ونهى عن ذلك.

    وأيضاً ظهر في زمنه صلى الله عليه وسلم النقاش في قضايا القدر بغير الوجه الشرعي، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة وهم يتناقشون في القدر، هذا يأتي بآية وهذا يضرب بأخرى، يضربون الآيات بعضها ببعض فغضب صلى الله عليه وسلم، وقال: (أبهذا أمرتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بكثرة اختلافهم على أنبيائهم)، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن الطريقة التي تكلموا فيها في موضوع القدر، وهو أنهم يضربون كتاب الله عز وجل بعضه ببعض، فلم تظهر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فرق ضالة، لكن ظهر رجل اعترض على الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمته للغنائم في غزوة حنين، فغضب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيأتي معنا الحديث عن هذا الرجل، وأن من ذريته، ومن شاكلته ظهرت الخوارج بعد ذلك، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي أصحابه رضوان الله عليهم على سنته، ولم يختلفوا الاختلاف الذي يضرهم، وهو الاختلاف الذي يورث الفرقة، ويؤدي إلى ظهور الفرق الضالة المنحرفة.

    1.   

    الرد على من ينسبون نشأة الفرق إلى الخلاف الذي وقع بين الصحابة بعد وفاة النبي

    يخطئ كثير من الكتاب والباحثين الذين ينسبون نشأة الفرق إلى الخلاف الذي وقع بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وقع خلاف بين الصحابة في اختيار الخليفة، وذلك أن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، ورشحوا أن يكون خليفة المسلمين سيد الخزرج سعد بن عبادة ، وجاء بعد ذلك المهاجرون وجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فخطب فيهم، وكانوا يعرفون أنه أفضلهم على الإطلاق، فلما خطب بهم أبو بكر الصديق ذكرهم بحديث قد نسوه، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش)، فلما جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه بهذا الحديث انقطع الخلاف ورجعوا إلى النص جميعاً، واختاروا أبا بكر الصديق رضي الله عنه لأمرهم، وقالوا: اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا في الصلاة، فنحن نختاره لأمر دنيانا.

    والحقيقة أن هذا الخلاف الذي وقع بين الصحابة هو من الخلاف الاجتهادي الذي يعذر فيه الإنسان بالاجتهاد؛ لأن الصحيح في مسألة الخلافة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد خليفة بعينه، وإن كان أشار في مرض موته صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لكنه لم ينص على أنه هو الخليفة من بعده؛ لأنه لو نص على ذلك لما وقع هذا الاختلاف، فهذا النوع من الاختلاف الذي وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم هو من الاختلاف غير المذموم الذي يعذر فيه صاحبه، وهو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، لكن كثيراً من المستشرقين وأذنابهم ممن كتب عن الفرق وعن نشأة الفرق، أو كتب في التاريخ جعل من هذه القضية قضية كبيرة، ورد إليها نشوء الفرق، واعتبر أن الفرق الضالة نشأت من هذا الاختلاف الذي وقع بين الصحابة وقال: إن الشيعة هم علي بن أبي طالب رضي الله عنه والعباس ومن كان معه من بني هاشم، ممن يعتقدون أنهم أجدر بالخلافة، ورد الإرجاء إلى الممسكين عن الفتنة بعد ذلك، وصور الصحابة رضوان الله عليهم بأنهم أحزاب، وتعامل مع هذا الحدث كما تتعامل الصحافة مع الأحداث السياسية الموجودة في واقع الناس، فتجد أن بعض المستشرقين وأذنابهم يقولون مثلاً: إن الصحابة اختلفوا في هذه القضية وهي قضية الحكم إلى ثلاثة أحزاب:

    يمين، ويسار، ووسط، ثم يقسمون كل حزب من هذه الأحزاب إلى متطرفين وإلى معتدلين، ويصورون الصحابة رضوان الله عليهم على أنهم أحزاب تتنافس على الحكم، وكأنهم يتحدثون عن الحكومات الديمقراطية الأوروبية التي نشأت على أنقاض الحكومات الملكية التي كانت في أوروبا، فيصورونهم كأنهم مجموعة أحزاب يتنافسون على الحكم، بل إن بعض هؤلاء المفسدين من المستشرقين يقول: إن الأنصار لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم خشوا أن يستأثر المهاجرون بالحكم، وأن يصبغوا الدولة بالصبغة القرشية، وأن ينحوهم عن المشاركة في الحكم، فأرادوا الدخول معهم في العمل السياسي، وما إلى ذلك من المعاني التي أشار إليها، بل إنه يقول: مثل هؤلاء المستشرقين وأذنابهم من المستغربين يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت بدعوة دينية فيها تهذيب للأخلاق والآداب والقيم، وإنما هي دعوة سياسية، فقد جمع العرب الذين كانوا مختلفين ومفرقين على شكل قبائل، جمعهم في وحدة ومنظومة واحدة، فلما توفي عادت الخلافات القديمة بنفس الشكل التي كانت عليه في الجاهلية، لكن بعض الأحزاب انتصرت على الأحزاب الأخرى، واستطاعت أن تضغط عليها؛ ولهذا صار لهم الحكم والسيادة، ولا شك أن هذا باطل، وأن هذا ظلم عظيم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم وربى أصحابه على الإيمان والأخلاق والتقوى والآداب ومكارم النفوس.

    وقد رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبحوا خير جيل من أجيال الإنسانية جميعاً، بل إنه لا يمكن أن يصل جيل من الأجيال إلى ما وصل إليه جيل الصحابة رضوان الله عليهم، وعندما وقع الخلاف بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم حُسِمَ هذا الخلاف مباشرة، لوجود النص النبوي المعصوم الذي رواه لهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فحسم الخلاف وانتهى وصار أبو بكر الصديق هو الخليفة، ثم صار بعده عمر بن الخطاب وأجمعت عليه الأمة، ثم صار بعده عثمان وأجمعت عليه الأمة، ثم صار بعده علي بن أبي طالب وأيضاً أجمعت عليه الأمة، ولا خلاف بينهم في هذا الصدد.

    إذاً: قول من ينسب نشأة الفرق إلى الخلاف الذي وقع بين الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا القول باطل، وخطأ عظيم على أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما جاء أبو بكر الصديق بالنص القاطع، خضع له جميع الصحابة، وصار هو الخليفة رضي الله عنه، واستمر الصحابة رضوان الله عليهم ينشرون العلم ويجاهدون في سبيل الله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويربون الأمة على ذلك، وانتشرت الفتوحات في كل مكان، وجلبت كنوز الأمم الأخرى، وأنفقت هذه الكنوز في سبيل الله، ولم تظهر في هذه الفترة المباركة شيء من البدع والانحرافات، وإن ظهر بعض من اختط منهجاً منحرفاً، لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حسم الموقف، فهذا صبيغ بن عسل رجل كان يتتبع المتشابه من القرآن، وكان يسأل عن ذلك، وهو منهج منحرف، فإن المتشابه من القرآن يجب أن يرد إلى المحكم، فناداه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما ناداه وقد أعد له جريد النخل، قال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ ، قال: وأنا عبد الله عمر ، فأخذ الجريد وضربه على رأسه حتى أدماه، وسال الدم على وجهه، ثم قال صبيغ لـعمر : دعني يا أمير المؤمنين فوالله! لقد ذهب ما كنت أجد برأسي، ثم أمر أن يكون في البصرة وكان من أهل البصرة، وأمر أن يبقى فيها وألا يخرج منها، وقال: لو وجدتك من محلوقي الرءوس -ويقصد بهم الخوارج- لفعلت بك وفعلت، فبقي صبيغ بن عسل وانقطعت هذه المشكلة، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوياً على أهل الباطل وأهل الفسق وأهل البدع، فذهب صبيغ بن عسل إلى البصرة واستقر بها، فلما خرجت الخوارج كما سيأتي معنا، قالوا: هيا يا صبيغ ! فقال لهم: نفعتني موعظة العبد الصالح، ويقصد به عمر ، وموعظته هي الضرب الذي حصل منه.

    1.   

    نشأة الفرق

    نشأت الفرق بعد أحداث الفتنة التي سيأتي الإشارة إليها، فبعد مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه تولى عثمان بن عفان الخلافة بإجماع المسلمين، واستمر على طريقة الشيخين، وإن كان حصل منه بعض الأمور التي ظهر بسببها المعارضون له، إلا أن طريقته هي نفسها طريقة الصحابة رضوان الله عليهم الذين يجاهدون في سبيل الله، وينشرون العلم، ويعلمون الناس.

    فخرج رجل من اليمن يقال له: عبد الله بن سبأ ، وهذا الرجل يكنى بـابن السوداء ، وقد كان يهودياً، ثم أعلن إسلامه، وجاء إلى المدينة، ثم انتقل إلى العراق وبلاد الشام ومصر، وكان يؤلب الناس على عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويجمع بعض الأكاذيب وبعض المغاليط على عثمان رضي الله عنه، فاجتمع إليه من أطراف البلاد من بعض العراق وبعض الشام وبعض مصر مجموعة من الأعراب الجفاة، ومجموعة ممن دمر الإسلام أديانهم، فدخلوا في الإسلام تستراً وخوفاً من السيف، فلما اجتمعوا طالبوا بمحاكمة عثمان بن عفان ، وطالبوا بعزله، وجاءوا مجتمعين من الشام ومن مصر ومن العراق، في قصة طويلة خلاصتها: أنهم جاءوا وقتلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه في المدينة.

    هناك إشكال عند بعض طلاب العلم سئلت عنه كثيراً، وهو أنه: لماذا قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه في المدينة من الجهَّال، مع وجود أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة نفسها؟ لماذا لم يدافعوا عنه؟

    وللجواب على هذا السؤال نقول: عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما جاءه هؤلاء الجُهَّال بين لهم ونصحهم وذكرهم بالله عز وجل، ثم رجعوا لكن الفئة الفاسدة التي كانت تحيك المؤامرة ضد المسلمين اجتمعوا وردوهم مرة أخرى، فقام الصحابة رضوان الله عليهم لقتالهم، فمنعهم عثمان رضي الله عنه وقال: لا أريد أن يسفك دم بسببي، فلما منعهم عثمان امتنعوا، حتى إن كثيراً من المؤرخين يروي أن بعضهم خرج عليهم بالسيف فنهاه عثمان ، وقال له: هل تجب طاعتي عليك؟ فقال: نعم. قال: إذاً ارجع إلى بيتك، فرجع الصحابة إلى بيوتهم فقُتِلَ عثمان ، ولما قتلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه بايع الناس علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما بايع الناس علي بن أبي طالب رضي الله عنه اختلف الناس وانقسموا إلى ثلاث طوائف:

    الطائفة الأولى: طالبوا بقتله عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقالوا: لا بد من أخذ حق عثمان منهم قبل أن تكون الولاية لـعلي بن أبي طالب ، وكان يمثل هذا الرأي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وعمرو بن العاص رضي الله عنه ومن معه من أهل الشام.

    الطائفة الثانية: وهو رأي علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه، قالوا: دعوا الناس يجتمعون، فإذا اجتمعوا تتبعنا هؤلاء الذين قتلوا عثمان فقتلناهم جميعاً؛ لأن الناس اختلط بعضهم ببعض.

    الطائفة الثالثة: هم الذين أمسكوا عن الفتنة لما وقعت وتركوها، وهذا الخلاف الذي حصل ليس خلاف فرق، وليس خلاف تفرق، وإنما هو من الخلاف الاجتهادي الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).

    فحصلت الفتنة واقتتلوا في معركة الجمل وفي معركة صفين، وهذا الخلاف كما قلت ليس خلاف فرق، ولهذا لما قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه على يد الخوارج اتفقوا وزال كل شيء، وهؤلاء المختلفون إنما اختلفوا في مسائل اجتهدوا فيها، وهم جميعاً من أهل السنة والجماعة، وهم خيرة الناس وأفضلهم، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: الخلاف الذي وقع في هذه الفتنة بين الصحابة رضوان الله عليهم ليس خلاف فرق، ولم يظهر من هذا الخلاف فرقة ضالة ولا منحرفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إنما ظهرت الفرق الضالة والمنحرفة ممن جاء بعدهم كما سيأتي بيانه.

    1.   

    نشأة الخوارج وذكر صفاتهم

    لقد حصل القتال وحصلت الفتنة التي قدرها الله سبحانه وتعالى، ثم في معركة صفين وهي المعركة التي كانت بين أهل العراق بقيادة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لما اقتتلوا رفع أهل الشام طلب التحكيم، وقالوا لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: نريد أن تحاكمنا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال علي بن أبي طالب : أنا أولى من يطالب بالتحكيم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهدأ الناس، وتركوا القتال، على أن تصبح هناك طائفة مرشحة من أهل الشام ومن أهل العراق، من أجل أن يجتمعوا ويحكموا شرع الله سبحانه وتعالى في هذه القضية.

    في هذه الأثناء خرجت طائفة من جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقالت مقالة شنيعة وكبيرة، قالوا بكفر علي بن أبي طالب ؛ لأنه حكَّم الرجال في كتاب الله، قيل: وكيف حكم الرجال في كتاب الله؟ قالوا: كيف يرضى بالتحكيم، لا بد من مقاتلة أهل الشام حتى نبيدهم عن آخرهم، فقال علي بن أبي طالب : الله عز وجل أمر المختصمين إذا اختصموا أن يردوا الخلاف إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قالوا: إذاً أنت حكمت الرجال في كتاب الله فقيل لهم: فكيف نحكم بكتاب الله إذاً؟ حتى إنه مما رواه ابن سعد في الطبقات أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال عن مقالة الخوارج: هذا كتاب الله بيننا، هيا احكم بيننا يا كتاب الله!!! يعني: يقصد المصحف الموجود، وهل كتاب الله إلا ما حفظه الناس في الصدور وتكلموا به؟!

    أما أن يقال: حكمت الرجال في كتاب الله، بمعنى أنك جعلت رأي الرجال فوق كتاب الله، فهذا باطل، وهذا لم يفعله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فخرجت هذه الفئة الضالة المنحرفة وهم الخوارج، وهذه الفرقة الضالة المنحرفة قابلتها فرقة أخرى ظهرت ردة فعل لهؤلاء، وظهرت بسبب المؤامرة التي كانوا قد انبثوا داخل صفوف المسلمين يتحينون الفرصة لإظهار الخلاف والشقاق بينهم، فأظهر عبد الله بن سبأ عقائد متعددة انتسب إليها أشخاص سموا أنفسهم أو سموا الشيعة بعد ذلك.

    إذاً: الفرق التي نشأت لم تنشأ من الصحابة رضوان الله عليهم، ولم تنشأ من الصالحين الذين كانوا معهم، حتى مع وجود الاقتتال، فهي لم تنشأ بينهم فرقة، وإنما نشأت الفرق من هؤلاء الضالين الذين انحرفوا في فهم كتاب الله سبحانه وتعالى كما سيأتي معنا وهم الخوارج، ونشأت الفرق من هؤلاء المنافقين ممن اندسوا في الصفوف وهم الشيعة، وسيأتي معنا في نشأة الشيعة كيف ظهرت الشيعة من هؤلاء المنافقين عن طريق هذا الرجل اليهودي الذي يسمى عبد الله بن سبأ .

    وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (منهاج السنة النبوية) إلى أن عبد الله بن سبأ اليهودي أراد أن يعمل في الإسلام ما عمله بولس شاول في المسيحية والنصرانية، فإن بولس شاول حرف دين النصارى، ثم ضاع الدين الحق، لكن عبد الله بن سبأ مع تحريفه لبعض الدين إلا أن الحق لم يضع، وإنما بقي الحق؛ لأن الله عز وجل قد تكفل بحفظه، وتكفل بحفظ أهله، كما قال الله عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    وكما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث على رأس كل مائة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها).

    فدين هذه الأمة محفوظ، مع محاولة هذا اليهودي إفساده، مع أنه قد اتبعته طوائف من المنحرفين، لكن الدين الحق ما زال باقياً، وسنشير إلى هذا بإذن الله عند الحديث عن الكلام عن الشيعة.

    إذاً: فتنة الخوارج نشأت من مجموعة من المنحرفين من سفهاء الأحلام، ومن حدثاء الأسنان، ممن لم يفهم كتاب الله عز وجل على وجهه الصحيح، والخوارج هؤلاء أشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدث عنهم، وقد نقل الإمام البخاري في صحيحه في كتاب استتابة المرتدين وأخبارهم، وممن نقله أيضاً الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة في باب ذكر الخوارج وصفاتهم.

    عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة)، وهي منطقة تقع شرق مكة، (منصرفه من حنين)، يعني: بعد غزوة حنين، (وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها) يعني: كان في ثوب بلال فضة من الغنائم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبض منها ويعطي الناس، (فقال: يا محمد!)، هذا الرجل قال: (يا محمد)، انظروا إلى سوء الأدب في التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم. (فقال: يا محمد! اعدل، قال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبتُ، أو لقد خبتَ) ، وفي بعض الروايات: (وخسرتَ -أو- خسرتُ إن لم أعدل، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أقتل هذا المنافق) ، اعتبر هذا الرجل منافقاً؛ لأنه اعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاعتراض عليه تكذيب له، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم كفر كما تعلمون، (فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي)، يعني: فيما يظهر للناس؛ لأن هذه الواقعة حصلت بعد فتح مكة مباشرة، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة دخل كثير من الناس في دين الله، وكانوا من المؤلفة قلوبهم، فلما قاتلوا في حنين، جاء هذا الرجل بعد حنين، فلو قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحدث الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه ثم قال: (إن هذا وأصحابه) يشير إلى الرجل ويقصد بأصحابه الذين يأتون فيما بعد، (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية)، وهذا الحديث نزله الصحابة عندما وقعت صفين على هؤلاء الخوارج، لما ظهروا في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    وفي الحديث الآخر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال (بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي وعيينه بن بدر الفزاري وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب وزيد الخير الطائي ، ثم أحد بني نبهان قال: فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم، فجاء رجل كث اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد! قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يطع الله إن عصيته؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله -يرون أنه خالد بن الوليد - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من ضئضئ هذا -يعني: من نسله- قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد).

    يعني: من خلال الحديثين السابقين يتبين أن من صفات الخوارج:

    أولاً: كثرة قراءة القرآن فهم عباد وليسوا فجاراً.

    ثانياً: أن عندهم قلة فقه، وعرفنا أن عندهم قلة فقه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يجاوز حناجرهم)، يعني: أنهم يقرءونه مجرد قراءة ولا يفهمونه.

    ثالثاً: أنهم يقتلون أهل الإسلام، ويؤذون المسلمين.

    رابعاً: أنهم يدعون أهل الأوثان، الحقيقيين ويتركونهم.

    خامساً: حكم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يمرقون ويخرجون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

    سادساً: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول عنهم: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وهذا يدل على فضل قتالهم.

    1.   

    أصل الخوارج

    ورد في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة بعث علي بالذهب والتوزيع، وفيه أن هذا الرجل قال: (اتق الله يا محمد!)، وفي الرواية الأخرى أنه قال: (اعدل) وربما قالها جميعاً، فلما قال: (اعدل، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء) أما من قال: (كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء) فالذي يبدو أنه من القرشيين الذين ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، أو هو الرجل السابق، لكن الراوي روى الحديث بالمعنى.

    ثم قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً)، فهذا القول قاله في قصة الرجل نفسه الذي اعترض عليه، قال: (فقام رجل غائر العينيين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار) يعني: قصير الثوب، وهذا يدل على أنهم من العباد، هذا يضاف إلى كونهم يقرءون القرآن وأنهم من العباد (فقال: يا رسول الله! اتق الله، فقال: ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله، قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد : يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا، لعله أن يكون يصلي، قال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم، قال: ثم نظر إليه وهو مقف، فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم -وهم الخوارج- يتلون كتاب الله رطباًً لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، قال الراوي: أظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود).

    وفي رواية لـأبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أنه قدم عليه أبو سلمة وعطاء بن يسار فسألاه عن الحرورية -والحرورية هم: الخوارج نسبة إلى حروراء، وهى قرية قريبه من الكوفة انحازوا إليها- فقالا: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها؟ -يعني: الحرورية- قال: لا أدري من الحرورية، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج في هذه الأمة)، ولم يقل: منها، وإنما قال: يخرج فيها، وهذا لا شك أنه تدقيق، فهناك فرق بين أن يقول: يخرج فيها، يعني: من غيرها، وعندما يقول: منها يعني: من داخل الأمة نفسها، فهذا يدل على ما سبق وأن أشرنا إليه، وهو أن الفرق لم تظهر من الصحابة رضوان الله عليهم وإنما ظهرت من غيرهم، إنما ظهرت من سفهاء الأحلام، حدثاء الأسنان، أهل القلة في الفقه، أهل التشدد على غير السنة، أو من المنافقين الذين أظهروا التشيع كما سبق أن أشرنا.

    يقول عليه الصلاة والسلام: (يخرج في هذه الأمة قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم) ، وهذا يدل على أنهم عباد، (فيقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة، هل علق بها من الدم شيء؟).

    وفي الحديث الآخر قال أبو سعيد رضي الله عنه: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله! اعدل، قال رسول الله: ويلك! ومن يعدل إن لم أعدل، قد خبتُ، أو خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! ائذن فيه لي أضرب عنقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء -وهو القدح-، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد منه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم -يعني: علامتهم- رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة كدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس) يعني: أنهم الذين خرجوا حينما اختلف الصحابة في صفين وتقاتلوا.

    ثم قال أبو سعيد الخدري : (فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس، فوجد، فأتى به، حتى نظرت على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته).

    وهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب، منها حديث واضح في هذه المسألة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يكون في أمتي فرقتان، فيخرج من بينهما مارقة -وهذه من أسماء الخوارج- يلي قتلهم أولاهم بالحق).

    وهذا الحديث فيه عدة فوائد منها:

    أن هؤلاء المارقة يخرجون على حين فرقة، وهذا ما وقع من الخوارج في صفين.

    إن الذي يلي قتلهم أولى الطائفتين المتقاتلتين بالحق، وهذا يدل على أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه أحق الطائفتين.

    1.   

    مراتب الناس في الفتنة التي حصلت بين الصحابة

    بالنسبة للحق في مسألة الاقتتال فالناس على ثلاث مراتب:

    المرتبة الأولى: هم الطائفة المحقة تماماً، وهم الذين اعتزلوا القتال ومنهم: عبد الله بن عمر وأبو بكرة نفيع بن الحارث وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين تركوا القتال، واحتجوا بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي فيها أمر بالاعتزال حين الاقتتال بين المسلمين، وهذه الطائفة هم الطائفة المثلى، وهي صاحبة الرأي الصواب المطلق.

    المرتبة الثانية هم: علي بن أبي طالب ومن كان معه، وعلي بن أبي طالب ومن كان معه أحق من أهل الشام الذين أخطئوا، لكن تأملوا تعبير النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: (يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق)، فقوله: أقرب الطائفتين من الحق، يعني: أن القتال الذي حصل منهم ليس حقاً مطلقاً، وإنما هم أقرب من تلك.

    المرتبة الثالثة: وهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ومن كان معه، فهم أخطئوا، ولا شك أن ما وقع في هذه الفتنة من خطأ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهو إما اجتهاد لهم أجر فيه، وإما خطأ هم معذورون فيه، وإما زلة قد مسحتها فضائلهم الكثيرة، ويكفي من فضائل الصحابة رضوان الله عليهم الصحبة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن فضل الصحبة: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، انظروا المقابلة العجيبة، ينفق أحد الصحابة مداً من الطعام وهو ربع الصاع تقريباً أو نصف الصاع، فهذا خير ممن يأتي بعده فينفق مثل جبل أحد ذهباًً، فالذي من غير الصحابة أنفق أكثر من حيث الكم، ومن حيث النوع فقد أنفق ذهباً، وذاك الصحابي أقل من حيث الكم، ومن حيث النوع ومع هذا فإن هذا أنفق مداً طعاماً من الصحابة أكثر فضلاً وأجراً ممن أنفق مثل جبل أحد ذهباً من غيرهم.

    إذاً: الصحبة لا يعدلها شيء، والله عز وجل يقول: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، فإن عند الصحابة رضوان الله عليهم من الحسنات ما يمحو الله بها أخطاءهم؛ ولهذا لا يصح أبداً أن يتكلم أحد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بسبب خطأ وقع منهم، إما اجتهدوا فأصابوا فيه، أو أخطئوا فلهم أجر، أو محي عنهم وغفرت ذنوبهم رضوان الله عليهم أجمعين.

    1.   

    بداية خروج الخوارج وموقف الصحابة منهم

    هذه بعض الأحاديث الواردة التي تشير إلى أخبار الخوارج، وقد ذكر كثيراً منها الآجري رحمه الله في الشريعة، وذكر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (الخوارج كلاب النار)، وفي هذا درس عظيم جداً، وهو أن هذا الدين ليس مبنياً على الشدة، وإنما هو مبني على الانضباط على السنة، ولهذا يقول أبو الدرداء وأبو هريرة وابن مسعود : اقتصاد في سنة، خير من اجتهاد في بدعة.

    وهذا يدل على أن العمل القليل الموافق لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء كان عملاً أو اعتقاداً أنه خير من العمل الكثير أو الاعتقاد الكثير الذي لا يكون موافقاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهؤلاء حدثاء الأسنان خرجوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، واعترضوا على عثمان وعلي بن أبي طالب ، واعترضوا على أئمة الصحابة رضوان الله عليهم، وقالوا: أعطونا مثل عمر ، والصحابة ليس عندهم مثل عمر ؛ لأن عمر هو في المرتبة الثانية بعد أبي بكر ، فلما لم يجدوا عند الصحابة مثل عمر ، هل جاءوا بمثل عمر ؟ لا، فقد جاءوا برجل بوال على عقبيه، أعرابي جلف، ليس عنده من العلم شيء، يسمى عبد الله بن وهب الراسبي وقالوا: هذا أميرنا، وأمروا عبد الله بن الكواء على الصلاة، والصحابة رضوان الله عليهم موجودون، وعلي أفضل الأمة في تلك الفترة، وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو هريرة كانوا موجودين، وأئمة الصحابة رضوان الله عليهم تركوهم وكفروهم واتجهوا إلى عبد الله بن وهب الراسبي ، وهذا يدل على الضلال الموجود عند هؤلاء.

    ولما افترقوا انحازوا، فلما انحازوا بدءوا يغيرون على سرح المسلمين، وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت ، مر عليهم ومعه جارية، فقالوا: حدثنا عن أبيك؟ فحدث بحديث في وجوب القعود في الفتن، (وأن القاعد خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، وأن تكون عبد الله المقتول خير لك من أن تكون عبد الله القاتل)، فقتلوه، وأخذوا جاريته وكانت حاملاً فبقروا بطنها، ورموها في النهر، وبدءوا يقتلون من يجدون من المسلمين ويكفرون المسلمين.

    فناصحهم علي بن أبي طالب في بداية الأمر، وعلمهم وأرشدهم ووجههم، فلم ينتفعوا بذلك، فأرسل إليهم ابن عباس رضي الله عنه في قصة رائعة:

    يقول ابن عباس رضي الله عنهما: لما اجتمعت الحرورية وخرجوا على علي ، فجعل يأتيه الرجل فيقول: يا أمير المؤمنين! إن القوم خارجون عليك، قال: دعهم حتى يخرجوا، فلما كان ذات يوم قلت: يا أمير المؤمنين! أبرد بالصلاة فلا تفتني حتى آتي القوم -يعني: الخوارج- قال: فدخلت عليهم وهم قائلون، فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر، قد أثر السجود في جباههم، كأن أيديهم ثفن الإبل، يعني: من كثرة الصلاة ولم يكن عندهم فرش، فكانوا يعتمدون على أيديهم فأثرت في أيديهم، عليهم قمص مرحضة، فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس ؟! وما هذه الحلة عليك؟ كأنهم ينكرون تزين ابن عباس ، قال: قلت: ما تعيبون من ذلك؟

    انظروا إلى حال ابن عباس فهو يمثل العالم صاحب السنة المنضبط في فهمه، الذي يجمع كلام الله عز وجل وكلام رسوله في موطن واحد، وانظروا إلى المتحمس المتشدد الذي يريد أن ينصر الدين بجهل وبضلال، فقد أنكروا عليه اللباس.

    قال: قلت: ما تعيبون من ذلك؟ فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أحسن ما يكون من الثياب اليمنية، قال: ثم قرأت هذه الآية: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]، فقالوا: ما جاء بك؟ قلت: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم منهم أحد.

    وهذا يدل على أن هذه الفرقة لم تحصل من الصحابة، وهذه قضية أؤكد عليها كثيراً.

    يقول ابن عباس : وليس فيكم منهم -يعني: من الصحابة- أحد.

    لهذا لو تتبعتم الفرق الضالة مثل: الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة.. وغيرهم، لا تجدون أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، ولا تجدون من أئمة الدين المشهورين بالعلم منهم أحداً أبداً.

    يقول: وجئتكم من عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: علي بن أبي طالب - وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم، فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشاً -كأن القضية قضية حزبية قبلية- فإن الله يقول: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58].

    انظر الاستدلال الذي يكون في غير مكانه، فإن هذه الآية نزلت في الكفار الذي كانوا يعاندون، فينزلها هذا الخارجي على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ابن عباس .

    فقال بعضهم: بلى فلنكلمه، قال: فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة، قال: قلت: ماذا نقمتم عليه -يعني: على علي قالوا: ثلاثاً، فقلت: ما هن؟ انظروا كيف يكون أسلوب المناظرة والمناقشة، فهذا أجمل مثال للمناقشة مع أهل البدع.

    فقلت: ما هن؟ قالوا: حكَّم الرجال في أمر الله، وقال الله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57]، قال: قلت: هذه واحدة، وماذا أيضاً؟ قال: فإنه قاتل -يعني: قاتل أهل الشام- فلم يسبِ ولم يغنم.

    يقول ابن تيمية رحمه الله: إن الخوارج من ضيق أفهامهم كانوا يعتقدون أنه لا يحصل القتال إلا مع الكفار، مع أن الله عز وجل يقول: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9]، فأمر بمقاتلة الباغية مع أنه وصفهم بأنهم من المؤمنين.

    يقولون: فإنه قاتل فلم يسبِ ولم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم -يعني: لا يجوز أن يقاتلهم- ولئن كانوا كافرين لقد حل قتالهم وسبيهم قال: قلت: وماذا أيضاً؟ قالوا: ومحا نفسه من إمرة المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، قال: قلت: أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما ينقض قولكم هذا أترجعون؟ قالوا: وما لنا لا نرجع؟ وهذا يدل على الصدق عندهم، لكن الصدق إذا لم يكن بعلم يكون صاحبه مارقاً والعياذ بالله، ويخرج من الدين كما يخرج السهم من الرمية.

    قال: قلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله، فإن الله قال في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم [المائدة:95]، وقال في المرأة وزوجها: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء:35]، فصير الله ذلك إلى حكم الرجال، فناشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم أفضل أو في دم أرنب -يعني: أرنب قتله الحاج- ثمنه ربع درهم وفي بضع امرأة، قالوا: بلى هذا أفضل، يعني: تحكيم الرجال في دماء المسلمين أفضل قال: أخرجتم من هذه؟ -يعني: انتهيتم من هذه الحجة- قالوا: نعم.

    قال: وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم؟ أتسبون أمكم عائشة ، يعني: حصل القتال في الجمل أتسبون أمكم عائشة ؟ فإن قلتم: نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا فقد كفرتم؛ لأن الله قال: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، فأنتم ترددون بين ضلالتين، أخرجتم من هذه؟ قالوا: بلى يعني: -سلموا لها- قال: وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون: (إن نبي الله في يوم الحديبية حين صالح سهيل بن عمرو قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكتب يا علي ! : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو : ما نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنك تعلم أني رسولك، يا علي ! اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو) قال: فرجع منهم ألفان، وبقيت بقيتهم فخرجوا وقتلوا أجمعون.

    هذه مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما لهذه الفئة الضالة المنحرفة وهم الخوارج، فلما ناظرهم ابن عباس وكلمهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقاموا يغيرون على سرح المسلمين واجتمعوا في مكان يسمى النهروان، فخرج عليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفرحوا بقتالهم؛ لأن فيه تصديقاً لكلامه صلى الله عليه وسلم، فقتلوهم أجمعين، ولم يبق منهم أحد.

    وهذا يدل على موقف الصحابة من أهل البدع، وبعض الناس يتساهل مع أهل البدع ويرى أن الخلاف معهم هين، يتعجب من هذا الموقف من الصحابة، كيف قاتلوهم بالسيوف حتى قتلوهم جميعاً، ولم يجدوا في نفوسهم شيئاً؟! بينما القتال الذي حصل بين أهل العراق وأهل الشام كان داخلاً في دائرة السنة، لما قتل عمار تألموا جميعاً، لما قتل طلحة تألموا جميعاً، كلا الطائفتين تتألم، لما قتل الزبير تألموا جميعاً، لما قتل غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم تألموا جميعاً، تألم علي بن أبي طالب وتألم معاوية مع أنهم مختصمون؛ ولهذا لما اتفقوا في عام الجماعة رجعت الأمور كما كانت عليه قبل الفتنة، وصار الصحابة في الجهاد في سبيل الله، يفتحون البلدان وينفقون الأموال في سبيل الله، وما اختلفوا وما افترقوا.

    إذاً: هذا يدل على أن الخلاف الذي وقع بين الصحابة ليس فُرقة، وإنما هو خلاف اجتهادي، فلما حسم وانتهى انتهت القضية ورجع الأمر إلى ما كان عليه من قبل.

    1.   

    آراء الخوارج وموقفهم من الصحابة وأهل الإسلام ومنهجهم في الاستدلال

    أولاً: أنهم يكفرون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعامة المسلمين.

    ثانياً: أنهم أنكروا شرط القرشية في الإمامة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الأئمة من قريش) وهم أنكروا ذلك، وقالوا: أي رجل ينتخبه المسلمون فهو وال من الولاة؛ ولهذا ولو عليهم رجلاً من بني تميم، وهو عبد الله بن وهب ، وهذه من البدع؛ لمخالفتها للنصوص.

    ثالثاً: أنهم كفَّروا مرتكب الكبيرة، ورتبوا على تكفيرهم لغيرهم الموالاة والمعاداة، وقسموا الناس إلى قسمين: دار الإسلام والمقصود به جماعتهم، ودار الكفر والمقصود به بقية المسلمين وبقية الأرض جميعاً، وهذا المبدأ ما زال مستمراً مع الخوارج.

    والحقيقة أن الذي يميز الخوارج من غيرهم: هو تكفير مرتكب الكبيرة، وخروجهم على السلطان المسلم القائم بأمر الله سبحانه وتعالى بغير وجه حق وتكفيره، ومبدأ الموالاة والمعاداة الذي اتخذوه، هذا مما يميز الخوارج الأوائل، والخوارج تفرقوا وانقسموا وأصبحوا جماعات مختلفة لقلة الفقه والدين عندهم، حتى إن أحد القواد الذين قاتلوهم وهو المهلب بن أبي صفرة ، كان إذا أراد تفريق صفوفهم -وكان هذا الرجل داهية- يأتي ويضع مسائل في أوراق ثم يربطها على السهام فيرميها حتى تنزل بساحتهم، فإذا رأوا السهم تعجبوا أن فيه ورقة، ففتحوا هذه الأوراق فوجدوا مسائل فتناقشوا فاختلفوا، فكفر بعضهم بعضاً فافترقوا، وهكذا استطاع أن يمزقهم، والتكفير بالطريقة العشوائية صار سمة من سمات الخوارج، وهو دليل على ضلالهم، والخوارج سبب ضلالهم هو سوء فهمهم لكتاب الله، فمثلاً يحتجون على تكفير مرتكب الذنب، بقول الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، فيقولون: الله عز وجل كفر تارك الحج؛ لأنه قال: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، وترك الحج ذنب، إذاً كل ذنب يكفر به صاحبه، وهذا تركيب باطل؛ لأن هذه الآية ليس فيها أكثر من تكفير تارك الحج، وهو يشتمل تركه مع الجحود، أو تركه بالمرة مع القدرة والاستطاعة، وهذا رأي لبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يرون أن تارك الحج كافر، لكن ليس فيه أن كل مذنب كافر، وقد وقعت ذنوب كثيرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكفر بها، فنسوا أحاديث كثيرة جداً، ونسوا مواقف للرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، وألغوها وجاءوا إلى هذه الآية وتحكموا في فهمها؛ فطريقتهم أنهم يأخذون حديثاً أو آية ويستدلون بها أو به وينسون عشرات الآيات والأحاديث الأخرى.

    فمثلاً يقولون: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، قالوا: إذاً: أي رجل يقاتل رجلاً مسلماً فهو كافر.

    نقول: إن الله عز وجل يقول: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات:9]، وهذا يدل على أنه يمكن أن يوجد الاقتتال بين المؤمنين، فأخذوا هذا وتركوا هذا، وهذا مصداق لقول الله عز وجل: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85]؛ ولهذا أمر الله عز وجل أن ندخل في السلم كافة، يعني: أن ندخل في دين الله عز وجل كاملاً، لا نفرق النصوص بعضها عن بعض، ويقولون مثلاً: يقول الله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران:106]، يقولون: إن الفاسق لا يجوز أن يبيض وجهه، إذاً هو ممن اسود وجهه، فإذا اسود وجهه فهو كافر؛ لأن الله يقول: (( أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)) وهذا تركيب باطل؛ لأن هذه الآية في أقسام الناس يوم القيامة، بعد تميز الناس إلى أهل الجنة وهم الذين ابيضت وجوههم، بما فيهم الفاسق الذي لقي عذابه ثم رجع إلى الجنة، والذين اسودت وجوههم وهم الكفار، فكونهم ينزلون أحكام الآخرة على أحكام الدنيا بهذه الطريقة، هذا باطل في الاستدلال؛ ولهذا منهجهم كما تلاحظون أيضاً في قصة ابن عباس رضي الله عنهما وفي مناقشته لهم أن منهجهم في الاستدلال باطل فهم يأخذون آية أو حديثاً ويضربون بذلك بقية الآيات والأحاديث، ويبنون عليها مقالات وأقوالاً باطلة ومخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    طوائف الخوارج وعقائدهم والحكم عليهم

    إن الخوارج لما قتلهم علي بن أبي طالب بقي الفلول منهم، وبقي الفكر الخارجي موجوداً فانقسموا إلى طوائف، فمن طوائفهم: الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق الحنفي ، والنجدات أتباع نجدة بن عامر الحنفي والصفرية، ويسمون بالصفرية، من كثرة العبادة صاروا صفر الوجوه، ولم يبق من هؤلاء أحد، ومقالات الخوارج الأوائل موجودة في كتاب (الكامل) للمبرد على شكل أشعار، وهو من كتب الأدب، لكنه وجدت فيه أشعارهم، وتوجد فيه مقالات الخوارج، ولم يبق من الخوارج إلا طائفتان:

    الطائفة الأولى: الأباضية أو الإباضية.

    الطائفة الثانية: جماعات التكفير.

    أما الإباضية فهم أتباع عبد الله بن أباض ، وهم طائفة أقل غلواً من الخوارج الأوائل، وأرادوا أن يتنصلوا من الانتساب إليهم، وإن كانوا يقرون ببعض مقالاتهم، وهم الآن موجودون ولهم دولة في عمان، ولهم جماعات موجودة في الجزائر وفي زنجبار، وفي التاريخ الإسلامي وجدت لهم دول في شمال أفريقيا، ومفتي عمان أحمد الخليلي يمثل منهج الإباضية، وألف كتاباً سماه (الحق الدامغ) وهذا الكتاب بناه على ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: أن الفاسق الملي مخلد في النار يوم القيامة.

    المسألة الثانية: إنكار رؤية الله عز وجل يوم القيامة.

    المسألة الثالثة: القول بخلق القرآن.

    وكتابه موجود، والرجل ما زال حياً وموجوداً، وينشر هذا الفكر في دروسه وعبر أشرطته ونحو ذلك من وسائل النشر.

    وآراء الإباضية كثيرة، من أبرزها:

    أنهم يقولون: إن الفاسق وهو مرتكب الكبيرة مخلد في النار يوم القيامة، أما في الدنيا فهم لا يسمونه كافراً، يقولون: إنه يمكن أن يسمى كافراً، بمعنى أنه كافر كفر النعمة، لكنهم لا يرتبون عليه أحكام الكفر في الدنيا، أما في الآخرة فقد وافقوا الخوارج السابقين ووافقوا المعتزلة، وقالوا: إنه مخلد في النار.

    وكذلك أنكروا الشفاعة، وهذا أمر طبيعي، من قال: إن الفاسق يوم القيامة مخلد في النار، فمن الطبيعي أن ينكر الشفاعة؛ لأن الشفاعة تكون لأهل الكبائر الذين دخلوا النار أن يخرجوا منها.

    والمقصود بإنكار الشفاعة؟ إنكار هذا النوع منها، أما الشفاعة العامة وهي المقام المحمود فلا ينكرونه، وهم في صفات الله تعالى على مذهب المعتزلة، يقولون: إن الصفات هي الذات، فإذا قيل: هل تثبتون العلم؟ قالوا: علم الله هو ذاته، وقدرة الله هي ذاته، وإرادة الله هي ذاته، فهذا في الحقيقة إنكار للصفة، فإذا قيل لهم: هل هناك فرق بين العلم والقدرة والإرادة؟ قالوا: ليس هناك فرق بينها؛ ولهذا وافقوا أيضاً المعتزلة في الاستواء، فيفسرون قول الله عز وجل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، بأن معنى استوى: استولى.

    وأيضاً ينكرون رؤية الله عز وجل يوم القيامة، ويقولون: الله عز وجل يوم القيامة لا يرى بالأبصار، ويؤولون قول الله عز وجل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، يقولون: أن (ناظرة) هنا بمعنى منتظرة، وأن الناس لا يرون الله عز وجل يوم القيامة بأعينهم.

    وأما مسألة القرآن فإن إباضية المشرق يقولون: بخلق القرآن، وهذا يدل عليه كتاب الخليلي الذي سبقت الإشارة إليه، وبعضهم يوافق الأشاعرة ويقول: إنه قديم، وسيأتي معنا الحديث عن خلاف الأشاعرة لأهل السنة في هذا، فإنه لم يقل أحد من السلف: إن القرآن قديم، وإنما قالوا: إن القرآن كلام الله عز وجل، وهو صفة من صفاته، والله عز وجل يتكلم بصوت وحرف،لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وهو كما عبر بعضهم: أن كلامه سبحانه وتعالى قديم النوع حادث الآحاد.

    أما في موضوع القدر فإن الإباضية في موضوع القدر على مذهب الأشاعرة، يرون الجبر وهو ما يسمونه بالكسر، يقولون: إن الله عز وجل عالم بأفعال العباد وخالق لها ومريد لها، والعباد ليس لهم دور في الفعل إلا الاسم فقط؛ ولهذا هم في الحقيقة يقولون: إن الإنسان مجبور على فعل نفسه، فهم جبرية في باب القدر، وهم أيضاً ينكرون ركن القرشية؛ ولهذا تقويمنا للإباضية: هو أنهم من أهل البدع والضلالة، وأنهم منحرفون عن السنة مخالفون لها، فالإباضية فرقة ضالة مخالفة للسنة كما سبقت الإشارة إلى خلافهم في أكثر من باب من أبواب العقيدة، يخالفون في الفاسق الملي، وفي موضوع الإيمان، ويخالفون أيضاً في الصفات، ويخالفون أيضاً في القدر، وفي الرؤية، وفي الشفاعة، وإنكار ركن القرشية الذي سبق أن أشرنا إليه.

    الطائفة الثانية من طوائف الخوارج الموجودة في الواقع المعاصر: جماعات التكفير، وأول ما نبتت جماعات التكفير نبتت في مصر، على يد شكري مصطفى ، وكفَّروا الناس؛ فهم يكفرون الحاكم بغير ما أنزل الله، وبنوا ذلك على قاعدة وهي: أنه من لم يكفَّر الكافر فهو كافر، والحقيقة أن معنى هذه القاعدة الحقيقي: أن من لم يكفَّر الكافر الأصلي كاليهود أو النصراني والوثني والملحد فهو كافر، هذه القاعدة صحيحة إذا كانت بهذا المعنى، يعني: من اعتقد أن يهودياً يدخل الجنة أو أنه ليس كافراًً، أو نصرانياً ليس كافراً ويدخل الجنة، أو أن بوذياً يدخل الجنة فهو كافر، لكن الذي يحكم بغير ما أنزل الله ولم يتضح عند كثير من المسلمين كفره، فلا يجوز تكفيره؛ لأن في تكفيرهم إسرافاً، وفيه مخالفة لنصوص الشرع، فإن التأول باب معروف من أبواب العذر؛ ولهذا لم يُكفَّر حاطب بن أبي بلتعة ، مع أنه وقع فيما ظاهره الكفر؛ لوجود التأول الذي كان لديه -كما تعلمون-: وهو أنه محب لله ومحب لرسوله صلى الله عليه وسلم، وهو من أهل بدر، فهؤلاء كفروا عموم المسلمين، بل وصل بجماعة شكري مصطفى أنهم كفَّروا التاريخ الإسلامي من القرن الثالث تقريباً، ولم يثبت الإسلام إلا لمجموعة قليلة ممن اشتهر باتباع السنة.

    وجعل شكري مصطفى الدنيا جميعاً دار حرب إلا مجموعته التي كانت معه ممن وافقه على هذا الرأي الباطل، وأعاد شكري مصطفى فكرة الخوارج المحكَّمة الأوائل الذين ظهروا في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بل كان أشد غلواً منهم، ويمكن مراجعة تفصيل الكلام عليهم في كتاب (الحكم بغير ما أنزل الله).

    وأهل الغلو وجماعات التكفير ليسوا على مستوى واحد في التكفير؛ فبعضهم يكفَّر المسلمين جميعاً، وبعضهم يرى أن الأصل في المسلمين الكفر حتى يتبين عنده أنه مسلم؛ ولهذا بعضهم لا يصلي وراء المسلمين في المساجد، ولا يثق في المسلمين، ويعتقد أن كل مسلم الأصل فيه الكفر حتى يثبت له الإسلام، وهذه عقيدة باطلة وفاسدة؛ لأن ثبوت الإسلام للإنسان يثبت بقوله: لا إله إلا الله، وباستمراره على العمل، فإذا شهد أن لا إله إلا الله، وشهد أن محمداً رسول الله، وصلى مع المسلمين، وأكل ذبيحتهم، واستقبل قبلتهم، فهذا مسلم لا يجوز أن يكفَّر، والأصل فيمن كان هذا حاله أنه مسلم، حتى يتبين كفره.

    إذاً: الذي ينبغي التبين فيه ليس هو فالإسلام، الإسلام ثابت له بقوله: لا إله إلا الله، واستمراره على العمل الصالح، لكن الذي ينبغي التبين فيه ألا ينقل المسلم من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر إلا بيقين؛ لأن الإسلام ثبت له بيقين، فلا يجوز أن ينقل عنه إلا بيقين. وصاحب كتاب (دعاة على أبواب جهنم) يقول: إن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

    كافر واضح الكفر، ومسلم واضح الإسلام، ومجهول الحال، ويقول: هذا نتوقف فيه، أي: من كان مجهول الحال، وأصحاب هذه الفكرة يقولون: نتوقف في مجهول الحال، ومجهول الحال هو الذي لا يعرفونه، فمثلاً: هو الذي لم يكفَّر الحاكم بغير ما أنزل الله.

    إذاً: يجب على المسلم أن يتوخى الحذر في مسائل التكفير، وأن يحذر من التكفير بالعموم، وأن يحرص على ضبط قوله وعبارته في التعامل مع المسلمين، وكما يقولون: الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، وهذا لا يعني أن الكافر الذي وقع في الكفر الحقيقي لا يكفر، لكن هناك ردود أفعال في هذه المسألة، فبعض الناس تجاوزوا الحد وكفروا المسلمين بالظن وأسرفوا في ذلك، وهم الخوارج وهم الذين كفروا أعيان المسلمين بالظن ولارتكابهم بعض الكبائر، كفروهم بهذا العموم، وجاءت طائفة أخرى كردة فعل هؤلاء وهي ما سنتحدث عنها في الحديث عن المرجئة.

    وقالت هذه الطائفة الجديدة: إنه لا يكفر أحد، ما دام أنه يقول: لا إله إلا الله، فهو مسلم، حتى لو فعل المكفرات فإنه لا يكفر، وهذه بدعة، والحق هو الوسط بينهما.

    فينبغي أن يفهم في مسألة التكفير أن التكفير ينقسم إلى قسمين: كفر النوع، وهو أقسام: كفر القول: وهو أن يقال: هذا القول كفر، مثل سب الله أو سب الرسول مثلاً.

    وكفر العمل مثل: الطواف حول القبور، والذبح لها، والنذر لغير الله عز وجل، وسن القوانين الوضعية ونحو ذلك، فهذا كفر.

    وكفر الإرادة مثل: محبة غير الله، أو الخوف من غير الله سبحانه وتعالى، أو محبة الكافرين وإعانتهم على المؤمنين، هذا يسميه العلماء كفر النوع، وهذا النوع من التكفير هو مجمع عليه عند أهل السنة والجماعة إلا في مسائل يسيرة ومحدودة اختلفوا فيها.

    النوع الثاني من أنواع التكفير: هو تكفير المعين، كأن يقال: فلان بن فلان، أو محمد أو علي أو أي شخص من الأشخاص كافر، وهذا لا يصح أن يكفر إلا إذا وجدت فيه شروط الكفر وانتفت عنه الموانع، فلا يجوز أن يكفر هكذا بإطلاق؛ لأن الجهل قد يكون مانعاً في بعض الأحيان، وقد لا يكون مانعاً في حين آخر، والتأول منه ما يكون مانعاً من التكفير ومنه ما لا يكون مانعاً، والإكراه منه ما يكون مانعاً ومنه ما لا يكون مانعاً، وللتفصيل في هذه المسألة مجال آخر لا يحتمله هذا اللقاء.

    هذا ما أحببت الإشارة إليه في موضوع الخوارج.

    أسأل الله عز وجل أن يعيذنا وإياكم من البدع والانحراف والضلالة، وأن يرزقنا وإياكم اتباع السنة، وأن يعيذنا وإياكم من المناهج المضلة، والعقائد المنحرفة.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016982528

    عدد مرات الحفظ

    723878866