إسلام ويب

المذاهب والفرق المعاصرة - الديمقراطيةللشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نشأت الديمقراطية في أوروبا بعد الثورة على الكنيسة التي فرضت نظام الإقطاع واتخذت من الرعية سخرة وعبيدًا للأشراف والنبلاء, حيث خلعت المجتمعات الغربية حكم الكنيسة وخلعت معه ربقة التدين, وانطلقت تبحث عن نظام حكم يسودها عوضًا عن دكتاتورية الكنيسة, فوجدت بغيتها في الديمقراطية التي حوت جملة من المعايب أعمى أعينهم عنها شدة وطأة الحكم الكنسي, ومن جملة تلك المعايب الحكم بغير ما أنزل الله تعالى, وتناحر الأحزاب, وسيطرة الطبقة الرأسمالية, وغير ذلك من العيوب التي لا تخفى في واقع الديمقراطية.

    1.   

    النصرانية في أوروبا

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    إن أوروبا لم تعتقد العقيدة النصرانية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على عيسى بن مريم عليه السلام، وإنما اعتنقت العقيدة الباطلة التي حرفها شاول اليهودي، وهو الذي سمى نفسه بولس، ونتج من هذه التحريفات والعقائد الباطلة اضطهاد كبير للمجتمع الأوروبي، ومنه الاضطهاد السياسي، والاضطهاد المالي، والاضطهاد العلمي، وغير ذلك.

    الرؤية السياسية للكنيسة الأوروبية

    كانت أوروبا قبل أن تنشأ فيها هذه المذاهب الفكرية في ظل حكم الكنيسة، وكانت الكنيسة لا تمتلك رؤية سياسية واضحة وإنما كانت تؤمن بالعلمانية، وينسبون إلى عيسى عليه السلام أنه قال: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.

    ولم تكن الكنيسة النصرانية تمتلك رؤية سياسية واضحة. وإنما أقرت الأباطرة والحكام الرومان الذين اعتنقوا عقيدة بولس على ما كانوا عليه من الظلم. بل إنها زادت في ذلك عندما أعطتهم الحق الإلهي المقدس. حيث اعتبرت أن أوامر الحاكم مثل أوامر الرب سبحانه وتعالى من حيث القداسة، ووجوب الاهتمام والتنفيذ، بغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها.

    نظام الإقطاع وأسباب رفض الأوربيين له

    كانت الدول الأوروبية في تلك الفترة تعتمد على الزراعة كمصدر أساسي للنشاط الاقتصادي، وفي نفس الوقت كان الحكم على طريقة الإقطاع.

    والإقطاع هو: تقسيم الدولة إلى مجموعة دوائر أو أقاليم، وعلى كل دائرة من هذه الدوائر، أو على كل إقليم من هذه الأقاليم نبيل أو شريف مسئول عن هذه الدائرة بأكملها. ويعتبر الناس الموجودون في هذا الإقليم عبيداً لهذا النبيل والسيد والشريف، حيث يعملون في هذه الدائرة بالزراعة، وفي نهاية عملهم يأخذون ما يسد رمقهم من احتياجاتهم الأساسية، كالأكل والشرب والمسكن، ونحو ذلك ويأخذ السيد الباقي!

    فلم يكن هناك تنافس بينهم من حيث طلب المال أو الازدياد فيه، وإنما كانوا يكتفون بأخذ حاجاتهم الأساسية التي يقتاتون بها من رئيس الدائرة الإقطاعي.

    واستمر هذا الوضع مدة ثم في سنوات طويلة حصل تحرك في المجتمع الغربي من ناحيتين:

    الناحية الأولى: أن كثيراً من الكتاب والمفكرين والذين كان لهم فكر وعلم، بدئوا يعترضون على بعض آراء الكنيسة، وعلى بعض آراء الإقطاعيين وطريقتهم في الحكم. وكان من أسباب تكون هذه الرؤية عندهم:

    الضغط الحضاري الذي كونته الدولة الإسلامية القوية، والتي استطاعت أن تغطي أكثر الكرة الأرضية في تلك الفترة، فقد أشعر الضغط الإسلامي هؤلاء المفكرين والكتاب بعمق الخطأ الكبير الذي يعيشونه.

    الناحية الثانية: أنه بدأ تغير اجتماعي في أوروبا ببدء ظهور الصناعة في المجتمع الأوروبي وبداية اختراع الآلات واختراع كثير من الصناعات التي تطورت بشكل تدريجي، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في هذا الزمن.

    وهؤلاء الذين بدءوا يعترضون على الكنيسة من جهة، وعلى الإقطاعيين من جهة أخرى كان من أعظم أسباب اعتراضهم هو:

    تأثرهم بالحضارة الإسلامية. فقد تأثروا بالحضارة الإسلامية عن طريق الأندلس والعثمانيين الذين دخلوا بالجهاد في سبيل الله إلى أوروبا الشرقية.

    وطريق ثالث وهو ما كان يحدث في كل فترة من قيام أحد الباباوات بشحذ همم الناس والأباطرة الأوروبيين لمقاتلة المسلمين، وجمع الناس من هنا وهناك لمقاتلة المسلمين.

    فهذا الاحتكاك بين العالم الغربي والعالم الإسلامي عندما كان العالم الإسلامي في أوج قوته أعطى الغربيين صورة عن العدل في المجتمعات الإسلامية، وأعطاهم صورة واضحة جداً عن القيم والأخلاق والآداب التي كان يتمتع بها المسلمون في تلك الفترة.

    وقد يقال: إذا كان مرد هذه الآراء التي بدأت تحرك المجتمع الغربي إلى تأثرهم بالحضارة الإسلامية، فلماذا لم يطالبوا بتمثل الإسلام عقيدة وشريعة؟

    وللجواب على هذا نقول:

    إن الغربيين في سنين متطاولة تكون في نفوسهم حقد قومي -توارثته الأجيال- على الإسلام بغض النظر عن صحته أو فسادهن فأصبح الخلاف خلافاً قومياً، وكرهاً اجتماعياً للمسلمين الذين حاربوهم في تلك الأماكن.

    فصرفتهم هذه الموروثات والحقد عن الالتزام بالإسلام والدعوة والرغبة فيه، وإن كان بعضهم قد اتجه نحو الإسلام ودرسه وأسلم.

    ولكن الأمر بشكل عام لم يكن كذلك. وإنما بدءوا يعترضون على الكنيسة وعلى الإقطاعيين.

    واستمر هذان التياران تيار التحرر الفكري، وتيار الصناعة الناشئة الجديدة سنين طويلة، فكان من ثمرتهما وجود الثورات المتعددة في المجتمع الغربي، ومنها الثورة الفرنسية التي كانت في عام 1789م.

    1.   

    أسباب دعم اليهود للثورة الفرنسية

    كانت الثورة الفرنسية أول نجاح لأصحاب الاتجاه الحر. وقد نظم لها اليهود، ووجهوها لتضرب أمرين:

    الأمر الأول: لتضرب الدين نفسه. فنشأ على إثرها المذاهب الإلحادية، والاعتراض على الدين، وعدم المبالاة بالإله وبالملائكة وبالرسل وبالقدر وبنحو ذلك من المفاهيم والقيم الدينية. بل إنهم أصبحوا يهربون من كل شيء إلهي، ويفرون منه ولا يريدونه ويبغضونه.

    الأمر الثاني: لضرب نظام الحكم الإقطاعي؛ لأن الحكم بهذه الطريقة لا يصلح. فلا يصلح أن يكون الحكام واحداً يحكم بشكل فردي، ويتوارث بالوراثة النسبية، ولا أن يكون له حق مقدم لا يعترض عليه، ونحو هذا. وقد أثر ذلك بوجود ما يسمى بالديمقراطية.

    وقد ساعد على وجود الديمقراطية: التغير والنقلة الهائلة الكبيرة من المجتمع الزراعي الذي كانت تعيش عليه أوروبا إلى المجتمع الصناعي الجديد.

    1.   

    الثمرات التي جناها اليهود من ظهور الصناعة في أوروبا

    استفاد اليهود استفادة كبيرة جداً من هذا المجتمع الصناعي من جهات:

    الجهة الأولى: أنهم شجعوا العلماء والمخترعين الجدد وأصحاب المصانع بإعطائهم قروضاً بفوائد، فاستطاعوا أن يكونوا رأس مال ربوي ضخماً كبيراً جداً، وهم أول من اخترع فكرة البنوك الموجودة الآن التي تقوم على الإقراض بالفائدة، ولم تكن هذه البنوك موجودة سابقاً بشكل منظم كما هي موجودة الآن في العالم، وإنما بدأ تنظيمها من قبل اليهود في زمن الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، ثم بعد ذلك طورت حتى أصبحت كما هي عليه الآن في الواقع المعاصر.

    الجهة الثانية: أنهم استطاعوا أن يؤثروا في الناس تأثيراً مباشراً عندما انتقلوا من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي؛ لأن الناس قديماً لم يكونوا يفكرون في لقمة العيش أو يسألون عن الوظيفة أو يسعون إليها؛ لأن النبيل كان يعطيهم ما يكفيهم.

    ولكن عندما تغير المجتمع أصبح على كل إنسان أن يبحث عن مصدر من مصادر الرزق؛ حتى يأكل ويشرب ويسكن، وقد كان كثير من هؤلاء العمال يشتغلون في الزراعة فلم يكن عندهم الكفاءات والخبرات الجديدة، فتفشت العطالة في المجتمع الغربي تفشياً كبيراً جداً. ومن خلال هذه العطالة ومع وجود الفراغ النفسي والحاجة إلى المال استطاع اليهود توظيف النساء في غير المجالات اللائقة بهن كنساء، فأصبحت المرأة يمكن أن تشتغل في مصنع للحديد مثلاً، ويمكنها أن تخرج من عند أهلها لتكون في عزبة في مكان بعيد عن أهلها. ومع مرور الأيام كونت هذه الأوضاع الاجتماعية فساداً عارماً وكبيراً في المجتمع الأوروبي، وكانت نقلة خطيرة جداً في المجتمع الأوروبي، استغلها اليهود استغلالاً سيئاً، وأصبحوا هم الرأسماليين الذين يملكون أكبر قدرة من المبالغ المالية التي يمكن أن تمتلك.

    1.   

    نشأة الديمقراطية وحقيقتها

    من هنا جاءت الدعوة إلى الديمقراطية، وعندما يتحدث الغربيون عن ترك الدين فأول ما يتبادر إلى أذهانهم الرجوع إلى الحضارة التي كانت قبل التدين، وهي الحضارة الرومانية واليونانية ومن خلال هذه الرؤية السياسية عندهم بدءوا يراجعون كيف كان الرومان يحكمون، وكيف كان اليونان يحكمون، فوجدوا تجربة تحقق رغبتهم في كسر الدكتاتورية والجبرية التي كانت موجودة في النظام الإقطاعي.

    وجدت هذه التجربة عند اليونان عندما اجتمع أهل مدينة أثينا في مكان واحد عندما أرادوا أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وكان سهلاً عليهم في البداية أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم؛ لأن المجتمع كان صغيراً، فهم الذين يشرعون القوانين، وهم الذين ينظمونها بشكل دقيق بالنسبة لهم.

    ولكن المجتمع الجديد الذي انفتح بهذه الضخامة لا يمكن أن يشارك فيه الناس كلهم؛ لأن المسألة تصبح فوضى، ولا يوجد مكان يكفي للناس جميعاً حتى يحكموا أنفسهم، ولا يمكن الاستماع إلى أصواتهم جميعاً، ولا يمكن تنظيم هذه الأصوات. فاقتضى هذا أن يوجد نواب عن الشعب.

    و

    الديمقراطية تعريفها وحقيقتها هي: أن تكون السيادة والحكم والتشريع للشعب نفسه؛ لأن الشعوب هي التي -كما يقولون- تملك حق تقرير المصير بالنسبة لها، وهي التي تقرر شرائعها بنفسها.

    ولأن الشعوب كثيرة، وعددها بالملايين فقد اختزل رأيهم عن طريق نواب. فكونوا المجالس النيابية.

    والمجالس النيابية صورتها من الناحية الواقعية: أن توزع الدولة إلى مجموعات أو أقاليم، وكل إقليم يكون له مجلس ينوب عنه، فهذا الإقليم يكون مجلساً، وهذا يكون مجلساً، وهذا يكون مجلساً، وهكذا.

    ثم يكون لكل مجلس من هذه المجالس نائب واحد عنه في مجلس عام يسن القوانين والتشريعات، وفي كل فترة تقع انتخابات من الطبقة الأساسية للمجتمع، تنتخب فيها هؤلاء الأشخاص الذين يمثلونها عند الحكومة.

    ويحاول كل واحد من المرشحين النواب أن يرضي منتخبيه بقدر ما يستطيع؛ لأنه إذا لم يرضهم بقدر استطاعته فإنهم في الانتخابات القادمة سينتخبون غيره.

    ولهذا فإن فكرة الحملات الانتخابية أن تعرف ماذا يريد هؤلاء الناس، وأن تعدهم بتحسينات وتعديلات سواء للأوضاع التي كانت سابقاً غير موجودة، أو التي هي موجودة ويرغبون في تغييرها، فتكونت الديمقراطية بهذه الطريقة، والمجالس النيابية هي التي تشرع القوانين للناس.

    وقد يقول قائل: وماذا في هذا؟ وإذا كان هناك مجالس نيابية تشرع للناس فماذا في هذا؟

    فنقول: أوضح شيء في الديمقراطية هي أنها جعلت الدين جانباً، فالمرشح ينتخبه الجمهور حسب إرادته، حتى لو كان هذا المرشح على عقيدة مخالفة لعقيدة الإسلام، أو على دين مخالف لدين الإسلام، أو على فكر يخالف فكر المسلمين. هذا من جهة.

    ومن جهة ثانية: تعتبر المجالس النيابية أن من حقها سن التشريعات للناس في كل أمورهم، بكل تفصيل. سواء في أمورهم الخاصة أو في أمورهم العامة.

    وحينئذ لو طرحت قضية مثل قضية شرب الخمر فإنه يحق لهذه المجالس النيابية أن تحله أو تحرمه، بناء على ما يريده الشعب، وبناء على إرادته. فإذا أراد الشعب حله أحلوه وجعلوا له قانوناً وألزموا به الناس، وإذا رأوا أن إرادة الشعب لا تريده حرموه ومنعوه بناء على إرادة الشعب!

    فالمشرع في الديمقراطية هو غير الله سبحانه وتعالى. وإنما الشعب نفسه هو الذي يشرع هذه القوانين.

    ولما وجدت الديمقراطية ووجدت معها هذه القوانين فرح بها الغرب فرحاً كبيراً.

    والسبب في فرح الغرب بالديمقراطية، واعتباره أنها من أعظم مفاخر الإنسانية، هو: أنه استطاع بها تجاوز المجتمع والنظام الإقطاعي ليعطي الشعوب حق التعليم والانتقال من مكان إلى مكان، وحق العمل، وحق الانتقاد، وحق التفكير، وحق الانتخاب، وحق المشاركة السياسية، وغيرها من الحقوق.

    وقد كان من شعارات الثورة الفرنسية: دعه يمر إلى حيث يشاء، ودعه يعمل ما يشاء.

    وهذه الحقوق فرح بها الغرب فرحاً كبيراً؛ لأن نظام الإقطاع السابق الذي تجاوزوه كان يمثل الديكتاتورية، ويمثل الجبر القسري الظالم الغاشم الذي لا يمت إلى دين أو خلق أو أدب بصلة.

    1.   

    من عيوب الديمقراطية: الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه

    أولاً: الديمقراطية تحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى، وتعطي التشريع لغير الله سبحانه وتعالى. وهذا واضح بالنسبة للغربيين، وقد بدأ هذا المذهب يطبق في أصول الحكم في أكثر بلدان العالم الإسلامي اليوم.

    وبدأت هذه القضية بوجود مفكرين حاولوا أن يعزلوا السياسة عن قضايا الدين، فألف مثلاً علي عبد الرازق وهو من شيوخ الأزهر كتاباً سماه (الإسلام وأصول الحكم)، صور فيه الإسلام على أنه ديانة روحانية تؤدى في أوقات معينة، فإذا انتهى هذا الجانب الروحاني فحينئذ لا علاقة للإسلام بشؤون المجتمع، ولا علاقة للإسلام بشئون الاقتصاد والمال ولا بشئون الحكم والسياسة.

    وقد رد عليه العلماء في تلك الفترة، ومن أبرز من رد عليه الشيخ محمد الخضر حسين ، وهو تونسي، ومن العلماء الأجلاء الذين رشحوا لمشيخة الأزهر في فترة من الفترات، فألف كتاباً سماه: (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم)، وقد تكلم عليه كثير من أهل العلم، وبينوا ضلال هذا الكتاب، وضلال صاحبه وانحرافه.

    فقد انتقلت هذه المذاهب السياسية إلى العالم الإسلامي وحكم بها، ونحيت الشريعة الإسلامية عن طريق الاستعمار والاحتلال المباشر لبلاد المسلمين، وعن طريق الاستشراق والتنصير، وعن طريق إثارة الطوائف التي كانت موجودة في العالم الإسلامي في تلك الفترة، وطريق الغزو الفكري والتغريب دخلت هذه المذاهب، وأصبح لها أحزاب، وأصبح كثير من مجتمعات بلدان المسلمين منظمة بهذه الطريقة، ويرون أن الديمقراطية هي الحكم الصحيح الذي يجب أن يكون في حياة المسلم.

    إذاً: أول عيوب الديمقراطية: أنها تحكم بغير ما أنزل الله، وتعطي التشريع لغير الله سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى عندما خلق النوع الإنساني لم يهمله ولم يتركه عبثاً ولم يسند له حق التشريع لنفسه، وإنما أرسل إلى هؤلاء الآدميين الذين خلقهم في الأرض رسلاً، وأنزل عليهم كتباً، وكانت هذه الكتب حاكمة لشئون الناس جميعاً، قال الله عز وجل: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38]، ويقول الله عز وجل: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، وهذا يفيد أن الخلق والأمر خاصان بالله، ووجه الاختصاص في الاستدلال بهذه الآية على هذا المقصود هو أنه قدم ما حقه التأخير، فالآية الأصل فيها من حيث التركيب: الخلق والأمر له، فقدم ما حقه التأخير لفائدة بلاغية، وهي: الاختصاص والحصر والقصر والانفراد، فالله عز وجل منفرد بالخلق ومنفرد بالأمر، فليس هناك خالق ولا آمر إلا هو.

    والأمر نوعان:

    الأول: الأمر الكوني، وهو: الأمر العام. فليس هناك أمر نافذ إلا أمر الله عز وجل. وهذا الأمر يمثله قول الله عز وجل: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]. وهذا الأمر الكوني، وهو موافق لمعنى الخلق.

    الثاني: الأمر الشرعي، وهو: سن التشريعات للناس. وهو حق لله، ويدل على هذا قول الله عز وجل: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [السجدة:24] يعني: بأمرنا الشرعي، لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24]. فالله عز وجل أنزل على الناس شريعة تنظم شئونهم الاجتماعية، وتنظم حكمهم، وتنظم شئونهم كلها.

    ولهذا فإن السياسة لها أحكام في كتاب الله، ولها أحكام في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وحكم بها الخلفاء الراشدون، وحكم بها حكام المسلمين من بعدهم، وإن وجدت أخطاء عند بعض حكام المسلمين سابقاً إلا أن محاولة تبني المذاهب الغربية في جانب الحكم بهذه الطريقة الواعية لم تكن موجودة أبداً إلا في هذا العصر الذي وجد فيه دعاة الديمقراطية.

    فالديمقراطية تسند التشريع إلى الخلق، في حين أن عندنا في الشرع أن التشريع حق لله عز وجل وحده، فالله هو الذي حرم الخمر، وهو الذي حرم الزنا، وهو الذي أمر بالجهاد في سبيله، وهو الذي أمر بالصلاة والصيام، وهو الذي أمر بالتوحيد، وهو الذي أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا في جوانب كثيرة من حياتنا، هو الذي نظم شئون الأسرة، وأمر المرأة بالحجاب، وأن تقر في بيتها، ونهاها عن الاختلاط بالرجال، وهذه كلها تشريعات تخص البشر، وشريعة الله عز وجل كاملة، قال الله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    أما الديمقراطية فهي تتعامل على أنه ليس هناك شريعة، وإنما نبدأ من جديد، فكأنها تقول: ليس هناك إله يشرع للناس، وإنما الناس آلهة يشرعون لأنفسهم!

    فمثلاً إذا عرض موضوع الجهاد في سبيل الله على مجلس من مجالس النواب فإنها تقع معركة بين النواب، فيقول أحدهم: أنا أرى أنه يجب علينا أن نجاهد في سبيل الله. فيعترض عليه آخر ويقول: ولماذا نجاهد ونسبب لأنفسنا مشاكل ليس لها داع؟! فإذا قيل له: كيف تعترض على هذا، والله عز وجل قد أمر بالجهاد؟! قال: اترك الدين على جنب، فنحن نتكلم عن المصلحة الوطنية. وأنت يمكن لك أن تكون مسلماً تصلي وتصوم. ولكن قضايا الحكم والسياسة لا علاقة لها بالدين.

    فالحلال والحرام من جهة الله عز وجل لا يدخل في قاموس الديمقراطيين أبداً؛ ولهذا من حق أي نائب أن يعترض على أي حكم من أحكام الله عز وجل، ويرى أن هذا من حق منتخبيه، وأن الأصل هو سيادة الشعب، وأن تكون السيادة المطلقة في التشريعات للشعب.

    الفرق بين التنظيمات الإدارية وبين القوانين التشريعية

    هناك فرق بين التنظيمات الإدارية وبين القوانين التشريعية.

    فالتنظيمات الإدارية مثل: تنظيم إدارة معينة من رئيس ووكيل وشئون كذا وكذا، متروكة لمصالح المسلمين، وليس فيها شيء.

    وأما التشريعات والقوانين فهي من حق الله عز وجل. فالحرام ما حرمه الله، والحلال ما أحله الله عز وجل. ولا يجوز أبداً بأي حال من الأحوال أن يعترض على حكم الله عز وجل، ولا أن يعتقد أحد أن من حقه أن يعترض.

    حكم الاعتراض على حكم الله

    الاعتراض على حكم الله كفر ناقل عن الملة، ويخرج صاحبه من الإسلام. والله عز وجل يقول: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44].

    ويقول عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65]، يعني: فيما وقع بينهم من الخلاف ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    فهذه الآية تدل على أنه لا يمكن لأحد أن يكون مؤمناً إلا بأن: يحكم أولاً، وثانياً: لا يجد حرجاً، وثالثاً: يسلم تسليماً مطلقاً.

    فهذه شروط الإيمان. فمن لم تتحقق فيه هذه فليس بمؤمن؛ لأنه تعالى قال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [النساء:65]. والديمقراطية تنازع الله عز وجل في شرعه.

    الفرق بين الشورى والديمقراطية

    كثير من الناس مع الأسف يخلط، ويظن أن الديمقراطية هي الشورى الشرعية، ويقول: إن الله عز وجل أمر بالشورى، وما دام أن الله أمر بالشورى، فلنأخذ الديمقراطية. في حين أن هناك فروقاً بين الديمقراطية والشورى، ومن هذه الفروق:

    أولاً: نظام الحكم الإسلامي والولاية الإسلامية هو: أن يقوم أهل الحل والعقد بانتخاب إمام المسلمين. وهذه صورة من الصور، وهذه هي الصورة الشرعية.

    كما حصل عندما اجتمع علماء الصحابة فانتخبوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه. وأهل الحل والعقد ليس هم عامة المجتمع، وإنما هم العلماء والمؤثرون في الأمة من أصحاب الأموال وأصحاب القرار مثل شيوخ القبائل مثلاً، فهؤلاء يعتبرون من المؤثرين في الأمة، ولكن بشرط أن يكونوا من أهل الصلاح والتقوى والإيمان والخوف من الله عز وجل.

    ويشترط في إمام المسلمين أن يكون: قرشياً صالحاً محققاً لأحكام الإسلام ولمصالح المسلمين. هذا نوع من انتخاب الحاكم، وهو الأصل الشرعي.

    وأيضاً يحق للخليفة أن يعين الخليفة الذي يليه ويقره أهل الحل والعقد كما حصل من أبي بكر الصديق حيث ولى عمر بن الخطاب بعده، فأقره أهل الحل والعقد على ذلك، فمضى هذا في الأمة.

    والصورة الأخيرة هي: أن يأتي حاكم من الحكام ويتغلب على البلاد بالقوة، كما حصل في زمن الدولة العباسية مثلاً أو في دول جاءت بعدهم، فإذا جاء الحاكم بالقوة ثم حكم بالإسلام فإنه يجب السمع والطاعة له. والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن تأمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوا). والعبد الحبشي ليس من قريش، وقوله: (تأمر) يدل على أنه تأمر بالقوة؛ لأن الإسلام جاء بدرء الفتن عن المسلمين، وجاء بجلب المصالح لهم. فإذا تغلب حاكم من الحكام على رقعة من رقاع المسلمين وحكم فيهم بالإسلام، وأقام الصلاة، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فإنه يجب السمع والطاعة له. ولا يجوز الخروج عليه، ويعتبر إماماً من الأئمة الذين يجب أن يسمع لهم ويطاعوا.

    فالطريقة الشرعية في انتخاب إمام المسلمين هو ما سبق، وفي الديمقراطية يتساوى الناس، فيتساوى العالم مع الجاهل، ويتساوى الذكي مع الغبي؛ لأن الأصوات واحدة. وترشيح العالم الشخص مثل ترشيح الجاهل الشخص الآخر، فالصوت هو الصوت. وأيضاً يتساوى الصالح مع الفاسق. فلو جاء إنسان صالح في منهج الديمقراطية فرشح إنساناً فترشيحه مثل ترشيح الفاسق لإنسان آخر. فهذا التساوي الذي هو تساوي الرجال مع النساء، وتساوي الصغار مع الكبار ليس وارداً في الشرع، لا من قريب ولا من بعيد. وإنما الذين هم أهل الحل والعقد هم كبار الأمة، وهم العلماء الكبار الربانيون ورؤساء الأجناد، والمؤثرون في الأمة بأي وجه من وجوه التأثير، إذا كانوا من أهل الصلاح والصدق والخير والإيمان. وهذا فرق كبير.

    وحينئذ سيختلف المنتخب الذي ينتخب من مجموعة من الصالحين العقلاء المؤثرين أصحاب المنهج الصحيح عمن انتخب من غوغاء الناس.

    فهناك فرق بين من ينتخب من غوغاء الناس، ومن ينتخب من خلاصة الناس. فالذي ينتخب من خلاصة الناس هو أفضل نموذج، ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو أفضل من حكم المسلمين إلى قيام الساعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا من جهة.

    ومن جهة ثانية: إن الشورى ليس فيها تكوين أحزاب وليس فيها صراع على السلطة. فإذا حكم الحاكم المنتخب بالشورى المسلمين فلا يأتي أهل الشورى يكونون أحزاباً، هذا حزب كذا، وهذا حزب كذا، وهذا حزب كذا. ثم يتصارعون على السلطة، حتى لو كان الحاكم من أفضل الحكام!

    فأهل الشورى ينصحون ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويذكرون بالله، ويحفظون ويحقنون دماء المسلمين، ويسعون للألفة بين المسلمين. وهذا فرق جلي بين الشورى الإسلامية وبين الديمقراطية.

    ومن جهة ثالثة: أهل الشورى لا يناقشون الأحكام التي وردت في الشرع. فلا يناقشون مثلاً: تشريع الخمر؛ لأن هذا أمر محسوم ومنته؛ لأن الله عز وجل حرمه، فلا يدخل الشورى. والأحكام الشرعية الواضحة غير داخلة في الشورى.

    الأمور التي تخضع للشورى

    الأمور التي تدخل في الشورى هي: الأمور التي يكون فيها مصالح المسلمين، وتختلف فيها أنظار الناس من حيث التقديم والتأخير، ومن حيث الوجود وعدم الوجود. وهي مما ترك للناس في مصالحهم وتدبيرهم الدنيوي. مثل المعارك وشئونها، وتنصيب القواد عليها. وهل الأفضل هذا أو هذا؟ ونحو ذلك.

    وأهل الشورى لا يحلون حراماً ولا يحرمون حلالاً؛ لأنهم إذا أحلوا الحرام أو حرموا الحلال يصبحون طواغيت كما قال الله عز وجل: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]؛ لأنهم يحلون لهم الحرام فيتبعونهم، ويحرمون عليهم الحلال فيتبعونهم.

    وأما في الديمقراطية فإن كل شيء قابل للتشريع وللتعديل. ولهذا في الديمقراطيات الغربية مثلاً سنوا قانون حماية الشذوذ الجنسي؛ لأنه اتسعت رقعة الشاذين جنسياً في الغرب؛ فصار لهم نواب في البرلمان وشكلوا ضغطاً؛ فاعترفوا بهم وأحلوا زواج الرجل من رجل آخر.

    هذا بالنسبة للغربيين. وأما بالنسبة لما حصل في العالم الإسلامي فتجد أن هناك تشريعات تخالف أصل الدين، أو تخالف قضايا معلومة من الدين بالضرورة. فنجد مثلاً: أن الزاني في الحكم الإسلامي إذا كان محصناً فإنه يرجم إذا زنى وتحققت فيه الشروط الشرعية. وإذا كان غير محصن فإنه يجلد ويغرب عاماً. وأما في الديمقراطية فقد سنوا تشريعاً جديداً وقالوا: إنه يسجن أو يغرم بحسب حالة الفتاة. ويسألون: هل اعتدي عليها أو لم يعتد عليها؟ وهل كانت راغبة أم غير راغبة؟!! ويعتبرون هذه حريات شخصية، ولا يحق للقانون أن يعترض عليها، إلا إذا كانت هناك شكوى. وأما في الوضع الطبيعي فليس للقانون أي حق في الاعتراض على الحريات الشخصية.

    بل إنه عندما ظهرت ظاهرة عبدة الشيطان في بعض البلدان الإسلامية، ثم كشفتهم النيابة وجمعتهم وحققت معهم ونشرت ذلك في الصحف، وهذا كفر مبين، فقد كانوا يعبدون الشيطان!! وهو كفر صريح ثم تركوهم. فقيل لهم: لماذا تركتموهم؟ قالوا: لأن القانون لا يعاقب على أي فكرة يتبناها أي شخص!

    وهذا مخالف لدين الله عز وجل؛ لأن من أحكام دين الله عز وجل أنه إذا ارتد الإنسان عن دين الله فإنه يقتل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه). فالديمقراطية لا تتعامل مع الأحكام الشرعية أبداً. فإنها تعترض عليها وترفضها، ومن حق أي نائب أن يرفض أي حكم من الأحكام الشرعية المجمع عليها في دين الله سبحانه وتعالى.

    إذاً: هناك فروق جوهرية بين الشورى الشرعية وبين الديمقراطية. فإذا جاء إنسان وقال: نحن نطالب بديمقراطية الإسلام. فإننا نقول له: الإسلام ليس فيه ديمقراطية؛ لأن هذه الديمقراطية منهج فكري منحرف كافر أصلاً؛ لأنه يحكم بغير ما أنزل الله، ويشرع بأهواء الناس وأفكارهم. وهذا منهج كفري، والمنهج الصحيح هو التزام شرع الله تعالى.

    والعيب الواضح في الديمقراطية هو: أنها أعطت حق التشريع لغير الله سبحانه وتعالى. وهذا من الكفر المبين المخرج عن دين المسلمين.

    1.   

    من عيوب الديمقراطية: تفريق الأمة إلى أحزاب تتناحر فيما بينها

    العيب الثاني: تناحر الأحزاب وتشاحنها. فإن الديمقراطية تسمح بتكوين أحزاب. وهذه الأحزاب تشحذ همم الناس على ترشيحها، وقد تصل إلى السلطة وقد لا تصل إليها، وهذا يفرق وحدة المسلمين، والله عز وجل قد أمر بالوحدة والألفة، فقال الله عز وجل: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون:52].

    وأمر سبحانه وتعالى بالاجتماع على كلمة سواء، ونهى عن التفرق والاختلاف. فتكوين الأحزاب بهذه الطريقة هو تفريق لوحدة الأمة.

    والنظام الديمقراطي نظام يساعد على هذا الأمر، ويساعد على وجود الشحناء والخلاف بين المسلمين كما هو ظاهر.

    1.   

    من عيوب الديمقراطية: سيطرة الطبقة الرأسمالية

    العيب الثالث: أن الديمقراطية هي عبارة عن سيطرة الطبقة الغنية التي تسمى الرأسمالية، وتحكمها في صنع القرار، فإن أفكار الناس تتكون من خلال الإعلام الذي يصنع الرأي العام ويؤثر فيه. وهو الذي يجعل الناس يميلون إلى هذا الحزب أو يتركونه إلى آخر أو يميلون إلى هذا الطرح أو يكرهونه، ونحو ذلك. والإعلام المشهود -الذي يرى بالعين- والمقروء -مثل الصحافة وغير ذلك- له تأثير كبير جداً في صنع الرأي العام والفكرة العامة. وصنع الرأي العام والفكر العام بالنسبة للإعلام أمر معروف ويدرسه الإعلاميون ويصرحون به وهو واضح.

    والذي يمتلك الإعلام في النظام الديمقراطي هو الذي يملك المال، فهو يستطيع أن يطبع آلاف وملايين الصحف والمجلات، ويمتلك عشرات القنوات التلفازية، ويمتلك كثيراً من أدوات الاتصال.

    إذاً: في الحقيقة الرأي العام يتكون من خلال الإعلام، والإعلام يمتلكه الرأسماليون. فالديمقراطية هي حكم الرأسماليين.

    فليست الديمقراطية في الحقيقة حكم الشعب، وإن كان في الظاهر أن الإنسان ينتخب من يشاء، ولكنهم يتصرفون في عقله، والناس ليسوا على درجة واحدة من الذكاء، والنخبة من الأذكياء والعقلاء قلة في أي مجتمع من المجتمعات، وأكثر الناس غوغاء، ويؤثر فيهم من تكلم، ويندر من الناس الذي يحقق ويدقق ويمحص.

    والديمقراطية تعتمد على الأكثرية، ولا تعتمد على النخبة. فمثلاً: لو أن النخبة كونوا حزباً والغوغاء كونوا حزباً آخر لصار الحكم للغوغاء؛ لأن الغوغاء هم الأكثرية.

    وأكثر البشر في أي مجتمع من المجتمعات هم العوام الذين ينشغلون بمصالحهم الدنيوية، والذين يؤثر فيهم الكلام الخطابي والحماس. ولهذا نلاحظ أن النواب الذين يحاولون الفوز في الانتخابات يقومون بعمل جولات انتخابية، وينتقلون بين المناطق، ويخطبون في الناس، ويعدونهم بأن يفعلوا لهم كذا وكذا، فإذا فرحوا به رشحوه، ثم يجربونه في فترته الانتخابية فإن فشل في تحقيق وعوده مثلاً انتخبوا شخصاً آخر غيره جاء بوعود أخرى.

    فالحكم في الديمقراطية للغوغاء وليس للنخبة. والنخبة من العقلاء في الأمة إذا لم تكن لديهم أموال ولا قنوات يؤثرون بها على الجمهور فلن يكون لهم حكم لا من قريب ولا من بعيد في النظام الديمقراطي.

    فالديمقراطية في حقيقتها ديكتاتورية من وجه آخر، حيث يمتلك الرأسماليون الأموال التي يمتلكون بها الإعلام ويؤثرون بها في الناس.

    والإعلام العالمي اليوم يمتلكه اليهود، وهذا أمر واضح، ويمكن مراجعة كتاب: السيطرة اليهودية على الإعلام العالمي للأستاذ أحمد الرفاعي ، فإنه تتبع الصحف الغربية المشهورة، وتتبع القنوات الغربية المشهورة، فذكر عن كل صحيفة من الصحف المسئول عنها ومن الذي يدعمها، وبين عقيدته التي يدين بها وهو كتاب دقيق ومؤثر ويعتمد على الحقائق العلمية.

    فالذين يؤثرون إذاً في عقليات الناس هم اليهود. وانظروا على سبيل المثال عندما توفيت ديانا ، فقد تغير العالم بأكمله على وفاة امرأة، وكأنه لم يمت إلا امرأة واحدة، وكأن هذه المرأة هي التي تمتلك الجنة، أو أنها هي التي تمتلك الخير للناس، حتى إن الإعلام في بلدان المسلمين تأثر بهم، فتأثرت الصحف والقنوات المتلفزة في أكثر العالم الإسلامي بها، بل وجد في مجتمعنا من تكلم عن هذه المرأة، وأصبحت تغطي أخبارها في أكثر من صفحة بشكل دائم. وقبل وفاتها كانوا يتابعونها متابعة دقيقة مع عشيقها، وأنها انتقلت من هذا المكان إلى المكان الآخر إلى المكان الثالث، إلى المكان الذي يليه.

    وتفسير هذا الوضع هو أن الإعلام في بلدان المسلمين يقلد الإعلام العالمي. والإعلام العالمي يمتلكه اليهود. واليهود لهم مصالح كبيرة جداً في إبراز هذه المرأة. وهذه المصالح هي:

    المصلحة الأولى: نشر الفساد بين بنات المسلمين وبين عموم النساء بهذا الطريق.

    واليهود لهم طرق متعددة في نشر هذا الأمر. وهذا وسيلة من الوسائل. وإلا فما الفائدة من متابعة هذه المرأة مع عشيقها هنا وهناك بهذه الطريقة، فقلدهم العالم الإسلامي، حتى إن بعض الكتاب كتب مقالاً يقول: إلى جنة الخلد يا ديانا ، وبعضهم حكم بأنها في الجنة! حتى أصبحت بنات المسلمين العاديات في مجتمعنا يقلن: وما يدريك أنها أسلمت؟! وتتعجب من حماس هؤلاء لهذه المرأة مع أن أي امرأة غربية أخرى تموت ما ندري لعلها أسلمت. فلماذا افتراض الإسلام في هذه المرأة أكثر من افتراض الإسلام في أي امرأة أخرى؟! لكن لوجود التأثر الكبير من الإعلام العالمي حصل هذا.

    ومثال آخر: الفضائح الجنسية التي نشرت للرئيس الأمريكي كلينتون ، ما الفائدة منها؟ حتى إن بعض الصحف مع الأسف التي تنتسب إلى بعض البلدان الإسلامية نقلت كلام المرأة مفصلاً، وأنها تعاملت معه بالطريقة الجنسية الفلانية. وهكذا بهذه الأساليب المقيتة الخبيثة التي لا تمت إلى القيم والآداب الإسلامية بوجه من الوجوه.

    إذاً: الإعلام هو الذي يشكل الرأي العام في أي مجتمع من المجتمعات.

    1.   

    من عيوب الديمقراطية: تعارض المصالح الفردية والمصالح الجماعية

    العيب الرابع من عيوب الديمقراطية -وعيوبها كثيرة-:

    تعارض المصالح الفردية والمصالح الجماعية. فإن الديمقراطية من حيث هي منهج ونظرية تصور لكل إنسان أنه سيحقق رغبته كما يراها، بينما الواقع العملي لها هو أن الذي يحقق رغبته هم مجموعة محددة كما بينا.

    أما الديمقراطية المستوردة التي استوردها كثير أو بعض بلدان المسلمين فقد أصبحت مطية وحذاء ونعالاً ينتعلها هؤلاء متى شاءوا ويتركونها متى شاءوا. فينتعلونها في مصالحهم ويقذفون بها في غير مصالحهم، وأصبحت لعبة يتلاعب بها كثير من الناس.

    1.   

    حكم دخول المجالس النيابية لمن يريد الإصلاح

    بقيت مسألة أخيرة يبحثها كثير من أهل العلم، وهي مسألة: حكم دخول المجالس النيابية الديمقراطية بالنسبة للإسلاميين الذين يريدون الإصلاح.

    وهذه المسألة في الحقيقة هي من المسائل الاجتهادية في بعض الصور؛ لأن دخول المجالس البرلمانية لها صور متعددة. وبعض هذه الصور قد تكون مجال اجتهاد.

    لكن الأصل العام الذي أراه هو: أنه لا يجوز دخول هذه المجالس؛ لأن من شرط الدخول فيها القسم على احترام القانون، وهو قانون كفري.

    وأيضاً من الأمور الأخرى: هو أنه لا يجوز الجلوس مع القوم الذين يخوضون في آيات الله بالباطل، ويرون أن من حقهم هذا.

    والحقيقة: أن من دخل في هذه المجالس قد يحقق شيئاً بسيطاً من المصالح. ولكن المصلحة الكبرى وهي توضيح الحق للناس يجب أن تكون قائمة. ولهذا لما عرض كفار قريش على النبي صلى الله عليه وسلم المشاركة معهم في التأثير، وطلبوا منه أن يسكت عن عيب آلهتهم، وأن يتعبد لربه بالطريقة التي يراها رفض وأبى.

    وقد قال أبو إسماعيل الهروي : عرضت على السيف خمس مرات لا يقال لي: ارجع عن مذهبك، وإنما يقال لي: اسكت عمن خالفك، فلا أسكت. لأن السكوت عن الباطل يؤدي إلى لبس الحق بالباطل. والله عز وجل يقول: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:42].

    فلا يصح دخول مثل هذه المجالس البرلمانية كما أرى، وهذه وجهة نظري في هذه المسألة.

    أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.

    1.   

    الأسئلة

    حكم عقد المؤتمرات العالمية في بلاد المسلمين

    السؤال: ما حكم عقد المؤتمرات العالمية التي تعقد في بعض بلدان المسلمين؟

    الجواب: هذه المؤتمرات هي عبارة عن وسائل لليهود والنصارى للتأثير في حياة المسلمين، مثل مؤتمر السكان العالمي الذي أقيم في مصر، ومثل مؤتمر المرأة، ونحو ذلك.

    والعولمة -وهي في الحقيقة أمركة- هي: نشر للفكر والعقيدة والثقافة والأخلاق والقيم الأمريكية والمجتمع الغربي. فبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وبعد سقوط الشيوعية أرادت أمريكا أن تسيطر على العالم من خلال سيطرتها على هيئة الأمم المتحدة. وأصبح لأمريكا في نشر العولمة طرق وأذرعة متعددة، منها:

    ذراعها في المجال السياسي هيئة الأمم ومجلس الأمن بالذات.

    وذراعها في المجال الاقتصادي منظمة التجارة العالمية التي طرحت مشروع العولمة الآن.

    وذراعها في إفساد الأخلاق والآداب المؤتمرات التي تعقد كل فترة في بعض البلدان سواء الإسلامية أو غير الإسلامية.

    وهكذا نوعوا العرض وطرح هذه المعتقدات أو هذه الآراء والمفاسد التي جاءوا بها.

    حكم الفرق الضالة

    السؤال: هل جميع الفرق الضالة كافرة كفراً مخرجاً عن الملة؟

    الجواب: الفرق الضالة التي تنتسب إلى الإسلام نوعان:

    النوع الأول: فرق عندها بدع كفرية، مثل: الإسماعيلية مثلاً والباطنية والبهرة والنصيرية والجهمية ونحو ذلك، فهذه ليست مسلمة، وبدعها مكفرة تخرجها عن الإسلام.

    وهناك بدع ليست مكفرة تأسست عليها فرق، يعني: أن هذه البدع لا تخرجها عن الإسلام مثل بدعة الأشاعرة، وبدعة الصوفية غير الغلاة، وبدعة القدرية الذين لا ينكرون العلم، وبدعة الإرجاء ونحو ذلك. فهؤلاء ليسوا كفاراً، وإنما هم من أهل الوعيد الوارد في الحديث: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة).

    وأما المذاهب الفكرية فهي جميعاً مذاهب كافرة، وليست مسلمة، حتى ولو اعتنقها من ينتسب إلى الإسلام، ومن هذه المذاهب: العلمانية والديمقراطية والحداثة والوجودية، ونحوها من المذاهب، فمن اعتنقها وتبناها على علم بها فهو خارج عن دائرة الإسلام.

    هل الزواج من القدر؟

    السؤال: هل الزواج من القدر؟.

    الجواب: كل شيء من القدر، الزواج وغير الزواج.

    الرد على من يقول: إن الإسلام فيه كبت وجبر وديكتاتورية

    السؤال: إذا قال قائل: الإسلام فيه كبت وجبر وديكتاتورية، ويمكن أن يؤدي بأهله كما أودى بالأوروبيين؟ كيف يرد عليه؟

    الجواب: الإسلام لا يحمل أخطاء الآخرين. ففي بعض الأحيان قد يقع من بعض المسلمين خطأ فيحمل الإسلام هذا الخطأ وهذا غير صحيح.

    والإسلام كعقيدة وشريعة ومنهج للحياة خير منهج وهو الحق، ولا يدخل أحد الجنة إلا به. فإذا وجد بعض المسلمين الذين أخطئوا في تطبيق الإسلام وانحرفوا عنه فلا يأتي إنسان وينظر إلى المنحرفين ويتهم الإسلام في ذاته. وإنما ينظر إلى الذين التزموا بالإسلام.

    وقد كان سبب انحراف الأمة الإسلامية هو تقبل بعض المسلمين للعلمانية؛ لأنهم ظنوا أن هذا الانحراف هو حقيقة الدين. وحينئذ قالوا: لا يمكن لنا أن ننهض كما نهضت أوروبا إلا بأن نعترض على الدين كما اعترض الأوربيون على الدين. وهذا لاشك أنه باطل.

    فانحرافات الصوفية وخرافاتهم، وانحرافات المعتزلة، وانحرافات الفرق الضالة، وانحرافات بعض حكام المسلمين وعلمائهم، وانحرافات كثير من أبناء المسلمين لا تمثل الإسلام.

    وإذا أراد الإنسان أن يعرف حقيقة الدين وحقيقة الإسلام فلا ينظر إلى تعامل الناس وأعمالهم، وإنما ينظر إلى المنهج القرآني، وإلى منهج النبي صلى الله عليه وسلم.

    فإذا قيل: هل يعني هذا أن الإسلام مثالي لا يمكن تطبيقه؟ قلنا: لا، بل إنه يمكن تطبيقه وقد طبق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وطبقه جيل الصحابة، وطبقه كثير من المسلمين من بعدهم، وما زال أهل السنة يطبقونه إلى اليوم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق) يعني: على الإسلام الصحيح.

    وقد يكونون في بعض الأحيان طائفة محدودة، وبعض الأحيان يكونون مجموعات كثيرة جداً، بحسب الحال والظروف. ولكن الأرض لا يمكن أن تخلو من قائم لله عز وجل بالحق ولو كان شخصاً واحداً، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، وفي رواية (منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

    الرد على من يقول: إن نظام الشورى فشل بسبب الخلافات

    السؤال: اتبع نظام الشورى في بداية حكم الخلفاء الراشدين، ثم حصل الخلاف بينهم، ولم يستمر هذا الحكم إلا فترة قصيرة. وتحكم الدول العربية الآن بنظام الانتخابات، وهذا يعني: أنه سيستمر الحكم بدون خلافة لقرون كثيرة. فما رأيكم؟

    الجواب: هذا تصور خاطئ؛ لأن الشورى التي حصلت ما حصل فيها خلاف أبداً. فقد اجتمع الصحابة تحت سقيفة بني ساعدة فرشح الأنصار سعد بن عبادة للخلافة، فجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه وروى لهم حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر في قريش، وأن الأئمة من قريش، فخضع الجميع لكلام النبي صلى الله عليه وسلم، فرشح أبو بكر الصديق ؛ لأنه كان أفضل الصحابة على الإطلاق. ثم استمر هذا الأمر في خلافة عمر .

    وكون هذه الصورة المشرقة الرائعة لم تستمر بعد ذلك لا يعني أنها غير ممكنة، أو غير صحيحة.

    فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الإسلام مع تقدم الأيام ينقض عروة عروة وأولها نقضاً الحكم، وبالفعل صار الحكم جبرياً من بعد خلافة الخلفاء الراشدين.

    ثم من قال: إن الديمقراطية الغربية ليس فيها خلاف؟ فهذه الأحزاب التي تتناحر ويلعن بعضها بعضاً، ويسب بعضها بعضاً، وينتقد بعضها بعضاً، ويفضح بعضها بعضاً، ويشوه بعضها صورة بعض أليس هذا خلافاً؟!!

    بلى، إن هذا أكبر خلاف. بل إن الأمة الإسلامية ما شقيت في طوال تاريخها مع وجود من تغلب على حكمها كما شقي الغربيون الآن. فالغربيون الآن يصيبهم الشقاء في كل سنة أو أربع سنوات، وتقع المشاكل عندهم. فالدنيا تتغير، والمجتمع يختلف، وتقع المظاهرات والاجتماعات والصياح والنياح، وقد يسقط قتلى، ويأتي رجال الأمن لتفريق الناس. كما قال الله عز وجل: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82].

    فمن عيوب الديمقراطية: أنها تمزق الأمة وتجعلها أحزاباً تتنافس على السلطة، حتى لو كانت ليست أهلاً لها.

    وأحب أن أنبه هنا إلى قضية مهمة وهي:

    أن هناك فرقاً في حكم الإسلام بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب الذي حصل من بعض أهل العلم في التاريخ على الحكام وبين المعارضة الموجودة في المجتمع الغربي.

    فالمعارضة في المجتمع الغربي فكرتها هي: أن يرشح الإنسان نفسه في الحكم ولو كان أفسد الناس وأخسهم وأقبحهم وأظلمهم، فيرشح نفسه للحكم ثم يجمع له أتباعاً ويحاول إسقاط الحاكم الموجود عن طريق اللعبة الديمقراطية، ولو كان الحاكم الموجود خيراً منه.

    فالحكم في المجتمع الديمقراطي ليس للأفضل والأحسن، ولا لمن يقيم الدين، وإنما هو لمن يؤلب الناس ويجمعهم، ولهذا تحصل المعارضة في اللعبة الديمقراطية؛ لأن الإنسان يريد أن يصل إلى الحكم بغض النظر هل الحاكم الموجود قبله صالح أو غير صالح؟ وبغض النظر عن نفسه هل هو صالح أو غير صالح؟

    وأما احتساب بعض أهل العلم على بعض الحكام، فإن الصورة مختلفة تماماً، وليست معارضة. فمثلاً: احتساب أبي سعيد الخدري رضي الله عنه على مروان بن الحكم ، عندما جاء يوم العيد وهو أمير المدينة وصعد المنبر ليخطب قبل الصلاة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هو أن الخطبة في العيد تكون بعد الصلاة.

    فلما صعد مروان على المنبر ليخطب قبل الصلاة، جذبه أبو سعيد الخدري وقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب بعد الصلاة. فقال: ذهب ما هنالك ثم قام وخطب.

    فهذا الاعتراض من أبي سعيد الخدري رضي الله عنه على مروان بن الحكم ليس معارضة كما هو في المجتمع الغربي، فالمجتمع الغربي يعترض على الحاكم لذات الاعتراض، وللوصول إلى السلطة. وأما أبو سعيد الخدري فلم ينازع مروان بن الحكم في سلطته، ولكنه ذكره بالسنة، ونصحه فيها.

    وهكذا عندما أمر المأمون بالقول بخلق القرآن اعترض الإمام أحمد وأبى أن يقول: إن القرآن مخلوق وقال: إن القرآن كلام الله عز وجل. فأوذي الإمام أحمد وصبر وسجن وامتحن وجلد وأخرج من السجن، واستمرت فتنته عشر سنين كما يقول الرواة. ومع هذا لا تعتبر مخالفة الإمام أحمد للمأمون خروجاً عليه أو معارضة له. بينما في المجتمع الغربي يعترضون على الحاكم حتى لو كان صالحاً، أو حتى لو كان أنفع للأمة من من يرشح نفسه للانتخاب.

    ولهذا نجد في كتابات المستشرقين -والمستشرقون هم: أناس من الغربيين درسوا العلوم الإسلامية وكتبوا فيها- عندما يكتبون عن هذه الصور، مثل اعتراض أبي سعيد الخدري رضي الله عنه على مروان بن الحكم ، يقولون: إن أبا سعيد شكل حزب معارضة. أو أن أحمد بن حنبل كان حزب معارضة قوي ضد حكومة المأمون ؛ لأن هؤلاء المستشرقين يتكلمون عن واقعهم، وعن مجتمعهم. بينما الحال كان يختلف تماماً. فالإمام أحمد لم يكن عنده حزب ولا معارضة للوصول إلى الحكم. وإنما أمر المأمون بأمر مخالف للشرع فأباه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فالحاكم إذا أمر بالمعصية لا يطاع، لكن إذا أمر بالطاعة يجب أن يطاع.

    ولهذا تجد كتابات الغربيين تركز على مثل هذه المواقف وتضخمها. فمثلاً: يقولون عن سقيفة بني ساعدة: إن الصحابة عندما اجتمعوا صاروا أحزاباً، فجعلوها مثل اللعبة الديمقراطية فكان أبو بكر الصديق ومعه مجموعة من المهاجرين في حزب، والأنصار وعلى رأسهم سعد بن عبادة في حزب، وعلي بن أبي طالب وبعض الهاشميين في حزب، وكان أصغر الأحزاب. وانشغل بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قامت دائرة اللعبة الانتخابية، وكان ضغط حزب المهاجرين أقوى؛ فرشحوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه!

    ويتعاملون مع أخبار الصحابة وأحوالهم بنفس المنطق الموجود عندهم. مع أن الصحابة يختلفون عنهم مائة بالمائة من الناحية التربوية والإيمانية والأخلاقية. وهؤلاء الغربيون ليست لهم أخلاق ولا آداب. وعندهم الغاية تبرر الوسيلة. ويمكن للإنسان عندهم أن يصعد على أي موجة من موجات الكذب والدجل، ولا يتورع من أي أمر من الأمور للوصول إلى الحكم. والصحابة يختلفون عنهم تماماً. ومع هذا قلدهم أيضاً بعض الكتاب الذين كتبوا في القضايا الإسلامية، مثل أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام. فهذا أمر ينبغي الاعتناء به والانتباه له.

    هل يعتبر النواب من أهل الحل والعقد؟

    السؤال: ألا يعتبر النواب من أهل الحل والعقد الذين يطاعون؟

    الجواب: لا، فالنواب هؤلاء ليسوا أفضل المجتمع، بل قد يكون النائب من أخس الناس. ولهذا فقد يمكن أن يوجد عالم من العلماء ولا يختار، في حين قد يوجد أحمق عنده المال ويوظف الإعلام لنفسه ويخرج للناس بصورة حسنة ويصبح أكبر زعيم، وهو من أخس الناس خلقاً وأدباً، ونحو ذلك. فأهل الحل والعقد هم أهل العلم المعروفون في الأمة، ولا نحتاج لأن نعرضهم على الناس لينتخبوهم. والنواب هؤلاء الذين انتخبوا لم ينتخبوا لأنهم علماء أفاضل؛ وإنما لأنهم مشهورون. ولهذا قد يكون الغني أو لاعب الكرة في مجتمع من مجتمعات المسلمين أشهر من العالم، بل قد يكون الفاسق الفاجر أشهر. فلا يلزم أن يكون هذا النائب من أهل الحل والعقد؛ لأن لأهل الحل والعقد أوصافاً يعرفون بها، وهم الذين يعرفون مصالح الأمة، ويدركونها إدراكاً صحيحاً، وهم أهل العلم ورؤساء الأجناد والمؤثرون في الأمة من أصحاب الأموال ورؤساء القبائل إذا كانوا من أهل التقوى والصلاح والإيمان.

    شبهة من يقول: إن الحاكم قد يطبق الشريعة حسب هواه لأنه فرد

    السؤال: يعترض بعض العلمانيين على تحكيم الشريعة بقولهم: إن الشريعة الإسلامية إنما تنفذ وتطبق عن طريق أفراد، ويمكن لهؤلاء الأفراد أن يحكموا حسب أهوائهم بدعوى المصالح العامة ودرء المفاسد، ويتخيرون من الأقوال ما يوافقهم، ويركزون على هذا ويجمعون المذاهب عليه؟

    الجواب: لا شك أن هذه دعوى باطلة؛ لأن الحاكم من الطبيعي أن يكون فرداً. وإذا كان فرداً فإن حكم بما أنزل الله فهذا هو المطلوب، وإن لم يحكم بما أنزل الله أو أخطأ في حكمه أو ظلم أحداً أو فسق أو فجر أو نشر باطل فيجب على أهل العلم وأهل الحل والعقد أن ينصحوه. فإذا رفض النصح فلا يخلو باطله ومعصيته هذه من حالتين:

    إما أن تكون مجرد معصية لا تخرجه عن الإسلام، وحينئذ فالصبر والطاعة خير من الاعتراض على هذا الحاكم بالقوة.

    وأما إذا كان هذا الخطأ والتجاوزات كفراً مخرجاً عن الإسلام فإنه يجب على المسلمين أن يختاروا حاكماً آخر إذا استطاعوا.

    وإذا لم يستطيعوا فلا يطيعونه في الباطل ويصبرون عليه؛ لأن قتال من لا يستطيع الإنسان قتاله غير ممكن.

    ومن الأمثلة على هذا: أنه لما استولت الدولة الإسماعيلية على المغرب وعلى مصر أفتى العلماء في تلك الفترة أن حكومة الإسماعيليين هذه حكومة كافرة خارجة عن الإسلام؛ لأنها عندها مكفرات.

    وممن أفتى بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ومع هذا كانت الجماهير الغفيرة من المسلمين في تلك الدولة غير قادرين على إخراجهم؛ لأن الإسماعليين أقوى منهم، وعندهم جيوش وقدرات، ولهذا لم يلزمهم أحد بأن يخرجوهم؛ لأنهم غير قادرين على ذلك.

    وهكذا التتار والمغول عندما استولوا على بلاد المسلمين.

    وأما الديمقراطية فهي كفر من أساسها؛ لأن سن القوانين أصلاً ليست من عند الله، وإنما هي من عند الشعب.

    أما في الشورى فإن الحاكم حتى لو كان فرداً إذا التزم بالإسلام فإنه يطبق أحكام الله عز وجل على الناس، حتى ولو وجدت تجاوزات وأخطاء، أو فسق ومعصية ولكنه بالجملة يحكم بما أنزل الله، وبشرع الله، ولا يحكم بأهواء الناس كما هو الحال في الديمقراطية. وإنما يحكم بما أنزل الله، وينصب المحاكم الشرعية، وينشر العلم في حياة المسلمين، حتى ولو وجدت تجاوزات وأخطاء بدعوى المصالح العامة، ونحوها.

    هل يوجد في الإسلام ديمقراطية؟

    السؤال: هل هناك ديمقراطية في الإسلام؟

    الجواب: الجواب بسيط، هل هناك كفر في الإسلام؟ فإذا كان هناك كفر في الإسلام فهناك ديمقراطية فيه؛ لأن الديمقراطية تعرض عن الدين، والقانون فيها يسنه الشعب. فهي تجعل الشعب إلهاً يسن القوانين. والقانون لا يسنه ولا يشرعه إلا الله سبحانه وتعالى.

    شبهة من يجيز الديمقراطية بأن الشعب إذا كان مسلماً فسيحكم بالإسلام

    السؤال: هناك شبهة عند من ينادون بالديمقراطية وهي قولهم: إن الشعب هو الذي يختار القوانين والتشريعات، فإن كان الشعب مسلماً فسيختار شريعة الإسلام، وإن كان غير ذلك فسيختار ما يريد، فكيف تردون عليها؟

    الجواب: هذه الشبهة خطأ؛ لأن اعتقاد أن الشعب له حق الاختيار في التشريعات اعتقاد كفري أصلاً في حد ذاته؛ لأنه يسلب التشريع من الإله ويجعله للناس؛ وسواء الناس اختاروا الإسلام أو لم يختاروه فلهم ذلك. وهذا الاعتقاد اعتقاد كفري؛ لأنه جعل التشريع للناس حتى ولو اختاروا الإسلام. هذا من جهة.

    ومن جهة ثانية: فإن الناس أهواؤهم متعددة. فإذا كان المجتمع مثلاً فيه فساق كثيرون يريدون الزنا، فيلزم الديمقراطي هذا أن يشرع الزنا للناس؛ لأنه في طائفة من المجتمع تريد الزنا، مع أن الزنا فسوق ولكن إذا شرعه صار كفراً، والزنا في حد ذاته فسوق، وكذلك شرب الخمر، فإذا جعله الديمقراطي شريعة وبدل حكم الشرع واستحل الحكم وقال: يجوز للمجتمع أن يشرب الخمر فهذا التجويز كفر؛ لأنه استحلال لما حرم الله سبحانه وتعالى، فهي شبهة واضحة البطلان.

    حكم قول: ما شئت لا ما شاءت الأقدار

    السؤال: ما معنى قول الشاعر:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار؟

    الجواب: هذه قالها القرامطة، عندما جاءوا إلى بيت الله الحرام وعاثوا فيه فساداً وقتلوا المسلمين، فقام أشقاهم وقال:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار

    وقال:

    أنا الله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا

    حكم من يقول: ليس في هذا الزمان جهاد

    السؤال: ما تقول في الذين يقولون: إنه ليس هناك جهاد في سبيل الله، وما يحدث في هذا الزمان هو مجرد خلاف على الأراضي؟

    الجواب: الجهاد في سبيل الله شريعة معروفة، وأوامر القرآن فيها واضحة، وإذا قيل: إن هذا خلاف على الأراضي فهو بحسب المكان الذي يقال فيه هذا الكلام.

    والأصل في الجهاد أنه شريعة ماضية وقائمة وواجبة إلى قيام الساعة، وهو الأساس في نشر الإسلام.

    حكم سب العالم المبتدع ومخالفته

    السؤال: هل يجوز سب أحد العلماء المبتدعين أو مخالفته؟

    الجواب: أما مخالفة المبتدع فهي واجبة؛ لأن موافقته على بدعته لا يجوز، وأما السب فالنبي صلى الله عليه وسلم ما كان لعاناً ولا طعاناً ولا فاحشاً ولا بذيئاً.

    فإذا وجد مبتدع فيرد عليه، وتكشف بدعته وتوضح للناس. وأما السب والشتم فلا فائدة منه.

    حكم من توقف في تكفير الحداثة والحداثيين

    السؤال: هل من توقف في تكفير الحداثة والحداثيين كافر؟

    الجواب: نعم، لمن عرف كلامهم، وليس كل أحد. أي: من عرف كلامهم، وسمع سبهم لله وللرسول صلى الله عليه وسلم ولم يعتبرهم كفاراً؛ لا شك أن هذا خ9طير على عقيدة الإنسان، ولا يروج هذا إلا على المخدوعين.

    فبعض الناس انخدعوا بالحداثة، وظنوا أن الحداثة هي تغيير في التركيبة الشعرية فقط، وأنها بدلاً من أن تكون على أوزان الخليل تكون بالشعر النثري، الذي هو الشعر الحر، وظنوا أن الحداثة هكذا. فإذا سئل أحدهم: هل الحداثة كفر؟ قال: لا، ليست كفراً؛ لأن في تصوره أن الحداثة هي: تغيير في التركيب فقط. ويقول: كيف نكفر الناس على تغييرهم للشعر، والشعر لم يأمر به الدين حتى نكفر الناس؟

    فهذا لا يكفر، ولكن من فهم أن الحداثة: منهج فكري يهدف إلى تغيير كل الموروثات بما فيها الأديان، وبناء مجتمع حديث مختلف عن القديم تماماً مائة بالمائة، وأن الوصول إلى المجتمع الجديد يكون عن طريق هدم القديم، فيسبون الله، ويسبون الرسول، ويسبون الأديان، ويسبون الملائكة، ونحو ذلك، فهذا لاشك أنه كفر. ولا يجوز التوقف في مثل هؤلاء.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315046

    عدد مرات الحفظ

    723502574