إسلام ويب

الفرق والمذاهب المعاصرة [2]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان للفتنة التي أوقد نارها عبد الله بن سبأ اليهودي على الخليفة عثمان رضي الله تعالى عنه أثرها البالغ في حياة المسلمين, حيث نشأ عنها الفرقة بين المسلمين التي قادها رءوس الجهل, وجانبها الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم, وكان من نتائجها الابتداعية بدعة الخوارج الذين خرجوا عن أهل السنة في حقيقة الإيمان فكفروا مرتكب الكبيرة من المسلمين لجهلهم وقلة علمهم, وخرجوا على أمير المؤمنين علي فقاتلهم وحاز شرف قتلهم, وما زالت لهم بقية فكر في عصرنا متمثلة في الإباضية وجماعة الهجرة والتكفير.

    1.   

    وقوع الفتنة وموقف الصحابة فيها

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    تحدثنا في الدرس الماضي عن أنواع الخلاف، وأحكام كل نوع.

    وبينا في الدرس الماضي: أن الخلاف ينقسم إلى قسمين:

    خلاف غير مذموم يعذر صاحبه، وخلاف مذموم لا يعذر صاحبه.

    وقلنا: أن النوع الأول: الذي هو الخلاف غير المذموم الذي يعذر صاحبه، هو الخلاف في مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الاجتهاد من المجتهد بعد بذل غاية الوسع والطاقة في التوصل إلى الحق، فهذا الاجتهاد حتى لو خالف صاحبه الحق فإنه يكون معذوراً، بل يكون له أجر من الله عز وجل لاجتهاده في طلب الحق.

    وذكرنا الأدلة على ذلك، وقلنا: أن المعني بالحديث في هذه الدروس هو القسم الثاني: وهو الخلاف والتفرق المذموم الذي لا يعذر صاحبه، وبينا أن هذا الخلاف هو الذي نشأت عنه الفرق الضالة المنحرفة، وتحدثنا عن حديث الافتراق، وبينا الناجين من الافتراق وهم أهل السنة والجماعة.

    وسيكون حديثنا إن شاء الله في هذا اللقاء بإذنه تعالى، عن نشأة الفرق الضالة، وعن أول فرقة من الفرق التي شقت صفوف المسلمين، وهي الخوارج.

    قلنا سبق أن: أنه مع وجود بعض مظاهر الابتداع التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه كالرهبنة وكالخوض في القدر بغير الوجه الشرعي لم تظهر فرق يكون لها مقالة، وتجتمع عليها، وتتميز عن جماعة المسلمين، وكذلك في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكذلك في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكذلك الحال في صدر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ وقد وقعت هذه الظاهرة وهي وجود مقالات يجتمع عليها أصحابها ويكونون فرقة يشقون بها صفوف جماعة المسلمين، عندما وقعت الفتنة، وأعني: الفتنة التي وقعت وراح ضحيتها خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقضية الفتنة وما فيها من أحداث قضية واسعة وكبيرة، لكن الذي يمكن أن نذكره هنا، هو أن هذه الفتنة هي بسبب تآمر أعداء الإسلام كاليهود والنصارى والمجوس.

    فاليهود كان لهم تأثير كبير من خلال عبد الله بن سبأ الذي سبقت الإشارة إليه، وقلنا: إن عبد الله بن سبأ كان رجلاً من يهود اليمن، أعلن إسلامه، وجاء إلى المدينة، وعندما جاء إلى المدينة مكث فيها قليلاً، ثم انتقل إلى أطراف البلاد الإسلامية: انتقل إلى مصر، وانتقل إلى العراق، وهناك وجد بغيته ووجد بعض الجهال والغوغاء من الناس الذين كان له تأثير كبير فيهم، وأيضاً كان لهم تأثير كبير في حياة الأمة المسلمة.

    شخصية عبد الله بن سبأ

    شخصية عبد الله بن سبأ : أثبتها المؤرخون في كتبهم وهي شخصية ثابتة، حتى إن الشيعة الذين ينسبون إلى عبد الله بن سبأ هم شيعة متقدمون، وقد أثبتوا هذه الشخصية، وشكك فيها بعض الشيعة المتأخرين، وأيضاً شكك فيها الكتاب الذين يعتمدون على كتابات المستشرقين مثل طه حسين وأمثاله، والحقيقة أنها شخصية ثابتة تاريخياً وهي مشهورة تناقلتها كتب الفرق وكتب التاريخ جيلاً بعد جيل، وأصبحت مستفيضة وواضحة، وتأثيرها أيضاً واضح في حياة المسلمين، حيث إنه أثر في هؤلاء الغوغاء الذين قدموا إلى المدينة وكانت لهم مآخذ على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذه المآخذ بشكل مفصل لا يمكن أن نعرضها الآن بطولها، لكن يمكن أن تراجع في كتاب منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ فإنه عرض لمآخذهم وانتقاداتهم على خليفة المسلمين، وهي ما بين أمور أصاب فيها الخليفة، وما بين أمور كانت مجال اجتهاد، واجتهد الخليفة فيها فهو إما مصيب له أجران وإما مخطئ له أجر، أو أمور حصل فيها أخطاء من قبله، لكنها تضيع في بحار فضله ومكانته، ولو لم يكن من فضله إلا الصحبة لكان ذلك كافياً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تسبوا أصحابي، فوا الذي نفسي بيده! لو أن أحداً أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فواحد من الصحابة وواحد من غير الصحابة كلاهما يعملان عملاً واحداً وهو الصدقة، وتتفاوت هذه الأعمال، فعمل الصحابي من حيث الكم قليل وهو المد، ومن حيث الكيف والنوعية أيضاً قليل وهو الطعام؛ وغير الصحابي أنفق مثل أحد وهو جبل كبير، فهو أكبر من المد من حيث الكمية، وهو ذهب فهو أيضاً أقوى من حيث النوعية؛ فإن الذهب أفضل وأغلى من الطعام، ومع هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي فوا الذي نفسي بيده! لو أن أحداً أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مثل مد أحدهم ولا نصيفه) فالمرجح لهذا القليل في الكم والنوع على ذاك الكثير في الكم والنوع الصحبة التي أشار إليها بقوله: (لا تسبوا أصحابي) فالصحبة لها فضل لا يعدلها فضل، ولهذا كان من مفردات عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يسكتون عما شجر بين الصحابة.

    وبعد أن حصلت فتنة قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه فإن هؤلاء الغوغاء الذين جاءوا وقتلوا عثمان في المدينة كانوا هم الذين انقسموا فيما بعد إلى قسمين: قسم منهم صاروا من الخوارج، وقسم منهم صار من الشيعة.

    عدم وجود الصحابة رضوان الله عليهم في الفرق التي ظهرت في الفتنة

    الفرق التي ظهرت في الفتنة لم يكن أحد فيها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو من التابعين الذين عرفوا العلم ودرسوه وتفقهوا في دين الله عز وجل بشكل صحيح، وهذه نتيجة مهمة جداً، وهي أن هذه الفرق التي ظهرت لم يكن ولا يمكن لأحد أن يستطيع أن يثبت أن في الخوارج أحد من الصحابة، مع كثرة الصحابة الذين كانوا في تلك الفترة، ولا يمكن أيضاً لأحد أن يثبت أن مع الشيعة أحد من الصحابة، بل لم يوجد في الخوارج ولا الشيعة أحد من التابعين وكبار تلاميذ الصحابة الذين استفادوا منهم وعرفوا دين الله عز وجل حقيقته.

    أقول: هذه النتيجة مهمة جداً، وسيتبين لنا أهمية هذا عند الحديث عن هذه الفرق وما نسب إلى الصحابة منها.

    عندما قتل خليفة المسلمين بويع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخلافة، وحصلت الخصومة المشهورة بين علي بن أبي طالب وأهل الشام وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، وهذه الخصومة هي خصومة اجتهادية، وهم -كما قلت- ما بين مصيب وما بين مخطئ وكلاهما مأجور، وما بين من وقع في زلة لكنها بسيطة بالنسبة لبحار فضله ومنزلته، ومن أعظمها الصحبة.

    ولما حصلت الفتنة وحصلت معركة الجمل وجاءت معركة صفين طلب أهل الشام التحاكم إلى الكتاب والسنة؛ فلما طلبوا التحاكم إلى الكتاب والسنة قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا أولى من يتحاكم إلى الكتاب والسنة، وأيده في بداية الأمر الخوارج الذين أصبحوا خوارج فيما بعد ثم بعد ذلك قالوا: إن هذا من تحكيم الرجال عندما أرسل علي بن أبي طالب بعض الصحابة رضوان الله عليهم للاتفاق مع بعض أهل الشام حول الصلح قالوا: أنت حكمت الرجال في كتاب الله! ولا حكم إلا لله! فإما أن تعود وتتوب إلى الله عز وجل من هذا الذنب الذي هو الكفر عندهم أو خرجنا عليك وقاتلناك، فبين لهم إمام المسلمين -وهو أعلم من كان في تلك الفترة وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه- بين لهم أن التحاكم إلى الكتاب والسنة واجب، وأن التحاكم إلى الكتاب والسنة لا يمكن أن يتم إلا من خلال فهم النصوص الشرعية عن طريق أهل العلم، ومن الطبيعي أن يكون الرجال هم الذين يفهمون وهم الذين يعلمون، وإذا كان الشرع أباح عند حدوث خصومة بين المرأة وزوجها أن يكون هناك حكماً من جهة الزوجة وحكماً من جهة الزوج، فكيف في خصومة تهم المسلمين جميعاً وهي خطيرة في حياة المسلمين؟! لا شك أنها أولى، فلم يفهم الخوارج هذا الكلام وخرجوا عليه في قصة ستأتي بإذن الله تعالى.

    وهنا أحب أن أنبه إلى قضية مهمة وهي أن كثيراً من الكُتَّاب الذين كتبوا عن هذه المرحلة وهذه الفترة هم المستشرقون، وقد كتبوا كتابات سيئة جداً في هذا الموضوع، واعتمد عليهم كثير من الكتاب الذين أرخوا لهذه الفترة، فتجد أن بعض المؤرخين الذين كتبوا عن الفرق يرد نشأة الفرق إلى الخلاف الذي حصل بين الصحابة، وهو خلاف اجتهادي أيضاً بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالخلاف الذي حصل بين الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة وجلسوا تحتها ورشحوا سعد بن عبادة للخلافة، ثم جاء المهاجرون بعد ذلك وأخبرهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الأمر في قريش) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: (الأئمة من قريش) فلما عرفوا ذلك تنازلوا مباشرة، ورشح أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأنه كان أفضل الصحابة في تلك الفترة.

    وهذه قضية بسيطة وسهلة، لكن المستشرقين ضخموها تضخيماً كبيراً وتابعهم كثير من الكتاب وقالوا: إن الصحابة رضوان الله عليهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم انقسموا إلى أحزاب، وبعض الكتاب صور أن هذا الخلاف الذي صار بين الصحابة هو مثل الخلاف الذي يتم بين الأحزاب في المجتمع الغربي، فيقولون: انقسموا إلى يمين ويسار ووسط، وصار الأنصار حزباً وعلى رأسهم سعد بن عبادة ، وصار المهاجرون حزباً وعلى رأسهم أبو بكر وعمر ، وهناك حزب صغير وضعيف وهو بنو هاشم انشغلوا بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان حزب المهاجرين قوي فضغط على بقية الأحزاب واستطاع أن ينال السلطة وأن تكون له الولاية، وبقيت تلك الأحزاب الأخرى وهي حزب الأنصار وحزب بني هاشم على شكل أحزاب معارضة لهذا الحزب الذي حكم بالقوة وبالضغط القوي الذي حصل منه، وهكذا يصورون الصحابة وكأن تربية النبي صلى الله عليه وسلم لهم لم تؤثر فيهم.

    ولا شك أن هذا باطل وأنه ظلم عظيم وأنه قذف في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والمشكلة كما قلت هي أن صدور هذا الأمر صدروه من المستشرقين أمر طبيعي؛ فإن المستشرقين كما تعلمون هم أعداء للمسلمين لكن قلدهم بعض الكتاب مثل أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) فقلدهم في حكاية هذه الأحزاب وصراعات وكأنك تقرأ في صحيفة حول قضية من قضايا المجتمع الغربي والديمقراطية الغربية، وهم بطبيعة الحال يتكلمون عن مجتمعاتهم لكن الخطأ الكبير هو أن يصور جيل الصحابة رضوان الله عليهم كأنهم مثل الأحزاب الديمقراطية التي تتصارع وتتقاتل على السلطة.

    1.   

    الدروس المستفادة من الفتنة التي حصلت

    الفتنة التي حصلت ونتج عنها الفرق الضالة، وقتل فيها عثمان رضي الله عنه، وحصل القتال بين الصحابة رضوان الله عليهم فيها دروس عظيمة وفوائد كبيرة، يمكن أن نعرض لبعضها، منها ما سبق أن أشرت إليه وهو أن هذه الفتنة لم يدخل فيها أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يشارك فيها أحد من التابعين المتفقهين في الدين، وهذا يدل على أن الجهل والأهواء هي من أعظم الأسباب التي تؤثر في صفوف المسلمين وتفرقهم، وأن أهل العلم وأهل الصدق وأهل الإيمان لا يمكن أبداً أن يدخلوا في مثل هذه الأخطاء العظيمة والجسيمة.

    وكان هذا التفرق الذي حصل وظهرت فيه الخوارج، وظهرت أيضاً فيه الشيعة، ثم تبعتها الفرق الأخرى، لا يعني: التتابع بين منهج السنة وأهل السنة وبين هذه الفرق الجديدة التي ظهرت، فليس هناك تكافؤ، بل إن منهج السنة هو المنهج العام الذي يشمل الأمة المسلمة بأكملها، وهذه الفرق الجديدة التي ظهرت لا تمثل إلا أفراداً قليلة العدد، لكنهم اشتهروا في التاريخ؛ لأنهم على خلاف الأصل، والعادة أن الأمر إذا كان على خلاف الأصل فإنه يشتهر حتى ولو كان صغيراً، وخذوا مثالاً من الواقع: فطبيعة الإنسان أن يلبس ملابس، فلو في يوم من الأيام رؤي عرياناً يمشي في الحي لحفظه أهل الحي جميعاً وعرفوه وتناقلوا قصته وتحدثوا بها، مع أنه واحد وهم أكثر منه، فلا يعني: أن اشتهار الشيء مكافئ للأصل، وإنما السنة كما قلت في موضوع الفرق هي الغالبة على المجتمع الإسلامي، وكانت حكومة الصحابة والخلفاء الراشدين تمثل السنة، وعامة الأمة تمثل السنة سواءً كانوا علماء أو عباداً أو زهاداً أو عامة..، أو أياً كانوا فهم يمثلون السنة؛ وهؤلاء أفراد قلة ظهروا، لكن مع مر التاريخ ومع الأزمان كانت هناك أسباب هيأت انتشارهم وظهورهم في حقب متعددة في التاريخ الإسلامي.

    وعندما خرج الخوارج كما قلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقالوا: أنت حكمت الرجال في كتاب الله! وقع بعض الكُتَّاب في خطأ، وقد يقع فيه بعض الطيبين وهو أنهم يقولون: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كان يريد التحاكم ولا كان يريد التحكيم وألجأه إلى التحاكم والتحكيم الخوارج، ثم لما قالوا له: حكمت الرجال في كتاب الله! قال: أنتم ألجأتموني إليه، والآن تتركونه، وهذه الفكرة ليست صحيحة، والصحيح هو أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه منذ أن طُلِبَ للتحكيم بادر إليه، كما روى الإمام أحمد في مسنده وأيضاً أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال وغيرهم، رووا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه عندما طولب للتحكيم قال: أنا أولى من تحاكم إلى القرآن والسنة، ثم ذكر الآيات التي في التحاكم كقوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] ومثل قول الله عز وجل: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.. [النساء:59] إلى آخر الآية.

    وهكذا ذكر مجموعة من الآيات التي فيها وجوب المسارعة إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة، لكن علي بن أبي طالب رضي الله عنه احتج على الخوارج بأنهم في بداية الأمر وافقوه على هذه المبادرة التي طُلِبَ إليها رضي الله عنه ثم خالفوه بعد ذلك، فقالوا له: نحن كفرنا ونتبرأ من هذا الكفر، فيجب عليك أن تتبرأ مما تبرأنا منه وحينئذٍ نكون في معسكرك، فرفض -رضي الله عنه- عرض الخوارج.

    وناظرهم علي بن أبي طالب وناقشهم وناصحهم، وأرسل إليهم ابن عباس رضي الله عنه وناقشهم وكان عددهم سبعة آلاف فرجع منهم النصف، وهذا يدل على أن شبهة الخوارج كانت ناتجة عن جهل سوء الفهم لكتاب الله سبحانه وتعالى، ولهذا لما أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عباس سألهم: هل هم منافقون؟ لأن النفاق لا حيلة فيه، والنقاش لا يثمر مع المنافق؛ فالمنافق يحتال على النصوص ويتلاعب بها، فأخبره ابن عباس رضي الله عنه أنهم ليسوا من المنافقين وذكر من أوصافهم التعبد، وأن أحدهم بين عينيه مثل ركب المعزة من السجود، وأنهم يبيتون سجداً لله عز وجل، وأنهم يقرءون القرآن ويكثرون من تلاوته.

    1.   

    طباع الخوارج وصفاتهم

    حالة الخوارج هذه لم تكن غريبة على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عرفوا أنه ظهر رجل قريب من طباع الخوارج وصفاتهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يخرج من جنسه، أو قال: (من ضئضئ هذا الرجل تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية). وقد روى الإمام مسلم في كتاب الزكاة جملة من الأحاديث في الخوارج وفي صفاتهم، فيمكن أن نقرأ هذه الأحاديث، ونلاحظ ما هي هذه الصفات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم وهي التي حصلت بالفعل في زمن الخوارج.

    يقول الإمام مسلم حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، عن سويد بن غفلة قال: قال علي : إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلئن أخر من السماء أحب من أن أقول عليه ما لم يقل، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة.

    وقد قدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بهذه المقدمة؛ لأن علي بن أبي طالب سيذكر أوصاف الخوارج الذين هم يعايبونه ويريد القضاء عليهم، وبين لهم أن الكلام في الشريعة يجب أن يكون بحق، حتى ولو كان في قضايا سياسية كهذه القضية التي يريدها علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قتاله للخوارج، يعني: أنه لا يقصد أن يحمل الشريعة ما لا تحتمله حتى يقاتل هذه المعارضة.

    قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان)، هذه صفة، إذاً: هم أحداث الأسنان يعني: صغار في السن في الغالب مظنة قلة العلم، فليس المقصود أنهم صغار في السن فقط، وإنما الإشارة إلى قلة العلم، فإن صغير السن في الغالب يكون قليل العلم ولم يُحصِّل العلم المطلوب والمراد.

    قال: (سفهاء الأحلام) يعني: سفهاء العقول، (يقولون من قول خير البرية، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة).

    إذاً: في هذا الحديث عدة صفات للخوارج:

    الصفة الأولى: أنهم أهل قلة في العلم وهو المعبر بقوله: (أحداث الأسنان).

    والثانية: أن فيهم سفه في العقول، ليس عندهم تأنٍ ولا تروٍّ في دراسة الأمور.

    والثالثة: أنهم ليسوا من المنافقين، وأنهم يقرءون القرآن ويتكلمون به لكنه لا يجاوز حناجرهم، وهذه الإشارة إلى قلة الفقه عندهم، يعني: لا يجاوز حناجرهم إلى عقولهم وهذا لقلة الفقه، (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) ولهذا سمي الخوارج مارقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عنهم: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).

    ثم في قوله: (فإن لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة) هذا المقطع من الحديث فيه فوائد:

    الفائدة الأولى: خطورة البدعة، وأن من الخطأ الكبير أن تهون البدع على الناس، وأن يقال: نريد جمع كلمة المسلمين بما فيهم من البدع والضلالات والانحراف؛ فإن في هذا خطأ ومخالفة لمثل هذه النصوص؛ لأن الذي يريد جمع كلمة المسلمين جميعاً بما فيهم الفرق الضالة والمنحرفة سيصطدم بهذا الحديث، فإما أن يقول: أن هذا الحديث لا نطبقه. وحينئذٍ يكون خالف قول النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كافر في بيان بطلان قوله.

    وإما أن يستثني الخوارج من بقية الفرق ولا يكون الاستثناء من مبرر إذا استثناهم لوحدهم؛ لأن بدعة الخوارج كبدعة غيرهم، بل إن في بدع غيرهم ما يكون أشد كبدعة التشيع فيما سيأتي إن شاء الله.

    وروى أيضاً مسلم عن محمد عن عبيدة عن علي قال: ذكر الخوارج. فقال: فيهم رجل مخدج اليد أو مشدون اليد، لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: أأنت سمعته من محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة!

    وروى الإمام مسلم أيضاً عن زيد بن وهب الجهني أنه كان في البيت الذي كانوا فيه مع علي رضي الله عنه حين ساروا إلى الخوارج، فقال علي رضي الله عنه: أيها الناس! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء) يعني: عبّاد أقوى منكم في العبادة وأشد.

    وفي هذا فائدة عظيمة جداً وهي: أنه ليس المقصود من التدين لله عز وجل كثرة العمل فقط، أو الإخلاص فقط، وإنما المقصود أن يكون هذا العمل على وفق سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا لو أن قراءتهم أكثر، وصيامهم أكثر، وصلاتهم أكثر وهي على غير السنة لا تنفعهم، والدليل على هذا قول الله عز وجل: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية:1-3]، والنصب: هو التعب، ثم قال: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية:4] كيف تكون وجوههم خاشعة، وعاملة، وناصبة، ثم تكون النتيجة تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً؟! قال أهل العلم: هم أهل البدع، يخشعون ببدعة، ويعملون في البدعة، وينصبون ويتعبون في البدعة، فلا يكتب لهم منها شيء، بل إنه يكون عليهم وزر والعياذ بالله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، ولهذا يقول ابن مسعود رضي الله عنه: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.

    اقتصاد يعني: عمل قليل، لكنه موافق للسنة خير من الاجتهاد الكثير الذي يكون على البدعة.

    قال: (يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم) ، يعني: يحسبون أنه حجة لهم وهو حجة عليهم، (لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لاتكلوا عن العمل) يعني: من فضل ما يعطون من العمل. (وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض)، يقول علي رضي الله عنه بعد انتهائه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم: فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام، وتتركون هؤلاء!

    فانظروا كيف أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرتب الأولويات، فعنده الآن مبتدعة ضلّال انحرفوا عن منهج السنة وعنده قوم اجتهدوا فأخطئوا في الاجتهاد، فيقول لهم علي بن أبي طالب : هل تتركون هؤلاء المبتدعة الضلّال الذين ورد فيهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وورد فيهم فضل الجيش الذي يقاتلهم، وتتركون هؤلاء وتذهبون إلى معاوية وأهل الشام!

    وهذا يدل على خطأ يردده كثير من المؤرخين، وهو أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ترك الخوارج ولم يقاتلهم وأنه قال: إن قتال أهل الشام أعظم والحاجة إليه أشد، فلما بدءوا يغيرون على ترك المسلمين، وقتلوا عبد الله بن الخباب بن الأرت -كما سيأتي- قاتلهم علي بن أبي طالب بعد ذلك! وهذا هذا خطأ، فإن علي بن أبي طالب منذ أن رأى الصفات التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وعرفهم، رأى أن قتالهم أهم وأعظم من قتال أهل الشام، ولهذا فرح أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقتالهم للخوارج فرحاً عظيماً، لا لأنهم يقاتلون الخوارج ولكن لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين فضل الجيش الذي قاتلهم، وفضل الجيش الذي قاتلهم مبني على فضل صد البدعة وردها والتحذير منها.

    يقول: فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء، يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟ والله! إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم -يعني: الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم- فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله. قال سلمة بن كهيل : فنزلني زيد بن وهب منزلاً حتى قال: مررنا على قنطرة، فلما التقينا، وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي ، فقال لهم: ألقوا الرماح، وسلّوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلّوا سيوفهم، وشجرهم الناس برماحهم، قال: وقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: التمسوا فيهم المخدج -يعني: الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم- فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي رضي الله عنه بنفسه، حتى أتى ناساً قد قتل بعضهم على بعض، قال: أخرجوهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر ثم قال: صدق الله، وبلغ رسوله، قال: فقام إليه عبيدة السلماني ، وهو الراوي عن علي ، وهو من أخص تلاميذه كما تعلمون. فقال: يا أمير المؤمنين! آللهُ الذي لا إله إلا هو سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو! حتى استحلفه ثلاثاً وهو يحلف له، وهذا الرجل يسمى حرقوص بن عمر .

    وأيضاً روى حديثاً عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمثل الرواية السابقة.

    وروى حديثاً عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيكون بعدي من أمتي قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة) ، فقال ابن عصام : فلقيت رافع بن عمر الغفاري ، أخا الحكم الغفاري قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا؟ فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا يدل على التأكيد على صفات هؤلاء.

    إذاً: الخوارج أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهورهم، وحفظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم حفظاً دقيقاً، ولما خرج الخوارج كان من أعظم انتقاداتهم على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأفضلهم يومئذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قالوا له: ائتنا بمثل أبي بكر وعمر .

    يعني: أعطنا من يكون مثل أبي بكر وعمر في الفضل وفي المكانة وفي العدل وفي السيرة الحسنة، فماذا كانت النتيجة؟ لما لم يجدوا مثل أبي بكر وعمر أمروا على أنفسهم رجلاً اسمه: عبد الله بن وهب الراسبي أعرابياً بوالاً على عقبيه لا خير فيه، وجعلوا على الصلاة شبيب بن ربعي التميمي ، وشبيب هذا جعلوه على القتال، وجعلوا عبد الله بن الكواء اليشكري أميراً للصلاة وقد رجع عبد الله هذا عندما ناظرهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وقتل الخوارج عبد الله بن خباب بن الأرت ، وذلك حين وجدوه هو وجارية فسألوه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر لهم حديث الفتنة: (القائم فيها خير من الماشي، والقاعد خير من القائم)، ثم قتلوه وبقروا بطن جاريته، وقتلوا بعض الصبية والنساء، وحصل منهم شر عظيم، فقاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النهروان، فأبادهم جميعاً عن بكرة أبيهم إلا قليلاً منهم فقط.

    1.   

    أصول الخوارج التي خرجوا بها عن السنة

    أولاً: خرج الخوارج عن السنة في موضوع الإيمان والكفر، يعني: في حقيقة الإيمان وفي حقيقة الكفر.

    فهم يرون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ويرون أن ترك جزء من العمل هو ترك للإيمان بأكمله، ولهذا رتبوا على هذه القاعدة التكفير الذي حصل عندهم؛ فهم كفروا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكفروا أصحابه ممن وافقه، وبدءوا يكفرون كل من ارتكب كبيرة من الكبائر.

    إذاً: الموضوع الخطير الذي خالفوا فيه أهل السنة هو موضوع الإيمان، فهم فهموا الإيمان الذي ضده الكفر بمفهوم مخالف لمفهوم أهل السنة والجماعة، فهم مع تعظيمهم لمنزلة العمل إلا أن منزلة العمل عندهم غلوا فيها إلى درجة أنهم كفروا بترك جزء العمل، وأنتم تعلمون أن العمل الذي يكون في الإيمان ليس كله على مرتبة واحدة، منه ما يكون مستحباً لا يعاقب الإنسان على تركه، ومنه ما يكون واجباً يعاقب الإنسان على تركه، ومنه ما يكون أصلاً أصيلاً يزول الإيمان بزواله، كأعمال القلوب، ومثل محبة الله عز وجل، وخشية الله، ومثل الصلاة، ومثل جنس أعمال الجوارح عموماً، وسيأتي الحديث عن هذا الموضوع في الكلام على المرجئة بإذن الله تعالى.

    الأمر الثاني الذي خالفوا فيه السنة: في مفهوم الإمامة.

    فقد رأوا أن الإمامة لا داعي لها، ولهذا كانوا يرون أنه لا يجب أن ينصب خليفة، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بيّن ذلك عندما قال: يقولون -يعني: الخوارج- لا حكم إلا لله، وهم في الحقيقة يريدون لا إمرة إلا لله، يعني: ليس للمسلمين أن يؤمروا أميراً يقاتلون معه ويطبق فيهم أحكام الشرع، واستثنى بعضهم الحاجة والضرورة عند تضييع المصالح ونحوها، ولهذا أمروا عبد الله بن وهب الراسبي كما سبقت الإشارة إليه.

    وأيضاً من البدع في هذا الباب، وهو باب الإمامة عند الخوارج الأوائل: إنكار شرط القرشية في تولي الخلافة، ولهذا فإن المتشرقين يسمون الخوارج بالجمهوريين، يقولون: هؤلاء جمهوريون، وعندهم مبدأ الديمقراطية، فهم لا يرون أن الإمامة يشترط فيها: أن يكون قرشياً، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على شرط القرشية كما هو ثابت في الصحيحين، وكما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم بعد سقيفة بني ساعدة، فالمخالف فيها مبتدع ضال.

    ومن الأمور أيضاً التي خالف فيها الخوارج الأولون السنة:مناصبة الصحابة رضوان الله عليهم العداء، فهم ناصبوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم العداء في تلك الفترة، مع بيان الله عز وجل فضل الصحابة، ومع بيان النبي صلى الله عليه وسلم فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وغيره من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه.

    وأيضاً من الأصول التي خالفوا فيها أهل السنة: مبدأ الموالاة والمعاداة.

    فإن الخوارج من صفاتهم وسماتهم: اختبار الناس على أصول وقواعد هم يعتقدونها، ثم تكفير المسلمين إذا لم يوافقوهم على هذه الأصول وهذه القواعد.

    فتجد أنهم يختبرون الناس على قول من الأقوال، ولهذا عندما جاءت خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أراد مناقشتهم مرة أخرى وناقشهم، فأقروا له بالفضل وأنه رد المظالم وأنه يحكم بالعدل، لكنهم أخذوا عليه أنه لم يتبرأ من بني أمية الذين كانوا قبلهم، فهم يرون أن مبدأ الموالاة والمعاداة والتبرؤ من أصحاب الذنوب - وهم يعتقدون أن أصحاب الذنوب كفار- يرون أن هذا المبدأ ضروري وأنه أساسي في الجماعة، يعني: جماعة المسلمين.

    وأيضاً من الأمور التي خالفوا فيها منهج أهل السنة: أنهم خالفوا أهل السنة في منهج الاستدلال والاستنباط الموصل إلى الأحكام.

    وهذا الذي عبرنا عنه سابقاً بسوء فهمهم للقرآن، فإنهم يضربون كتاب الله عز وجل بعضه ببعض فتجد مثلاً أنهم يريدون مثلاً الوصول إلى أن من فعل الذنب فهو كافر فيستدلون كالآتي:

    يقولون: قال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97] قالوا: فترك الحج ذنب، إذاً كل ذنب كفر.

    فكفروا الناس بهذه الطريقة، وهذا استدلال باطل، وخطر عظيم، فإن هذه الآية واردة في عمل واحد ليست واردة في كل عمل، هي في الحج فقط.. هذا أولاً.

    وثانياً: يرى بعض أهل العلم وجود نصوص كثيرة جداً تدل على أن تارك الحج ليس بكافر، ويرى أن هذه الآية فيمن جحد الحج ليس فيمن ترك الحج تركاً مجرداً.

    وأيضاً يستدلون على أن الفاسق كافر بقول الله عز وجل: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران:106] قالوا: فالفاسق لا يمكن أن يكون ممن يبيض وجهه، فهو قطعاً ممن اسود وجهه، وقد حكم الله على من اسود وجهه بالكفر، فهو كافر.

    فيركبون الأدلة بهذه الطريقة، وهذا أيضاً باطل لأسباب وهي:

    أولاً: لأن هذه الآية في الحديث عن الكفار والمسلمين في الآخرة، ليس فيها حديث عن العصاة.

    وثانياً: أنهم أغفلوا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم العملية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجم الزاني، وجلد شارب الخمر، ونصح المخطئ، وعملت في زمنه ذنوب كثيرة، ومع هذا لم يرتب عليها صلى الله عليه وسلم الكفر الذي يخرج عن الملة، ولم يتهم أصحابها بالردة كما فعل الخوارج.

    وأيضاً يستدلون بمثل قوله: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس:40-42] قالوا: فالفاسق والعاصي هو ممن على وجهه غبرة فهو كافر.

    وهذا أيضاً خطأ وهو نفس الخطأ الذي وقعوا فيه في الآيات السابقة.

    هذا ما يتعلق بالخوارج الأولين الذين ظهروا في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقاتلهم الصحابة رضوان الله عليهم: خالفوا في الإيمان والكفر، وفي الأسماء والأحكام، والمقصود بالأسماء يعني: أسماء الناس، الأسماء الشرعية في الدنيا: مسلم وكافر وفاسق، فهم يرون أن العاصي كافر، وخالفوا الأحكام في الآخرة فهم يرون أن الفاسق يخلّد في النار، ولا يمكن أن يخرج منها إلا إذا تاب في الدنيا، فهو قد عاد للإسلام فيكون من أهل الجنة.

    وكان من أوضح سمات الخوارج أنهم أهل تفرق واختلاف، ولهذا كان من خطة بعض القادة الذين قاتلوا الخوارج في تفريق الخوارج أنهم إذا جاءوا قريباً من معسكرهم يأخذون أوراقاً ويكتبون عليها مسائل ويضعونها في السهام، ثم يرمونها حتى تنزل في وسط مخيماتهم، فإذا فتحوا الأوراق وجدوا فيها مسائل، فتناقشوا فيها فاختلفوا وتفرقوا وحينئذ سهل القضاء عليهم.

    وكذلك تجد أن كثيراً منهم يكفر نفسه ثم يغتسل ويسلم، ثم يشك في إسلامه، فيعود مرة أخرى ويغتسل ويرجع ويسلم مرة ثالثة، وهكذا من شابههم من الخوارج المعاصرين من يعرفهم جيداً، فإنه يجد أنهم يشكون في أنفسهم وفي إسلامهم، فيعلنون الإسلام أكثر من مرة في اليوم الواحد.

    والخوارج كان لشخصياتهم تأثير على الناس بشكل كبير، والسبب في هذا أنهم يتميزون بالقوة والشجاعة والإقدام والعزيمة لقوة ما يعتقدونه من العقائد؛ ولهذا يروى أن أحد أهل السنة وهو عمران بن حطان طلب الزواج من امرأة خارجية وكانت جميلة، وكان هو قبيح فرضيت به وقال: أنا أردها إلى السنة فجعلته من الخوارج فكان من أبرز رءوس الخوارج، وكانت هذه المرأة تقول له: أنا وأنت في الجنة، تقول له: أنا صبرت فلي الجنة، وأنت شكرت فلك الجنة، لأنه هو قبيح وهي جميلة.

    والشاهد: هو أن الخوارج كانت فيهم سمة وهي كثرة التفرق والاختلاف والتنازع، فهم يتقسمون كل ما اختلفوا في مسألة من المسائل، ولهذا صاروا فرقاً، فمنهم الأزارقة وهم أشدهم غلواً وهم أتباع نافع بن الأزرق الحنفي ، ومنهم أيضاً النجدات وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي ، ومنهم السفرية، قيل: نسبة إلى ابن السفار ، وقيل: نسبة إلى كثرة عبادتهم حتى أن السفرة تعلوهم -يعني: في أشكالهم-.

    1.   

    طوائف الخوارج في الواقع المعاصر

    الخوارج لهم وجود في الواقع المعاصر اليوم، وليس الخوارج من الفرق التي أكل عليها الدهر وشرب كما يقول بعض الناس، ووجود الخوارج موجود في طائفتين:

    الطائفة الأولى: الأباضية أو الإباضية.

    والطائفة الثانية: جماعات التكفير والهجرة.

    الطائفة الأولى: الإباضية

    أما الإباضية فهم نسبة إلى عبد الله بن أباض التميمي .

    وكان عبد الله بن أباض التميمي من أصحاب نافع بن الأزرق ، وكان نافع من أهل الغلو، فكفر القعدة الذين لم يهاجروا إلى معسكره، وكفر جميع المسلمين إلا المعسكر الذي هو فيه، وسمى معسكره دار الإسلام واعتبر بقية بلاد المسلمين وبقية الأرض عموماً دار الكفر، فانشق عنه عدد ممن كان معه مثل نجدة بن عامر ، وانشق عنه كذلك عبد الله بن أباض التميمي ، كما ذكر ذلك الطبري رحمه الله.

    وهذه الرواية: أن عبد الله بن أباض كان مع نافع بن الأزرق ، يؤيدها الإباضية المعاصرون في كتبهم.

    وإذا أردت ترجمة لـعبد الله بن أباض لا تجد له ترجمة في كتب أهل السنة، لو رجعت مثلاً لسير أعلام النبلاء أو رجعت إلى كثير من كتب أهل السنة فلن تجد له ترجمة كافية، ولهذا لا يوجد له ترجمة إلا في كتبهم أو بعض الإشارات البسيطة التي ذكرها الطبري رحمه الله تعالى عند ذكره لأخبار الخوارج عموماً.

    وهذا يدل على أن هؤلاء لم يكن لهم مكانة ومنزلة في العلم في حياة الأمة، فإنه لا يمكن أن يظهر عالم من علماء الأمة بهذه البدع الضالة، فهي بوضوحها وضلال أصحابها لا تجد فيها أحداً من أهل العلم والفضل.

    والرجل الثاني في الإباضية بعد عبد الله بن أباض هذا: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة .

    وهذا أيضاً لا تكاد تجد له ترجمة، وأيضاً منهم الربيع بن حبيب الفراهيدي وله مسند ستأتي الإشارة إليه عند الحديث عن كتب الإباضية بإذن الله تعالى، والإباضية أقل غلواً من الخوارج الأوائل المحكّمة، فهم في موضوع الإيمان وفي موضوع الفاسق يرون أن الفاسق الذي يرتكب الكبائر يسمونه كافراً، لكنهم لا يقيمون عليه أحكام الكفر في الدنيا، فهم لا يستبيحون ماله، ولا يستبيحون أهله مثلاً.. أو نحو ذلك، ولا يقيمون عليه أحكام الكفر في الدنيا مع أنهم يسمونه كافراً، أما في الآخرة فإنهم يعتبرون الفاسق مخلداً في النار يوم القيامة، وأساس القضية عندهم مبنية على أن الفاسق متشبث بالتوحيد بالاسم وهو قوله: لا إله إلا الله، وأنه يعمل بعض أعمال الإسلام، وهو مخالف لحقيقة الإسلام بالفعل، وقالوا: إن هذا يكفي في أن تثبت له أحكام الإسلام والمسلمين في الدنيا مع تسميتهم له كافراً، ويفسرون التسمية بأنه كافر في النعمة، وليس كافراً الكفر الذي يخرج عن الإسلام.

    أما مخالفته فهي لحقيقة الإسلام عندهم؛ لهذا رتبوا عليها أنه يكون مخلداً في النار ولا يكون من أهل الجنة.

    وأنتم تلاحظون أن هؤلاء وإن اتفقوا مع أهل السنة في بعض أحكام الفاسق في الدنيا إلا أنهم يخالفون في إطلاق اسم الكفر على الفاسق، واعتبارهم الفاسق يوم القيامة من المخلدين في النار.

    وهذه المخالفة حقيقية لأهل السنة وهي لب فكر الخوارج كما هو معلوم ومعروف.

    أصول الإباضية العقدية

    فهم في مسائل الأسماء والصفات معتزلة ينفون الصفات ويقولون: إن الصفات هي الذات، وهم كذلك يقولون: إن القرآن مخلوق، وينفون الرؤية عن الله سبحانه وتعالى، ويقولون: إن الله لا يرى يوم القيامة بالعين، ويؤولون الميزان والصراط كما تؤوله المعتزلة، وأيضاً ينكرون الشفاعة للعصاة الموحدين؛ لأنهم يعتقدون أن العصاة الموحدين مخلدون في النار فهم ينكرون الشفاعة لهم.

    وأيضاً ينفون شرط القرشية في الإمامة كما هي حال الخوارج السابقين.

    أما في القدر فإنهم وافقوا الأشاعرة فيه فقالوا بالكسب، وأثبتوا لله سبحانه وتعالى العلم والإرادة والكتابة ونفوا عن العبد الفعل الحقيقي، وجعلوا فعل العبد إنما هو كسب يكتسبه ليس له حقيقة في الواقع، وهم بهذا يوافقون الأشاعرة ومذهبهم هذا هو مذهب الجبرية كما سيأتي معنا إن شاء الله؛ لأنهم نفوا أن يكون للعبد قدرة على الفعل، لأن الفعل هذا فيه خلق فهو ينسب إليه من جهة أنه وقع منه، وأما أن للعبد قدرة على الفعل أو الترك فإنهم لا يثبتون ذلك، ولهذا فهم جبرية في الحقيقة.

    كتب الإباضية

    بقي أن نشير إلى كتب الإباضية منها: (كتاب مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ) وهو -كما قلت- رجل غير مشهور، ويقولون: إنه يروي عن جابر بن زيد أبو الشعثاء رحمه الله، وجابر بن زيد من أئمة أهل السنة، ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء، وهو عالم البصرة المشهور، وهو من أقران الحسن البصري وابن سيرين وهم من الأئمة الكبار الذين أخذوا عن ابن عباس وابن عمر .. وغيرهم، وهم ينسبون مذهبهم إليه؛ لكنه تبرأ منهم كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمته في (تهذيب التهذيب).

    إذاً: هؤلاء يريدون أن ينسبوا مذهبهم إلى عالم مشهور من علماء المسلمين فانتسبوا إليه، وحالهم كحال الشيعة مع جعفر الصادق ، فـجعفر الصادق ابتلي بالشيعة وكذبوا عليه كثيراً وافتروا عليه كثيراً، وتجد كتبهم إلى اليوم يفترون عليه ويكذبون عليه، وأضلوا بهذا الكذب آلافاً مؤلفة أو ملايين من المنتسبين إلى الإسلام بسبب افترائهم.

    وهكذا حال الإباضية فإنهم نسبوا أنفسهم إلى جابر بن زيد ويقولون: هو إمامنا الأول.

    مع أن جابر بن زيد كان في زمن عبد الله بن أباض ، فإذا كان هو الإمام الأول! فلماذا لم يقل الناس: إنهم جابرية؟ لماذا يقولون: إنهم أباضية؟ وهذا مما يدل على كذبهم وافترائهم.

    ومسند الربيع بن حبيب الفراهيدي رتبه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مياد السدراتي الورجلاني ، وأكثره بلاغات، يقول: بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كذا وكذا، أو بلغنا عن فلان أنه قال: كذا وكذا.

    وهم يعتبرون أنه أصح من البخاري مع كثرة البلاغات الموجودة فيه، ويعتذرون بعذر غريب، وهو أنهم يقولون إن الحديث لما صار ثابتاً مائة بالمائة وكثر عدد الرواة الذين نقلوا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حذفوا هذه الأسماء وجعلوها بلاغات، والحقيقة أنه ليس عنده إسناد صحيح ثابت.

    ومن كتبهم أيضاً: كتاب اسمه (شرح ابن زيد ) من عشرة أجزاء في الفقه، وهو مطبوع، ومن أكثر من نشر الفكر الإباضي في العصر المتأخر هو محمد بن يوسف أطفيش ، وهو رجل جزائري توفي سنة 1332هـ في القرن الماضي، كتب أكثر من ثلاثمائة كتاب كلها على مذهب الإباضية في الفقه وفي الحديث وفي التفسير وفي العقيدة وفي التاريخ، وهو رجل مكثر، وأكثرها مطبوعة، ومنها كتاب له اسمه (هيام الزاد إلى دار المعاد)، وهو أربعة عشر جزءاً في التفسير.

    ومن كتبهم أيضاً: (شرح الجامع الصحيح) لـعبد الله بن حمد السالمي ، وهو من أئمة الإباضية.

    وأيضاً من كتبهم: (العقول الفضية في أصول مذهب الإباضية) لـسالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحالكي العماني الإباضي وهو كتاب مطبوع وموجود، ومنها: كتابات علي بن يحيى بن معمر وهو كاتب كتب كثيراً من الكتب الإباضية منها: كتاب: (الإباضية في الفرق الإسلامية)، وكتاب: (الإباضية في موكب التاريخ)، وكتابات كثيرة، وهو يميل إلى التقريب بين الإباضية وبين بقية الفرق الإسلامية.

    ومنها أيضاً: (كتاب الحق الدامغ) لـأحمد الخليلي وهو مفتي عمان الآن.

    وقد بنى هذا الكتاب على ثلاثة مسائل:

    المسألة الأولى: أن القرآن مخلوق.

    والمسألة الثانية: أن الله لا يُرى يوم القيامة.

    والمسألة الثالثة: أن الفاسق يكون مخلداً في النار يوم القيامة.

    ولا شك أن هذه من أشهر بدع المعتزلة المعروفة، مع بدعة الخوارج.

    الطائفة الثانية: جماعة التكفير والهجرة

    أما جماعة التكفير والهجرة فهم جماعة شكري مصطفى ، وهي جماعة نشأت في سجون مصر بسبب الاضطهاد القوي الذي نالته من الحكومة المصرية في تلك الفترة، وظهر شكري مصطفى بفكرة تكفير المجتمعات.

    وجماعة التكفير والهجرة، هم من الخوارج المعاصرين، وسبق أن أشرت إلى أنه بعد أن سجن كثيرٌ من الدعاة في مصر في سنة 1952هـ وما بعدها ظهر بعض الشباب الذين تبنوا فكر الخوارج، وبدءوا يقرءون في أفكار الخوارج السابقة، ويؤصلون أنفسهم من أفكار الخوارج، فكفروا المجتمعات، بل إنهم صاروا على فكر الأزارقة تقريباً من حيث إنهم اعتبروا أنفسهم جماعة المسلمين، وبقية الجماعات الأخرى وبقية المسلمين ليسوا مسلمين وإنما هم كفار، ثم صار بعض من تأثر بهؤلاء أقل غلواً منهم.

    ومن مقالاتهم أيضاً أنهم يقولون: إن الأصل في الإنسان هو الكفر، حتى نتبين أنه أسلم. فيعتبرون الأصل في الناس الكفر.

    وبعضهم أقل غلواً من هؤلاء؛ فيعتبرون أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: كافر واضح الكفر، ومسلم واضح الإسلام، ومجهول الحال.

    ومجهول الحال عندهم لا يعتبرونه مسلماً؛ لأنهم يجهلونه، وهذا لا شك أنه بدعة، فإن المجتمع إما يكون مسلماً، وإما يكون كافراً، ولهذا هم في الحقيقة يعتبرون مجهول الحال بالنسبة لديهم كافراً؛ لأنهم لا يطلقون عليه الإسلام، وليس هناك منزلة بين المنزلتين كما يسميه هؤلاء.

    فإذا وجد شخص مجهول وهو في المجتمع الإسلامي ويقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، فالأصل أنه مسلم، وليس على الإنسان أن ينقب عنه أو يختبره أو يمتحنه، كما هو حال هؤلاء.

    والكلام فيهم يطول ولهم كتابات ومؤلفات، ويمكن أن يراجع كتاب: (الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو)، فهو من أكبر الكتب التي تحدثت عنهم وعن تاريخهم تفصيلاً.

    1.   

    الأسئلة

    الخوارج من الثلاثة والسبعين فرقة

    السؤال: هل الخوارج من الثلاثة والسبعين فرقة؟ وهل عقيدتهم تخرجهم عن الإسلام أم لا؟ وكيف نتعامل معهم إذا وجدناهم؟

    الجواب: الخوارج من الثلاثة والسبعين فرقة، وليسوا كفاراً، وهم من أهل البدع والضلالات، وبعضهم كفر؛ لأن بعضهم أنكر سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً، ومثل هذا لا شك أنه كفر، فالصحيح في مسألة الخوارج هو التفصيل، وبحسب بدعتهم، أما تكفيرهم للمسلمين فهو في حد ذاته لا يخرجهم عن الإسلام إلى الكفر، وبعض البدع التي عندهم؛ لأنهم أهل تأول، وتكفير المعين لا يجوز، إلا إذا توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع، والتأول من الموانع، وبعض الخوارج قد وصل إلى درجة الكفر عندما أنكر السنة مطلقاً، واعتبرها أنها ليست مصدراً من مصادر التشريع، وأنه لا يحتج بها مطلقاً.

    أما كيفية التعامل معهم: فلا شك أن الخوارج فرقة ضالة يجب التحذير منها، وبيان عقيدتهم للناس، وألا يتعاطف الإنسان مع أمثالهم، وأن ينصحهم ويناقشهم؛ فإن هؤلاء أكثر ما يكون وضعهم أنهم جهال، وأنهم فهموا الدين على غير وجهه، ولهذا قد يكون في مناقشتهم في بعض الأحيان فائدة عندما يناقشهم صاحب علم وصاحب قدرة على الإقناع والتأثير، كما حصل لـابن عباس رضي الله عنه.

    وعموماً لا ينبغي للإنسان أن يختلط بأهل الفرق الضالة والمنحرفة: كالخوارج، والشيعة مثلاً، أو القدرية، أو المرجئة؛ فإن الاختلاط بهؤلاء يؤثر على الإنسان، خصوصاً إذا كان عنده ضعف في العلم.

    عدم دخول الصحابة في الفرق الضالة

    السؤال: ذكرت أن الفتنة لم يكن فيها أحد من الصحابة، ولا أحد من التابعين، ومن المعلوم أن هناك من الصحابة من دخل في الفتنة مثل معركة الجمل وغيرها.

    الجواب: الفتنة التي أقصدها هي فتنة التفرق والاختلاف، وهي البدعة، لم يدخل أحد من الصحابة رضوان الله عليهم في الفرق الضالة، ولهذا قلت: إنه لا يوجد أحد من الخوارج من الصحابة، ولا يوجد من الصحابة من كان شيعياً مثلاً، أو قدرياً، أو مرجئياً، أو جهمياً، وكذلك التابعين الذين تتلمذوا على الصحابة وتربوا عليهم، وأما الحروب التي حصلت بين الصحابة فهي اجتهادات، وهي من النوع الأول الذي سبق أن ذكرناه في مسألة الاجتهاد، وهو اجتهاد غير مذموم يعذر صاحبه، فالصحابة الذين حصل منهم الاقتتال هؤلاء مجتهدون ما بين مصيب له أجران، وما بين مخطئ له أجر، أو صاحب زلة معفو عنهم لكثرة حسناتهم.

    ذكر بعض الدول التي يتواجد فيها الخوارج

    السؤال: أين مواقع الخوارج في وقتنا الحاضر؟

    الجواب: إن الخوارج في الواقع المعاصر ينقسمون إلى قسمين:

    الإباضية، والإباضية موجودون الآن في عمان، ولهم وجود كبير في الجزائر، وفي ليبيا، وفي تنزانيا مثلاً وفي زنجبار بالذات، والفكر الإسلامي وبعض الكتب تأثرت بأفكار هؤلاء، ولهم علماء، ولهم مفتون، ولهم أتباع، بل تربوي؛ لهم منهاج ولهم مجلس شورى يعتنون فيه بشبابهم في مسائل العلم، وفي مسائل التربية، وفي مسائل الأخلاق، ونحو ذلك، ويجتهدون معهم اجتهاداً كبيراً.

    وكذلك أفكار جماعات التكفير والهجرة، كما سبق هي تمثل أفكار الخوارج.

    سبب تكفير الخوارج لأصحاب الكبائر

    السؤال: إذا كان الخوارج يكفرون بالذنوب والمعاصي، فهل هذا يعني أنهم لا يذنبون وهذا محال؟ ولكن كيف يفعلون إذا أذنبوا؟

    الجواب: تكفيرهم لأصحاب الكبائر ناتج عن تشددهم وأنهم من أصحاب العبادة، ولهذا سبق أن ذكرنا في الأحاديث (أنهم يقرءون القرآن أكثر مما تقرءون، ويصلون أكثر مما تصلون، ويصومون أكثر مما تصومون) ولهذا يجتهدون اجتهاداً كبيراً في العبادة وتوقي الذنوب.

    أما كيف يفعلون إذا وقعوا في الذنب؟ يسلمون مرة ثانية، يعني: يعتقدون أنهم كفروا، ثم يرجعون ويسلمون، ولهذا سبق أن أشرت إلى أن بعضهم قد يجدد إسلامه في اليوم أكثر من مرة، أو في السنة، أو في الشهر؛ لأنه يشعر أنه شاكٌ في دينه.

    أكتفي بهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017294213

    عدد مرات الحفظ

    724060121