إسلام ويب

العقيدة الواسطية [12]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تضمنت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بيان جملة من أمور العقيدة, في عدة من متواتر الأخبار وآحادها, وكل ذلك مما يجب اعتقاده والإيمان به دون تفريق بين متواتره وآحاده؛ خلافًا لنابتة الضلالة المعتقدة عدم حجية السنة مطلقًا أو عدم حجية آحادها في باب العقائد, ومن جملة ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك إخباره عن صفة نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا, وعن صفة الفرح وصفة الضحك وصفة العجب وغير ذلك من صفات الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    ذكر مجمل الأقوال في صفة الكلام

    الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين, وأشهد أن نبينا محمداً إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.

    أما بعد:

    في الدرس الماضي تحدثنا عن صفة الكلام لله عز وجل, وبينا قول أهل السنة, وأن الله عز وجل يتكلم بصوت وحرف, وبينا الدليل على صفة الكلام, وبينا الدليل على أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بحرف وأنه يتكلم بصوت, وقلنا: إن معنى الكلام في لغة العرب وعند أهل السنة: هو المعنى والصوت والحرف جميعاً فهو مجموع المعنى واللفظ، وأما الأشاعرة فإنهم يعتبرون الكلام هو: المعنى فقط. وأما المعتزلة فإنهم يعتبرون الكلام هو: اللفظ فقط. وبناء على هذا الاختلاف في معنى الكلام اختلفوا في تحديد كلام الله عز وجل، فالأشاعرة قالوا: إن الكلام هو: معنى قائم بالنفس قديم أزلي ليس بصوت ولا حرف.

    والمعتزلة قالوا: إن الكلام ليس صفة ثبوتية لله عز وجل, وإنما هو خلق الله عز وجل، والله يخلق كلاماً في الهواء أو في الشجر أو في نحو ذلك فيسمى كلاماً، ويكون إضافة الكلام إلى الله عز وجل بهذا الاعتبار عند المعتزلة إضافة تشريف كقولهم: بيت الله، وناقة الله، ونحو ذلك.

    وأما أهل السنة فإنهم قالوا: إن صفة الكلام صفة قائمة بالله عز وجل ثابتة له معنى ولفظاً. فهو سبحانه وتعالى يتكلم بصوت، وله صوت يليق بجلاله، ويتكلم بحرف، وهذه الحروف الموجودة في القرآن هي كلام الله عز وجل، وأما قراءة الإنسان نفسه للقرآن فمخلوقة؛ لأنه هو مخلوق، ولكن القرآن الموجود هو من كلام الله؛ لأن الكلام ينسب إلى من قاله أولاً، فأنت مثلاً تقرأ كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتقول: قال شيخ الإسلام وتقول: هذا كلام شيخ الإسلام . مع أن الذي يتكلم به في اللحظة نفسها هو أنت؛ لأن الكلام ينسب إلى قائله أولاً.

    صفة الكلام صفة اختيارية

    وصفة الكلام من الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله عز وجل، فهو يتكلم متى شاء، وكيف شاء، وفي أي وقت شاء، وكلامه سبحانه وتعالى يكون شيئاً بعد شيء، فهو سبحانه وتعالى يتكلم الآن, وفي الأيام القادمة، وفي يوم القيامة, وعندما يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، وهذه أمور في المستقبل، وهو سبحانه وتعالى يتكلم ويسكت فيتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء.

    الأدلة على ثبوت صفة السكوت لله تعالى

    والسكوت صفة ثابتة لله عز وجل ومعناها: عدم التكلم، والدليل عليها ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو).

    وأيضاً ثبت عنه في حديث آخر صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها, وحد حدوداً فلا تعتدوها, وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها).

    والسكوت كما يقول العلماء: نوعان: سكوت عن التكلم، بمعنى: عدم التكلم، وسكوت عن إظهار الكلام, يعني: قد يتكلم ولكن لا يظهر كلامه, ويدل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أرأيت سكوتك بعد التكبير وقبل القراءة ماذا تقول؟) فسماه قولاً مع كونه سكوتاً, وهو سكوت بالنسبة له؛ لأنه لا يسمع شيئاً من كلامه, بينما هو يتكلم في واقع الأمر, فأخبره بدعاء الاستفتاح المعروف.

    وهناك كتب صنفت في هذا الموضوع لشيخ الإسلام ابن تيمية ، منها: كتاب التسعينية, وسمي التسعينية؛ لأنه رد على الأشاعرة بما يقارب تسعين وجهاً في موضوع الكلام النفسي.

    أدلة الأشاعرة على أن كلام الله نفسي والرد عليهم

    وقد استدل الأشاعرة على قولهم: بأن كلام الله كلام نفسي وليس بحرف وصوت: بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما ذهب هو وأبو بكر الصديق إلى سقيفة بني ساعدة فقال عمر : زورت في نفسي كلاماً. قالوا: فهذا يدل على أن الكلام كلام نفسي، وأن الكلام النفسي وهو: ما يدور في النفس يسمى كلاماً، ومن هنا لم ينسبوا إلى الله الحرف والصوت وقالوا: إن الكلام كلام نفسي.

    وهذا باطل. وهذا النص ورد فيه تقييد الكلام بالنفس، ولم يرد فيه العموم ولا إطلاق الكلام بشكل عام وإرادة الكلام النفسي. هذا من جهة.

    ومن جهة أخرى: فإنه فرق بين ما دار في نفسه وبين الكلام, ولو أن أحداً قال لـعمر : فهل تكلمت؟ لقال: لا. يعني أنه لما قال: زورت في نفسي كلاماً, لو قيل له: فهل تكلمت؟ ولو كان كلاماً لقال: نعم، تكلمت في نفسي. ولكن من المعلوم أنه سيقول: لم أتكلم؛ لان الكلام إذا أطلق لا يمكن أن يكون معناه الكلام النفسي؛ ولهذا ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله عفا عن أمتي أو إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها نفوسها ما لم تتكلم أو تعمل)، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام, ودل هذا على أن حديث النفس ليس كلاماً.

    واستدلوا كذلك بقول الأخطل :

    إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

    ولا شك أن هذا أيضاً باطل.

    وقد أبطل شيخ الإسلام الكلام النفسي في ذاته, وقال لهم: ماذا تعنون بالكلام النفسي؟ فإن الكلام النفسي إن كان خبراً فهو صفة العلم, وإن كان أمراً ونهياً وإنشاء فهو صفة الإرادة, فليس هناك إذاً شيء يستطيعون أن يقولوا أنه صفة جديدة -غير العلم والإرادة- يسمى الكلام النفسي, فدل هذا على أن هذه الصفة التي نسبوها إلى الله غير صحيحة، إلا إذا أثبتوها بالطريقة الشرعية الصحيحة.

    وهناك كتاب آخر لـشيخ الإسلام في صفة الكلام بعنوان: المسألة المصرية في القرآن، وهذه فتوى أصلاً, وليست رسالة مستقلة وكتاب السبعينية غير كتاب التسعينية؛ لأن السبعينية في الرد على الملاحدة والفلاسفة, وتسمى بغية المرتاد في الرد على ابن سبعين وابن سبعين هذا صوفي كبير جلس في غار حراء شهراً ينتظر الوحي, فلم يحصل له؛ لأنه كان على مذهب الفلاسفة الذين يعتقدون أن الوحي اكتساب يكتسب.

    وله كتاب: الكيلانية, وهي في موضوع الكلام النفسي.

    1.   

    وجوب الإيمان بما ثبت في السنة من أخبار الصفات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل:

    ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه، وما وصف الرسول به ربه عز وجل من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك].

    هنا شرع الشيخ في بيان أحاديث الصفات, فقال: (ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالسنة تفسر القرآن وتبينه) فقوله: (فالسنة تفسر القرآن وتبينه)، فيه إشارة إلى الآية التي في سورة النحل المشهورة, وهي قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    فالسنة مبينة للقرآن, وهي تشرح القرآن ومعانيه, وتبين المجمل فيه وتخصص عمومه، وتقيد إطلاقه، وتوضح ما أجمل فيه بشكل مفصل فهي مصدر من مصادر التشريع، ومصدر من مصادر العقيدة.

    المنحرفون في اتباع السنة من القرآنيين والمتكلمين

    ثم نبتت نابتة في القرون المتأخرة ادعت أن السنة جميعاً المتواتر منها والآحاد ليس فيها حجة كافية، سواء في العقائد أو في الأحكام, وهؤلاء هم الذين سموا أنفسهم بالقرآنيين.

    وهؤلاء القرآنيون الذين انتسبوا إلى القرآن يقولون: إنه لا حجة في السنة, فإذا استدللت عليهم بدليل في السنة لم يقروا به ولم يعترفوا به ولو كان حديثاً متواتراً, ولا شك أن هذا انحراف عظيم عن منهج أهل الإسلام، وعن منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    فالسنة مصدر من مصادر التشريع يجب الإيمان بها, وأخذها جميعاً, وهي تبين وتفصل وتؤسس, ومعنى أنها: تبين وتفصل, يعني: أنه قد يأتي مجمل في القرآن, كقول الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، فتأتي السنة وتبين هذا المجمل الذي هو في قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ), فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة, وبين عدد ركوعها وكيفية الصلاة فيها, وقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) بين النبي صلى الله عليه وسلم الأموال الزكوية, وأنصبتها جميعاً، وكيفية استخراج الزكاة منها.

    والحقيقة أن الذين ينكرون السنة يريدون هدم الدين. والسبب في ذلك: هو أن أغلب النصوص الشرعية التي تفصل أحكام القرآن جميعاً في السنة.

    والقرآن أمر باتباع السنة, وهذه قضية مهمة وكثير من المبتدعة الضلال منهجهم منهج منحرف وكفري في الحقيقة.

    فهؤلاء الذين يقولون: نحن لا نحتج إلا بالقرآن، نقول لهم: قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]. فاعملوا إذن بالسنة كما أمر القرآن. والله عز وجل يقول: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، ويقول الله عز وجل: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه, والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته.

    فالعمل بالسنة واجب شرعي، ولا يردها إلا منحرف ضال.

    وممن انحرف في عدم اتباع السنة أهل الكلام, فإنهم قالوا: إن العقيدة لا تبنى إلا على العقل, يعني: أن العقيدة يقين ولا تبنى إلا على العقل، وأما القرآن والسنة فقالوا عنها: إن دلالات الألفاظ الواردة فيهما لا تفيد اليقين الجازم, وبالتالي لا يستدل بها على العقائد. فأغلقوا على أنفسهم باب الهداية من كلام الله وكلام رسوله، نسأل الله السلامة والعافية.

    ومصدر التلقي عند أهل السنة: القرآن والسنة، سواء كانت متواتر أو آحاداً والسنة المتواترة هي: التي نقلها جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، وأسندوها إلى شيء محسوس, وهذا المتواتر يفيد اليقين, والمقصود بالجمع هنا: العدد الكثير، سواء كانوا عشرة أو مائة أو مائتين أو ألفاً أو ألفين, عن جمع يعني: عن مثلهم, وأسندوه إلى شيء محسوس، يعني: أسندوه إلى شيء محدد, فمثلاً: القرآن متواتر؛ لأنه نقله جمع كبير من الصحابة أعدادهم بالآلاف, ونقله عنهم جمع من التابعين أعدادهم بالآلاف، ونقله كذلك جمع كبير جداً عن هؤلاء, وكلهم ينسبون هذا القرآن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء به من عند الله عز وجل, وحينئذ فالقرآن لا مرية فيه ولا شك فيه.

    بيان نوعي السنة من حيث التواتر والآحاد

    وأما السنة المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهي على نوعين:

    نوع رواه جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطئهم على الكذب، وأسندوه إلى كلام الرسول، وإلى شيء محسوس، وهذا القيد في قوله: أسندوه إلى شيء محسوس مهم؛ لأنه قد يجتمع جمع كثير عن جمع كثير ولكنهم يسندوه إلى قضايا غيبية أو إيمانية مثلاً, كاجتماع النصارى مثلاً على التثليث, واجتماع اليهود مثلاً على أن عزيراً ابن الله, واجتماع الهندوس مثلاً على زرادشت ، فهذا لا يدل على أن كلامهم حق، وإنما يدل على أن النصارى فعلاً يقولون: أن عيسى ابن الله, وأن اليهود يقولون: عزيراً ابن الله ولا يدل على أنه حق والتواتر يفيد العلم اليقيني.

    وأما الآحاد فهو: ما ينقله أقل من هؤلاء الجمع, يعني: ما ينقله واحد عن واحد, أو ما ينقله اثنان عن اثنين, أو ما ينقله ثلاثة عن ثلاثة, أو أربعة عن أربعة, أي: أن العدد فيه يكون أقل من العدد المتواتر، فيسمونه متواتراً.

    الأدلة القرآنية على قبول خبر الآحاد في العقائد والأحكام

    والآحاد مقبول عند أهل السنة في مسائل العقائد وفي مسائل الأحكام, والدليل على أن الآحاد مقبول في مسائل العقائد ومسائل الأحكام كثيرة جداً, وممن تحدث عن هذا الموضوع الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الرسالة, وقد ذكر فيها الأدلة الدالة على قبول أخبار الآحاد.

    والأدلة على أن أخبار الآحاد مقبولة كثيرة في القرآن والسنة, وقد أفرد لها البخاري رحمه الله في صحيحه كتاباً خاصاً سماه: كتاب أخبار الآحاد, واستدل على قبول أخبار الآحاد بالقرآن والسنة.

    فأما القرآن فاستدل بقول الله عز وجل: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122]، فهذه الآية تدل على أن خبر الآحاد مقبول, ووجه الدلالة أنه قال: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ [التوبة:122] والفرقة هي الجماعة من الناس. وقوله: وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [التوبة:122]، يعني: يخبروا قومهم بالنذارة التي عرفوها من التفقه. وهذا يدل على أن قولهم مقبول. والطائفة يصح لغة أن تطلق على الشخص الواحد, فلو نفر شخص واحد من مجموعة وتفقه في الدين ثم جاءهم وأخبرهم بشرع الله عز وجل لوجب قبوله، وهذا هو منطوق الآية، وهو ظاهر الآية.

    ويدل على أن الطائفة تطلق على الشخص الواحد، قول الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9] وهي تصح في اقتتال اثنين فقط، بل إنها كما يقول بعض المفسرين: نزلت في مقاتلة وقعت بين اثنين من المسلمين, فيسمى كل واحد طائفة لغة.

    الأدلة من السنة على قبول خبر الآحاد في العقائد والأحكام

    ومما يدل كذلك على أن أحاديث الآحاد مقبولة في العقائد والأحكام: حديث عمر الثابت في صحيح البخاري ، وقد رواه البخاري في كتاب أخبار الآحاد, أنه كان له صاحب وكانوا عند أحد, وكان ينزل هو يوماً ويأتيه بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وينزل صاحبه يوماً ويأتيه بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم, وهذا يدل على أنه يقبل خبر الآحاد.

    وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن وقال: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله), وشهادة أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله من العقيدة, ولم يشترط أهل اليمن في أن يكون الناقل لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم جمع غفير، وإنما كفاهم واحد.

    وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من أصحابه إلى الملوك: فقد أرسل دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل ، وأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى المقوقس صاحب مصر, وأرسل غيره إلى كسرى وقد أرسل كل واحد منهم منفرداً، وكان مع كل أحد منهم كتاب من الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فاشتراط التواتر في أخبار العقائد مردود, ولا صحة له أبداً؛ لأنه لو كان يشترط التواتر لأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى كل حاكم من هؤلاء الحكام عدداً كثيراً، وكل واحد منهم يقول: نشهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كذا ويقول كذا, ولو كان خبر الآحاد لا يقبل في العقائد لصح لأهل اليمن أن يقولوا عندما جاءهم معاذ : لا نقبل قولك، فدع الرسول صلى الله عليه وسلم يرسل لنا عدداً متواتراً.

    فالقول بعدم قبول أحاديث الآحاد في الحقيقة منع لأحكام الدين، ورد لها، ومن الأمور المتفق عليها والتي أجمع عليها أهل السنة والجماعة: أن أخبار الآحاد تفيد العلم, وأنها مقبولة في الأحكام، ومقبولة كذلك في العقائد.

    وقد انحرف أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة فقالوا: إن أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة, فإذا استدللت عليهم مثلاً بحديث النزول: (ينزل ربنا..)، قالوا: لا نقبل هذا الحديث؛ لأنه من أخبار الآحاد, مع أنه حديث ثابت في الصحيحين، وهكذا يفعلون في كل الأحاديث التي هي في صفات الله في الصحيحين فيردونها جميعاً، ويقولون: إنها غير مقبولة؛ لأنها أحاديث آحاد.

    نقد تعليلات الرازي لعدم قبوله لأحاديث الآحاد في باب العقائد

    وقد تكلم الرازي في كتابه أساس التقديس -وهو من الأشاعرة- عن مسألة أخبار الآحاد وقال: إنها غير مقبولة في العقيدة, وعلل لذلك بتعليلات يقشعر لها جلد المسلم, فقال: إن أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة، لأن الثقة -أولاً- مرتفعة عن الصحابة؛ لأنهم تقاتلوا فيما بينهم، وكل شخص منهم قتل الثاني.

    قال: والسبب الثاني: هو أن الزنادقة وضعوا أحاديث، ولسلامة قلوب المحدثين -يعني: لغفلتهم- قبلوها وزعم أن أحاديث البخاري ومسلم فيها أحاديث من وضع الزنادقة, وهذا لجهله.

    وزعم أموراً أخرى لا أستحل نقلها.

    والسبب في الوصول إلى هذا المستوى المنحط في التعامل مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ هو عدم تقدير الرسول صلى الله عليه وسلم, وهم لا يرجون لله وقاراً في الحقيقة, لو كانوا يرجون لله وقاراً لما عللوا بهذه التعليلات الفاسدة الباطلة, في الوقت الذي يقبلون فيه كلام الأخطل في قوله:

    إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

    فقبل قول الأخطل وهو نصراني, ولم يثبت عنه, ولم ينقل نقلاً متواتراً، وهو مخالف للغة, وفيه روايات متعددة, فقبل كلامه لأنه يوافق هواه, ورد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنها لم توافق هواه، وهذا هو الضلال بعينه.

    وهكذا الإنسان إذا اشرب قلبه بالبدعة يصل إلى هذه الطريقة ويتخبط ويضل وينحرف ويقول المقالات العظيمة المخالفة لشرع الله التي هي في بعض الأحيان قد تخرجه من الدين، والعياذ بالله. ولهذا فلنحذر غاية الحذر من الهوى الذي يصل بالإنسان إلى هذه الطريقة وإلى هذا المستوى المنحط, وهذا من مصادر الاستدلال التي يخالفنا فيها الأشاعرة, فكيف يقول مثلاً الدكتور يوسف القرضاوي وغيره -من الذين لا يعرفون حقيقة الخلاف بين أهل السنة الأشاعرة-: إن الأشاعرة من أهل السنة؟! وكيف يكونون من أهل السنة وهم يخالفوننا في الأدلة؟! فنحن نعتبر أخبار الآحاد أدلة صحيحة عن العقيدة وهم لا يعتبرونها, فكل أحاديث الصحيحين غير مقبولة عندهم في العقيدة, وكذلك بقية أحاديث الكتب الستة غير مقبولة في العقيدة عندهم, فالخلاف بيننا وبينهم خلاف منهجي وجذري, وليس خلافاً سطحياً وبسيطاً كما يظن بعض هؤلاء الذين لم يتعلموا العلم من أصوله الصحيحة, ولم يدركوا هذه المسائل, وإنما أخذوها بشكل عاطفي, مثل: الدكتور القرضاوي وغيره من الذين يقولون: إن الأشاعرة من أهل السنة, فهم لم يدرسوا كتب الأشاعرة ولا يعرفونها, ولا يعرفون الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة، ولا يدركون ما هو, ولم يقرءوا كتب ابن تيمية رحمه الله, ولا كتب السلف السابقين، ولم يدرسوا العلم دراسة تفصيلية, وإنما درسوا دراسات سطحية، ثم يتربعون على عرش الإفتاء والتوجيه للناس, ويأتون بهذه المقالات العجيبة الغريبة, مع أن الخلاف بيننا وبين الأشاعرة خلاف جذري كما نلاحظ في مصادر الاستدلال, وفي منطلقات الإنسان في معرفته لصفات الله عز وجل ولأسمائه ولأحكام العقيدة.

    فإذاً: أخبار الآحاد مقبولة، ومن أراد الأدلة على ذلك فليراجع كتاب أخبار الآحاد من صحيح البخاري ففيه عشرون حديثاً استدل بها البخاري رحمه الله على قبول أخبار الآحاد وعدم ردها. وأن ردها من البدع المنحرفة.

    1.   

    ذكر بعض أحاديث الصفات

    حديث صفة النزول إلى السماء الدنيا

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) متفق عليه].

    هذا هو حديث النزول، وقد شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية شرحاً طويلاً, وهو مطبوع ضمن مجموع الفتاوى التي جمعها الشيخ ابن قاسم ، وطبع مستقلاً بتحقيق الخميس ، وهو شرح عظيم طويل, أكثر فيه من الحديث عن الصفات الاختيارية والخلاف فيها.

    حديث صفة الفرح

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله صلى الله عليه وسلم: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته)، الحديث متفق عليه].

    وهذا حديث طويل، وتكملته: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن التائب من أحدكم ضلت عنه راحلته وهو في أرض فلاة، فنام تحت شجرة وهو يظن الهلاك, فلما قام وجدها بين يديه، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح), وهو حديث يدل على إثبات صفة الفرح لله عز وجل.

    وصفة النزول صفة فعلية اختيارية, وكذلك صفة الفرح صفة فعلية اختيارية, وقد وردت صفة الفرح باسم آخر، وهي: البشبشة, فقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)، وهو حديث صحيح رواه ابن ماجة في سننه، والإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي ، وكذلك رواه ابن خزيمة ، وصححه الشيخ الألباني ، وهذا اللفظ هو لفظ ابن ماجة رحمه الله، ورواه الإمام أحمد في مسنده بلفظ آخر: (لا يتوضأ أحدكم فيحسن الوضوء...)، إلى آخر الحديث، (إلا تبشبش الله له) وهذا الحديث صححه الأستاذ أحمد شاكر رحمه الله تعالى.

    حديث صفة الضحك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله صلى الله عليه وسلم: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة) متفق عليه].

    وهذا قد ورد مفسراً في نفس الحديث, فإنه قال: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخلان الجنة, يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب، -يعني: القاتل- ثم يقتل في سبيل الله)، يعني: يلتقي المسلمون والكفار فيقتل رجل من الكفار رجلاً من المسلمين ثم يسلم هذا الكافر ثم يقاتل في سبيل الله ويقتل, فيجتمعان في الجنة القاتل والمقتول, فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يضحك الله إلى رجلين), ففي هذا إثبات صفة الضحك لله، وهي صفة فعلية ثابتة لله عز وجل كما يليق بجلاله، وقد بوب في إثبات الضحك ابن خزيمة رحمه الله في كتاب التوحيد والآجري في كتاب الشريعة، وابن أبي عاصم في كتاب السنة.

    حديث صفة العجب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب) حديث حسن].

    وهذا الحديث في إثبات صفة العجب لله عز وجل.

    والصفات السابقة: صفة النزول، وصفة الفرح، وصفة الضحك وردت في السنة ولم تأت في القرآن, إلا أن صفة النزول تدل عليها صفة المجيء والإتيان في القرآن؛ لأن الله عز وجل يجيء ويأتي يوم القيامة للناس وهم في المحشر، والمحشر يكون في الأرض ويكون موطنهم بلاد الشام, فهي تدل على صفة النزول، ولكن لفظ النزول لم يأت في القرآن.

    وأما صفة الفرح فلم ترد إلا في السنة، وصفة الضحك كذلك لم ترد إلا في السنة, وأما صفة العجب فقد وردت في القرآن في آيتين, الآية الأولى: هي قول الله عز وجل: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12]، قرأها حمزة والكسائي وقراء الكوفة: (بل عجبتُ) بالضم على أنها تاء المتكلم، (ويسخرون) وقرأها بقية القراء: (بل عجبتَ ويسخرون)، ولما تغيرت الحركة تغير المعنى في القراءتين، فعلى قراءة: (بل عجبتُ) على أنها تاء المتكلم يكون العجب صفة لله عز وجل، وقراءة: (بل عجبتَ) على أنها تاء المخاطب تكون صفة العجب للرسول صلى الله عليه وسلم، وكلاهما قراءتان ثابتتان ومعنيان صحيحان ثابتان, وأيضاً يدل على ذلك قول الله عز وجل: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد:5].

    فقوله: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ، فسرها قتادة كما روى ابن جرير الطبري في تفسيره، بأن قال: وَإِنْ تَعْجَبْ يعني: أنت يا محمد! فَعَجَبٌ، يعني: فعجب الرحمن من قولهم.

    وأيضاً هذا الحديث الذي هو قوله: (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره) وهو قطعة من حديث طويل لـأبي رزين ، والحديث الطويل.

    وقد اختلف العلماء في صحته فقد رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن أبي عاصم في السنة، وضعفه الشيخ ناصر الألباني رحمه الله تعالى.

    وثبت في صحيح البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل)، يعني: يجرون إلى الجنة جراً، وهذا ثابت في الصحيح.

    فصفة العجب ثابتة لله بالقرآن وبالسنة، ولأن المصنف لم يورد إلا هذا الحديث؛ أشكل هذا عند بعض الناس في صفة العجب، والصحيح: أنها ثابتة لله سبحانه وتعالى بالقرآن وبصحيح السنة، حتى لو لم يثبت حديث أبي رزين المشهور، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يحسن هذا الحديث، فإنه قال عنه: حديث حسن.

    حديث صفة القدم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله)، وفي رواية: (عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط قط) متفق عليه].

    وقط قط معناها: حسبي حسبي، يعني: يكفيني.

    والقدم صفة ذاتية ثابتة لله سبحانه وتعالى, وهما قدمان، كما ثبت أن الكرسي موضع قدمي الرب.

    حديث إثبات الصوت لله تعالى

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (يقول تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) متفق عليه.

    وقوله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه وليس بينه وبينه ترجمان)].

    وهذان الحديثان في صفة الكلام، وحديث: (يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك! فينادي بصوت)، فيه: إثبات الصوت لله عز وجل كما يليق بجلاله، وقد ورد في بعض الأحاديث: (أن الصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب).

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315049

    عدد مرات الحفظ

    723557468