إسلام ويب

شرح ألفية ابن مالك [21]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان وأخواتها نواسخ ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ولأخبارها أحكام مختلفة من حيث التوسط والسبق ونحو ذلك، وبعض هذه النواسخ قد يأتي تاماً ويأتي ناقصاً، وقد تحذف كان مع اسمها أو وحدها، وهذه أمور مفصلة عند النحاة.

    1.   

    توسط خبر كان وأخواتها

    ثم قال: (وفي جميعها توسط الخبر أجز)

    (في جميعها) جار ومجرور ومضاف متعلق بأجز.

    و(توسط) مفعول به وعامله أجز، وهو مضاف إلى الخبر.

    و(أجز) فعل أمر وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت.

    وقال: (وكل سبقه دام حظر)

    (كل) مبتدأ.

    و(سبق) مفعول مقدم لحظر، وهو مضاف إلى الضمير، والضمير هنا فاعل المصدر.

    و(دام) مفعول به للمصدر.

    و(حظر) خبر كل، والتقدير: كل حضر سبق الخبر دام

    والمعنى: أن كان وأخواتها وهي ثلاثة عشر، كلها يجوز فيها توسط الخبر، تقول: كان قائماً زيد، وظل شديداً المطر، وما فتئ قائماً خالد، وما دام قائماً فلان، وليس ناجحاً الكسول.

    إذاً جميع هذه الثلاثة عشر يجوز أن يتوسط خبرها.

    وهل يجوز أن يتقدم الخبر على الأداة؟

    حكم تقدم خبر دام

    يقول: (وكل سبقه دام حظر) أي: كل النحويين، (حظر) أي منع سبقه لدام، فهل المراد سبقه لدام بحيث يتوسط بينها وبين ما، أو بحيث يتقدم على ما؟

    مثاله: ما قائماً دام زيد، فهذا فيه احتمال أنه لا يجوز بالإجماع، وقولنا: قائماً ما دام زيد، هذا لا يجوز بالإجماع.

    والإشكال الآن نقل الإجماع فيما إذا كان الخبر بين ما ودام.

    فمواضع الخبر في دام أربعة: قائماً ما دام زيد، ما قائماً دام زيد، ما دام قائماً زيد، ما دام زيد قائماً،

    اثنان جائزان بالاتفاق وهما:

    ما دام زيد قائماً، وما دام قائماً زيد. وواحد ممنوع بالاتفاق وهو تقدم الخبر على (ما دام) كلها، مثل: قائماً ما دام زيد. والرابع: أن يتوسط الخبر بين ما ودام وهذا يحتمل كلام ابن مالك أنه ممنوع بالإجماع كما هو ظاهر اللفظ، والأمر ليس كذلك، ففيه خلاف.

    حكم تقدم خبر كان وأخواتها على ما النافية

    وقوله: (وكل سبقه دام حظر) ظاهر كلامه أن ما عداها يجوز فيه تقدم الخبر على الأداة، ولكنه قال:

    (كذاك سبق خبر ما النافيه فجيء بها متلوةً لا تاليه)

    يعني: إذا جاءت ما النافية في واحدة من الأدوات، فإنه يمتنع أن يتقدم عليها الخبر سواء كانت الأداة مما يشترط فيها أن يسبقها نفي أو شبهه أو لا.

    فما النافية لا يتقدم عليها شيء، فلو قلت: ما كان زيد ظلوماً، ثم قلت: ظلوماً ما كان زيد، لا يجوز؛ لأنه لا يتقدم الخبر على ما النافية.

    أما إذا قلنا: ما ظلوماً كان زيد، فهو جائز، وكذلك ما كان زيد ظلوماً جائز أيضاً؛ ولهذا يقول: (كذاك سبق خبر ما النافية).

    (كذاك) خبر مقدم، أي كالذي سبق، و(ذا) اسم إشارة لما سبق، يعني مثل: ذاك الذي ذكرنا في ما سبق.

    و(سبق) مبتدأ مؤخر، وهو مضاف إلى (خبر)، وسبق مضاف إلى فاعله.

    و(ما) مفعول سبق، و(ما) مضاف، و(النافية) مضاف إليه، ويجوز أن تكون النافية صفة لما.

    والمعنى: يمتنع أن يسبق الخبر ما النافية سواء كانت الأداة مما يشترط فيها تقدم النفي وشبهه أو لا.

    ثم قال: (فجيء بها متلوة لا تالية).

    أي: جئ بما النافية متلوة لا تالية.

    فـ(جيء) فعل أمر، و(بها) جار مجرور متعلق بفعل الأمر.

    و(متلوة) حال من (ها)، في قوله (بها).

    و(لا) عاطفة.

    و(تالية) معطوفة على (متلوة).

    فهي منصوبة على الحال، أي: ائت بما النافية سابقة، وما بعدها تالٍ لها.

    والخلاصة: أن توسط الخبر بين الأداة والفعل جائز بالاتفاق.

    أما تقدم الخبر على الأداة فجائز في غير (دام)، أما فيها فإن ظاهر كلام ابن مالك أنه ممنوع، ولكن الصحيح أنه جائز وأن الممنوع تقدم الخبر على (ما) فقط سواء ما المصدرية الظرفية، أو ما النافية وسواء ما يشترط فيه تقدم النفي وشبهه أو لا.

    وإذا كان النفي بغير (ما) جاز أن يتقدم الخبر على الأداة وعلى حرف النفي مطلقاً، مثل: قائماً لم يزل زيد، وقاعداً لم يكن عمرو.

    وقوله: (فجئ بها متلوة لا تالية) هذا الشطر قد يقول قائل: إنه لا فائدة منه؛ لأنه إذا منع تقدم الخبر على ما النافية لزم أن تكون متلوة لا تالية، فيقال: بل له فائدتان أيضاً:

    الفائدة الأولى: الإشارة إلى أن ما النافية لها الصدارة في الكلام فإذا كانت لا تأتي إلا متلوة فلا يجوز أن يتقدم عليها غيرها مما هو في ضمن جملتها.

    والفائدة الثانية: تقرير الحكم السابق، ولا مانع أن الإنسان يأتي بجملة بعد حكم من الأحكام لتقرير ذلك الحكم وتثبيته.

    حكم تقدم خبر ليس عليها

    ثم قال:

    [ومنع سبق خبر ليس اصطفي وذو تمام ما برفع يكتفي]

    (منع) مبتدأ، و(اصطفي) خبر المبتدأ، و(منع) مضاف، و(سبق) مضاف إليه، و(سبق) مضاف، و(خبر) مضاف إليه، فسبق مصدر مضاف إلى فاعله، و(ليس) مفعول به لسبق، والتقدير: اصطفي منع سبق سبق الخبر لليس.

    ففي هذا الشطر أشار ابن مالك رحمه الله إلى أن النحويين اختلفوا في جواز تقدم خبر ليس عليها، واختار هو المنع؛ لأن (اصطفي) بمعنى اختير، فهو يقول رحمه الله: اصطفي منع سبق خبر ليس عليها، وهو إشارة إلى أن المسألة فيها خلاف.

    والصحيح جواز تقدم خبر ليس عليها خلافا لابن مالك ؛ لأن في القرآن ما يشير إلى جواز ذلك وهو قوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ [هود:8] فإن (يوم) ظرف، وعامله (مصروفاً) والتقدير: ليس مصروفاً عنهم يوم يأتيهم، يعني: لا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، فـ(يوم يأتيهم) معمول لمصروفاً، ومصروفاً هو الخبر، وإذا جاز أن يتقدم معمول الخبر وهو فرع لعامله فتقدم عاملة من باب أولى، ولهذا كان القول الراجح جواز تقدم خبر ليس عليها.

    وعلى هذا فتقول: قائماً ليس زيد.

    وعلى رأي ابن مالك لا يجوز أن تقول: قائماً ليس زيد، بل قل: ليس قائما زيد، أو ليس زيد قائماً.

    والقائلون بالمنع قاسوا قياساً فاسداً، فقالوا: لأن (ليس) دالة على النفي؛ فيمتنع تقدم خبرها عليها، كما منعنا تقدم الخبر على ما النافية.

    فيقال: هذا قياس ليس بصحيح؛ لأن ليس نفيها من ذاتها، بمعنى: أنها فعل دال على النفي، و(ما) لا تدل على النفي إلا باقترانها بما بعدها فلا يصح القياس.

    ونعارض قياسهم فنقول: نقيسها على جواز تقدم الخبر إذا كانت الأداة ليست (ما) كما نجوز أن نقول: قائما لا يزال زيد. فليس قياسها على (ما) بأولى من قياسها على (لا).

    وعلى هذا فيكون هذا الدليل مدفوعاً، ودليل الجواز مثبتاً، وهو قوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ [هود:8]. وقد أجابوا عن الآية بما لا يغني، وهو أن الظروف يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها.

    1.   

    ما يجيء تاماً وناقصاً من كان وأخواتها وما يلازم النقص

    يقول: (وذو تمام ما برفع يكتفي ) ذو: يجوز في إعرابها وجهان:

    الأول: أن تكون خبراً مقدماً لـ (ما).

    الثاني: أن تكون مبتدأ والخبر (ما)؛ لأن (ما) اسم موصول، و(برفع) جار ومجرور متعلق بـ (يكتفي)، أي: ذو التمام ما يكتفي بالرفع.

    فأفادنا المؤلف رحمه الله بأن هذه المواد تنقسم إلى قسمين: قسم تام، وقسم ناقص.

    فالتام هو الذي يكتفي بمرفوعه، ولا ينتظر المخاطب شيئاً، وعلامته أنه لا يراد به اتصاف شيء بشيء، مثال ذلك: كان زيد فمات، فلا ينتظر المخاطب شيئاً.

    ذا قلت له: كان فمات، وأنت لا تريد أن تصفه بصفة، بل تريد أن تخبر عن وجوده فقط وحينئذ لا نحتاج إلى الخبر.

    فالتام له علامتان:

    الأولى: أن المخاطب لا ينتظر شيئاً.

    الثانية: أنه لا يراد به اتصاف شيء بشيء.

    وله أمثله، منها قوله تعالى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم:17] فتمسون وتصبحون من أخوات كان، لكن هنا تامة، ومعنى قوله: حين تمسون، أي: حين تدخلون في المساء، وحين تصبحون: حين تدخلون في الصباح.

    فالمخاطب لا ينتظر شيئاً حين أقول: سبح الله إذا أمسيت، وسبح الله إذا أصبحت.

    لكن لو كان المعنى في غير القرآن: اسأل الله الشفاء حين تمسي مريضاً؛ فهنا تكون ناقصة؛ لأن المقصود أن يوصف شيء بشيء.

    وإذا قلنا: سرنا في الطريق وكان المطر، فهذه تامة؛ لأن المخاطب لا ينتظر شيئاً، وأنت لا تريد أن تصف المطر بشيء آخر سوى وجوده.

    لكن لو أردت أن تخبر عن المطر بأنه شديد، وتقول: كان المطر، فلا يتم الكلام، لأنك تريد أن تصف المطر بشيء، فتقول: كان المطر شديداً.

    ويقدر بعض النحويين كان التامة بـ(وجد)، وهو تقدير تقريبي وليس على سبيل التحديد.

    ووجه ذلك أن (وجد) فعل مبني للمجهول، ولا يمكن أن نفسر المعلوم بالمبني للمجهول، لكن هم يقولون ذلك على سبيل التقريب، وإذا كان على سبيل التقريب فلا بأس به، فيقولون: كان زيد فمات، أي: وجد زيد فمات.

    ومنه قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [هود:107] أي ما وجدت السموات والأرض لكن هذا على سبيل التقريب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [وما سواه ناقص والنقص في فتئ ليس زال دائماً قفي ]

    (النقص) مبتدأ و(قفي) يعني: اتبع وهو خبر المبتدأ، و(في فتئ) جار ومجرور، و(ليس) معطوف عليه بإسقاط حرف العطف لضرورة الشعر، و(زال) كذلك معطوف على فتئ بإسقاط حرف العطف لضرورة الشعر، و(دائماً) يعني أنها دائماً ناقصة فلا يمكن أن تكون تامة، وهي حال من فاعل قفي. والمعنى: اتبع دائماً النقص في هذه الثلاثة، فلا يمكن أن تأتي فتئ المسبوقة بنفي أو شبهه تامة، وكذلك ليس لا يمكن أن تأتي تامة، ومثلها زال.

    والمراد زال الذي مضارعها يزال والمسبوقة بنفي أوشبهه، فهذه دائماً تأتي ناقصة، لابد لها من الاسم والخبر، فإن لم تجد معها إلا اسماً؛ فإن الخبر لا بد أن يكون محذوفاً.

    1.   

    حكم مجيء معمول خبر كان بعدها

    ثم قال:

    [ ولا يلي العامل معمول الخبر إلا إذا ظرفاً أتى أو حرف جر ]

    (لا يلي العامل) العاملَ بالنصب مفعول به والعامل فيه (يلي)، ومعمول بالرفع فاعل يلي.

    (إلا إذا ظرفاً أتى أو حرف جر) إلا هذه أداة استثناء، و(إذا) حرف شرط غير جازم، و(أتى) فعل ماضٍ، و(ظرفاً) حال من فاعل أتى مقدم على العامل، و(أو) حرف عطف، و(حرف) معطوف على ظرفاً، و(حرف) مضاف و(جر) مضاف إليه.

    والمعنى: أنه لا يلي معمول الخبر العامل إلا إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، واكتفى المؤلف بقوله: (حرف جر) عن ذكر المجرور، لأن الحرف لا يمكن أن يستقل بنفسه بل لا بد من مصحوب له.

    فلا يلي العامل معمول الخبر إلا في هاتين الحالتين: إذا أتى ظرفاً، أو أتى حرف جر.

    مثال ذلك:

    تقول: كان طعامَك زيدٌ آكلاً، فالعامل كان، و(طعام) معمول للخبر الذي هو آكل، وهنا ولي العامل ،كان فالمؤلف يقول: إن هذا لا يجوز؛ لأن الطعام ليس ظرفاً، ولا جاراً ومجروراً.

    وإذا قلنا: كان عندك زيدٌ مقيماً، جاز؛ لأنه ظرف.

    وكذلك إذا قلنا: كان في المسجد زيدٌ معتكفاً، يجوز؛ لأنه جار ومجرور، وهم يتوسعون في الظروف والمجرورات ما لا يتوسعون في غيره.

    وقال الكوفيون: يجوز أن يلي العامل معمول الخبر، وإن لم يكن ظرفاً ولا جاراً ومجروراً.

    وعلى هذا الرأي يجوز كان طعامك زيدٌ آكلاً، ولا فرق في ظاهر كلام المؤلف بين أن يكون الخبر مقدماً على الاسم أو مؤخراً عنه؛ فإنه يمتنع أن يلي العامل معمول الخبر ولو كان الخبر مقدماً على الاسم، كما لو قلت: كان طعامك آكلاً زيدٌ، فهو ممنوع كما لو قلت: كان طعامك زيدٌ آكلاً.

    أما لو تقدم معمول الخبر على الأداة، فقد سبق أنه يجوز إلا إذا كان مقروناً بما النافية، أو ما المصدرية الظرفية.

    وهذا من الغرائب؛ أن نجوز: طعامك كان زيدٌ آكلاً، ولا نجوز: كان طعامَك زيد آكلاً، مع أن الثانية قد تكون أولى بالجواز لأنها أخف من الأولى.

    أمَّا: طعامُك كان زيد آكلاً، ففيها ثقل على اللسان، وعلى السمع.

    فالذي يجوز الصورة الأولى: طعامك كان زيد آكلاً، ينبغي له أن يجوز: كان طعامك زيد آكلاً.

    ولهذا نحن على القاعدة التي أصلناها في باب النحو أنه عند الاختلاف يرجع إلى الأسهل، فيجوز كان طعامك زيد آكلاً، وكان زيد طعامك آكلاً، وطعامك آكلاً كان زيد، وطعامك كان زيد آكلاً، وطعامك كان آكلاً زيد، فتجوز كل الصور؛ لأنه إذا جاز الشيء جاز ما كان نظيره، أو أولى منه، ولا فرق بين الظرف وبين الجار والمجرور.

    وفي قوله تعالى: وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ [الأعراف:177] تقدم المعمول على الأداة، فأنفسهم مفعول ليظلمون التي هي الخبر وقدمت على الأداة.

    قال:

    [ ومضمر الشان اسماً انو وقع موهم ما استبان أنه امتنع ]

    (مضمر) مفعول مقدم لقوله: انو.

    و(اسماً) حال، يعني انوِ ضمير الشأن اسماً إن وقع موهم ما استبان أنه امتنع، يعني إن وقع في كلام العرب ما يوهم أنه ممنوع حسب القاعدة التي ذكرت، فقدر فيه ضمير الشأن.

    فأسس ابن مالك رحمه الله قاعدة وهي: أنه لا يجوز أن يلي العامل معمول الخبر إلا إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، فإن ورد في كلام العرب ما يدل على أن معمول الخبر ولي العامل، فلا نقول: إن العرب خرجوا عن القاعدة فهم مخطئون، لكن نقدر ضمير الشأن، مثاله قول الشاعر:

    قنافذ هداجون حول بيوتهم بما كان إياهم عطية عودا

    والشاهد في قوله: (بما كان إياهم عطية عودا)، فإيا هنا مفعول لعود، ووليت العامل الذي هو كان وهي معمول الخبر وهو ممنوع، فنقدر ضمير الشأن اسماً لكان، ونقول: بالذي كان هو أي الشأن، و(إيا) مفعول عود مقدم، و(عطية) مبتدأ، و(عود) فعل ماضي، والفاعل مستتر، والجملة من الفعل والفاعل في محر رفع خبر عطية، والجملة من المبتدأ والخبر خبر كان.

    والأشاعرة يقولون في قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] أي: وجاء أمر ربك، وهذا يعتبر تحريفاً للنص من أجل المذهب، فأدخلوا (أمر) من أجل مذهبهم، فيقولون: أن الذي يأتي هو أمر الله، وليس الله.

    وهؤلاء أدخلوا ضمير الشأن من أجل تصحيح مذهبهم ولذلك كان قول الكوفيين أسد وأصح؛ لأن الأصل عدم الحذف.

    والأمر بسيط فنقول: يجوز أن يلي معمول الخبر العامل ولا بأس بذلك.

    أما الظرف والجار والمجرور، فقالوا: يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها.

    إذاً عاد الأصل والفرع إلى مذهبهم.

    فالصواب أنه يجوز أن تقول: كان طعامك زيد آكلاً.

    والملاحظ أنه في هذا المثال لا يمكن تقدير ضمير الشأن؛ لأن (آكلاً) منصوبة ولا يصح أن تكون خبراً، وعلى هذا فلا تصح الجملة جملة خبرية خبر لضمير الشأن.

    وهذا البيت من قول الفرزدق يهجو رهط جرير ، وقنافذ جمع قنفذ و(هداجون) أي: يمشون مشية الشيخ الضعيف للسرقة، و(عطية) أبو جرير .

    1.   

    خصائص كان

    زيادة كان

    قال رحمه الله تعالى:

    [ وقد تزاد كان في حشو كما كان أصح علم من تقدما

    ويحذفونها ويبقون الخبر وبعد إن ولو كثيراً ذا اشتهر

    وبعد أن تعويض ما عنها ارتكب كمثل أما أنت برا فاقترب

    ومن مضارع لكان منجزم تحذف نون وهو حذف ما التزم ].

    من خصائص كان ما ذكره هنا، قال: (وقد تزاد كان في حشو) تزاد (كان) فقط من بين أخواتها بلفظ الماضي، فلا تزاد اسم فاعل، ولا اسم مفعول، وإنما تزاد بلفظ الماضي كثيراً، وقد تزاد بلفظ المضارع قليلاً، ومنه قول أم عقيل :

    أنت تكون ماجدٌ نبيل إذا تهب شمأل بليل

    فلو لم تكن زائدة لقالت: ماجداً نبيلاً.

    (في حشو): حشو الشيء ما كان في باطنه، أي: بين أعلاه وأسفله كحشو الفراش.

    وهذا يعني أنها تزاد بين شيئين متلازمين: كالمبتدأ والخبر، والصفة والموصوف، والمضاف والمضاف إليه وما التعجبية وفعل التعجب، وما أشبه ذلك.

    وعلم من قوله: (قد تزاد) أن ذلك ليس كثيراً.

    وإعراب البيت كما يلي:

    قد: حرف تقليل، والقاعدة: أن (قد) إذا دخلت على الفعل المضارع فهي للتقليل، ومنه قولهم: قد يجود البخيل.

    لكنها ترد أحياناً للتحقيق، مثل قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ [الأحزاب:18]، فهنا لا شك أنها للتحقيق وليست للتقليل ولا للتردد.

    تزاد: فعل مضارع مبني للمجهول. (كان): نائب فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.

    في حشو: جار ومجرور متعلق بتزاد.

    والكاف: حرف جر.

    (ما كان أصح علم من تقدما) كل الجملة مجرورة بالكاف، وعلامة الجر كسرة مقدرة على آخرها منع من ظهورها الحكاية.

    والدليل على ذلك: أن هذه الجملة نائبة مناب المفرد، إذ إن معنى (كما كان أصح علم من تقدما): كهذا المثال.

    أما إعراب الجملة تفصيلاً:

    ما: تعجبية، وهي مبتدأ مبني على السكون في محل رفع.

    كان: فعل زائد، ولا نقول: إنها للماضي؛ لأنها مسلوبة المعنى والزمان.

    أصح: فعل تعجب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وفاعله مستتر وجوباً تقديره: هو، وهذا أحد المواضع التي تستتر فيها الضمير (هو) وجوباً، وإنما كان مستتراً وجوباً في فعل التعجب؛ لأنه جارٍ مجرى المثل، والأمثال لا تغير.

    وعلم: مفعول أصح منصوب بالفتحة الظاهرة، وعلم مضاف و(من) مضاف إليه مبني على السكون في محل جر.

    وتقدما: فعل ماض، والألف للإطلاق، وفاعله مستتر جوازاً تقديره: هو، يعود على مَنْ، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.

    حذف كان واسمها

    قال: (ويحذفونها ويبقون الخبر):

    هذه الخصيصة الثانية؛ أنها تحذف ويبقى خبرها، وهذا على قسمين: كثير وقليل، فالكثير قال فيه: (وبعد إن ولو كثيراً ذا اشتهر).

    فقوله: (ويحذفونها) الواو تعود على العرب؛ لأنهم هم الذين يصوغون الكلام، أما النحويون فإنهم بمنزلة الصيادلة ينظرون تراكيب الكلام، لكن لا يحكمون على العرب.

    (ويبقون الخبر) أي: خبرها.

    (وبعد إن) إن الشرطية (ولو) الشرطية، ذا اشتهر كثيراً.

    أما الشطر الأول فإعرابه واضح.

    إعراب الشطر الثاني: بعد: ظرف مكان منصوب على الظرفية، وعلامة نصبه فتح آخره، وهو متعلق باشتهر المتأخر، و(بعد) مضاف، و(إن) مضاف إليه مجرور بالإضافة وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية. ولو: معطوفة على إن.

    كثيراً: صفة لمصدر محذوف وعامله قوله: اشتهر، يعني: اشتهر اشتهاراً كثيراً.

    ذا: مبتدأ مبني على السكون في محل رفع؛ لأنه اسم إشارة.

    اشتهر: فعل ماض والجملة خبر المبتدأ.

    ومعنى البيت: أن العرب يحذفون كان واسمها ويبقون خبرها، وهذا بعد إن ولو كثيراً، ومنه قولهم: الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، أي: إن كانت أعمالهم خيراً فجزاؤهم خير، وإن كانت أعمالهم شراً فجزاؤهم شر.

    وفي الحديث: (التمس ولو خاتماً من حديد) أي: ولو كان الملتمس خاتماً.

    وعلم من قوله: (يحذفونها) أنهم لا يحذفون المضارع، ولكن هذا ليس بصحيح، والصحيح أنه يجوز حذفها ولو بلفظ المضارع، ومنه قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:171]، ومنه قوله تعالى: وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ [التغابن:16]، وإن لم تكن هذه كالأولى؛ لجواز أن يكون خيراً مفعول به.

    أما الآية الأولى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:171]، فالتقدير: يكن خيراً لكم، وهذه كان بلفظ المضارع حذفت مع اسمها وبقي خبرها، في أفصح كلام وهو كلام الله عز وجل.

    حذف كان وتعويض (ما) عنها

    يقول:

    [ وبعد أن تعويض ما عنها ارتكب كمثل أما أنت براً فاقترب ]

    كذلك أيضاً تحذف كان ويبقى اسمها وخبرها، ولكن يعوض عنها (ما) مع بقاء الاسم والخبر.

    والفرق بين هذه المسألة وبين المسألة التي قبلها: أنهم في الأولى يحذفونها مع اسمها، أما هنا فيحذفونها وحدها ثم يعوضون عنها (ما) ويبقون الخبر.

    وإعراب البيت:

    بعد: ظرف مكان وهو مضاف، و(أن) مضاف إليه مجرور بالإضافة وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.

    تعويض: مبتدأ، وهو مضاف و(ما) مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.

    (عنها) جار ومجرور متعلق بارتكب.

    ارتكب: الجملة خبر (تعويض).

    كمثل: الكاف حرف جر، و(مثل) اسم مجرور بالكاف، وهو مضاف و(أما أنت براً فاقترب) مضاف إليه مجرور بالإضافة وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.

    أما إعراب (أما أنت براً فاقترب) فيقول النحويون: أصله اقترب لأن كنت براً، فقدموا العلة قبل المعلول.

    فإذا قلت: اقترب مني، أنا أود أن تكون صاحبي، لماذا؟

    لأن كنت براً؛ فماذا صنعنا؟

    قالوا: قدمنا العلة فصار لأن كنت براً اقترب، ولما كانت العلة كالشرط في ترتب جزائه عليه حسن أن يقترن الفاء بالفعل، فصار: لأن كنت براً فاقترب.

    ثم قالوا: حذفنا لام العلة، فصار التقدير: أن كنت براً فاقترب، ثم حذفنا كان، فلما حذفناها فصلنا الضمير؛ لأن الضمير المتصل لا يمكن أن يؤتى به وحده، فصار التقدير: أن أنت براً فاقترب، ثم أتينا بما فصارت: أن ما أنت براً فاقترب، ثم أدغمنا أن بما فصارت أماَّ أنت براً فاقترب.

    ومنه قول الشاعر:

    أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع

    فالشاهد: (أما أنت ذا نفر)، أي: لأن كنت ذا نفر فقومي لم تأكلهم الضبع، والضبع هو الحيوان المعروف، شبه السنة المجدبة به على طريق الاستعارة.

    ومعنى البيت: فخرت علي بأن كنت ذا نفر، فلا تفخر فإن قومي لم تأكلهم الضبع فهم كثير ولم تؤثر فيهم الأزمات.

    فقوله: (فإن قومي)، متعلقها محذوف، أي: (فخرت؛ لأن كنت ذا نفر) فحذف الشاعر فخرت، ثم حذفت اللام وكان فبقي اسمها المتصل وهو التاء فأصبح اسمها منفصلاً وهو (أنت) لأن عامله حذف فانفصل، وعوضنا عن كان بما الزائدة ثم أدغمنا النون الساكنة مع الميم فصارت أما أنت.

    أما قول ابن مالك : (أما أنت براً فاقترب) أصلها: اقترب لأن كنت براً، فقدمنا: لأن كنت براً، وحذفنا اللام، وحذفنا كان، وعوضنا عنها ما، وفصلنا الضمير المتصل، فالنتيجة بعد هذه العمليات: أما أنت براً.

    ولو قال قائل: لماذا لا نجعل أما شرطية في قوله: أما أنت براً فاقترب، بدليل ربط الجواب بالفاء، سواء كان في مثال ابن مالك أو في الشاهد؟

    الظاهر لي أن السبب في أنهم لم يحملوها على ذلك؛ أنه لا يمكن حذف أن المصدرية، وذلك لأنه هذا التقدير تكون (أما) تفصيلية أو شرطية، فيجب أن نقول: أما أن كنت براً فاقترب، وكأن (أن) المصدرية لا تحذف، فلذلك عدلوا عن هذا، وإلا لو أمكن لكان هذا أسهل.

    وعلى كل حال إذا كان أحد ذهب إلى أنها شرطية، فهذا أحسن بلا شك، وأقرب من هذه العمليات الأربع.

    والمقابل: وأما أن لم تكن براً فلا تقترب، وتكون الفاء هنا واقعة في جواب الشرط.

    أما عند الذين يقولون: إنها معوضة عن كان، فيقولون: الفاء جاءت هنا؛ لأن العلة تشبه الشرط، فلما أشبهت العلة الشرط جاز أن يكون في جوابها الفاء، وهذه أيضاً علة تضعف التقدير الذي ذكروه.

    حذف نون مضارع كان في حالة الجزم

    قال المؤلف رحمه الله:

    [ ومن مضارع لكان منجزم تحذف نون وهو حذف ما التزم ]

    (من مضارع) جار ومجرور متعلق بقوله: (تحذف)، وقوله: (لكان)، (اللام) حرف جر، و(كان) اسم مجرور باللام لقصد لفظه، والمعنى: ومن مضارع لهذا اللفظ، وقوله: (منجزم) صفة للمضارع لكنه لم يحرك بالكسر من أجل استقامة البيت، وأصلها: ومن مضارع لكان منجزمٍ، ولما كان قوله: (تحذف نون) يحتمل الوجوب، استدرك فقال: (وهو حذف ما التزم)، (هو) مبتدأ، و(حذف) خبره، و(ما) نافية، و(التزم) فعل ماض لما لم يسمى فاعله، أي: هذا الحذف لم يلتزم لكنه موجود.

    وقوله: (من مضارع لكان) خرج به كان التي بلفظ الماضي، وخرج به كن التي بلفظ الأمر، وبقي المضارع الذي أشار إليه ابن مالك .

    واشترط ابن مالك رحمه الله: أن يكون مجزوماً، فلا تحذف نون المرفوع ولو بلفظ المضارع.

    ويشترط أيضاً: ألا يليه ساكن، فإن وليه ساكن لم يحذف، بل لا بد أن يليه متحرك، مثال ذلك: قوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]، قال زكريا: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم:4]، وقالت مريم : وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [مريم:20] فلما جاء القرآن بحذف النون وإبقائها علم أن حذفها ليس بواجب ولكنه جائز، وأنه لا يترجح الحذف على الإبقاء، ولا الإبقاء على الحذف.

    أما إذا لم تكن مجزومة فلا تحذف نونها، فلا يقال في قولك: يكون زيد قائماً، يك زيد قائماً.

    واشترطنا ألا يليها ساكن، فإن وليها ساكن لم تحذف، مثل قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [البينة:1] لو كان في غير القرآن وقال قائل: لم يك الذين كفروا، فإنه لا يجوز؛ لأنه يليها ساكن.

    وهذا الشرط فيه خلاف، فمنهم من أجازه وقال: يجوز أن تقول: لم يك الرجل قائماً.

    قوله: (منجزم) فلا يشترط أن يكون الجزم بلم، بل يكون بلم، وبلا، وبإن، فتقول مثلاً: إن يكن زيد قائماً حصل كذا وكذا، وتقول: إن يك زيد قائماً حصل كذا وكذا، فلا فرق بين لم وغيرها.

    كذلك أيضاً لا الناهية، لو قلت: لا تكن مهملاً، فيجوز: لا تك مهملاً، بحذف النون؛ لأنها مجزومة بلا.

    ولكن لو قال قائل: ما هي العلة في الحذف؟

    نقول: العلة في ذلك هو التخفيف.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016688828

    عدد مرات الحفظ

    723840580