إسلام ويب

شرح لمعة الاعتقاد [4]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أصول أهل السنة والجماعة: اتباع الكتاب والسنة وما أثر عن سلف الأمة، قولاً وعملاً واعتقاداً، وعدم مخالفة شيء من ذلك ببدعة أو محدثة في الدين، والتزام الوسطية وعدم التكلف والتنطع، مقتدين في ذلك بقول ابن مسعود رضي الله عنه: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم.

    1.   

    التسليم المطلق لا يكون إلا لله ورسوله

    قال الموفق رحمه الله: [وقد أُمرنا بالاقتفاء لآثارهم، والاهتداء بمنازلهم، وحُذرنا المحدثات، وأُخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)] .

    مقام السنة والاتباع يعتبر بأصلين:

    الأصل الأول: العلم.

    والأصل الثاني: التسليم.

    وهما المذكوران في قول الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] فالتسليم الذي لا يبنى على العلم فإنه غير مقصود في الشريعة، ولهذا كان التسليم المطلق للأعيان بدعة حدثت في الإسلام، وأول من أحدثها الشيعة ثم الصوفية، فصاروا يسلِّمون لأئمتهم تسليماً مطلقاً، حتى اعتقد بعض طوائفهم عصمة الأئمة.

    إن التسليم المطلق بلا علم لأعيان أهل العلم فضلاً عمن دونهم ليس مقصوداً في الشرع؛ بل لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى ، ولحكم نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يراجع في قوله، حتى يكون على وفق مقاصد الشريعة.

    فهنا قوله تعالى: حَتَّى يُحَكِّمُوكَ [النساء:65] فلا بد من مقام العلم ومقام التسليم، وهذان الأصلان هما مبنى السنة، فلابد أن يكون صاحب السنة والمقتدي بآثار السلف على علم وتسليم، ولا يمكن أن تقوم الحقائق في القلوب ويعظم شأنه سبحانه وتعالى إلا بالعلم الذي يصاحبه التسليم.

    وكذلك مقام العلم وحده الذي ينقطع عن التسليم، بل يقوم على الجدل ليس مقصوداً في الشريعة؛ ولهذا لم يعظم الله سبحانه وتعالى مقام الجدل ولا جعله منهجاً للمؤمنين، بل لم يذكر هذا المقام إلا في حق المجادلة للكفار، كقول الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ [النحل:125]أي: جادل الكفار، وقوله: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46]فمقام المناظرة والجدل لم يذكر في سياق المؤمنين، إنما ذكر في سياق قوم كفار.

    فلا بد من اعتبار هذين المقامين: مقام العلم وهو التحكيم، ومقام التسليم.

    1.   

    شرح بعض ألفاظ حديث العرباض بن سارية

    أما حديث العرباض بن سارية الذي أورده المصنف فهو ثابت صحيح أخرجه الإمام أحمد وغيره، وفيه قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) والخلفاء هم الأربعة الراشدون، وإن كان من بعدهم سموا في الإسلام: خلفاء، كخلفاء بني أمية، وخلفاء بني العباس... إلى غير ذلك، وهو مما يسوغ، لكن فرق بين تسمية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي خليفة، وبين تسمية من بعدهم، فهؤلاء الأربعة هم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته، ومعنى أن أبا بكر خليفة، أي: أنه خليفة عن رسول الله، وكذلك عمر من بعده وعثمان وعلي ، فكل واحد من هؤلاء عند خلافته هو خليفة عن رسول الله في الأمة.

    وأما من بعدهم فإذا سمي خليفة، فهو مستخلف على المسلمين كراع لهم، أو أمير، أو سلطان، فهذا هو الفرق بين الخلافتين، بين الخلافة النبوية، وهي التي لها سُنة، وبين ما جاء بعدها.

    وذهب بعض أهل العلم -كما في بعض كتب السير- وهو قول لبعض أهل العراق: أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله يعتبر خليفةً خامساً.. وهذا غلط، وقد أنكره جملة من الأئمة الكبار: كالإمام أحمد رحمه الله ، وغيره، وذلك من جهتين:

    الجهة الأولى: أن عمر بن عبد العزيز بويع الخلافة المقصودة بعد زمن بعيد، والإمام أحمد رحمه الله لما بلغه قول بعض أهل العراق: إن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، تعجب من ذلك! وقال: ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة

    ومقصوده رحمه الله: أن من جعل عمر بن عبد العزيز خليفةً خامساً فقد زاد عن الثلاثين؛ لأن الثلاثين سنة بقي منها أشهر بعد مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهذه الأشهر هي إمارة الحسن ، إن كان له إمارة، على خلاف بين أهل العلم.

    وعمر بن عبد العزيز صاحب سنة، وأمير عدل، وإمام في العلم والورع... إلخ، لكن لا يجوز أن يسمى خليفة خامساً، بل الخلفاء أربعة، وأما من بعدهم فهم سلاطين وملوك وأمراء.

    الجهة الثانية: أن معاوية بن أبي سفيان أفضل من عمر بن عبد العزيز بإجماع السلف؛ لأن معاوية صحابي؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هو أفضل ملوك الإسلام بالاتفاق".

    فـمعاوية ملك وهو أول ملوك الإسلام وأفضلهم، وإن كان يسمى: خليفة، وهو أفضل من عمر بن عبد العزيز بلا شك، مع أن شيخ الإسلام استدرك وقال: "وإن كان بعض مقامات العدل، استقرت في خلافة عمر بن عبد العزيز ، أكثر من استقرارها في خلافة معاوية ؛ لكن هذا أوجبه حال السلطان إذ ذاك"، بمعنى: أن معاوية أدرك فتناً وحروباً، فكان لزمنه اختصاص، بخلاف عمر بن عبد العزيز فإن الأمور كانت مستقرة له في الجملة.

    ولكن الاعتبار بكليات الأمور واجتماعها وليس بجزء من آحادها.

    حكم زيادة: (وكل ضلالة في النار)

    ورد في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن كل محدثة بدعة)أي: كل إحداث في الدين فإنه بدعة، سواء كانت بدعةً قولية، أو بدعةً عقدية، أو بدعة فعلية.

    وفي بعض أوجه الحديث الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبته به، وهو في الصحيح عن جابر بن عبد الله قوله صلى الله عليه وسلم: (أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).

    وفي السنن وغيرها زيادة: (وكل ضلالة في النار)وهذه الزيادة من جهة الإسناد فيها تردد، والإمام ابن تيمية يقول: "إنها شاذة". ويرى أن شذوذها من جهة متنها، قال: لأن الضلالة لا يلزم أن تكون في النار؛ فإن الإنسان قد يضل ويكون ضلاله مغفوراً له، بدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام -كما في حديث عمرو بن العاص في الصحيحين: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر).

    فزيادة: (وكل ضلالة في النار)هذا عموم، والحق أن الضلالة قد يكون صاحبها في النار؛ لكونه متعدياً بعدما تبين له الهدى، وقد لا يكون في النار، لكونه في محل اجتهاد، فيكون خطؤه مغفوراً واجتهاده مأجوراً.

    1.   

    تحقيق مذهب السلف

    قال الموفق رحمه الله:[وقال عبد الله بن مسعود : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم] .

    مقتضى الاتباع: هو الأخذ بآثار السلف، فيجب على كل مسلم أن يتبع سلف هذه الأمة، وإذا ذكر السلف فيراد بهم أهل القرون الثلاثة الفاضلة، الذين ذكر فضلهم النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمران بن حصين في الصحيحين وغيره.

    وعليه: فصدر السلف وأفضلهم وأجلهم هم المهاجرون والأنصار، وهم الذين قال الله فيهم: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]فكونه سبحانه وتعالى رضي عنهم ورضوا عنه، دل على أن اتباعهم يكون واجباً، وأن السنة بعد رسول الله في أقوالهم، ولا يمكن أن غيرهم يختص بسنة لا توجد عندهم، فدل ذلك على أن هؤلاء هم أصحاب الهدي والسنة والاقتداء.

    أما من جاء بعد القرون الثلاثة الفاضلة فإذا سمي (سلفياً) فباعتبار اقتدائه بهم، فإن كلمة (السلف) تعني: القوم السالفون المتقدمون، وهم القرون الثلاثة الفاضلة.

    مسألة: متى يصح أن يقال عن قول أو فعل ما: إن هذا القول أو الفعل مذهب للسلف؟

    الجواب: لقد نبه ابن تيمية على كثرة الغلط في هذه المسألة، وقال: "إنها مسألة عظيمة غلط فيها جملة من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم".

    يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: "وهنا ثلاث طرق: طريقان معروفان للمحققين من أصحاب السنة، وطريق ثالث ذكره بعض الفقهاء، وأصله عن جملة من المتكلمين المنتسبين للسنة والجماعة. وهو عند التحقيق -يعني: الثالث- من طرق أهل البدع، وليس من طرق أصحاب السنة والجماعة".

    أما الطريقان المحققان لمعرفة أن هذا القول مذهب للسلف هما:

    - الطريق الأول: "أن يستفيض هذا القول ذكراً عند الأئمة ولا يذكر غيره". أي: أنك إذا نظرت أقوال الأئمة السالفين كالتابعين ومن بعدهم كالأئمة الأربعة وأمثالهم وجدت أن قولاً من الأقوال قد استفاض عندهم، ورأوا أنه هو السنة اللازمة، ولم يعرف عنهم خلافه، فإذا وجد مثل هذا واستفاض فإنه يكون مذهباً للسلف، وإذا كان مذهباً للسلف فالنتيجة أنه يجب اتباعه ولا يجوز مخالفته، ومخالفته بدعة وضلالة، كاستفاضة قولهم: إن القرآن ليس مخلوقاً، وأنه كلام الله، منزل من عنده.. وكاستفاضة قولهم: إن أفعال العباد مخلوقة لله.. فهذه جمل مستفيضة عن السلف والأئمة من أهل الحجاز والشام والعراق وغير ذلك".

    - الطريق الثاني: "أن يحكي من عرف بقدر من التحقيق من أهل العلم أن هذا إجماع للسلف، كالإجماع الذي يذكره محمد بن نصر ، وأبو عمر بن عبد البر وأمثال هؤلاء، فهؤلاء -أي: من عرف من أصحاب الأئمة بالتحقيق والانضباط في السنة- إذا حكوا إجماعات في مسائل وقالوا: إن هذا إجماع للسلف؛ فإن هذا الإجماع إذا لم يكدر عليه شيء فإنه يكون طريقاً لمعرفة مذهب السلف".

    وأنت إذا تأملت الطريقين وجدت أنهما يرجعان في الجملة إلى الإجماع، فإن الإجماع إما أن يكون بتصريح عالم كـمحمد بن نصر أو كـأبي عمر بن عبد البر أو أمثال هؤلاء، أو باستفاضة كلام من هو أجل من هؤلاء ممن تقدم بلا مخالف أو معارض منهم.

    فإذا نص عالم من الأئمة والأكابر المعروفين بالسنة على أن هذا إجماع، ولم يكدر عليه شيء، فهذا مذهب للسلف، أو تواتر هذا القول نقلاً عنهم واستفاض.

    فتحصل من هذا أن المعرفة بمذهب السلف ترجع إلى طريق واحد هو انضباط الإجماع، إما تواتراً معنوياً واستفاضةً للكلمة، أو تصريحاً من بعض الأعيان المعتبرين بأن هذا إجماع، ولو لم تستفض الكلمة بينهم.

    -الطريق الثالث: وهو المزلة، وللأسف فإن بعض المعاصرين من طلبة العلم وغيرهم قد يقعون في شيء منه، وهو طريق الغلط.

    يقول شيخ الإسلام : "إن هذا الطريق قد استعمله جملة من الفقهاء المنتسبين للسنة، المعظمين لطريق السلف وهو الفهم لكلام السلف، فإذا فهموا عن السلف كلاماً جعلوه مذهباً للسلف"، إذا فهموا جملة أو أعيان من السلف كلاماً جعلوه مذهباً للسلف.

    قال: "وهذا له اطراد في كلام كثير من الفقهاء، فمن فقه من كتاب الله معنىً في أبوب أصول الدين، وتبين له أن هذا ظاهر من كلام الله جعل هذا مذهباً للسلف؛ لأن السلف عنده لا يخرجون عن ظاهر القرآن".

    أي أنهم يقولون: عمن يقول عن قول من الأقوال: إنه مذهب للسلف مع أنه ليس فيه إجماع ولا استفاضة عن السلف، إنما فهم فهماً من قبل هذا الناظر، فهذا الفهم لما بان له باجتهاده أنه فهم منضبط، وأنه على وفق ظاهر النصوص، وأن النصوص تؤيده قال: إن هذا مذهب للسلف؛ لأن السلف لا يخرجون عن النصوص، فهو تحصيل لمذهب السلف بطريق الفهم وليس بطريق النقل، ومن هنا حملوا السلف ما لا يحتملوه.

    وهنا تقول: إن الطرق التي استعملت تنقسم إلى طريقين:

    الطريق الأول: تحصيل مذهب السلف نقلاً، وهذا صواب.

    الطريق الثاني: تحصيل مذهب السلف فهماً؛ لأن من قال عن قول ما: إنه مذهب للسلف؛ فمعناه أن اتباعه يكون واجباً، وأن غيره يكون بدعةً، وأن الاجتهاد ولو كان من عالم كبير وهو مخالف لمذهب السلف فإنه لا يكون سائغاً، بل اجتهاده مخالف للحق ابتداءً.. فهذا هو وجه التشديد في هذه الجملة.

    ومن ذلك مثلاً: لا يصح لقائل أن يقول: إن من السنة السلفية إسبال اليدين بعد الرفع من الركوع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع.. وهذه مسألة خلافية، وكون العالم أو المجتهد أو الناظر أو حتى طالب العلم يذهب إلى أن هذا هو القول الراجح، وأنه ظاهر النصوص عنده.. هذا لا بأس به، لكن أن يجعله سنةً لازمة فلا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أيضاً أنه أسبل يديه بعد الركوع.

    والفقهاء الكبار: كـأحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة وأمثالهم، قالوا بأفهامهم في أقوال كثيرة، ومعهم ظواهر من النصوص قد تصل أحياناً إلى حد التصريح، ومع ذلك لم يعتبروا قولهم سنةً لازمة، بل اعتبروه قولاً، من ظهر له أن هذا القول موافق للقرآن وجب اتباعه، ومن لم يظهر له ذلك فلا يلزم اتباعه، ولا سيما أن مقام الظهور للحق في النصوص المحتملة مقام قد يتأخر ويختلف بحسب المجتهدين.

    فالمحصل: أن مذهب السلف الذي ينسب إليهم ليس هو الآحاد الفقهية، فالآحاد الفقهية: هي محل خلاف في الجملة بين السلف، إنما مذهب السلف الذي يجب اتباعه هو ما انضبط بالإجماع أو استفاض نقله عنهم سواء كان في المسائل العلمية أو العملية، وأما إذا لم ينضبط انضباطاً بيناً فلا يجوز نسبته إلى السلف كمذهب، وإنما يذكر على أنه قول لطائفة من السلف، أو أنه محل نزاع بينهم، أو ما إلى ذلك.

    حكم الانتساب للمذاهب الأربعة

    بعض طلبة العلم من السلفيين توسعوا في تقرير مذهب السلف حتى قال بعضهم: إن الانتساب إلى المذاهب الأربعة يعد بدعة مخالفة لمذهب السلف، وهذا لا شك أن فيه تكلفاً؛ لأن هذه المذاهب نشأت من قرون متقدمة؛ ونستطيع أن نقول: إنه إلى عصرنا هذا، وقد مضى عشرة قرون في الأمة، وسائر العلماء من المحققين المعروفين من أهل السنة والجماعة، يقرون الانتساب إلى هذه المذاهب.

    وأما التعصب للأئمة كـأحمد أو الشافعي أو مالك أو أبي حنيفة ، أو الادعاء بأن مذهبه هو الراجح على مذهب غيره، أو أن الواحد يترك الدليل لقول عالم من العلماء، سواء كان من الأئمة الأربعة أو غيرهم، فلا شك أن هذه الأوجه وأمثالها منكرة، لكن فرق بين هذا المقام وبين مقام الانتساب، فالانتساب مقام تراتيب علمية لا إشكال فيه، وما زال الأئمة حتى المعروفين بالتحقيق في السنة كـابن تيمية وغيره يقرون هذا الانتساب، ولم يظهر إنكاره إلا بعد القرن العاشر، ففيه بدء التصريح بإنكار هذا التمذهب، ولربما مال المنكرون إلى نفس القضية، أي: رجعوا إلى قدر من التمذهب بوجه آخر، فتركوا الانتساب لـأحمد وانتسبوا للشوكاني ، أو تركوا الانتساب لـأحمد وانتسبوا لـابن حزم ، أو ما إلى ذلك.

    فمسألة الانتساب للشيوخ الأعيان درج عليها المتقدمون، حتى الأئمة الأربعة قيل: إنهم كانوا ينتسبون لبعض شيوخهم ويقتدون ببعض أقوالهم، كما أن الكوفيين امتداد لفقه عبد الله بن مسعود وأصحابه.

    فهي مسألة تراتيب علمية، لا يعاب الناس بها، ولا يقال: من انتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة ففي سلفيته نقص، أو أنه ليس سلفياً، أو من شرط السلفي: ألا ينتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة.. هذا تكلف، وإن اجتهد به بعض أهل العلم: كالشيخ الإمام العالم الألباني رحمه الله.. فهذا اجتهاد للشيخ، يقدر عليه لكنه ليس بلازم، بل السلفية هي أن تقتدي بإجماعات السلف، وأما إذا انتسب منتسب لفقيه من الفقهاء الأربعة فهذا الانتساب لا بأس به بشروط أهمها: أن لا يتعصب له، وأن لا يترك الحق لقوله، وغيرها من الأمور المعلومة ضرورةً في دين الإسلام.

    التزام وسطية السلف وترك التكلف والتشقيق

    قال الموفق رحمه الله: [وقال عمر بن عبد العزيز كلاماً معناه: قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم مُحَسِّر، وما دونهم مقصِّر، لقد قصَّر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم] .

    الهدى المستقيم هو في وسطية الصحابة رضي الله عنهم ، وقد قال الإمام ابن تيمية في الوصية الجامعة التي كتبها لأصحاب عدي بن مسافر الأموي، يقول فيها: "أنه ما من أمْرٍ أَمَر الله ورسوله به، إلا وصار فيه طرفان ووسط، فالوسط: هم أصحاب السنة والاقتداء، وأما الطرفان فهم: قوم إما أنهم أصحاب إفراط أو أصحاب تفريط، وعليه: فمقام التشقيق ليس من سنن السلف"، أي: مقام التكلف في تشقيق المسائل، والإلزام بما لم يكن إلزاماً عند السالفين، والتضييق لمسائل الخلاف التي كانت شائعةً زمن الأئمة كالصحابة والتابعين وأمثالهم.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطائفة المنصورة الناجية، كما في الحديث المتواتر عنه عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين...) وهم: أهل السنة والجماعة.

    ولو قال قائل: إن هذه الطائفة تطبق سنة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لكان مصيباً.

    ولو قال آخر: هذه الطائفة تطبق الإسلام؛ لكان مصيباً أيضاً.

    إذاً: هذه الطائفة ليس فيها زيادة إلا أنها تحافظ على الإسلام كما جاء.

    ومن هنا: فمن أخص أسماء هذه الطائفة أنهم أهل السنة، وقبل كونهم أهل السنة هم أهل الإسلام، ولهذا فإن أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسموا بالمسلمين، كقول الله عز وجل حاكياً عن إبراهيم قوله: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة:128]فالأصل أن الإسلام هو الجامع لهذه الطائفة، وفي الحديث المروي عن أبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو ، وأنس ، وهو حديث الافتراق المشهور، وإن كان فيه كلام، لكن الكثير من الحفاظ يقوونه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)لم يكن بالضرورة مقصوداً أن الفرقة الناجية يجب أن تضيق، فالطائفة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، وهم أهل السنة والجماعة، لا ينبغي أن يُقصد إلى تضييقهم، أو أن تضاف قيود كثيرة، وشروط جديدة، لإخراج أكبر عدد من المسلمين من هذه الدائرة، فالسلفي هو: من اقتدى بالسنة النبوية بوجهها العام، واقتدى بإجماعات السلف، واختار ما بان له أقرب إلى الحق في خلاف السلف، فإن السلف كما أنهم مجمعون على مسائل، فإنهم مختلفون في مسائل.

    إذاً لا ينبغي أن تضاف قيود على تعريف السلفية، بل تبقى كما بقيت زمن الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم، ولا يسمى القول سنةً لازمةً إلا إذا انضبط في كونه إجماعاً.

    الاعتبار بأقوال المتقدمين

    قال الموفق رحمه الله:[وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي : عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول] .

    من فقه طالب العلم أن يسلك في كل مسألة أقوال المتقدمين، ولا يغتر بالآراء المحدثة، ولا يأتي بقول لم يسبق إليه، وليكن دائراً بين التزام إجماعات المتقدمين، والترجيح في خلافاتهم، فمسائل الأصول أو المسائل العقدية هي الجملة الإجماعات المعروفة مذهباً للسلف، أما المسائل الخلافية، فهي غالباً ما تكون في مسائل الفقه.

    1.   

    تقسيم الأقوال الفقهية من حيث بحث الخلاف

    الأقوال الفقهية يمكن أن تقسم إلى خمسة أقسام، وهذا التقسيم إذا استوعبه طالب العلم تخلص من كثير من التعب وكثرة البحث والنظر في المسائل الفقهية:

    مسائل حكي الإجماع فيها ولم يظهر فيها مخالف

    القسم الأول: مسائل فقهية في: الصلاة، والزكاة، والعبادات، والمعاملات، حُكي الإجماع عليها عند الفقهاء، ولم يظهر فيها مخالف، فهذه المسائل لا ينبغي كثرة البحث فيها ولا التردد عليها؛ لكونها مسائل قد انضبطت وظهرت.

    مسائل حكي الإجماع فيها وعند التحقيق يوجد فيها خلاف يقارب الشذوذ

    القسم الثاني: مسائل حكي الإجماع أو الاتفاق عليها، ولكن عند التحقيق نجد فيها طرفاً ووجهاً من الخلاف يقارب الشذوذ أحياناً، فهذا النوع من المسائل لا ينبغي لطالب العلم أن يذهب وقته في تكلف ضبط هذا الخلاف أو البحث عن أصله ودليله. والرد عليه، بل يعتبر قول السواد من أهل العلم من الفقهاء، والقول الشاذ يترك؛ لكونه خالف السواد من أهل العلم، حتى حكي الإجماع على خلافه.

    مسائل ذهب فيها جمهور السلف إلى قول وخالفهم فيها طائفة من السلف

    القسم الثالث: مسائل ذهب إليها الجمهور من السلف، وذهب طائفة قليلة من السلف إلى خلاف هذا القول، وتكون المسألة عند التحقيق خلافية بين السلف أنفسهم، لكن جمهورهم على قول، والطائفة الثانية -وهم الأقل- على قول آخر.

    فهذه المسائل لا يجب على طالب العلم أن يتبع قول الجمهور فيها، ولكن لا يعني هذا أن قول الجمهور يكون كقول غيرهم، وعلى هذا كثير من الأئمة: كـابن تيمية ، وأبي عمر بن عبد البر ، والشاطبي ، وابن كثير ، والذهبي ، وغيرهم ممن علق مثل هذا الكلام، وأشد من هؤلاء كلهم ابن رجب رحمه الله.

    ومحصل كلامهم: أن الجمهور من أئمة السلف -أي: من أئمة الفقهاء المتقدمين- إذا ذهبوا إلى قول، وقد اتفق عصرهم واختلف مصرهم ففي الجملة -أي: في الغالب- أن هذا القول هو الصواب، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله".

    فمثلاً: هناك أربعة أئمة يعدون أئمة الدنيا في زمانهم كما يقول ذلك ابن تيمية رحمه الله ، وهم: الليث بن سعد في مصر، والأوزاعي في الشام، وسفيان الثوري في العراق وبلاد الري وما فوق العراق كبلاد فارس، والإمام مالك في الحجاز.

    فإذا اتفق هؤلاء الأربعة على قول، وسار عليه السواد الأعظم من بعدهم، ففي الغالب أن هذا القول يكون هو الصواب.

    وعلل شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك بتعليل نظري وهو شرعي أيضاً، قال: "لأنه يبعد أن الحكم الشرعي يخفى على جمهور السلف، ولا سيما إذا تعددت أمصارهم" ففرق بين أن يتوارد علماء العراق على قول، وبين أن يكون هذا التوارد مشتركاً بين العراقيين والحجازيين..؛ لأنه في الحالة الأولى: قد يقال: إن هذا مبني على سنة لم تبلغ أهل العراق، أو على سنة لم تبلغ أهل الحجاز أو مصر أو ما إلى ذلك، فأما إذا رأيت جمهور أئمة مصر والشام والحجاز والعراق ذهبوا إلى قول واستقروا عليه، فهذا القول -في الجملة- يكون هو الراجح.

    ويمكن أن يقال: إن هذا من طرق الترجيح لطالب العلم، ولا سيما في ابتداء طلبه للعلم، في الزمن الذي لا يستطيع النظر بدقة في الأدلة، ولو نظر في الأدلة لربما اغتر ببعض الظواهر.

    مثلاً: لو قلت لطالب علم مبتدئ: ذهب قوم إلى أن غسل الجمعة واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) أخرجه البخاري ومسلم ، والقول الثاني: أن الغسل مستحب؛ لربما رجح القول الأول؛ لكونه يرى أن هذا هو ظاهر النص.

    إذاً.. طالب العلم ينبغي أن يكون عنده إدراك، ولا يقال: إن قول الجمهور ملزم، بل يقال: إنه يستأنس به في الجملة، ويكون مائلاً إلى الصحة، وهذا يعني أن طالب العلم لا يتجاوز قول الجماهير من السلف إذا انضبط إلا إذا بان له وجه من كتاب الله وسنة نبيه خلافه فلا شك أن النصوص مقدمة على أقوال الرجال ولو كانوا جمعاً غفيراً.

    والمراد بالجمهور: أي جمهور السلف، وأما جمهور الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة كجمهور الحنفية، أو جمهور الشافعية، أو جمهور المالكية، أو جمهور الحنابلة، فهؤلاء ليسوا بالضرورة يمثلون الجمهور من السلف، بل قد تكون هناك أقوال شاعت عند الفقهاء المتأخرين، وهي عند المتقدمين على خلاف ما شاعت عند المتأخرين، وهذا وإن كان قليلاً إلا أن له وجوداً.

    مسائل اختلف فيها أئمة الفقهاء

    القسم الرابع: مسائل اختلف فيها أئمة الفقهاء -من أصحاب المذاهب الأربعة ومن قبلهم- ومن صاحبهم، فإذا اختلفوا في مسألة اختلافاً بيناً، أو اختلف من هو أجل من هؤلاء كلهم، وهم الصحابة، فهذه المسائل التي اختلف فيها الأكابر -مع اتفاق العصر واختلاف المصر- اختلافاً بيناً وترددوا فيها، حتى أن الإمام الواحد قد يُحكى عنه أكثر من قول في المسألة، فهذه المسائل ينبغي لطالب العلم أنه إذا رجح فيها أن لا يخفض ويرفع، إنما يرجح بقدر من حسن التأني والاختصار.

    فمثلاً: الماء إذا كان دون القلتين وخالطته نجاسة ولم يظهر تغيره، هل يكون نجساً أو طاهراً؟

    هذه مسألة اختلف فيها كبار الأئمة، حتى أن مالكاً تردد فيها، كذا أحمد ، ونقل عن الشافعي التردد، فهذه مسألة اختلف العلماء فيها نظرياً اختلافاً بيناً.

    فمثل هذه المسائل يرجح طالب العلم بحسب ما يظهر له من الأدلة، لكن لا ينبغي أن يبالغ ويغلط ويستطرد في تغليط أقوال السلف الأخرى والرد عليها.

    ومن باب الأولى أن طالب العلم إذا خرج عن قول الجمهور، لظاهر دليل وجب عليه التزامه، فيكون خروجه مأذوناً فيه، ولكن لا يصح له أن يطعن في قول الجمهور.

    وتعجب عندما تسمع بعض طلبة العلم يقرر ويقول: القول الأول قول الأئمة الأربعة وفلان، والقول الثاني قول ابن حزم ، والراجح قول ابن حزم ، وأما القول الأول فلا دليل عليه!

    ولو أخذنا المسألة بالعقل: هل يمكن أن السواد الأعظم من السلف والجمهور -بما فيهم الأئمة الأربعة- يذهبون إلى قول وليس عليه دليل؟!

    وهذا الأسلوب لا تجد أنه مستعمل في كلام العلماء أبداً أن قولاً من الأقوال التي عليها الجمهور من الأئمة، ثم يقال: هذا قول لا دليل عليه.

    ومسألة ظهور الأدلة الفقهية، أحياناً تكون مشكلة، فهي ليست كالسيرة، فمثلاً: الحائض إذا طهرت وقت العصر، هل تصلي الظهر؟ هذه مسألة خلافية، وقد سئل الإمام أحمد عنها، فقال: "تصلي الظهر والعصر". مع أنها لم تطهر إلا وقت العصر ولما سئل عنها أحمد قيل له: يا أبا عبد الله ! من قال ذلك؟ قال: "عامة التابعين على هذا القول إلا الحسن ".

    هنا السؤال: كيف أطبق عامة التابعين على هذا القول؟

    أنت كطالب علم أو كباحث معاصر قد لا تجد نصاً مباشراً على هذا القول، ومن هنا لا يجوز لك أن تقول: هذا القول لا دليل عليه؛ لأنه يورد عليك سؤال: هذا السواد من الأئمة الذين هم أعظم منا إمامة وعلماً من أين تواردوا على هذا؟

    وكونك تقول: إن لهم دليلاً لكنه مرجوح.. لا بأس، لكن أن تقول: هذا قول لا دليل عليه.. هذه جملة منكرة، لا يجوز أن توصف بها أقوال الجماهير من الأئمة.

    ثم إن الأئمة أيضاً أخذوا فقه الشريعة استقراءً، فمثلاً: ابن عباس روى عنه مسلم في صحيحه، من رواية طاوس -وهو من أصحاب ابن عباس - عن ابن عباس أنه قال: "كان طلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر طلقة واحدة، فقال عمر : إن الناس استعجلوا في أمر لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم" من باب التعزير.

    والسؤال هو: هل هناك نص من القرآن أو السنة يقول: إن طلاق الثلاث بلفظ واحد يكون ثلاثاً؟

    الجواب: ليس هناك نص صريح.

    قد يعجب طالب العلم اليوم من هذا! ولا عجب من ذلك إذا علم أن مسألة ظهور الأدلة الفقهية، ليست دائماً مسألة سهلة، كما عُوِّد عليها كثير من طلاب العلم اليوم، فقد يفهم الدليل بالاستقراء والاستنباط ونحو ذلك، مما كان يتميز به سلف الأمة.

    ولسنا بصدد الترجيح؛ إنما نريد أن نبين طريقة فقه السالفين.

    فذهب الجمهور بما فيهم الأئمة الأربعة، إلى أن طلاق الثلاث يعتبر ثلاثاً، وابن عباس يقول: [كان طلاق الثلاث على عهد رسول الله، وأبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر طلقة واحدة...] حتى إن ابن رجب رحمه الله لشدة قوته في هذه المسألة يقول: "اعلم أنه لم يصح عن أحد من الصحابة أو التابعين أو الأئمة المتبوعين أنه جعل طلاق الثلاث واحدة". فكأنه يميل إلى أن هذا القول مقارب للإجماع، وهو يقصد بذلك الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية الذي انتصر لكون طلاق الثلاث واحدة.

    ومن الخطأ القول: إن الأئمة تركوا قول ابن عباس وأخذوا بتعزير عمر ؛ لأنه سيقال: كيف يأخذون بتعزير عمر ويتركون فعل عمر الأول! ومن باب أولى: كيف يتركون فعل أبي بكر ؟ ومن باب أولى كيف يتركون سنة النبي صلى الله عليه وسلم ؟!

    العجب في هذا: أن الأئمة تركوا رواية ابن عباس مع أنها في صحيح مسلم .

    إذاً: لا شك أنهم فهموا ما لم نفهم نحن لبعد عهدنا وزمننا.

    مثال آخر: روى أبو داود وغيره عن ابن عباس في الحج أنه قال: "من ترك نسكاً فليهرق دماً" هل قال ابن عباس : هذه سنة رسول الله أو أبي بكر ؟ لا، ومع ذلك تجد أن السواد من الأئمة -بما فيهم الأئمة الأربعة- أطبقوا على أن من ترك واجباً في الحج فعليه دم، حتى حكي الإجماع على هذا القول، ومستندهم: قول ابن عباس .

    إذاً: ينبغي لطالب العلم أن يكون متفطناً لمسألة الدلائل، فلا يأتي لمسألة الطلاق مثلاً ويقول: قول الجمهور لا دليل عليه، ومخالف لما روى مسلم في الصحيح، وأيضاً قول ابن عباس في الحج، اجتهاد من الصحابي، والأصل براءة الذمة، وأن من ترك واجباً في الحج فليس عليه شيء..

    فهذا اختصار مخل للفقه وليس ضرورة أن نقول: إن الراجح أن طلاق الثلاث ثلاث، أو إن الراجح أن من ترك واجباً فعليه دم، يمكن أن تقول: إن من ترك واجب لا يلزمه دم، لكن بقدر من حسن التأتي، وعدم اختصار المسائل وإسقاط فقه المتقدمين رحمهم الله.

    مسائل لم يشتهر الخلاف فيها عند الأئمة أصلاً

    القسم الخامس: خلاف لم يشتهر عند الأئمة أصلاً، إنما حكي أوجه في المذاهب الأربعة، فإذا قرأت في كتب الفقه تجد عبارة: وهذا وجه في مذهب الشافعي ، وهذا وجه في مذهب أحمد ، ونحو ذلك.

    ومعنى ذلك أنه قول لطائفة من أصحاب الأئمة، وأوجه الأصحاب، وهذه أكثرها محتمل، كما يقول مثلاً صاحب الإنصاف من الحنابلة: "ويحتمل كذا". أي: أن هذه مسألة لم ينص عليها الأصحاب قبل، فإذا وردت احتمل أن يقال فيها كذا.

    وأوجه الأصحاب أو التشقيقات الفقهية المتأخرة، لا ينبغي لطالب العلم أن يكثر التردد عليها، بل ينبغي له أن يعنى بحفظ مسائل الإجماع، ومسائل الخلاف المحفوظة بين الأئمة، وأما مسائل التشقيق المتأخرة فإن الأصحاب قد زادوا فيها في الجملة، وغرضهم في ذلك ضبط المذهب، أو الانتصار لها، وفي الغالب أنها ليست منضبطة كمذاهب للأئمة الأربعة.

    مثلاً: الحنابلة طبقات، لكنَّ المتأخرين منهم، معتبر المذهب عندهم ما قرره صاحب الإقناع والمنتهى، وصاحب الإقناع والمنتهى قيد المذهب الحنبلي بقيود كثيرة، حتى إن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يقول: أكثر ما في الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه.

    فمسألة قيود الأصحاب ينبغي ألا تستهلك وقت طالب العلم، إنما يعنى بأقوال الأئمة المنضبطة، وبالخلاف المنضبط؛ لأن أوجه الأصحاب لا تناهي لها، فلو قرأت في التفريعات، كالإنصاف عند الحنابلة مثلاً، أو كتاب روضة الطالبين في فقه الشافعية، تجد أوجه الأصحاب لا تتناحى، وفي الغالب أنها تتعاكس، هذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، هل معنى هذا أنها تسقط؟ لا، لكن نقول: هذه مرحلة متأخرة لطالب العلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015478321

    عدد مرات الحفظ

    723650575