إسلام ويب

الأدب مع أهل العلم والإسلامللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لاشك أن الأدب من أهم الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيلها ومعرفتها، وعليه أن يجاهد نفسه على التخلق والتأدب به. وأولى وأحق من يتأدب معه الله جل شأنه، أما أجل آداب طالب العلم في نفسه فهو التعبد لله بطلب العلم، ولزوم جادة السلف.

    1.   

    مفهوم الأدب وأقسام أهله

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    هذا المجلس أيها الإخوة معقود لمدارسة بعض الآداب التي ينبغي لطالب العلم أن يستصحبها أثناء طلبه للعلم، وأثناء عمله بهذا العلم.

    فالأدب عنوان فلاح الإنسان كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى، وانتفاع الإنسان بعلمه بقدر أدبه، فكان الأدب من أهم الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيلها ومعرفتها، ويجاهد نفسه على التخلق والتأدب بها، وقد كتب في آداب طالب العلم كثير من أهل العلم، سواء المتقدمون أو المتأخرون، ومنه المستقل في مصنفات خاصة، ومنه المدرج مع غيره من المصنفات.

    وكان البرنامج لهذه الدورة قد قرر أن يكون الكتاب الذي يدرس هو كتاب الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام للشيخ محمد المقدم حفظه الله تعالى وعافاه، وهو سفر عظيم جمع فيه جملة من أخلاق وآداب طالب العلم، وحشاه بأخبار كثيرة عن السلف وعن أهل العلم، فكان سفراً يستحق أن يقرأ، ويستحق أن يقتنيه طالب العلم، ويديم المطالعة فيه، فأجزل الله عز وجل له المثوبة، وأحسن له الثناء، لكن الكتاب طويل، فلا يمكن قراءته خلال اثني عشر مجلساً، لذا رأينا أن نقتصر على بعض المواطن منه مع ضمه إلى ما قرره أهل العلم في هذه المسائل:

    أول هذه المجالس نفتتحها ببيان معنى الأدب ومنزلة الأدب، ومع من نتأدب.

    فالعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين، عقد فصلاً خاصاً به، ومنزلة خاصة من منازل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] في الطريق التي يسلكها العابد إلى الله تعالى، طريق إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    فهذا الطريق عبارة عن منازل ينزلها الإنسان منزلة بعد منزلة، من هذه المنازل منزلة الأدب.

    يقول رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن الأدب: بأنه اجتماع خصال الخير، وهي مأخوذة من المأدبة، وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس، ويدعون إليها.

    فإذا اجتمعت في الإنسان خصال خير قيل: هذا إنسان مؤدب، فليس الأدب كما شاع عند الناس أنه علم خاص بتهذيب اللسان والمنطق، بحيث تستقيم لغة اللسان، ويعرف الإنسان طرائق العرب في كلامها وحديثها، فإن هذا شعبة من شعب الأدب العام، فإصلاح اللسان، وإصلاح المنطق شعبة من شعب الأدب، ولكن شاع بعد ذلك في الناس إطلاق الأدب عليه، وإلا فالأدب اجتماع خصال الخير في هذا الإنسان.

    ويقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: قد أكثر الناس في الأدب، ونحن نقول: إنه معرفة النفس ورعوناتها، وتجنب تلك الرعونات. (ومعرفة رعونات النفس) أي: حماقات النفس وجهل النفس، فإن نفس الإنسان الأصل فيها أنها جاهلة، كما قال سبحانه وتعالى في آخر سورة الأحزاب: إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72].

    ويقول ابن القيم رحمه الله في تعريفه: الأدب استخراج ما في الطبيعة من الكمال، من القوة إلى الفعل.

    فالله عز وجل فطر هذا الإنسان على فطرة حسنة، كما قال جل شأنه: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، وكما قال عليه الصلاة والسلام: ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )، فالإنسان في أصل جبلته، وفي أصل خلقته كمالات مغروزة في نفسه، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء عرض عليه جبريل كأس اللبن وكأس الخمر، وكان هذا قبل أن يحرم الخمر، فاختار عليه الصلاة والسلام كأس اللبن، فقال له جبريل: ( هديت الفطرة )، أو ( اخترت الفطرة ).

    والفطرة الأصل فيها السلامة والصلاح، والأصل فيها الكمال. والانحراف والضلال والسوء أمر طارئ عليها، وليس هو الأصل فيها، فحين نتكلم عن علم الأدب نتكلم عن إخراج هذه المكنونات في النفس من الاتصاف بها بالقوة إلى أن يتصف بها الإنسان بالفعل، فصدق الحديث مثلاً مغروز في النفس حسنه، والأمانة مغروز في النفس حسنها، وصلة الرحم ومحبة الخير للناس مجبول الإنسان على ذلك، لكن قد تكون هذه الأمور عبارة عن أشياء خافتة خاملة في فطرته، فيحتاج إلى أن يجاهد نفسه ليخرجها من الاتصاف بها بالقوة إلى الاتصاف بها بالفعل.

    والمقصود بالقوة: أن يكون الإنسان صالحاً لأمر ما، لكنه لا يفعله، فمثلاً الإنسان المتكلم وقت السكوت يوصف بأنه إنسان متكلم، أي: متكلم بالقوة، ولو أراد أن يفعل لفعل، فإذا تكلم ونطق قيل فيه متكلم بالفعل، وهكذا خصال الخير موجودة في الإنسان بالقوة، لكنه محتاج إلى أن يجاهد نفسه ليخرجها بعد ذلك إلى جانب الفعل، فهذا هو الأدب كما عرفه ابن القيم رحمه الله تعالى.

    1.   

    منزلة الأدب وقدره

    إن الحديث عن الأخلاق أو الآداب لا يعني التحدث عن موضوع هامشي يعطى في حصة إضافية في آخر الدروس، أو نتحدث عن علم يمكن للإنسان أن يقرأه بمفرده، فلا يحتاج إلى أن يتدارسه مع إخوانه، هذه الحقيقة ينبغي أن تكون حاضرة في أذهان طلاب العلم.

    الدين كله أخلاق

    عندما نتكلم عن الأخلاق فإننا نتكلم عن الدين كله، والدين كله هو الأخلاق، ولذلك قال أهل العلم: الدين أخلاق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين.

    فتوحيد الله جل شأنه -وهو أشرف ما كلفنا به، ومن أجله أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، ونصبت القبلة، وانقسم الناس إلى أولياء لله وأعداء لله بسببه- هو عبارة عن إقرار هذا الإنسان بحق الله تعالى في الربوبية، وحقه سبحانه وتعالى في الألوهية، وحقه سبحانه وتعالى بالتفرد في الكمالات في أسمائه وصفاته. وإقرار الإنسان بهذا واعترافه بالحق، ووضعه للشيء المناسب في المكان المناسب هذا هو التوحيد، وهو خلق من الأخلاق (الوفاء)، ولذلك قال الله عز وجل: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:37]، فهذا هو خلق الوفاء، وفى لله عز وجل بحقه، وهذا هو التوحيد.

    الأدب سبب الفلاح

    والأدب هو سبب الفلاح.

    قال ابن القيم رحمه الله: أدب الإنسان عنوان فلاحه، فإذا أردت أن تعرف هل هذا الإنسان سيفلح أو لن يفلح فانظر إلى أدبه وسيرته، فإن وجدته إنساناً مؤدباً فاعلم أن هذا على سابلة الخير، على طريق الخير، لأن الأدب لا يجر صاحبه إلا إلى الخير، ولذلك جاء في الحديث الذي رواه مسلم ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء -يعني: يقول له لا تستح- فقال عليه الصلاة والسلام: دعه فإن الحياء خير كله )، وفي رواية: ( فإن الحياء كله خير )، فالأخلاق داعية للإنسان لأن يفعل ما يحسن، ويجتنب ما يقبح، وهذا بداية الطريق الصحيح.

    الأدب هو الدين

    إن الأخلاق هي الدين، قال ابن شهاب الزهري رحمه الله تعالى: إن هذا العلم أدب الله الذي أدب به نبيه صلى الله عليه وسلم، وأدّب النبي صلى الله عليه وسلم به أمته، فهذا هو الأدب باختصار، فالأدب هو العلم الذي أنزل من السماء وأوحي به إلى محمد عليه الصلاة والسلام، وهو أدب الله الذي أدّب به أنبياءه، ولذلك كانت عائشة حين تسأل عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام تقول: ( كان خلقه القرآن )، فالقرآن الذي نزل بما فيه من أحكام وشرائع وأخلاق وآداب هو الأدب الذي أدّب الله عز وجل به النبي عليه الصلاة والسلام، وشهد له بعد ذلك بأنه على خلق عظيم، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    والنبي عليه الصلاة والسلام أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وأدّب أصحابه على هذا الأدب، وعلى هذا العلم، كما قال جل شأنه: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ [آل عمران:164]، فتحصل لهم التزكية والتطهير من القبائح، والزيادة من الصالحات بسبب تلاوة الآيات عليهم، يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164].

    فهذه هي مهمة الرسول عليه الصلاة والسلام، فتزكية الإنسان تكون بعمل الصالحات، واجتناب القبائح، والزيادة من الفضائل، والتخلص والتبرؤ من النقائص، وبقدر حظ الإنسان من هذا يكون حظه في الفلاح، قال الله جل شأنه في أطول قسم في القرآن، فقد أقسم الله عز وجل فيه بثمانية من مخلوقاته، قال جل شأنه: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [:الشمس1-8]، ثم قال جل شأنه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [ الشمس:9-10] أفلح من زكى نفسه، وهذا هو المقصود بالأدب، فالتزكية هي: التحلي بفضائل الأعمال والأقوال، والتخلص من مساوئ الأقوال والأعمال، وهذه هي مهمة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    فأول ما ينبغي أن يعتني به طالب العلم تحصيل حظه من الأدب، وأن يحرص كل الحرص أن يكون ذا حظ وفير من الأدب، ولذلك كان السلف يعتنون بالأدب أكثر من اعتنائهم بحفظ العلوم، يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منّا إلى كثير من العلم.

    ومع الأدب يضع الله عز وجل البركة في العلم، فيكون القليل منه نافعاً، لأن الإنسان ينتفع به، ويتخلق به، ويؤدي به مراد الله جل شأنه من العمل بشرعه، فالقليل مع الأدب نافع وفيه بركة، والكثير مع قلة الأدب، ومع عدم الالتزام بحدود الشرع ورسم الشريعة يكون وبالا ًعلى صاحبه، ونقمة عليه، لذا فإن أول من تسعر بهم النار منهم عالم، فالعلم ليس بنفسه ممدوحاً، ولذلك قال غير واحد من أهل العلم كـالنووي وغيره: الثناء الوارد في النصوص الشرعية على العلماء: إنما يتناول من طلب ذلك ابتغاء وجه الله.

    إذاً: ليس مجرد حفظ المعلومات هو الأساس، وإن كان الحفظ مطلوباً، لكن الأهم من هذا كله أن يتخلق الإنسان بهذا العلم، ويحوله إلى حياة عملية يعيشها.

    1.   

    بعض مظاهر اعتناء السلف بالأدب

    ذكر الشيخ محمد في هذا الكتاب العظيم بعض مظاهر اعتناء السلف بالأدب، ومنها:

    الحث على الاستكثار من الأدب

    المظهر الأول: حثهم على الاستكثار من الأدب، فكانوا يحثون الطالب على أن يستكثر من الأدب ما استطاع، ومن ذلك قول رويم بن أحمد البغدادي لابنه: يا بني! اجعل عملك ملحاً، وأدبك دقيقاً. فهذا يوصي ولده فيقول له: اجعل عملك ملحاً وأدبك دقيقاً، وكم نسبة الملح للدقيق إنها نسبة ضئيلة جداً، وكأنه يقول: إذا استكثرت فينبغي أن تستكثر من الأدب ما استطعت، واجعل الأدب هو الغالب. وسيأتينا أن الأدب في الحقيقة هو التزام ما شرعه الله جل شأنه، وهناك أدب واجب، وأدب مستحب، فالسلف كانوا يحثون المتعلم ويحثون الأبناء والبنات على الاستكثار من الأدب ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلاً.

    وقال الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله: والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدباً، وأشد الخلق تواضعاً، وأعظمهم نزاهة وتديناً، وأقلهم طيشا ًوغضباً لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين ومآثر الماضين، فيأخذ بأجملها وأحسنها ويصدف عن أرذلها وأدونها.

    فهذا مظهر من مظاهر حرص السلف رضوان الله تعالى عليهم على الاستكثار من الأدب.

    ترجيح الأدب على العلم

    المظهر الثاني: ترجيحهم الأدب على العلم، فكانوا يبحثون أولاً عمن يؤدبهم، فيحرصون على من يؤدبهم أكثر من حرصهم على من يلقنهم العلوم، فقد يجد الواحد منهم محدثاً يحدثه ويروي له الأخبار، ويجد مؤدباً يلقنه الآداب، ويعلمه الآداب بسمته وسيرته وهديه، فيحرص الواحد منهم على مجالسة المؤدب أكثر من حرصه على مجالسة من يلقنه العلوم، وذلك لإدراكهم أهمية الأدب.

    وأورد الشيخ حفظه الله ورحمه جملة من أخبار السلف التي تؤكد هذا المعنى أنهم كانوا يحرصون كل الحرص على الأدب، فيرجحونه على العلم، يقول عبد الله بن المبارك: إذا وصف لي رجل له علم الأولين والآخرين، لا أتأسف على فوت لقائه، وإذا سمعت أن رجلاً له أدب النفس أتمنى لقاءه وأتأسف على فوته.

    يعني: لو وصف لي شخص حفظ علوم الأولين والآخرين ثم فاتني يقول: لا أتأسف على فوته بقدر ما أتأسف على فوت مؤدب كان سيؤدبني، وسأنال منه آداب إذا فاتني، ولم أستطع الجلوس إليه، وهذا يدلك دلالة واضحة على أنهم يرجحون الأدب على العلم، ويرجحون المؤدب على المعلم تعليماً مجرداً، فيحرصون كل الحرص على مجالسة المؤدبين.

    الحرص على الاستفادة من أدب الشيخ

    المظهر الثالث: حرصهم على الاستفادة من أدب الشيخ.

    فكثير من الناس إذا حضر إلى العالم أو الشيخ يكون همه الأول أن يحفظ ما يقوله الشيخ، ويسمع ما يقوله الشيخ، ويدون المسائل التي يتفوه بها الشيخ، وهذه طريقة لبعض الطلاب، وآخرون الواحد منهم همه إذا جالس الشيخ أن يستفيد من أخلاقه وسمته، وأن يستفيد أدب العلماء عملاً واقعاً، فيرى العلماء كيف يتأدبون، وما هي أخلاقهم، فيستفيد من أخلاقهم ويراها بعينه، وهذه من حكم الله جل شأنه أنه أرسل إلى البشر رسولاً منهم، بشراً مثلهم، فيرون الأخلاق التي ينادي بها القرآن، وتدعو إليها الشريعة نماذج حية أمامهم، وإلا فالله جل شأنه قادر على أن يرسل إليهم ملكاً من السماء، لكنه سبحانه وتعالى أرسل رسولاً بشرياً؛ ليسهل عليهم تلقي العلم منه، وتلقي الرسالة منه، ولئلا يحتجوا بعد ذلك إذا رأوا الكمال في الرسول بأن هذا من جنس آخر، بل أرسل إليهم رسولاً من جنسهم، ومنحهم ما منحهم من الكمال ليحاولوا التخلق بأخلاقه، وعلى هذا جرى الموفقون من طلبة العلم؛ فيحرص الواحد منهم على أن يستفيد من أخلاق الشيخ، ومن سمته، ومن سيرته أكثر من حرصه على استفادته من قوله وكلامه.

    وأورد الشيخ محمد في هذا المعنى كثيراً من النصوص، فيقول: كان أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يرحلون إليه، فينظرون إلى سمته وهديه ودله، فيتشبهون به. يعني: ينظرون إلى ما يتصرف به عبد الله بن مسعود ، حركاته وسكناته، وطريقة لفظه، وكيف يتعامل مع الناس، وكيف يتعامل مع ربه، فيستفيدون هذه الأخلاق ويكتسبونها، فيرجعون بخير كثير عميم.

    قال: وقال عبد الله بن وهب من كبار تلاميذ الإمام مالك : ما نقلنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه.

    ويقول القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله: روى أبو الحسين بن المنادي بسنده عن الحسين بن إسماعيل قال: سمعت أبي يقول: كنا نجتمع في مجلس الإمام أحمد خمسة آلاف أو يزيدون، فكان أقل من خمسمائة يكتبون، والبقية يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت. أي أن الذين يعتنون بالكتابة وهمهم كتابة الحديث وتدوينه خمسمائة، والباقي ينظرون إلى سمت الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهديه ودله، فيستفيدون منه هذه الأخلاق، ويتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت.

    وحسن الأدب وحسن السمت! جزء عظيم من أجزاء النبوة، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ( التؤدة -يعني: التأني والتريث- والاقتصاد والسمت الحسن -الهيئة الحسنة الوقار الحسن- جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة )، فلو قسمت النبوة إلى أجزاء لكانت هذه الأخلاق الثلاثة جزءاً من أربعة وعشرين جزءاً منها، فالأدب أمره عظيم.

    ملازمة المؤدبين

    المظهر الرابع: ملازمتهم للمؤدبين.

    كان الواحد من السلف يحرص كل الحرص على طول الملازمة للمؤدب، فيجلس إلى العالم المحدث أو الفقيه، فيستمع منه مجلس العلم ومجلس الحديث، ويدون ما حفظه منه من علوم، لكنه يلازم المؤدب سنين، والغرض من ذلك استفادة الآداب منه بقدر الحرص على الاستفادة من العلم.

    وقد عرف في تراثنا الإسلامي وظيفة خاصة تسمى وظيفة المؤدبين، حتى الخلفاء كانوا يرسلون أبناءهم إلى أحد العلماء؛ ليؤدبهم فقط، وليكتسبوا منه الأخلاق، ويكتسبوا منه السمت، ويعرف هذا الرجل بعد ذلك بأنه مؤدب أولاد الخليفة، كما يحكى عن بعض خلفاء بني العباس وأظنه الرشيد أنه رأى ولده وهو يصب الماء على الشيخ، والشيخ يتولى غسل رجله بنفسه، لكن الولد يعينه فقط بصب الماء، فقال له الخليفة: إنما أرسلت بهم إليك لتؤدبهم، فهلا أمرته بأن يصب الماء بإحدى يديه، ويغسل بالأخرى رجلك.

    وكأنه يقول: أنا أرسلته لتؤدبه لتعلمه، فلا تظن أنه ولد الخليفة أكبر منك أو أعلى منك، فكان ينبغي أن تأمره بأن يصب الماء بإحدى اليدين واليد الأخرى يغسل بها الرجل.

    فكانت هذه الوظيفة معروفة، وكان الخلفاء حريصين كل الحرص على أن ينال أبناؤهم وأولادهم حظهم من التربية والأدب.

    فهذه نبذة مما يبين منزلة الأدب في عرف السلف وحياة السلف.

    1.   

    الأدب مع الله ونماذج من الأدب معه

    الأدب كما سبق هو الدين كله، ولذلك ينبغي للإنسان أن يحرص كل الحرص على أن ينال الحظ الوافر من الأدب، وهناك مجالات للأدب، ومنها:

    أدب مع الخالق جل شأنه، وأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأدب مع أهل العلم وحملة الشريعة، وأدب مع الزملاء والأصحاب، وأدب مع الوالدين، وأدب مع سائر الناس.

    فهذه مجالات الأدب، ويمكن أن تجمل في معاملة الخالق جل شأنه، ومعاملة المخلوقين، وكلا النوعين من المعاملة تحتاج إلى آداب.

    وأول وأحق من يتأدب معه الله جل شأنه، واهب النعم، والمتفضل بالخلق والإيجاد والإمداد، والمتفضل بخير الدنيا والآخرة.

    أول من يتأدب معه الله جل شأنه، ولذلك جاء في الحديث المشهور أن حكيم بن حزام لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ( يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر )، أي: ما الذي يجوز لنا أن نكشفه وما الذي لا يجوز؟ ( قال عليه الصلاة والسلام: احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك، قال: فإن اختلط الناس بعضهم في بعض، قال: إن استطعت ألا يرينها أحد فافعل، قال: فإن كان أحدنا خالياً قال: فالله أحق أن يستحيا منه ) فأولى من يتأدب معه الله جل شأنه.

    والقرآن مملوء بنماذج فيها أدب الأنبياء مع ربهم، والأنبياء إنما نالوا ما نالوا من الرفعة والمكانة لما هم عليه من العمل الصالح، وإلا فإنما هم بشر، كما قال الله جل شأنه: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف:110] والله جل شأنه تكرم عليهم فأنزل عليهم الوحي، وأدبهم بالوحي فتأدبوا به، هذه حقيقة الرسل، والقرآن مملوء بنماذج مشرقة فيها أدب الأنبياء مع الله، وينبغي لنا أن نقف معها وأن نتدارسها، وأن نعرف بعد ذلك كيف نتأدب مع ربنا.

    أدب عيسى في حواره مع الله بشأن المائدة

    ففي آخر سورة المائدة جاء الحوار بين عيسى عليه السلام وبين ربه، قال الله جل شأنه: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:116] يعني: واذكر يا محمد للناس: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [المائدة:116] هذا يوم القيامة، أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:116]، فالجواب الذي يتبادر إلى الذهن، والذي سيجيب به الواحد منا أنه سيقول: ما قلت ذلك، ولم أقله، وهذا جواب مطابق للسؤال، لكنه ليس المقام الرفيع في الأدب، وليس مناسباً لمقام الأنبياء، لذلك بدأ عليه السلام الجواب بالتنزيه لله جل شأنه أن يكون أحد شريكاً له سبحانه وتعالى: قَالَ سُبْحَانَكَ [المائدة:116]، أي: أنا أنزهك أن يكون لك شريك، فضلاً أن أدعو الناس إلى عبادة غيرك كائناً من كان هذا الغير سبحانك.

    ثم بعد أن نزه الله واعترف له بالكمال، وأثنى عليه بما يستحق الثناء عليه رجع إلى نفسه هو، فاعترف بما فيها من الضعف والقصور والفقر فقال: مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [المائدة:116] من أنا حتى أقول هذا، ثم عاد إلى الثناء على الله جل شأنه فقال: إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [المائدة:116] فأنت علام الغيوب فلا تحتاج أن تسألني أو تسألهم: هل قلت لهم أو لم أقل لهم.

    ثم أثنى عليه بثناءٍ أبلغ، وهو أنك تعلم السر والنجوى، تعلم السر والعلانية، قال: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116]، ثم رجع إلى نفسه فأقر واعترف لله بأنه عبد ضعيف، عبد مأمور، لا ينفذ إلا ما أمر به، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ [المائدة:117]، فأنا عبدك المأمور، وكنت أقول لهم الشيء الذي تكلفني به، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة:117] كنت حاضراً معهم، شاهداً على أفعالهم خلال حياتي معهم، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة:117].

    ثم بعد ذلك ختم هذا الكلام بهذا الجزل من الأدب فقال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ [المائدة:118]، وهذا ليس استعطافاً، ولا استرحاماً، ولا شفاعة لهم؛ لأنهم لا يستحقون الشفاعة، فإنه لا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]، كما قال الله جل شأنه في آخر المدثر: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]، فهو لا يستشفع ربه لهم، ولا يطلبه أن يغفر لهم، إنما يثني على الله جل شأنه بهذا الكلام، قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ [المائدة:118]، يعني: إن أنزلت بهم العذاب، فإنك لن تنزل بهم العذاب إلا لأنهم يستحقون، وإلا فإن السيد شأنه وعادته أنه رحيم بعبده لا يريد أن يعذبه، فلا يعذبه إلا لأنه يستحق العذاب، فأنت إن عذبتهم فإنني موقن بأنك عذبتهم لأنهم أهل للعذاب، ويستحقون العذاب، وإلا فالسيد لا يعذب العبد بدون استحقاق العذاب، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118].

    انتبه! كان المناسب في بادئ البدء يعني: فيما يظهر للإنسان أن يقول: (وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم) لكنه لم يقل هذا، وإنما قال: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]، العزيز يعني: الذي لا يغالب، والحكيم من الحكمة وهو الذي يضع الشيء في مواضعه، وهي فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، فأنت الحكيم، تضع الشيء في مواضعه.

    لكن لماذا ختم الحوار بهذه الكلمات؟

    قال أهل العلم: هذا هو مقتضى الأدب في ذلك الموقف، فإن الله قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، كما جاء في حديث الشفاعة: كل الأنبياء يعتذرون حين تطلب البشرية منهم الشفاعة فيأتون آدم فيقول: ( إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله اذهبوا إلى غيري )، فهذا مقام غضب الله عز وجل فيه غضباً شديداً، فأراد عيسى أن يثني على الله عز وجل ويمدحه في هذا الغضب، وأنه غضب العزيز الذي لا يستطيع أحد أن يدفعه عنه إذا ما أراد به إنزال العقوبة، عزيز لا يغالب، ومع هذه العزة حكمة، وليس معنى هذا أنه سبحانه وتعالى لعزته يعذب من لا يستحق العذاب، ولكنه مع عزته حكيم جل شأنه، فإنه يضع الشيء في موضعه، فلا يعذب إلا من يستحق العذاب، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118].

    أدب إبراهيم عليه السلام في وصف الله

    ومن هذا الأدب موقف إبراهيم عليه السلام يقول في وصف ربه: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78]، فنسب الخلق إلى الله قال: خلقني، ونسب الهداية إلى الله قال: فهو يهدين، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:79]، فنسب الإطعام إلى الله، ونسب السقي إلى الله، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:81] فنسب الإحياء والإماتة إليه، ولما جاء إلى المرض قال: وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:80]، ما قال: والذي يمرضني كما جرى السياق، وإنما قال: وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:80] لأن المرض في صورته الظاهر بحسب بلوغه من الإنسان شر، فنزه ربه أن ينسب الشر إليه، ولذلك جاء في الحديث أن النبي عليه السلام كان يقول: ( والشر ليس إليك ) فالشر لا ينسب إلى الله جل شأنه، فإن فعله لا يكون إلا خيراً، وهو شر بالنسبة لوقوعه على المخلوق، أما باعتبار فعل الله جل شأنه له فإنه خير، وإلا فالحقيقة أن الله عز وجل هو الذي يقدر عليه المرض، وهو الذي يمده بالشفاء، لكن لا يريد أن ينسب هذا الشر إلى الله تأدباً معه.

    الأدب مع الله كما في سورتي الفاتحة والجن

    ومثله ما نقرأه في سورة الفاتحة، فإن فيها أبلغ الأدب مع الله، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6-7] نصرح بالمنعم فنقول: (أنعمت عليهم)، فإذا جئنا إلى الغضب لأن ظاهره الشر، قلنا كما قال الله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، وحذف الفاعل وأقيم المفعول به مقامه، (غير المغضوب)، والفاعل معلوم، لكن من الأدب مع الله جل شأنه ألا ينسب الشر إليه.

    ونقرأ في سورة الجن قول الجن: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10]، ففي الشر حذف الفاعل، أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ [الجن:10]، والشر لا يكون إلا بإرادته سبحانه وتعالى، وفي الرشد صرح بالفاعل أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10].

    أدب الخضر فيما ينسب إلى الله من الأفعال

    ومثله ما نقرأه في سورة الكهف في مخاطبة الخضر لموسى عليه السلام قال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ [الكهف:79] نسب الإرادة إليه هو، فقال: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79]، وأنتم تعلمون بأنه نزع لوحاً من ألواح السفينة، فقال له موسى عليه السلام: قوم أخذونا بغير نول أي بغير أجرة، لصلاحهم وديانتهم، حملوهم معهم على السفينة من غير أجرة مع أنهم مساكين يحتاجون للأجرة، لكن تعظيماً منهم لنبي الله الخضر، ولأصحابه، حملوهم من غير نول، فلما بدأ الخضر يفسر له ما رأى بدأ بالسفينة فقال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف:79] والشاهد قوله: (فأردت أن أعيبها) لأنه نزع اللوح من السفينة وهذا ظاهره الإساءة والشر، وإن كان في حقيقته خير؛ لأن الملك إذا رآها معيبة تركها لهم ولن يأخذها، فذهاب لوح من السفينة أهون وأيسر من ذهاب السفينة، فالخضر أحسن إليهم غاية الإحسان، ولكن لما كان ظاهر هذا الفعل الإساءة قال: فأردت أن أعيبها.

    وأما شأن الغلام فقد قال له موسى عليه السلام: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف:74] منكراً عليه هذا، ولما جاء إلى التعليم والتبرير قال له الخضر: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف:80] وما قال: فأراد ربك، قال: فَأَرَدْنَا [الكهف:81] نسب الإرادة إليه هو: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:81]؛ لأن ظاهر الفعل الإساءة، وهو قتل غلام لا يستحق القتل، فنسب إرادة هذا الفعل إليه، وإن كان في آخر القصة يقول: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82] أي: إنما هو وحي من السماء، لكن لما كانت صورة الفعل هكذا نسبه إلى نفسه.

    ولما جاء إلى الفعل الثالث، وهو بناء الجدار الذي كاد أن يسقط، فبناه بلا أجرة، وقد جاءوا إلى القرية واستطعموا أهلها أي: طلبوا منهم الطعام فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا الجدار يريد أن ينقض فأقامه، فقال له موسى عليه السلام: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77] على الأقل تأخذ منهم أجر هذا العمل ما داموا قد أبوا أن يضيفونا، وهذا العمل ظاهره الخير؛ لأنه إحسان محض، وهنا تغير السياق فقال: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف:82].

    ولو ذهبنا نتتبع هذا النمط من أدب الأنبياء والصالحين مع ربهم لطال معنا المقام، فأول من يتأدب معه هو الله جل شأنه، وطالب العلم بحاجة إلى أن يجاهد نفسه أتم المجاهدة على التأدب مع ربه.

    1.   

    آداب الطالب في نفسه

    هذه المجالس التي تعقد لمدارسة الأخلاق والآداب سنتحدث فيها عن أدب الطالب في نفسه، ومع ربه، ومع نبيه، ومع نفسه هو في أخلاقه وتصرفاته، وأدبه بعد ذلك مع من يتلقى عنه العلم، كأدبه مع شيخه وأستاذه، وأدبه مع المجتمع من حوله، وهذا هو الفصل الأول الذي عقده الشيخ بكر أبو زيد عافاه الله في كتابه العظيم: حلية طالب العلم، الفصل الأول آداب الطالب في نفسه، وأهم هذه الآداب التأدب مع الله عز وجل في هذا العلم.

    معرفة أن العلم عبادة لا يقبل إلا بشرطين

    قال: أول هذه الآداب أن يعلم أن العلم عبادة، بل العلم أشرف عبادة، فرضه مقدم على غيره من الفرائض، ونفله مقدم على غيره من النوافل، فالعلم الواجب مقدم على كل فريضة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم )، وكما قال الله جل شأنه في سورة محمد: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، ويقول معاذ : العلم قائد والعمل تابع.

    فالعلم أشرف العبادات، فإن كان مفروضاً فهو أهم وآكد الفرائض، وإن كان نفلاً مستحباً فهو أولى وآكد النوافل المستحبة.

    يروى أن الإمام مالكاً رحمه الله كان في مجلس يحدث، فقام أحد الطلاب من المجلس، وانفرد عن المجلس ليصلي ركعتين، فقال له: ما الذي قمت إليه بأفضل من الذي قمت عنه؟ يعني: ليست الركعتان اللتان قمت إليهما أفضل من مجلس الحديث الذي كنت جالساً فيه، فنفل العلم مقدم على كل نفل، فقولنا: العلم عبادة، بل هو أهم عبادة وأجل عبادة، وإذا كان العلم عبادة فإنه لا بد من ملاحظة أن تؤدى هذه العبادة على الوجه الذي يحبه الله عز وجل في سائر العبادات.

    والعبادات يقوم ساقها على ركيزتين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، فكل عبادة لا بد أن تكون متضمنة لهذين الجانبين: أن يكون الإنسان مبتغياً بها وجه الله، متابعاً فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال السلف: ما من فعلة إلا وسينشر لها يوم القيامة ديوانان، أي: أن كل فعل وكل قول يفعله الإنسان أو يقوله في هذه الدنيا سيسأل عنه يوم القيامة سؤالان: لم؟ وكيف؟

    فالسؤال الأول: لم؟ وهو سؤال عن الباعث على العمل، لماذا فعلت هذا العمل؟ ولا يتخلص الإنسان من هذا السؤال إلا إذا كان مخلصاً مبتغياً بعمله وجه الله، فإذا كان كذلك فقد وفق للإجابة عن هذا السؤال.

    والسؤال الثاني: كيف فعلت هذا العمل؟ فإن كان موافقاً لشرع الله، موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وفق للخلاص من هذا السؤال، قال تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93].

    فكل فعل أو قول سيسأل الإنسان عنه هذان السؤالان: لم؟ وكيف؟ لم طلبت العلم؟ فينبغي لطالب العلم أول ما ينبغي له أن يجاهد نفسه لتصحيح النية، قال صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات ).

    قال الشيخ بكر عافاه الله: (أصل الأصول في هذه الحلية، بل ولكل أمر مطلوب: علمك بأن العلم عبادة، قال بعض العلماء: العلم صلاة السر وعبادة القلب، وعليه فإن شرط العبادة إخلاص النية لله سبحانه وتعالى؛ لقوله جل شأنه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5] وفي الحديث الفرد المشهور)، يعني: الحديث الغريب؛ لأنه مروي من طريق صحابي واحد، ويروي عنه تابعي واحد، وهذا النوع من الأحاديث يقال له: الغريب أو الفرد.

    قال: (وفي الحديث الفرد المشهور عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات ) الحديث).

    فالأعمال معتبرة بالنيات وصحتها، فلا يصح العمل إلا إذا صحت النية، فإن فقد العلم إخلاص النية انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، ولذلك جاء في الحديث الطويل الذي في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : ( أول من تسعر بهم النار ثلاثة: ومنهم رجل يجاء به فيعرفه الله عز وجل نعمه عليه فيعرفها )، فالله عز وجل يعرفه النعم، وبعد أن يعرف النعم يسأله: فماذا عملت بها؟ فالجواب أن يقول هذا الرجل: ( تعلمت العلم وعلمته )، وهو أشرف عبادة، ( وقرأت فيك القرآن ) أي: قرأت القرآن من أجلك وابتغاء وجهك، فكان رد الله له ( كذبت ) كذب لأن الرجل ادعى دعوتين:

    الدعوى الأولى: أنه تعلم العلم وحفظ القرآن، وأنه علم.

    والدعوى الثانية: أنه فعل هذا في الله (وقرأت فيك القرآن).

    فالله عز وجل كذبه في واحدة وصدقه في واحدة، فقال له: ( كذبت، إنما تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال قارئ وقد قيل )، فقوله: (كذبت) لم يكن تكذيباً له بأنه لم يعلم بل صدقه وأقر أنه تعلم، وأنه بعد التعلم علم، وقرأ القرآن وحفظه، ولكنه كذبه لما قال: (فيك)، ( قال: كذبت، إنما تعلمت ليقال: عالم، وقرأت ليقال قارئ، وقد قيل )، يعني: قد أخذت الجزاء، فأنت عملت تريد جزاءً معيناً، وهو أن تمدح ويثنى عليك في الدنيا وقد تكلم الناس، وقالوا عنك بأنك عالم، وقد قال الناس عنك بأنك قارئ، فانظر هل هذا الجزاء ينفعك؟ فليس لك عندنا اليوم شيء حتى نعطيك، فجزاؤك قد أخذته، ( فقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار ).

    فهكذا يتحول العلم إلى وبال على صاحبه ونقمة إذا فقد الإخلاص، وهكذا سائر العبادات، لكن لما كانت عبادة العلم عظيمة كان الرياء فيها والتسميع فيها أشد من غيره، فينبغي للإنسان أن يجاهد نفسه ما استطاع في إخلاص نيته لله جل شأنه في تعلمه العلوم، وقد جاء في الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم: ( من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يرد به إلا عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) أي: لا يشمها، وهذا مبالغة في ابتعاده عن دخول الجنة، وإن كان المقصود بذلك أنه لا يدخلها مع الأولين، وإلا فإنه إذا مات على الإسلام فإن مصيره ومستقره الجنة، وإن عذب قبل ذلك بذنوبه، لكنه لا يدخلها بغير عذاب، بل يمحص ويطهر بقدر ذنوبه، ثم بعد ذلك يدخل الجنة، أما إذا وصل به الرياء، وطلب الخلق إلى حد الشرك الأكبر والخروج من الملة فهذا -والعياذ بالله- خالد في نار جهنم.

    يقول الشيخ: (إن فقد العلم إخلاص النية انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، ولا شيء يحطم العلم مثل الرياء، رياء شرك، أو رياء إخلاص)، ورياء الشرك هو: أن يفعل الإنسان لله وللناس، فيشرك مع الله غيره، ورياء الإخلاص أن يفعل للناس فقط، ومثل التسميع بأن يقول مسمعاً: علمت وحفظت، وعليه فالتزم التخلص من كل ما يشوب نيتك، كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلماً لأغراض وأعراض من جاه أو مال، أو تعظيم أو سمعة، أو طلب محمدة، أو صرف وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية أفسدتها وذهبت ببركة العلم، ولهذا يتعين عليك أن تحمي نيتك من شرك الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمي الحمى، فلا تبالغ فقط في حمى النية، بل وتجعل حول هذه النية حمى حتى لا تقع في المحظور، واجعل بينك وبين المحظور مسافة، فلا تقترب من المحظور، واجعل بينك وبينه حمى، فجاهد نفسك على أن تكون نيتك لله تعالى.

    وأخلص في طلبك العلم، ويكون الإخلاص كما يقول العلماء: بأن تنوي بالعلم رفع الجهل عن نفسك، فأنت إذا سمعت إلى أحكام الله فانو أنك إنما تستمع وتحضر مجالس العلم لترفع عن نفسك الجهل، وتفقهها في دين الله لتعمل به بعد ذلك، وانو أنك بهذا العمل تحفظ شريعة الله، وتبلغها للناس إن استطعت، وانو بعلمك هذا محبة هذه الشريعة والتفقه فيها، إلى غير ذلك من النوايا الحسنة، فإذا ما رزقت هذا فقد وفقت لأمر عظيم ولخير عميم.

    إن العادة المعروفة في طلب العلم: أن الإنسان في مبدأ الطلب قد يطلب العلم لحظ النفس؛ لأن العلم جميل في نفسه، وجميل في حقيقته، وهو بحد ذاته يطلب لأنه علم، ولذلك لما سئل بعض العلماء عن أحسن لذة ينالها قال: لما أرى حجة تزاد اتضاحاً، وشبهة تتضاءل افتضاحاً، أي: لما يرى الحجج والبراهين تزداد قوتها وينصع بياضها بكثرة الأدلة عليها، ويرى الشبهة وهي تتضاءل وتذوب بظهور الحجج، فهذه أعظم لذة يحصلها في تلك الساعة. فالعلم لذيذ في نفسه؛ لأن النفس في حد ذاتها تحب العلم؛ لأنه شريف، والإنسان يحب أن يمدح بالعلم، بخلاف الإنسان الجاهل الذي لا يعرف شيئاً، ولو أتينا بشخص أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة وقلنا له: يا جاهل فإنه يغضب مع أنه جاهل؛ لأن النفوس مفطورة على محبة العلم وبغض الجهل، فلا يريد أحد أن ينسب إلى الجهل، فالعلم في حد ذاته محبوب جميل، والنفس قد تطلبه لهذا المعنى، قد تطلبه لأنه شريف، لكن على الإنسان أن يجاهد نفسه لتصحيح هذه النية.

    ولذلك كثر في كلام السابقين طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله، والمقصود من هذا كما بين ذلك ابن مفلح وغيره من أهل العلم أنهم طلبوا العلم وهم صغار أولاً لذات العلم، فبدءوا بطلب العلم لجمال العلم، لحسن العلم، ولم يطلبوا العلم للرياء والسمعة، وليس عبادة لغير الله، فهم أبعد الناس عن ذلك، إنما كانوا في مبدأ الطريق غافلين عن النوايا الحسنة التي ينبغي أن يعزم عليها طالب العلم من وراء العلم، فكانوا يطلبون العلم لذات العلم.

    يقول: مع استمرار الإنسان في الطلب يتهذب الإنسان بهذا العلم، وكل يومٍ يتعلم من العلم شيئاً قليلاً قليلاً، ويتخلق به، فيأبى العلم إلا أن يقوده إلى الله، وإلى طريق الآخرة.

    طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله، فهذا مزلق من المزالق التي يتعرض لها طالب العلم في أول الطريق، الغفلة عن النية الحسنة، فقد يطلب العلم لذات العلم، لكن أن يطلب العلم رياءً وسمعة، فهذا مرض -والعياذ بالله- وعلى الإنسان أن يسعى جاهداً ليخلص نفسه من ذلك.

    محبة العلم ومحبة متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في الاهتداء به والعمل

    الأدب الثاني الذي ينبغي مراعاته في طلب العلم: محبة هذا العلم، ومحبة متابعة النبي عليه الصلاة والسلام في الاهتداء به والعمل به، قال الشيخ: (الخصلة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، ومحبة الله تعالى ومحبة رسوله، وتحقيقها بتمحض المتابعة وقفو الأثر للمعصوم، قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31].

    فيا أيها الطلاب! هأنتم هؤلاء تربعتم للدرس وجلستم للدرس، وتعلقتم بأنفس علم، وهو طلب العلم، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلانية، فهي العدة) يعني: التقوى، (وهي مهبط الفضائل ومتنزل المحامد، وهي مبعث القوة، ومعراج السمو، والرابط الوثيق على القلوب عن الفتن، فلا تفرطوا). من رزق تقوى الله فقد رزق مفتاح خيري الدنيا والآخرة، قال تعالى: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، والفرقان: هو ما يفرق به الإنسان بين الحق والباطل، فيبين له الحق، ويبين له الباطل، ثم يتبع الحق ويترك الباطل، والفرقان ثواب وجزاء لمن اتقى الله تعالى. إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29].

    وكما قال سبحانه وتعالى في آخر سورة البقرة: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282]، والواو في قوله: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282] للتعليل عند بعض أهل اللغة.

    فالفضائل إنما تنزل على أهل التقوى، والعطاء إنما يستحقه أهل التقوى، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    اتباع طريقة السلف

    قال عافاه الله: (كن سلفياً على الجادة، طريق السلف الصالح من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فمن بعدهم ممن قفا أثرهم في جميع أبواب الدين، من التوحيد والعبادات ونحوها، متميزاً بالتزام آثار رسول الله وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال والمراء والخوض في علم الكلام وما يجلب الآثام ويصد عن الشرع.

    قال الذهبي رحمه الله تعالى: صح عن الدارقطني أنه قال: ما من شيء أبغض إليّ من علم الكلام، قلت -يعني الذهبي -: لم يدخل الرجل أبداً في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك بل كان سلفياً).

    السلفية ليست جماعة محصورة بأشخاص معينين، وليست مرحلة مباركة كما يقول بعض الناس، وإنما هي منهج حياة، فالسلفية معناها: الاهتداء بهدي السلف الصالح. والسلف: كل من تقدم يقال له سلف، وإذا أطلقت كلمة السلف فالمقصود بها القرون الثلاثة المفضلة الذين أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم خير القرون، وشهد لهم بالخيرية على من سواهم من هذه الأمة فقال صلى الله عليه وسلم: ( خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) فالقرن الأول هم الصحابة، والقرن الثاني هم التابعون، والقرن الثالث هم تابعو التابعين.

    والقرن يطلق ويراد به المدة من الزمان، ويطلق على المجموعة من الناس الذين يشتركون في أمر واحد، فأطلق على الصحابة قرن لأنهم اشتركوا في الصحبة، وأطلق على التابعين لأنهم اشتركوا في رؤية الصحابة، وعلى أتباع التابعين لأنهم اشتركوا في رؤية من رأى الصحابة، فهذه القرون الثلاثة شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية.

    فالفلاح كل الفلاح أن يقفو الإنسان أثرهم حتى في العلم، وكما قيل: العلم قليل كثره الجهلاء، يعني: أن ما قاله الله وما قاله الرسول هو العلم، وهذا -ولله الحمد والمنة- محصور ومحدود، فالإنسان لو فرغ نفسه للتفقه في كتاب الله، وللتفقه في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم على منهج الأئمة فلا يتسلط بنفسه على النصوص، فيفهمها بنفسه قبل أن يتأهل لفهم النصوص على منهج الأئمة، فإن هذا العلم قليل وسيحصل الإنسان منه الشيء الكثير في زمن يسير، لكن لما جاء المتكلمون فأدخلوا في علم الشريعة ما ليس منه، وترجموا كتب اليونان، وأدخلوا في حضارة الإسلام ما ليس منها كثر الكلام، وكثر القال والقيل.

    فالشيخ يوصي طالب العلم بأن يقتصد في طلبه، وأن يحرص على تعلم العلوم التي كان عليها الأئمة، كـمالك و الشافعي و أبي حنيفة و أحمد ومن سار على منهجهم، ويتجنب الجدال، والجدال هو الخصومة بالباطل، والمراء مثله، وهو أن يحب المماري دائماً أن يكون الخصم على خطأ أو على زلل، ويحب أن ينتصر قوله، فيحرص المماري دائماً على أن يظهر الخطأ في كلام من يماريه ويجادله، فإذا اجتنب الإنسان في طلبه للعلم المراء والجدال، واقتصر على التفقه فيما يعنيه فإنه سيحصل شيئاً كثيراً.

    وكان السلف يذمون علم الكلام كثيراً، فـالشافعي رحمه الله تعالى أفتى بأن أهل الكلام يستحقون أن يضربوا بالنعال، ويطاف بهم على العشائر والبطون.

    وعلم الكلام الذي ذكره الشيخ إنما يقصد به علم الكلام المذموم؛ لأن عبارة علم الكلام أصبحت عبارة تحتمل حقاً وباطلاً، وعلم الكلام يعرفه أصحاب الكلام بقولهم: هو عبارة عن قواعد عقلية يستفاد منها في إثبات العقائد الدينية.

    فيحاول أهل الكلام إثبات العقائد الدينية بطرق عقلية، واستفادوا من علم اليونان كثيراً في هذا، وسمي هذا العلم بعد ذلك بعلم الكلام؛ لأن المتكلمين تكلموا في مسائل كثيرة، وكان السلف قد سكتوا عنها، وأما أهل الكلام فتكلموا في مواطن كان ينبغي السكوت فيها، وسكتوا في مواطن كان ينبغي الكلام فيها، فسموا لذلك بأهل الكلام، وبعضهم يقول: سموا أهل الكلام لأنهم لم يأتوا بشيء جديد، فكل ما جاءوا به كلام في كلام، وإلا فالعلم النبوي والموروث النبوي محفوظ، فلا يحتاج الإنسان إلى غيره، فهذا النوع من الكلام مذموم ذمه السلف؛ لأن فيه مشغلة ومضيعة للوقت، ولأن فيه إفساداً في كثير من الأحيان لعقيدة الإنسان، وأحوال أهل الكلام من الاضطراب، والتردد وعدم الثقة، وعدم ركونهم إلى شيء يعتقدونه في قلوبهم وأخبارهم في هذا الباب كثيرة متوافرة، من أراد أن يطالعها فليطالعها في تراجمهم.

    نسأل الله جل شأنه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يبارك لنا في ما سمعنا، وأن يرزقنا من الآداب أحسنها وأجملها وأتمها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    أصناف الناس مع الأدب

    وخصال الخير منها ما يكون الإنسان متخلقاً بها بأصل الجبلة والخلقة، فيظهر عليه الخلق ويقوى حتى يتصف به بدون مجاهدة من نفسه، وهذه تسمى أخلاق جبلية، وهي عطاء وفضل من الله تعالى، فيرزق إنساناً الحلم، ويرزق آخر الصبر، ويرزق ثالثاً الشهامة والشجاعة، ويرزق رابعاً الأمانة وصدق الحديث، فيغلب عليه هذا الخلق حتى يبدو منه دون أن يجاهد نفسه كبير مجاهدة للاتصاف به.

    وأحياناً يكون الإنسان قد حرم هذا العطاء، فلم تظهر هذه الأخلاق عليه، وهو محتاج إلى أن يجاهد نفسه ليكتسبها، ولذلك يقول العلماء: الأخلاق منها ما هو جبلي ومنها ما هو مكتسب، كما قال عليه الصلاة والسلام لصاحب وفد عبد القيس: ( إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة )، ثم بين له في الحديث أنه أمر جبله الله عز وجل عليه، فحمد الله أن جبله الله على أمر يحبه. هذا نوع من الناس.

    النوع الثاني: محتاج إلى أن يكتسب الأخلاق اكتساباً، فباب الأخلاق باب من أبواب الأرزاق، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ( إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم )، فكما قسم الأرزاق قسم الأخلاق، وقد يكون حظ الإنسان من خلق ما قليل، وهو مطالب بأن يسعى في اكتساب هذا الخلق، كما يسعى في اكتساب الرزق، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ( إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم )، فإنه لما خلقنا خلقنا جهالاً لا نعرف شيئاً، كما قال جل شأنه: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78]، والمعنى: أخرجنا جهالاً، ومنحنا أدوات التعلم، نسمع ونبصر ونعقل، ونتكلم، فإن استعملناها فيما خلقت له من التعلم تعلمنا، وإن أغفلناها بقينا على جهلنا.

    فالعلم يقول عليه الصلاة والسلام: ( إنما العلم بالتعلم )، بمعنى: يصير الإنسان عالماً إذا تعلم، ويصير الإنسان حليماً إذا تحلم، وعوّد نفسه على الحلم في مواطن، فكلما جاء في موطن من المواطن فضبط نفسه وحبسها عن التهور، فإنه بتكرار هذا الأسلوب معه في حياته يصير حليماً، وبعض الناس قد يكون حليماً دون عناء منه، فطره الله عز وجل على ذلك، فالإنسان مطلوب منه أن يسعى في تكميل نفسه.

    ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام

    ومطلوب من الإنسان لا سيما طالب العلم، ومن شرفه الله عز وجل واختاره ليكون ممن يتفقه في الدين أن يسعى في تكميل نفسه بقدر الاستطاعة، وبقدر الطاقة، والله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فمن سلك هذا الطريق يسر الله عز وجل له الأسباب.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007983307

    عدد مرات الحفظ

    720870799