إسلام ويب

الدعاء من أسباب رحمة اللهللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدعاء باب رحمة، ومفتاح نجاة، يحصِّل العبد به خيري الدنيا والآخرة، وقد دعا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كزكريا الذي ألهمه الله وسائل عدة لإجابة الدعاء. ولإجابة الدعاء أسباب، منها: إطابة المطعم، وتحري الأوقات المناسبة للدعاء وغير ذلك.

    1.   

    آداب الدعاء

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    إخوتي في الله! نحن في موسم من مواسم الرحمة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله ) فنحن نستقبل ليالي من هذه النفحات، نفحات الرحمات، والله عز وجل دلنا في كتابه على الأسباب الموصلة إلى رحمته، ونقف في هذه اللحظات مع سبب من هذه الأسباب، قصه الله عز وجل علينا في مطلع سورة مريم حين قال جل شأنه: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [مريم:2] يعني: هذا ذكر رحمتنا لهذا العبد الصالح، والنبي الكريم، كيف وصل إلى رحمتنا، وما هي آثار هذه الرحمة عليه، إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [مريم:3-5] يخبرنا في هذه الآيات جل شأنه عن السبب الذي أوصل هذا النبي الكريم إلى حاجته، وبلغه رحمة ربه ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى [مريم:2-3] يعني: كيف تنزلت عليه الرحمة حين نادى، فنداؤه لله ودعاؤه واضطراره وخضوعه وذله بين يدي الله كان هو السبب الجالب لنزول رحمة الله عز وجل عليه، ولتحصيل حاجته.

    دعاء السر

    إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم:3] لقد تأدب هذا النبي الكريم بجملة آداب في دعائه كانت سبباً لقبول دعوته، وأعطاه الله عز وجل ما تمنى مع كبر سنه، وعقم زوجته؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، وليس شيء أكرم عليه من الدعاء، كما قال ذلك نبيه صلى الله عليه وسلم: ( إنه يستحي سبحانه من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً )، وجعل (الدعاء هو العبادة)، يعني: هو لب العبادة، وهو خالص العبادة؛ لأن العبادة هي التضرع والتذلل والخضوع، والدعاء هو أبرز هذه المظاهر، فإنه اعتراف من العبد بالفقر والمسكنة والضعف والحاجة، وإقرار منه بغنى الرب سبحانه وتعالى وكماله وسؤدده؛ ولذلك كانت هذه العبادة من أحب العبادات إلى الله عز وجل، ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء، ويغضب سبحانه وتعالى على من لا يدعوه، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( من لم يسأل الله يغضب عليه ).

    هذا النبي الكريم لجأ إلى باب الدعاء، وتأدب بجملة آداب: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم:3] أي: سراً دون جهر، وهذا من أرجى الأسباب في قبول الدعاء.

    ونجد في خلال آيات الصيام أنزل الله عز وجل آية الدعاء حيث قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] كان سبب نزول هذه الآية كما ورد في الحديث ( أن بعض الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله! أبعيد ربنا فنناديه أم قريب فنناجيه؟ فأنزل الله الجواب وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] ).

    وجاء الجواب هنا على خلاف طريقة القرآن في الجواب، فطريقة القرآن عند السؤال أن يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإجابة، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222].

    يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ [الأنفال:1].

    يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة:217] ، وهكذا يُصدَّر الجواب عادة بقل، إلا عند السؤال عن الله، وعن إجابته دعاء الداعي؛ فإنه تولى الجواب بنفسه فقال وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] فإنه لقربه سبحانه وتعالى لا يحتاج العبد إلى واسطة بينه وبينه، كان الصحابة في سفرهم إذا علوا كبروا، وإذا نزلوا سبحوا، ويرفعون أصواتهم بذكرهم، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ( أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً ) .

    هذا النبي الكريم دعا ربه دعوة السر، دعاء الخُفية إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم:3].

    التوسل إلى الله بإظهار الفقر والمسكنة في الدعاء

    ثم الأدب الثاني: التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالفقر والمسكنة إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا [مريم:3-4] هذه وسيلة بين يدي الدعاء: الإقرار لله سبحانه وتعالى بالفقر والحاجة، والذل بين يديه سبحانه وتعالى، والإقرار بالمسكنة، دعوة المضطر الذي يدعو مع علمه بحاله، فإن الله عز وجل لا يرد دعوة من هذا الداعي.

    جاء في بعض الآثار أن موسى عليه السلام مر على رجل وهو يدعو فرحمه لحاله، فقال: يا رب! لو كانت حاجة هذا العبد عندي لقضيتها له، فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى! أنا أرحم به منك، ولكنه يدعوني وقلبه عند غيري.

    إذا أقبل الإنسان بقلبه إلى الله، وتوسل إليه بضعفه ومسكنته، وذكر من أسماء الله وصفاته ما يناسب الحال والمقام، فإن هذا سبب لفتح باب الرحمة على هذا العبد، وهذا ما فعله النبي الكريم حيث ذكر ما به من ضعف قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [مريم:4] وهن العظم: ضعف، وأقوى ما في البدن العظم، فإذا كان الضعف قد وصل إلى أقوى ما في البدن فإنه قد سيطر على باقيه من باب أولى، فهو يخبر عن ضعفه التام وعجزه الكامل وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا [مريم:4] واشتعال الشيب في لحية المرء أو في رأسه بريد الضعف، ورسول الموت، والإخبار باقتراب الأجل، فإنه يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى بهذه الحال من المسكنة.

    التوسل إلى الله بإحسانه القديم

    ثم توسل إلى الله عز وجل بوسيلة هي من أنجع الوسائل في تحصيل المطلوب، ألا وهي: التوسل إلى الله تعالى بإحسانه القديم، فإنه سبحانه وتعالى كثير الفضائل، غمرك بنعمه الظاهرة والباطنة، فهذا النبي الكريم يدعو ربه متوسلاً إليه بإحسانه القديم وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم:4] عودتني إجابة الدعاء، وعودتني الإحسان والعطاء، فأنا أتوسل إليك بأن تتم هذه النعمة كما ابتدأتها، وأن تكمل الخير كما تفضلت به قبل ذلك، لما توسل هذا النبي بهذه الأسباب جاءه الفرج من الله، وأخبره الله عز وجل بالبشارة، فبشره وهو في المحراب، ولكن في هذه الآيات أيضاً ما يوحي لنا ويخبرنا باهتمام الأنبياء في دعواتهم، فإنه لما دعا إنما دعا بحاجته الدينية، قال: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم:5-6] كان هذا العبد الكريم قائماً بأمر الله في قومه يدعوهم، ويعلمهم، وينصحهم ويذكرهم، ولما أخذ الضعف منه مأخذه خشي ألا يقوم أحد بهذه المهمة في بني إسرائيل من بعده، فدعا ربه أن يرزقه ولداً يرث النبوة، ويقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم:5-6] إنها اهتمامات الصالحين بإصلاح الدين قبل الدنيا، وبإصلاح الآخرة قبل الأولى، إصلاح الأديان ثمرته ونتائجه صلاح الدارين، فما أحوج المسلم أن يرفع يديه إلى الله أن يصلح له دينه، وأن يحفظ عليه دينه، وأن يصلح ذريته، فإذا صلح الدين فأبشر بخير الدارين، وعلى هذا كانت تدور دعوات النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان من دعواته: ( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ) ، وكان من دعائه: ( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ) وكان إذا أوصى أحداً بالدعاء يعلمه أول ما يعلمه الدعاء بإصلاح الآخرة، الدعاء بإصلاح الدين، وهذا شأن الأنبياء ودأبهم.

    1.   

    أثر الدعاء على حياة المسلم

    يا أخي الكريم! بالدعاء تتغير الأحوال، وتتقلب الصفات، ويغير الله عز وجل عليك من شأن إلى شأن، وهذا ما قصه علينا القرآن في مواطن، فقد تغير حال الأرض كلها بدعوة نبي الله نوح حين قال: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10] ، فأجابه الله: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:11-12] ، وقد نصر الله عز وجل محمداً وصحبه يوم بدر مع قلة العدد، وقلة العتاد، ولكن كان سبب نصرهم استغاثتهم بالله إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ [الأنفال:9] فأنزل عليهم النصر بعد هذه الاستغاثة.

    وهكذا يقع الصالحون في المهالك، وتنزل بهم البأساء والضراء، فيخبرنا الله تعالى بأنه يكشفها عنهم بالدعاء، وصل يونس عليه السلام إلى بطن الحوت تأديباً له على ما فعل، فكان في ظلمات ثلاث: في ظلمة بطن الحوت، مع ظلمة باطن البحر، مع ظلمة الليل، فنادى ربه في هذه الظلمات لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:87-88] ، فكانت هذه الدعوة هي الدعوة المنجية من كل غم كما أخبر بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( دعوة أخي ذي النون ).

    دعا أيوب عليه السلام ربه بعد أن نزل به من البلاء ما ذُكر لنا في كتاب الله أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ [الأنبياء:83-84] إنه سبحانه وتعالى لا يرد داعياً؛ بل أبلغ من ذلك وأظهر أنه سبحانه وتعالى أجاب دعوة أشد أعدائه وهو إبليس، حين قال: رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر:36-38] دعا ربه بأن يمهله وأن يؤخره حياً إلى يوم القيامة، فأجاب الله عز وجل بعض هذه الدعوة، ورد بعضاً، أعطاه الإمهال، وقضى عليه بأن يموت كما يموت غيره من الخلائق، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر:37-38].

    فالله عز وجل لا يرد داعياً دعاه مهما كان فجوره إذا دعاه بقلب مضطر، فإنه يستجيب دعاء الكافرين والمشركين على اختلاف أصنافهم حين يدعونه باضطرار أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] قال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: لا تمنعنك المعصية من الدعاء، فإن الله عز وجل أجاب دعوة إبليس، ثم تلا هذه الآية، فكيف إذا كان الإنسان يدعو ربه وهو متلبس بعبادة، متلبس بالطاعة؟! كيف إذا كانت هذه الطاعة ركناً من أركان الإسلام كالصلاة أو الصيام، فإن الصائم له دعوة لا ترد، وفي الحديث: ( للصائم دعوة لا ترد حتى يفطر ) أي: جميع نهاره، وقد جاء في الحديث أن لكل مسلم دعوة في نهار رمضان، في كل يوم وليلة، كل مسلم، وهذا عموم يشمل جميع المسلمين على اختلاف مراتبهم في دينهم، فكل مسلم صائم له في هذا الشهر الكريم دعوة في كل يوم يستجيب الله عز وجل له.

    إننا -أيها الإخوة- بحاجة أن نقبل بقلوبنا على الله، ونسأله سبحانه وتعالى صلاح الدارين، فما أكرم الداعين على الله جل شأنه، وما أكرمه سبحانه وتعالى حين يغضب على من لم يدع، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ( أعجز الناس من عجز عن الدعاء ) فأعجز الناس من عجز عن هذه العبادة مع سهولة مؤنتها، وعظيم فضلها، وكبير آثارها، ما الذي يعجزه أن يرفع إلى الله عز وجل يديه، ويسأله حاجته؟ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32] اسأل الله فإن كل ما تتمناه وترجوه في خزائنه جل شأنه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21]، الموفق من التجأ إلى الله عز وجل في هذه الليالي والأيام، وكما في الحديث عن عائشة رضي الله عنها حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) فدلها على الدعاء بأهم المسائل، وخير المطالب، وأكبر أسباب الفلاح وهي العافية في الدنيا والآخرة، وصح عن عائشة أنها كانت تقول بعد ذلك: لو علمت أي ليلة هي ليلة القدر لم أقل إلا: اللهم إني أسألك العافية. هذه الأيام وهذه الليالي هي أيام الدعاء واللجوء إلى الله عز وجل، والمحروم من حُرم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أسباب إجابة الدعاء

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    الدعاء بقلب حاضر

    إخوتي في الله، للإجابة أسباب ينبغي للعبد أن يأخذ بها، من هذه الأسباب: حال الداعي، أن يدعو الله عز وجل بقلب حاضر، وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه ) لا تدع الله بلسانك وقلبك عند غيره، فإنه سبحانه وتعالى أحق من يُتأدب معه، ادع الله بقلب حاضر.

    تقديم الوسيلة بين يدي الدعاء

    ومن أسباب إجابة الدعاء: تقديم الوسيلة بين يدي الدعاء، بأن تذكر من أسماء الله وصفاته ما يناسب مسألتك، قال سبحانه وتعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180].

    الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء

    ومن أسباب قبول الدعاء: ابتداؤه وختمه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صح عن عمر رضي الله تعالى عنه كما في الترمذي أنه قال: الدعاء موقوف بين السماء والأرض، حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم.

    عدم الاعتداء في الدعاء

    ومن أسباب قبول الدعاء: ترك الاعتداء في الدعوات، فإن الله لا يحب المعتدين، فلا تدع بإثم، ولا قطيعة رحم، ولا تدع على من لا يستحق الدعاء، ولا تطلب ما ليس لك، لا تسأل الله عز وجل ما لا يجوز شرعاً أن يكون لك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليكونن أقوام من أمتي يعتدون في الطهور والدعاء ).

    إطابة المطعم

    ومن أسباب قبول الدعاء: إطابة المطعم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( أطب مطعمك تُجب دعوتك )؛ ولكن لا يكون حائلاً بين الإنسان وبين الدعاء كونه وقع في الحرام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم الأمة كلها الدعاء، فلا ينبغي للعبد أن تمنعه ذنوبه من أن يدعو، ولكن ينبغي أن يجاهد نفسه بأن يأخذ بأسباب الإجابة ما أمكن.

    تحري أوقات الإجابة

    ثم بعد ذلك أيها الحبيب من أسباب قبول إجابة الدعاء: تحري أوقات الإجابة، فالله يستجيب في كل حين، ولكن هناك أوقات تكون الإجابة فيها أرجى، كالدعاء في الثلث الأخير من الليل، وحال السجود، وحال الصيام، ودعوة الوالد لولده، ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب، ونحو ذلك من الحالات التي وردت الأحاديث بأنها حالات ترجى معها الإجابة.

    الجزم بأن الله لن يرده

    وإذا أخذ العبد بهذه الأسباب ودعا ربه فليوقن وليجزم بأن الله عز وجل لن يرده: ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ) ، ولكن ما هي هذه الإجابة؟ قال عليه الصلاة والسلام: ( ما من عبد يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بمسألته إحدى ثلاث: فإما أن يعطيه ما سأل، وإما أن يدفع عنه من الشر بمثله، وإما أن يدخرها له ليوم القيامة ) فإحدى هذه الخصال الثلاث حاصلة للإنسان لا محالة، فإن الله لا يخلف الميعاد، ولربما جاء العبد يوم القيامة مغتبطاً مسروراً بالدعوات التي لم تستجب له في الدنيا، وقد جاء في بعض الآثار أن العبد حين يرى ثواب الدعاء المدخر يوم القيامة يتمنى أنه لم تجب له دعوة في الدنيا، فالدعاء عبادة جليلة، وأنت مرضي عنك ما دمت تدعو، وأنت موعود بالخير ما دمت تدعو، ولن تنقلب إلا من خير إلى خير، فأقبل على الله بقلبك ولسانك، وخذ بأسباب الإجابة.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يغفر ذنوبنا ويجيب دعاءنا، اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا أرحم الراحمين أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وتتوب علينا، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

    اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

    اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

    اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ونستعيذك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته لنا رشداً.

    اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة، واجعلها لوجهك خالصة، ولا تجعل لأحد فيها شيئاً، اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة.

    اللهم أصلح ذرياتنا، اللهم أصلح ذرياتنا، اللهم أصلح ذرياتنا، اللهم أصلح حكامنا وولاة أمورنا يا أرحم الراحمين، اللهم اقدر لنا الخير حيث كان برحمتك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام نسألك رحمة من عندك نسعد بها في الدارين يا خير الراحمين، اللهم إنا نسألك رحمة من عندك نسعد بها في الدارين يا خير الراحمين، اللهم إنا نسألك رحمة من عندك نسعد بها في الدارين يا خير الراحمين.

    اللهم يا ودود يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعالاً لما تريد نسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تفرج عن المسلمين ما هم فيه يا رب العالمين، اللهم اجعل لهم من كل هم فرجاً، اللهم اجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية.

    اللهم لا تدع لنا في هذا المقام ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلها، وأولها وآخرها، وسرها وعلانيتها، اللهم تقبل دعاءنا، اللهم تقبل دعاءنا، اللهم تقبل دعاءنا، وتجاوز عن تقصيرنا بمنك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم اخذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، اللهم خذهم أخذ قوي مقتدر يا قوي يا عزيز.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3038269177

    عدد مرات الحفظ

    728599770