إسلام ويب

الأخلاق قاعدة التواصل الاجتماعيللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من حكمة الله أن خلق الناس متفاوتين في المنزلة، إلا أنه أمرهم بالتواضع فيما بينهم، بل جعله خلقاً لعباده سبحانه، ورتب عليه الأجر العظيم والمنزلة العالية في الدنيا وفي الآخرة.

    1.   

    اهتمام الدين بغرس الأخلاق الحسنة

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    إخوتي في الله! حديثنا اليوم عن خلق رفيع من أخلاق الإسلام الذي بعث نبيه ليتمم محاسن الأخلاق ويكملها، فقد قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )، بعث بالأخلاق لما لها من أثر عظيم على هذا الإنسان, على سعادته في دينه ودنياه، على سعادته في العاجل والآجل، فـ ( ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من خلق حسن ).

    الخلق الحسن الذي أخذ حظاً وافراً من اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم في مناسبات عديدة, فقد رأيناه عليه الصلاة والسلام يدعو الله ويبتهل إليه بأن يوفقه لأحسن الأخلاق، فكان من دعائه أنه يقول: ( اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ). وكان من دعائه في غير مناسبة أن يقول: ( اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي ).

    فالأخلاق هي قاعدة التواصل بين الناس، وهي القاعدة الاجتماعية التي تقوم عليها حياة الجماعة، فإذا ما حسنت أخلاق الأفراد فيها نمت هذه الحياة وتحسنت وتطورت؛ إذ لا حياة بغير أخلاق، ولا عجب أن تكون الرسالة الأولى في هذه الشريعة رسالة أخلاقية، إصلاح أخلاق الإنسان، أخلاقه الباطنة وأخلاقه الظاهرة، أخلاقه مع الله، وأخلاقه مع الأقارب، وأخلاقه مع الأولاد، أخلاقه مع الزوجة، وتعلم كيف يحيا هذا الإنسان في ظل هذه الأخلاق الحميدة.

    1.   

    خلق التواضع

    الوقت لا يسعنا للحديث عن الأخلاق وأهميتها، إنما نتحدث عن خلق واحد من هذه الأخلاق، وإنما اخترته لأن الله عز وجل جعله على رأس قائمة أخلاق عباد الرحمن، إذ لما وصف سبحانه وتعالى عباد الرحمن في سورة الفرقان بدأ بهذا الخلق العظيم, وهو خلق التواضع، فقال جل شأنه: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63]، إلى آخر هذه الآيات.

    دلالة مشي الإنسان وتعبيرها عما في داخله

    أول هذه الأخلاق وأهمها وفي مقدمتها الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63]، إننا لا نتكلم عن المشي من حيث هو مشي، إنما يتكلم القرآن عن المشي في مناسبات عديدة؛ لأن مشية الإنسان تحدثك عما في نفسه، مشية الإنسان تحدثك عما يكنه في ضميره، مشية الإنسان تنبئك عما يعتقد الإنسان في نفسه ما هو هذا الإنسان.

    فبعض الناس يمشي على الأرض يدكها دكاً، وكأنه يقول لها: يا أرض انهلي ما عليك مثلي، هؤلاء صنف من الناس لهم مشية تعبر عما في نفوسهم, وهناك صنف آخر يمشون مشية أخرى تعبر عما في نفوسهم أيضاً: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63]، يمشون بلين، يمشون بتواضع، يمشون بتؤدة.

    إن هذه المشية إنما مدحت وجعلت على قائمة الأخلاق؛ لأنها تنبئ عما في ضمير صاحبها؛ ولهذا وجدنا القرآن يتحدث عن المشي في غير آية، ففي وصايا لقمان الحكيم لابنه يقول: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18]، أي: لا تكن إذا حدثت الناس أعطيتهم جانبك، أو إذا حدثوك أعطيتهم جانبك، وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا [لقمان:18]، لا تمش مشية الفرح المختال الزاهي بنفسه، المعجب بما هو فيه، وحالك أصلاً كما قال الله في سورة الإسراء: إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء:37] .

    فلا تمش مشية المختال فتدك الأرض بقدمك؛ لأنك مهما دققتها بقدمك فلن تخرقها، ولا تمش في الأرض وأنت رافع رأسك إلى السماء, فإنك مهما رفعته لن تطاول الجبال بطولك، ليست هناك مبررات، ليست هناك مسوغات لأن يتكبر هذا الإنسان؛ ولا لأن يترفع هذا الإنسان ويشعر بأنه فوق الآخرين.

    تفكير الإنسان ببدايته ونهايته

    جاء في قصة جميلة أن المهلب بن أبي صفرة أحد أشراف العرب في الجاهلية والإسلام، آباؤه وأجداده ملوك العرب في شمال الجزيرة العربية، لما أسلم ودخل في الإسلام كان من قواد الجيوش في الإسلام أيضاً، فرآه بعض الصالحين يزيد بن عبد الله بن الشخير ، وهو يمشي مشية المختال، فقال له: إن هذه مشية يبغضها الله عز وجل، وهذه مشية يكرهها الله، فظن المهلب بأن هذا الرجل لا يعرفه، قال: أتعرف من أنا حتى تنكر علي هذه المشية؟

    قال: أعرفك وأعرف بدايتك وأعرف نهايتك: أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وما بينهما تحمل العذرة، ما بينهما أنت مملوء بالنجاسات, محشو بالقاذورات, فمن أنت؟ هذا الذي نعرفه منك.

    ولذلك قال بعض الناس: عجباً ممن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟! خرج أولاً من ظهر أبيه فجرى في مجرى البول، وخرج ثانياً من رحم أمه فجرى في مجرى البول، فكيف يجري في مجرى البول أولاً وثانياً، ثم بعد ذلك يترفع على عباد الله!

    عجباً لمن جرى في مجرى البول كيف يترفع؟! كيف يتكبر ولا مبرر له، ولا مسوغ لأن يعتقد نفسه فوق الناس، أو أرفع من الناس، وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء:37]، إذا تذكرت أصلك القريب فهو ذاك الماء المهين، وإذا تذكرت أصلك البعيد فهو هذه التراب التي ندوسها بأقدامنا، ونطأ عليها بأحذيتنا، هذه هي أصولنا, فلماذا نترفع بعيداً، لماذا نزهو بعيداً؟

    ما أجمل أبيات قالها أبو العلاء المعري على قليل الشعر الحكيم الذي يقوله، قال وهو يحدث أحد أصحابه:

    يا صاح هذي قبورنا تملأ الرحب

    نرى مساحات واسعة من القبور بأعيننا تفتح في زماننا، وتغلق في زماننا لفتح مقبرة أخرى.

    يا صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد؟

    خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد

    لو تفكرت في هؤلاء البشر الذين سبقونا، هذه الأمم التي لا يحصي عددها إلا الله، أين قبورها؟ أين دفنوا؟

    أين ذهبوا؟

    ما أرى أديم الأرض إلا من هذه الأجساد.

    أنت تمشي على تراب، هذا التراب تحلل من أجساد ملوك، تحلل من أجساد أمراء، تحلل من أجساد أغنياء وأثرياء، اليوم هم تحت قدمك، أنت تمشي عليهم برجلك، وغداً كما تمشي اليوم سيمشى عليك، هذه نهاية هذا الإنسان، وتلك هي بدايته، فلماذا إذاً يتكبر؟

    أهمية خلق التواضع في حياة الإنسان

    هذا المعنى يبين لنا جلياً أيها الإخوة! أنه لا مسوغ ولا مبرر لأن يتكبر هذا الإنسان، لكنا نتحدث عن معنى هام في الخطبة نقصده لا محالة، أهمية هذا الخلق في حياتنا، لماذا جعل الله عز وجل كل هذا المقام لخلق التواضع؟ لماذا رفع الله عز وجل أهل هذا الخلق إلى تلك الأماكن العلية والدرجات الزكية التي رفعهم بها التواضع؟

    إن من حكمة الله أن جعل سبحانه وتعالى الخلق متفاوتين، فالناس لا يصلحون ولا تستقيم حياتهم إلا بهذا التمايز، الناس لن تستقيم حياتهم على هذه الأرض إلا إذا كانوا متفاوتين في الشرف، متفاوتين في المكانة، متفاوتين في الأموال، متفاوتين في القوة والسلطان، ولا تصلح الحياة إلا بهذا التفاوت، إذ كيف ستكون الحياة لو كان الناس جميعاً أمراء؟ كيف ستستقيم الحياة لو كان الناس جميعاً أغنياء؟ كما قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الزخرف:32]، لماذا؟ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32]؛ ليتخذ بعضهم بعضاً في تسخيرهم لخدماتهم، فلا يمكن أن تستقيم الحياة بأطباء بلا مرضى، كما لن تستقيم الحياة بمرضى بلا أطباء، لن تستقيم الحياة بشعب بلا قيادة، ولن تستقيم بقيادة بلا شعب، هذه سنة الله، لن تستقيم الحياة بأغنياء بلا فقراء، كما لن تستقيم بفقراء بلا أغنياء، حكمة الله لتستقيم هذا الحياة، وتدور عجلتها أن جعل الناس متفاوتين.

    لكنه سبحانه بعد أن جعلهم متفاوتين أخبر الناس في كتابه وأخبر الناس على ألسنة الرسل المتعاقبين بأنه يدعو هذا الإنسان ألا يترفع على أخيه الإنسان الذي يسفله في هذا الهرم الاجتماعي، الذي يكون تحته في هذه الطبقات، فليس هناك مبرر لأن يتعالى عليه، ليس هناك مسوغ لأن يترفع عليه.

    أمره بالتواضع، وأمر قبل ذلك أنبياءه ورسله, فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215]، وأخبر أن أحب عباده إليه سبحانه وتعالى الذين يلينون لإخوانهم في العقيدة، الذين يلينون لإخوانهم في الإسلام، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] .

    وعد الله لمن تخلق بخلق التواضع وترغيب الناس فيه

    ووعد سبحانه وتعالى أن من تخلق بهذا الخلق رفعه سبحانه وتعالى أرفع الدرجات, فقال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم : ( وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله )، الجزاء من جنس العمل، والتواضع هو أن تضع نفسك من المرتبة التي تستحقها إلى مرتبة دونها، أن تحط من قدر نفسك، هي تلك المرتبة التي أنت فيها، هي تلك المرتبة التي وجدت فيها، لكنه مطلوب منك أن تضع نفسك عن تلك المرتبة وأن تنزل قليلاً، أن تتدنى قليلاً لتعيش مع من هم دونك، لتعيش مع من هم تحتك؛ لتوافقهم لا أن تكلفهم إلى أن يوافقوك، وهذان خلقان متضادان.

    المجتمع اليوم بدلاً من أن يتحلى الناس بالخلق الأول وهو تواضع الرفيع ونزول الأعلى, أصبح الناس يتسابقون ليرتفع الأسفل، أصبح الناس يتزاحمون ويركبون من الهموم أنواعها ليرتفعوا عما هم فيه، أصبح الفقير يكابد هموم الليل، ويعاني عناء النهار ليعيش مثل الأغنياء، أصبح المعدم يريد أن يحيا كما يحيا الثري، وأصبح الوضيع يريد أن يحيا كما يحيا الأمير، انقلبت الموازين, وكان في الأصل أن يوجه الخطاب إلى هؤلاء العلية لأن ينزلوا قليلاً، فيعيشوا مع الناس فيريحوهم من ظاهرة الحسد، ليطفئوا في أجوافهم تلك الأخلاق القبيحة التي أثارتها نعم الله التي يرونها في أيدي الآخرين.

    كان مطلوب منهم أن يتواضعوا في مشيتهم، أن يتواضعوا في مظاهرهم، حتى المظهر واللباس الحسن الذي يلبسه، والمركب الحسن الذي يركبه، والمسكن الحسن الذي يسكنه مطلوب منه شرعاً أن يتواضع قليلاً، أن ينزل قليلاً عما هو فيه حتى يحقق الله عز وجل في هذا المجتمع الواسع شيئاً من حكمته سبحانه وتعالى في التوافق والتواؤم وإطفاء نار الحسد والغيرة.

    رغبهم الشرع في أن يلبس الإنسان أقل مما ينبغي أن يلبسه، فقال عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح الذي حسنه الألباني يقول: ( من ترك اللباس تواضعاً لله )، وتأمل جيداً في هذه الألفاظ، ترك اللباس الذي ينبغي بحاله، والذي يقدر عليه ويستطيعه، لكنه تركه تواضعاً لله ذلاً لله واعترافاً بنعمة الله، لا ليقال بأنه متواضع، ولكنه تركه إرضاء لله، ترك اللباس وهو يقدر عليه تواضعاً لله، فجزاؤه كما قال عليه الصلاة والسلام: ( دعاه الله يوم القيامة على رءوس الأشهاد )، يعني: يشهره ويعلي مقامه ويرفع درجته على رءوس الملأ يوم القيامة، والبشرية كلها مجموعة، فلو تكبر في هذه الدنيا لو ترفع فإنما سيترفع على المحيط الذي يحيط به، على من سيراه ومن ستقع عينه عليه، لكن الله عز وجل يرفعه يوم القيامة أمام البشرية جمعاء، (حتى يخيره من أي حلية الإيمان شاء أن يلبسها ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    مدعوون نحن أن نتواضع قليلاً في مظاهر حياتنا.

    اليوم أصبح كثير من ذوي الدخل المحدود راتبه محدود، وعليه أضعاف أضعاف الراتب سبعين ضعفاً وثمانين ضعفاً من الديون وهو يحرص أن يركب سيارة يركبها أخوه الغني.

    اليوم العنوسة تنتشر في بيوتنا، البنات بلا زواج، والشباب يعانون أنواعاً من الفساد، والشرفاء منهم الأتقياء المؤمنون يعانون ألواناً من العذاب، ألواناً من التعاسة؛ لأنهم لا يستطيعون أن يقيموا أفراحهم وحياتهم كما يقيمها غيرهم من الميسورين، هذا خطاب الله لهؤلاء الناس، إلى الثري حتى يخفف قليلاً من حدة هذه الثروة، وإلى الفقير حتى يعلم أي مقام أقامه الله عز وجل فيه, فتقوم الحياة على الطريقة التي أرادها الله عز وجل، ( وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله ).

    نحن مطالبون أيها الإخوة! بأن نحيا أخلاق عباد الرحمن الذين امتدحهم سبحانه وتعالى، ورفعهم وأعلى مقامهم: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63].

    أقول ما تسمعون, وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حكمة الله في تفاوت الناس في معايشهم

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    إخوتي في الله! حكمة الله جرت بأن يعيش الناس متفاوتين، وكما قال الإمام علي رضي الله عنه: لو تساوى الناس لهلكوا، أي: لفسدت حياتهم، لو تساوى الناس في الثراء لهلكوا، كما لو تساووا في الفقر لهلكوا.

    هذا مبدأ عظيم ينبغي أن يستقر في قلوبنا، وأن يظهر أثر ذلك في أخلاقنا، وذلك بأن نعيش راضين بهذا التميز، راضين بهذا التفاوت؛ لكننا مع ذلك ندعو من رفعه الله على غيره من عباد الله ندعوه ليحيا حياة سعيدة، ندعوه ليحيا حياة مطمئنة، فنقول له: السعادة والاطمئنان والسكينة في أن تتواضع قليلاً من مقامك، كما نقول لمن تحته: السعادة والسكينة والاطمئنان في أن ترضى بما قسمه الله عز وجل لك.

    السعادة في الدارين أن يعيش الإنسان متطامناً متواضعاً، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام من دعواته المشهورة الثابتة عنه في أحاديث صحيحة أنه كان يقول: ( اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين )، وليست المسكنة هنا بمعنى الفقر كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فقد يكون الإنسان فقيراً وهو جبار، ليست المسكنة خلو اليد من المال، المسكنة خلق في النفس، المسكنة التواضع واللين، أن يعيش الإنسان متواضعاً، وإذا عاش متواضعاً فاز بخيري الدارين.

    أما في الدنيا فإن من حظه العاجل الذي يوافيه به الله عز وجل أن يجعل له في قلوب الناس وداً، وأن يرفع قدره في قلوب الخلق، يرفعه في الدارين: يرفعه في الدنيا، ويرفعه في الآخرة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله )، رفعه هنا في الدنيا.

    1.   

    النفس البشرية مجبولة على بغض من يتعالى عليها

    والناس من عادتهم -وهذه حقيقة ينبغي أن يدركها كل أحد- والنفس البشرية بطبيعتها لا تحب من يتعالى عليها، لا تحب من يتعامل معها تعامل الأعلى، إنما تحب أن يتعامل معها تعامل الند للند، وكلما قرب الإنسان من أبناء جنسه أحبوه والتصقوا به، أو كما قال بعض الناس:

    ولا تكن كالدخان يعلو بنفسه على طبقات الجو وهو وضيع

    يترفع ويتصاعد في طبقات الجو بعيداً، والناس ينظرون إليه ساخرين، الناس ينظرون إليه مستريحين من ذهابه؛ لأنه لو نزل قليلاً لأضر بهم، فهو يترفع عليهم وهم مستريحون منه.

    وكما قال بعضهم: إذا نظر الإنسان إلى الناس من علو رآهم صغاراً وهم يرونه صغيراً. أي: لو أن الإنسان وقف على أعلى قمة لأعلى جبل, والناس يعيشون تحته في بطن الوادي، فإنه ينظر إليهم نظرة ازدراء واستحقار، يراهم صغاراً في أجسامهم، وهم إذا رفعوا أبصارهم إليه رأوه أيضاً صغيراً، هو يظن بأنه كبير وعلى القمة، وهم يرونه أيضاً صغيراً، وضع أصبعك أمام عينيك، فكلما اقتربت منك رأيتها كبيرة، وكلما ابتعدت منك صغرت في عينك، وهكذا الإنسان، كلما ترفع على الناس صغر في أعينهم، وكلما تطامن وقرب إليهم ووضع نفسه فيهم كبر في أعينهم، والتصقت به أرواحهم، وهذا وعد الله عز وجل العاجل، (من تواضع لله رفعه الله)، رفعة في الدنيا ورفعة أيضاً في الآخرة.

    1.   

    تواضع الحسن بن علي رضي الله عنهما

    هذا الحسن بن علي سيدنا رضي الله تعالى عنه، وابن سيدنا وابن سيدتنا وجده سيدنا, فهو سيد من أسياد رضي الله تعالى عنه وأرضاه, يمر على صبية صغار وهم يلعبون في السوق, فينزل إليهم ويمازحهم ويلعب معهم؛ فلما عاتبه بعض كبراء أصحابه, تلا عليهم قول الله سبحانه وتعالى: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ [القصص:83]، فالدار الآخرة وعدها الله عباده الذين لا يريدون العلو في الأرض، الذين لا يريدون الاستكبار في الأرض، الذين لا يريدون التكبر في هذه الأرض, إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ [النحل:23]، ويقال لأهل النار يوم القيامة بعد أن يدخلوا جهنم: فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [النحل:29]، الله عز وجل وعد خيره العاجل والآجل لأهل هذه الأخلاق الرفيعة، خلق التواضع، وعلى الإنسان أن يجاهد نفسه؛ ليتحلى بقدر ما يستطيعه من هذا الخلق النبيل.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يهدينا لأحسن الأعمال والأخلاق, لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيء الأعمال والأخلاق، لا يصرف عنا سيئها إلا هو.

    اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا أرحم الراحمين! نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلها، وأولها وآخرها، وسرها وعلانيتها.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات, والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات, إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم انصر عبادك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، وانصرهم ولا تنصر عليهم، وكن لهم ولا تكن عليهم.

    اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام يا أرحم الراحمين اجعل للمستضعفين من المؤمنين في كل مكان فرجاً ومخرجاً برحمتك يا أرحم الراحمين.

    يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3038269177

    عدد مرات الحفظ

    728599770