إسلام ويب

عوامل النجاحللشيخ : محمد الشيخ

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حب النجاح والتطلع إليه غريزة يجدها الإنسان في نفسه، فهو يفرح لنجاحه ويحزن لفشله وإخفاقه، وللنجاح في الإسلام رؤية خاصة تخالف رؤية الإنسان المادي الشهواني، وهذه الرؤية تنطلق من عدة عوامل وأسباب، لا ينفع أحدها بدون الآخر.

    1.   

    أسباب النجاح

    الحمد لله، الحمد لله مُعِزُّ من أطاعه، ومُذِلُّ من عصاه، القاهر لعباده، القوي جل في علاه، القائم بتدبير مملكته جل جلاله؛ فلا نوم يغشاه، الآمر الناهي، فلا يُرَدُّ أمره في أرضه ولا في سماه، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67]، والسماوات مطويَّات بيُمناه، تفرَّد بالملك؛ فلا يملك أحدٌ سواه، له الأسماء الحسنى، وليس له في الصفات أشباه، مجيب دعوة المضطر، فلا يَخفى عليه شيءٌ من سؤاله ودعواه، المغيث للملهوف، الكاشف لضره وشكواه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، لا رب غيره، ولا معبود بحقٍ سواه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أشرف نبيٍّ وأطهره وأزكاه، مازَهُ صلى الله عليه وسلم من جميع خلقه، فاختاره واصطفاه، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين وصحابته المهديين، ومن أطاع أمره واهتدى بهداه.

    ثم أما بعد:

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أحبابي في الله: إن الأحداث التي تعصف بالأمة كثيرة، ومتعددة، وإنا لا نستطيع أن نغض عنها النظر؛ إلا أننا في بعض الأحيان نضطر أن نقف وقفات إلى حدٍ بعيد أو إلى حدٍ يكاد يكون بعيداً عن الأحداث وواقع الأمة، ونعيش في أحداث إقليمية، أو اجتماعية، نعيشها بين يومٍ وآخر، لا نستطيع حقيقةً أيضاً أن نغض النظر عنها، وأن نبتعد عن واقع مجتمعنا، وما يمر به من مناسبات.

    وأقول هذا الكلام؛ لأقف اليوم وإياكم مع أحبابي وإخواني وأبنائي الطلاب الذين سيتقدمون إلى صالات الاختبار غداً؛ لتقديم اختبار نهاية الفصل الدراسي الأول؛ نوعاً من التشجيع، والتحفيز لهم، والوقوف معهم، ومَدِّ يدٍ حانية؛ علَّ الله عز وجل أن يبارك في جهودكم ومعارفهم، ويأخذ بأيديهم إلى كل برٍ وتوفيق.

    ونحن نقف معهم هذه الوقفة أطرق وإياكم وإياهم الباب أو باباً يَهُمُّ الجميع، ولا غِنَىً لأحدٍ عنه ألبتة، بل إنه من الأهمية بمكان على المستوى الفردي والاجتماعي، وعلى مستوى الأمة أيضاً، أطرق الباب في مناقشة موضوع النجاح، والكل يتطلَّع إلى النجاح في حياته.

    والنجاح كلمة تَحْمِل من المعاني والآثار على الإنسان وواقع حياته ومستقبله الشيء الكثير، فهل أكون أنا وإياك -أخي الحبيب!- ممن يتطلع إلى النجاح، ويتحفز إلى تحقيق أعلى المراتب والنتائج؟!

    إنها رسالة موجهة إلى كل من يريد النجاح في حياته الشخصية .. في حياته الأسرية .. في حياته العملية .. في حياته الدراسية، بل في دنياه وآخرته.

    إن النجاح مطلب، بل غريزة يطلبها الإنسان؛ ذلك أنه يفرح بها، ويحزن بضدها، وغير ذلك شاذ، والشاذ لا حكم له.

    ننطلق في كلامنا هذا أيضاً -أيها الأحبة!- مع النجاح من الرؤية الإسلامية للكون والحياة، لا رؤية الإنسان المادي ولا غير المسلم، بل ننظر إليه من زاوية الإسلام، بل من محيط الإسلام، وما علَّمَنا الله تبارك وتعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فتعال -أخي الحبيب!- نرتسم طريق النجاح، علَّ الله تبارك وتعالى أن يكتبنا وإياك من الناجحين، وفي الآخرة من الفائزين.

    إن للنجاح عوامل:

    وجود الهدف السامي

    أولها: أن يكون لدى مَن يرغب بالنجاح هدف .. هدفٌ سامٍ .. هدفٌ عالٍ .. هدفٌ أساس :-

    ولعل أحدنا يُلَخِّص هذا الهدف في أن يقول: أن أنجح لأُرْضِي ربي، وأنفع أمتي، وأكفي نفسي، وأبُرَّ بأهلي، وارتقي بمداركي وقدراتي، وأكُوْن قدوةً لغيري.

    هل تجمع هذه الأهداف في هدفٍ سامٍ، تطمح إليه، وتتحرك معه؟!

    روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)، فهل تكون مؤمناً قوياً: في بدنك .. في عقلك .. في مداركك .. في شهاداتك .. في مالك .. في مكانتك الاجتماعية؟! فأنت تكون أحب إلى الله من الضعيف؛ ولذا لَمَّا قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته ليصلون على معلم الناس الخير)، تَحَفَّز إلى هذا علماء، فكانوا سادةً وقادة في التعليم، وفي نقل الناس إلى الخير.

    الإخلاص والتقوى

    الأمر الثاني: الإخلاص، والتقوى :-

    إن الله لما ثَبَّـت يوسف ونَجَّاه قال: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24].

    فالإخلاص: بريد محبة الله وولايته، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:68].

    والتقوى: بريد معية الرب، وتوفيقه، وعطائه, وتسديده، قال ربي لا إله إلا هو: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128].

    وقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].

    وقال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ) [الطلاق:2] وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:3].

    أرأيت فعل التقوى؟!

    ألا وإن مما يعين على النجاح: طاعة الرب جل في علاه :-

    والله يحب من يطيعه، وهو يملك الكون وما فيه، فلا تتحرك ذرةٌ فيه إلا بأمره، فبإذنه وبأمره أن يسخِّر لك كل شيء: الإنسان، والجماد، والحيوان، بل بيده جل جلاله أن يفهِّمك، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79] ألم يقل ذلك؟! بيده أن يشرح قلبك؛ فتعلم وتعي، بيده أن تحفظ الكلمة من سماعها، بينما غيرُك يرددها عشرات؛ فلا يحفظها.

    فإذاً: إذا توليتَ اللهَ تولاك، فإن طاعة الله تبارك وتعالى جالبةٌ للخيرات .. بريدُ التوفيق .. محطةُ عنايةِ المولى، قال صلى الله عليه وسلم لـابن عباس رضي الله عنهما: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك)، ولذا وَعَى علماؤنا هذه القضية، فقال الإمام الشافعي رحمه الله:

    شكوتُ إلى وكيع سوءَ حفظي     فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وأخبرني بأن العلم نورٌ     ونورُ الله لا يؤتى لعاصي

    ألا وإن مما يعين أيضاً على النجاح والتوفيق: الاستقامة على أمر الله :-

    فإن الله يحب المستقيم، ويكون معه أكثر من أن يكون مع غيره، وانظر إلى حديث ابن عباس -المتقدم- حيث قال: (تعرف إلى الله في الرخاء يعْرِفْك في الشدة) فتجد المؤمن المطيع لربه في صـالة الاختبـار -على سبيل المثال- ثابت الجأش، مطمئناً، ساكناً، مرتاحاً، بينما غيرُه يأخذ الورقة وهو يرتجف، يقرأ السؤال مرتين .. ثلاثاً، وكأنه لا يفهم، لِمَ؟ للارتباك الذي في داخله، أو الوجل، أو الخوف، أما المؤمن فعليه من الله السكينة والطمأنينة، وما ذاك إلا بتثبيت الله له.

    القناعة بضرورة الطلب والجد والمثابرة والأخذ بالأسباب

    أما الأمر الثالث: إن من يريد النجاح لا بد أن يكون لديه قناعة بضرورة الطلب، والجد، والمثابرة، والأخذ بالأسباب؛ حتى يصل :-

    روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -تأمل-: (إنه -يقول هذا النبي صلى الله عليه وسلم- من يستعفف يُعِفُّه الله، ومن يتصبر يُصَبِّرُه الله، ومن يستغنِ يُغْنِه الله، ولن تُعْطَوا عطاءً خيراً وأوسع من الصبر).

    إذاً: لا بد من حركة نحو العفاف؛ لكي تستعف، ولا بد من حركة نحو الصبر؛ لكي تصبر، ولا بد من حركة؛ لكي تتعلم، ولذا قال حكماؤنا: إن العلم بالتعلُّم، والحلم بالتحلُّم، ومن جَدَّ وَجَدَ، ومن سار على الدرب وَصَلَ، ومن طلب العلى سهر الليالي.

    فلا يكون أمراً بسهولة؛ تشتهي أن تضع رِجِلاً على أخرى, ثم تحفظ المتون، وتفهم القوانين، وتطبق النظريات؟! لا والله، لا بد من تعب، وجِدٍّ، ومثابرة، وسهرٍ، وطلب، ولذا قال الشاعر وصَدَقَ:

    لا تحسبن المجد تمراً أنت آكـلهُ     لن تبلغ المجد حتى تلعق الصَبِرا

    وتعال؛ لتنظر جهد أولئك السالفين من علماء الأمة الربانيين؛ لكي تعلم أن جِدَّهم ومثابرتهم وحرصهم أوصلتهم إلى أن يكونوا أعلاماً يشار إليهم بالبنان، فتأمل سيرة علمائك الربانيين.

    هذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: كنتُ وأنا في الكُتَّاب أسمع المعلم يُلَقِّن الصبي الآية، فأحفظها قبل أن يقرأها عليَّ معلمي -يلقن الصبي الآية فأحفظها-، ولقد كان الصبيان يكتبون إملاءهم، فإلى أن يفرغ المعلم من الإملاء عليهم كنتُ قد حفظتُ جميع ما أملى.

    وقال لي المعلم ذات يوم: لا يحل لي أن آخذ منك شيئاً؛ لأنه يأتي يُسَمِّع له قبل أن يقرئه الآية، أو يُمْلِيه الإملاء.

    ولقد بلغ من حرصه على الطلب وشدة طلبه أنه كان يغطي صفحة المصحف اليسرى بيده كي يحفظ اليمنى، فلا يحفظ اليسرى قبل اليمنى؛ لأنه من كثرة شوقه وحرصه عيناه لا تملكاه يمنةً ويسرةً، يريد أن يطلب العلم.

    والإمام النووي لما ذكر له صحيح مسلم تطلع إليه، فقال: فما وضعت جنبي على الأرض عامين حتى حفظته. نعم، إنهم كذلك، وأشد من ذلك.

    لقد كان الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه يبكر للطلب منذ صغره، وأمه تخاف عليه، يقول رحمه الله تعالى: كنتُ أريد أن أطلب الحـديث بكـوراً، فتحـس أمي -تشعر بخروجه، فتأخذ بثوبه- فتقول: انتظر حتى يؤذِّن الناس -تخاف عليه العتمة؛ إذْ كان صبياً صغيراً- وأخرج قبل طلوع الفجر -قبل الأذان- للطلب. وهو صبي، وأمه ترده عن ذلك.

    بل صَحَّ عن الإمام الشافعي أيضاً قال: قرأتُ الموطأ على مالك وأنا ابن اثنتي عشرة سنة، فلما أتيته كأنه استصغرني وقال: اطلب لك من يقرأ عليك، قلت: أنا أقرأ يا إمام، فتعجَّبَ، قال: فقرأتُ عليه الموطأ من حِفْظِي. حفظ الموطأ كاملاً قبل أن يأتي أستاذه فيقرأ عليه، فتعجب الإمام وقال: حقَّ لك أن تكون قاضياً.

    وهذا الأمر فيهم كثير، يقول الإمام أبو حاتم الرازي : أول ما رحلتُ مشيتُ إلى البحرين ، ثم خرجتُ منها إلى مصر ماشياً، ثم إلى الرملة ، ومنها إلى طرسوس ماشياً. عشرون عاماً يرتحل من بلد إلى بلد على قدمه.

    إن هؤلاء بذلوا -وهذا الشاهد- فأعطاهم الله عز وجل، وفتح عليهم.

    الإرادة الصلبة

    الأمر الرابع: الإرادة الصلبة :-

    إن من يريد النجاح ينبغي له ألا يكل ولا يمل، وتكون لديه إرادة صلبة في أن يبلغ هدفه، ونقولها مراراً وتكراراً: حاول، تقول: جربتُ، نقول لك: جرب أخرى .. جرب ثالثة، تقول: جربتُ مائة مرة، نقول: جرب مائة مرةٍ ومرةٍ لعلك أن تنجح، ولا تيئس.

    إن الإرادة الصلبة والعزيمة تبلِّغ صاحبها المشتهَى، وانظر إلى الإمام الجويني النيسابوري الشافعي، وانظر إلى الإرادة والعزيمة! يقول: أنا لا أنام، ولا آكل عادةً، وإنما أنام إذا غلبني النوم ليلاً كان أو نهاراً، وآكل إذا اشتدت شهوتي للطعام، أي وقتٍ كان، وكانت لذتي ونزهتي في مذاكرة العلم وطلب الفائدة من أي نوعٍ كانت. انظر إلى الإرادة والعزيمة! لا ينام، كل ذلك طلباً للعلم والتوفيق.

    إن من أراد النجاح لا بد له أن يكون عنده شيءٌ من التحدي وقهر الصعوبات، يقول الإمام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: [إن لي نفساً توَّاقة، ما تاقت إلى شيءٍ إلا نالته، وقد تاقت يوماً إلى الخلافة ونالَتْها، وإنها اليوم تتوق إلى الفردوس، فأعينوني عليها]، تحدٍ، يريد الشيء فيتحدى كل الصعوبات حتى ينال مراده.

    تطوير النفس

    إن من أراد النجاح عليه أن يطور نفسه، وأن يغير من أسلوب تحصيله لما يريد :-

    فإنَّا في عصرٍ تطورت فيه الأمور والأساليب والوسائل، وإنه على طالب العلم، ومن أراد النجاح في عصره أن يواكب عصره، وإن المعلومات لتتجدد في عصرنا كل جزء من الثانية، فلا يصح أن تتخصص في مادة وتقرأ فيها، وإذا بك في النهاية تقرأ فيما مضى عليه عشرون أو ثلاثون أو مائة سنة، وتخصصك قد تطور وتقدم آلاف الأميال.

    فلا بد -حقيقةً- من تطوير أسلوب الطلب، وهو في علم التربية مهارة، بل إنه نوعٌ من المعارف، أسلوبُ الطلب وطريقتُه ووسيلتُه معارف.

    ونقول على سبيل المثال: جهاز الحاسوب الإلكتروني إنه مهارة ومعرفة، أقولها بملء فِيَّ: لا يحسن لطالب علمٍ في عصرنا أن يغض النظر عنه، أو أن يتجنبه، أو ألا يتعلمه إطلاقاً، فهو جاهل في عصره -بملء فِيَّ- وإن به ليُدْرِك ما لا يُدْرِك في غيره أضعاف أضعاف، فإن في اسطوانة واحدة منه لربما الكتب التسعة، بل السنن كلها، فأين هذا من عشرين أو ثلاثين كتاباً، ولا يغني ذلك عن مطالعة الكتب؛ لكن أقول: ينبغي ألا نجانب عصرنا، وأن نأخذ بوسائله كي نتطور ونتقدم.

    عدم مصادمة السنن الربانية

    ثم إن في الكون سنناً ربانية، وآليات ينبغي -أخي- ألا تصادمها :-

    وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً [النبأ:10-11]، فلا يمكن لمريد النجاح أن يسهر في عمل الليل، إنما الجد والنشاط والمثابرة في النهار، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (بورك لأمتي في بكورها)، وجرِّب كم في ساعات البكور من بركة، تقرأ فيها وتتعلم وتتفهم ما لا تدركه حتى في وضح النهار، فضلاً عن الليل.

    إن في الترتيب والتنظيم سنة كونية، علَّمنا الله إياها، فهو رَتَّبَ أوقات حياتنا بصلوات خمس، ودعمنا بِعِيْدَين، وغيرها كثيرٌ من أمورنا ترتبت بأوقات، لِمَ؟! عبثاً؟! تعالى الله عن العبث!! إنما يعلمنا الترتيب والتنظيم والأولويات.

    هل يصح أن تنهي يومك بقيامٍ وتهجُّدٍ دون أداءٍ لفريضة؟! لا يمكن، ولا يُقْبَل، ولذلك لا بد أن تتعلم الترتيب، والأولوية، والنظام؛ حتى تكون موفقاً وناجحاً، ومن تبعثرت أوقاته وأولوياته فلا يؤمِّل النجاح، فإنه لن يصل.

    التركيز

    ثم إننا -أيها الأحبة- ينبغي أن نعطي أنفسنا شيئاً من التركيز :-

    إن أردنا النجاح نركز فيما نحن فيه، فمثلاً: من يقرأ كتاب مادة عليه أن يركز فيها ولا ينشغل بغيرها؛ لأنه لن ينتفع، لا منها ولا من غيرها إذا لم يركز، ولذا قال الله: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4] فإذا أردت أن تفهم المادة وتنجح فيها، فلا تفكر في عشائك، ولا تفكر في المباراة، ولا تفكر في العطلة، ركز الآن؛ ولكل شأنٍ وقته، إن أردت أن تعي وتفهم وتحفظ ما أنت تقرؤه.

    الترفيه عن النفس

    ثم لنعلم -أيها الأحبة- أن الترفيه ليس أمراً ثانوياً :-

    الترفيه عن النفس ليس أمراً ثانوياً، بل هو من أساسيات حاجات الإنسان، إن القلوب إذا كَلَّت مَلَّت.

    فينبغي أن يكون المؤمن وسطاً، يعطي هذا وذا.

    تأجيل الرغبات

    ثم ينبغي لطالب النجاح أن يتعود تأجيل الرغبات :-

    فهو يشتهي الساعة شيئاً، وهو في شغل، وهو في تعلم، فيؤجل، ويعوِّد نفسه على تأجيل الرغبة؛ لأنه إن لم يعوِّد نفسه سينصرف عن الانتباه.

    فأنت تجلس في محاضرة، وتشتهي الساعة كوباً من الشاي أو القهوة، وتطاوع نفسك في شهوتها لن تفهم ولن تسمع ما يقال، لماذا؟ لأن قلبك مع الشهوة، وعلى ذلك قِسْ.

    أما إن كنت عوَّدت نفسك على تأجيل الرغبة، والصمود، والإرادة الصلبة فإنك ستعي ما يقال.

    التميز

    ثم أقول -أخي الحبيب- لا تكن شخصاً عادياً :-

    وُلِدَ عادياً، وعاشَ عادياً، وماتَ عادياً، وكُتِبَ على قبره: هذا إنسان عـادي، لا، بل كن أنت مِمَّـن عَنَى الله: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74] قال: (لِلْمُتَّقِينَ) لا عامة الناس، وإماماً لهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة) فقل: أنا الراحلة -من بين المائة- حتى يؤخذ بقولك، ويُشار إلى عملك، وتكون ممن يُقْتَدى بك.

    يقول الإمام أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي : إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطَّلَ لساني عن مذاكرة، أو مناظرة، وبَصَرِي عن مطالعة، أعْمَلْتُ فكري في حال راحتي، وأنا منطرح -حتى في حالة استراحته يُعمل فكره- فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسَطِّره، وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أَكْلِي، حتى أختار سَفَّ الكعك، وتحسيه بالماء على الخبز لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، يقول: توفيراً لوقت مطالعة، أو تسطير فائدة مما لم أدركه فيه، وإن أجل تحصيلٍ عند العقلاء بإجماع العلماء هو الوقت، فاحرص عليه.

    لزوم التأني والسكينة

    وأخيراً -أخي الحبيب-: إن عليك أن تتأنى، وأن تلزم السكينة في الطلب، وأن تصبر :- (ما أعطيتُم عطاءً أوسع من الصبر)، كذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم.

    يقول الإمام الشافعي :

    ألا لن تنال العلم إلا بستةٍ     سأنبيك عن مجموعها ببيانِ

    ذكاءٌ وحرصٌ واصطبارٌ وبلغةٌ     وإرشادُ أستاذ وطول زمانِ

    لا بد أن تصبر على الطلب، لا تتطلع إلى الوظيفة، وإلى البيت، وإلى الزوجة، وما إلى ذلك قبل أن تنتهي مما أنت فيه، وإن رزقك الله شيئاً منها فذاك فضل الله يؤتيه من يشاء، إلا أنه ينبغي أن تصبر على الطلب؛ حتى تكون رأساً في الأمر مقتدىً به.

    وفقني الله وإياك لكل خير، وبِرٍّ ورشاد، وكَتَبَ لي ولك النجاح في الدنيا والآخرة.

    اللهم إنا نسألك توفيق أبناء المسلمين لكل ما تحبه وترضى، نجِّحهم، وخذ بأيديهم إلى كل برٍ وإحسان.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وبهدي النبي المصطفى الكريم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله الجليل العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    رسالة إلى أولياء الأمور والمعلمين

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

    ثم أما بعد:

    أحبابي في الله! أيها الأخ الحبيب! إني أوجه هذه الرسائل إليك وإلى من يهمه أمرك:

    أولهم: الآباء، والأمهات، وأولياء الأمور :-

    أعطوهم من الوقت الكفاية حتى ينهضوا بما هم فيهم من طلب، وإن الأمة لترجو منهم الكثير، فاحتسبوا ذلك، احتسبوا هذا الوقت نصراً للأمة، ورفعةً لشأنها، أعينوهم، وسخروا لهم كل ما يعينهم على ذلك.

    أما أنت أيها الأستاذ أو المدرس، فاتقِ الله في أبناء المسلمين، وأدِّ الأمانة التي استرعاك الله تبارك وتعالى عليها، اشرح وأعن، فإن ذلك أمانةً سيسألك الله عنها، وإذا جاء وقت الامتحان فيسِّر ولا تعسِّر، ولا تكن ممن يزيد التوتر في نفس الطالب أو التلميذ، بل ادخل عليهم وهدئ من روعهم، وأخبرهم أن الأسئلة بسيطة، قل: يعينك الله، فسمِّ وتوكل على الله، واسأل عما لا تفهم، كن كذا هيِّناً ليِّناً، كما قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن هيِّن ليِّن، وإن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنْتَزع من شيءٍ إلا شانه).

    1.   

    توجيهات لمن أراد النجاح

    ثم إليك أخي الحبيب :-

    يا من نرجو أن تكون عالماً، وصانعاً، ومبتكراً، ومخترعاً، وإماماً، وقائداً، ومعلماً!

    يا من أنت مستقبَل أمة محمد بإذن الله، تأخذ بأيديها إلى كل عز ورفعة، وإلى ابتكارٍ، وصناعة، واستغناء عن كافر!

    يا أيها الشاب المؤمن: إن أمتك هذه هي أمة العلم، من بداية إرسال محمد في أول آيةٍ أنزلها الله عليه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، فخذ من العلم، ولا تتأخر، ولا تتوانَ، ولا تبخل على العلم بشيء، وإليك بعض الوصايا لعلها تعينك غداً.

    البدء باسم الله والدعاء

    إذا دخلت فادخل باسم الله :-

    فإن في اسمه بركة وإعانة، (وكل أمرٍ لا يُبدأ فيه باسم الله فهو أبتر) قل: باسم الله، ثم اطلب ربك، والله قريب، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186]، وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، قل: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:25-28]، قل ما علَّمك نبيك: (اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، بيدك أن تجعل الحَزَن إذا شئت سهلاً)، فإذا بك تتنزل عليك الطمأنينة، والسكينة، ويذكِّرك الله ما نسيتَ، نعم.

    قراءة الأسئلة بتمعن ثم وضع خلاصة الإجابة حولها

    ثم بعد أن تسمي وتدعو ربك: اقرأ الأسئلة مرة واثنتين وثلاثاً، علك أن تفهم المراد، ولا تتعجل :-

    فإن الوقت كله ملكك من أول دقيقة إلى آخر دقيقة، اقرأ الأسئلة وتمعَّن.

    ثم ضع خلاصة الإجابة حولها :-

    كنقاط وعناصر؛ حتى لا تنساها مع الكتابة.

    الثقة بالنفس

    فإذا بدأتَ ابدأ وكلك ثقة أنك تعرف الحل :-

    وأنت تعرفه، فاكتب.

    قراءة الإجابة قبل إرجاع الورقة والتوكل على الله

    ثم إذا انتهيتَ اقرأ الإجابة ولا تسلم الورقة حتى تراجع إجابتك :-

    كي تتمكن من أداء المطلوب بالكامل.

    ثم إذا خرجتَ قل: يا رب، أديتُ ما عليَّ، وعليك التوفيق، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بك :-

    فهذا هو المؤمن الحقيقي.

    عدم الانشغال بالامتحان الماضي

    وانسَ امتحان اليوم، وتطلع إلى امتحان الغد :-

    لا تشغل بالك فيما مضى، فإنه لن يغير شيئاً، وإذا فاتك شيء فلا تحزن، فليس إلى إرجاع ما مضى سبيل، وانظر إلى الأمام.

    وأسأل الله تبارك وتعالى أن يفتح عليك، وأن يربط على قلبك، وأن يوفقك إلى كل خيرٍ، وبِرٍّ، ونجاح.

    اللهم إنا نسألك يا إلهنا أن تخرج لنا من أبنائنا وأبناء المسلمين كلَّ قائدٍ، وعالِم ربانيٍّ، مؤمنٍ، مبتكرٍ مبدعٍ، لا إله إلا أنت، أحْيِ أمتنا بشبابها، علماء ربانيين، ومبدعين، لا إله إلا أنت.

    وصلوا وسلموا على الهادي البشير، والسراج المنير، نبي الرحمة، خير من تعلَّم وعلَّم، صلوات الله وسلامه عليه.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم على إمامنا وسيدنا وحبيبنا وقدوتنا ومعلمنا ونبينا محمد.

    وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعن سائر الأصحاب والأتباع ومن سار على نهجهم وطريقهم إلى يوم الدين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، وانصر عبادك الموحدين، ودمر أعداءك أعداء الدين.

    اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك.

    اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، وثبت أقدامهم، وسدد رميهم، واقذف الرعب في قلوب أعدائهم.

    اللهم إن الكفر قد طغى وبغى وأنت جبار السماوات والأرض، اللهم إنهم لا يعجزونك، اللهم فأحصهم عدداً، وأهلكهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

    اللهم بارك لنا في هذا الصيب النافع، اللهم اجعلها سقيا رحمة، اللهم ارفع بالمطر هذا عنا الغضب والسخط، اللهم والسوء والبليات، واجعله بريد عتقٍ من النار، وعفوٍ، وغفران.

    اللهم اجعله بريد رحمة، تملأ بها ديارنا، وقلوبنا، وأوطاننا، لا إله إلا أنت أرحم الراحمين.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله الجليل العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011763360

    عدد مرات الحفظ

    722210805