إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (17)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أنعم الله على بني إسرائيل بنعم كثيرة منها أنه أنجاهم من آل فرعون، وجعل منهم أنبياء، وأنزل عليهم الكتب وغيرها ومع هذا كانوا من أجحد خلق الله وأكفرهم بتلك النعم، فناداهم الله آمراً لهم بأن يذكروا تلك النعم التي لا تعد ولا تحصى، فيشكروا الله عليها بأفئدتهم وألسنتهم وجوارحهم، ولا شك أن في هذا الأمر توجيهاً لنا نحن المسلمين بأن نذكر نعم الله ونشكره عليها؛ فنجعل حياتنا كلها لله وإلى الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ...)

    الحمد لله نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:40-43] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    التعريف ببني إسرائيل

    من المنادي يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:40]؟

    الله ناداهم. بأية واسطة؟ بواسطة كتابه ورسوله، الكتاب هو هذا القرآن العظيم، والرسول الواسطة الثانية، وهو النبي الرءوف الرحيم صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    ومن هم بنو إسرائيل؟

    أولاد إسرائيل وبنو إسرائيل بمعنى واحد، بنو فلان أو أولاد فلان، نحن أولاد إسماعيل، قيل في ابن: ابن؛ لأنه مشتق من البناء، لأنه يوضع عليه الأب والأب فوق الأب وهكذا أو دونه كالبناء، والجمع أبناء، جمع تكسير، ويقال: (بنو) جمع سلامة، (بنو وبني) ملحق بجمع المذكر السالم.

    وإسرائيل: (إسرى) بمعنى عبد، و(ئيل) بمعنى الله، وإسرائيل نظيره ميكائيل .. جبرائيل .. إسرافيل، عزرائيل .. فالكل: عبد الله، سواء بعبد الله أو بعبد الرحمن أو ما إلى ذلك، وكلنا عبد الله، وإسرائيل هذا لقب وليس باسم، اسمه العلم على ذاته هو يعقوب، ووالده هو إسحاق، والجد إبراهيم؛ فهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً السلام.

    ويعقوب هو البشارة التي جاءت في قول الله تعالى لما استضاف ثلاثة من الملائكة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل. استضافوا: أي طلبوا ضيافة إبراهيم الخليل عليه السلام، وهم في طريقهم لأداء مهمة عظيمة، ألا وهي نسف المدن، وقلبها ظهراً لبطن، والعالي إلى أسفل؛ لأن تلك المدن خمت وتعفنت بأوضار الشرك وأكبر جريمة، وهي اللواط، والعياذ بالله تعالى. وفعلاً جُعل عاليها سافلها، وأصبحت بحيرة منتنة وهي إلى الآن موجودة، واسألوا عن البحر المنتن أو الميت في فلسطين.

    إذاً: نزلوا ضيوفاً على إبراهيم، وقد قص الله تعالى علينا كيف أكرمهم إبراهيم؛ إذ شمر عن ساعديه، وذبح عجلاً وشواه، وقدمه مشوياً، فجاء بعجل حنيذ فقال: ألا تأكلون؟ عرض عليهم بأسلوب العرض لا العزم، العزم: كلوا، قال: ألا تأكلون. ولهذا أهل المغرب يقولون: العرض، وأهل المشرق يقولون: العزومة، تعرفون هذا أو لا؟ المغاربة يقولون: اليوم عند فلان عرضة، أنت معروض. وأهل المشرق يقولون: عزومة كذا.

    أيهما ألطف عزومة أو عرضاً؟

    بعض الناس يناسبهم العرض؛ لأن مستواه رفيع لا يستخدمه كالعبد: كل، بالقوة، (ألا تأكل). وبعض الناس يحتاجون إلى العزومة؛ لأنهم يغلبهم الحياء فإذا قيل: ألا تأكل، ألا تحضر عندنا اليوم؟ يقول: لا، حياء. فهذا يستعمل له العزم: أنت معزوم اليوم.

    فلما قدم العجل المشوي، المصلي، المحنوذ قال: ألا تأكلون؟ فقال جبريل عليه السلام: إنا لا نأكل طعاماً إلا بحقه. قال: فكلوه إذاً بحقه، ما عندنا مانع .. كلوه بحقه، قالوا: وما حقه؟ قال: أن تسموا الله في أوله، وتحمدوه في آخره، وأنتم أيها الآكلون لا تسمون الله ولا تحمدونه على طعامكم، فأنتم آكلون للحرام .. سرق، مغتصبون؛ أكلتم بدون إذن ربكم، هل يجوز لنا هذا؟ وعليك قبل أن تتناول الملعقة أو اللقمة أن تقول: باسم الله؛ إذ لولا أنه أذن لك ما حل لك، وإذا طعمت، وإذا رويت وشبعت قل: الحمد لله، شكراً له على إنعامه.

    وروي ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما رفعت سفرته من بين يديه .. ) سفرة! إياك أن تفهم أنها كسفرتكم! ( ما رفعت سفرته من بين يديه إلا قال: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ). طيلة حياته، ونحن مع الأسف تجد نصف المسلمين لا يعرفون بسملة ولا حمدلة، يأكلون وهم يغنون ويصفرون، من أين لهم أن يأكلوا هذا الطعام بدون إذن مالكه ومبيحه لهم، ومعينهم عليه، فلولا الله ما أكلنا، ولا قدرنا على مضغ لقمة.

    فلما قال إبراهيم: كلوه بحقه، وعرفهم حقه ما هو، التفت جبريل إلى ميكائيل وقالا: حق للرجل أن يتخذه ربه خليلاً.

    هذه جائزة نوبل، دكتوراه، (حق للرجل) أي: ثبت له، أن يتخذه ربه خليلاً، إبراهيم خليل الله أو لا؟ كيف وصل إلى هذه المرتبة؟ كيف سما إلى هذا المكان العالي؟ بهذه المعارف، عرفتم؟!

    وهنا بشروه بإسحاق وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71]، ولا يملك هذه البشرى إلا من بلغها عن الله، وامرأته -كما تعرفون- عجوز كأمهاتنا كبيرة في السن وعقيم وعاقر، وإبراهيم بلغ الثمانين أو المائة والعشرين، فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [الذاريات:29] .. وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ [هود:71-72]. قالت الملائكة: قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود:73] يا ليتنا كنا منهم أهل البيت.

    فبشروها بإسحاق وهي -كما عرفتم- عجوز، وزوجها شيخ كبار، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71] أي: ستلدين ولداً وتسميه إسحاق، وسوف يكبر ويتزوج، ويولد له ولد اسمه يعقوب.

    ومن يقدر على هذه البشرى؟ هذا لا يقدر عليه إلا الله، هذا هو يعقوب الذي عقب إسحاق وجاء بعده، لقب بإسرائيل، ولا نقول: كني؛ لأن التكنية بالأب أو الأم أو الولد: أبو إبراهيم، أبو زينب، أما اللقب فقد يكون لقب رفعة، وقد يكون لقب خسة، كأنف الناقة! هل هناك من يلقب بأنف الناقة؟ هذا لقب رفعة أو لا؟ لقب حطة وخسة، ويلقب بناب الأسد.

    فهذا لقب ليعقوب، لقب بإسرائيل، نسب إلى الله؛ لأنه له، جاء من عنده وعاش له وإليه.

    فلما ولد يعقوب اثني عشر ولداً: يوسف .. بنيامين .. يهوذا.. فلان .. فلان .. رزقه الله باثني عشر ولداً، وأولئك الأولاد ما منهم أحد إلا وأصبح رئيس قبيلة .. أبو قبيلة، وهم يسمونهم بالأسباط جمع سبط.

    قالت العلماء: الأسباط كالقبائل عند العرب، وهؤلاء الأسباط هم بنو إسرائيل، أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الملقب بإسرائيل.

    عرفتم الآن من هم بنو إسرائيل؟

    وهل يوجدون اليوم؟ إي نعم، وهم اليهود، وسموا (اليهود) نسبة إلى يهودا أحد أبناء يعقوب، والصحيح أنهم أخذ لهم هذا الاسم من هاد يهود إذا هبط، وما زال من العوام بعضهم يقول: هود، بمعنى اهبط من السطح إلى الأرض، فهم هووا من علياء الكمال إلى سفلة المخلوقين، لماذا؟ بكفرهم .. بكذبهم .. بعنتريتهم .. بإجرامهم هبطوا.

    بنو إسرائيل يحافظون على نسبهم، لم ما تتزوج اليهودية غير يهودي، واليهودي لا يتزوج غير يهودية؟ لأنهم يفهمون أنهم شعب الله المختار، فلا يقبلون أن يدخل فيهم غيرهم، ويقضون ويحكمون على أن البشرية كلها نجس، وهم الأطهار، فلهذا يحلمون بأن يسودوا البشرية ويحكمونها، وقد طلعت الشمس لهم في هذا الباب، وحكم سليمان العالم .. سليمان ساد العالم الموجود في عهده.

    التذكير بنعم الله على العباد

    الآن يناديهم الرحمن الرحيم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40] وما أحرانا نحن بهذا النداء: يا أتباع النبي محمد اذكروا نعمة الله عليكم! كنتم جهلة فأصبحتم علماء .. كنتم مسودين أصبحتم سائدين .. كنتم ضلالاً أصبحتم هداة مهديين .. كنتم وكنتم، هذه نعمة الله عليكم، إنها دين الإسلام، فلا تنسوها واذكروها.

    هل هذا الذكر يجدي وينفع؟

    إي نعم، واعمل تجربة، ومن أراد أن يجرب باسم الله: أنت خال بنفسك وإن كنت في الصلاة، استعرض بصدق نعم الله عليك واذكرها، فإنك لا تلبث أن تذرف عيناك الدموع، ويقشعر جلدك.

    أعود فأقول: إن لذكر النعمة أثراً عظيماً وهو أنه ما تلبث أن تحمد الله وتشكره، وتثني عليه خيراً.

    والذين لا يستعرضون نعم الله عليهم ولا يذكرونها أنى لهم أن يشكروا الله، وإن شكروا بكلمة (الحمد لله) لكنها ليست من قلوبهم، بل من شفاههم وألسنتهم.

    كيف تذكر نعمة الله؟

    لا تتصور إلا أنك عامل أو فقير، اذكر أيام كنت كذا .. أيام حصل لك كذا .. أيام مرضت .. أيام تعرضت لكذا .. أيام .. أيام .. اذكر تلك الأيام تتجلى لك نعم الله، وتجد نفسك مضطراً لأن تقول: الحمد لله .. الحمد لله .. الحمد لله.

    لم ما قال تعالى: يا بني إسرائيل اشكروا نعمة الله عليكم، ولم يقل: اذكروا؟ لأنه إذا قال: اشكروا لا يستطيعون أن يشكروا، ما هم متأهلين، فقد غلبتهم الدنيا وأهواؤها وأطماعهم، لكن إذا ذكروا نعمة الله شكروا.

    هل أدركتم هذا المعنى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40]؟

    ولفظ النعمة اسم جنس، والمراد نعمى، كقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] إن كانت واحدة كيف لا تحصى ولا تعد؟ لكنها نعم، فنعمة اسم جنس كلفظ الإنسان تحته بليارات الناس.

    1.   

    كيفية شكر الله على النعم

    أعيد فأقول: يا عباد الله! يا مؤمنون! يا مؤمنات!

    من أراد أن يشكر الله فليذكر بقلبه نعمه عليه، لا يتجاهل، ولا يتناسى، ولا يغفل، ولا يعرض، يذكر النعم، فإن ذكرها يدفعه إلى شكرها.

    وشكر النعمة يكون أولاً بالاعتراف بها لله؛ إذ قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:53]، وما بكم من نعمة صغرت أو عظمت فهي من الله.

    الاعتراف بأن هذا البصر، أو هذا السمع، أو هذا المنطق، أو هذا الريال، أو هذه الجلسة التي حرمها ملايين البشر، من مصدرها؟ من واهبها؟ الله، فإذا ذكرت النعمة بقلبك فسوف ينطلق لسانك بحمد المنعم وشكره: الحمد لله .. الحمد لله، وهذا ثانياً.

    فإذا حمد الله بعد ذكر النعمة، لا تقليداً وغفلة، عرف النعمة فقال: الحمد لله، والحمد لله رأس الشكر. فإذا كان الشكر هيكل كالإنسان أو الحيوان رأسه الحمد لله، فلهذا لا يستهينن أحدنا بكلمة: الحمد لله، على شرط أن تخرج من القلب فلا تطلقها باردة، أخرجها حارة: الحمد لله.

    ثالثاً: إذا كانت النعمة موجودة قائمة فمن شكرها أن تصرفها فيما من أجله أعطاكها الله.

    يا من اعترف بنعمة الله عليه، وبادر بحمد الله وشكره عليها! اعلم أنك خطوت خطوتين جليلتين وبقيت الثالثة وهي الأصل، فلا شكر إذا لم تصرف تلك النعمة فيما من أجله أنعم الله بها عليك.

    تريدون أن نعمل أو أن دروسنا كأيام مضت في القرن العاشر للبركة، جلسنا للبركة أو جلسنا لطلب العلم؟

    لم نطلب العلم؟ لأنه نور ولا هداية بدون نور، والواقع شاهد.

    من أين نطلب العلم؟ من مصدره .. من ينبوعه .. من وحي الله الذي سماه نوراً: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8].

    شكر الله على نعمة البصر

    باسم الله نبدأ بالعينين.

    أسألكم بالله: أنعمة البصر نعمة أو لا؟ أجل نعمة، فالذي يفقد بصره أمره إلى الله، حتى إن المؤمن إذا امتحنه الله وابتلاه ليظهر طيبه فأخذ بصره عوضه الجنة، ليس هناك عوض إلا هي.

    ما من عبد يأخذ الله بصره فيصبر ولا يجزع إلا كان الجزاء الجنة فقط، ما هي ألف حسنة ولا مليار، ليس له جزاء عند الله إلا الجنة.

    كيف نشكر نعمة البصر يا شيخ؟

    البصر ينطق! الجواب: لا. شكر نعمة البصر ألا تنظر فيما حرم الله عليك النظر إليه، فهذه نعمة اصرفها حيث يريد الله، انظر بها السماء والملكوت الأعلى .. انظر بها الطريق الذي تسلكه .. انظر بها الكتاب الذي تقرؤه .. انظر بها الطعام الذي تأكله، أما أن تنظر إلى أمرد تتلذذ برؤياه، أو تنظر إلى محرم من النساء، فقد صرفت النعمة فيما حرم الله، وأنت تغضب الله بهذا.

    يقول الله: أنا أعطيك نعمتي لتطيعني بها فإذا بك تعصيني!

    ولولا أن الله حليم لسلب هذا البصر، نظر متعمداً نسي ربه، وإذا ببصره انتهى. عرفتم نعمة البصر.

    أو تنظر إلى عاهرة ترقص أمامك، وترفع ساعديها وثدييها وأنت مغرم بها كأنك لم تعرف غيرها، ولم تكن من أهل الإسلام!

    لا إله إلا الله، عجب يا عرب! عجب هذا!

    تمر المرأة أو تشرف من سطحها أو نافذتها والإنسان يحاول، بل يريد أن يستنطقها بأذية حتى تنظر إليه وتكلمه! هذا ملكه الشيطان، سُخِّر في وجه إبليس.

    لعل هذا غير واقع؟! أما بلغكم قول ربكم تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، ما قال: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم، كيف يمشون إذاً؟ كيف يعملون؟ يغضون من البصر عندما تظهر المعصية، والحمد لله عندنا هذا الجفن عجب! تغمض عينيك بسهولة، لا ألم ولا تعب، وتفتح بسهولة، أرأيتم لو ما كان لنا أجفان والعيون مفتوحة فقط، كيف نطيع الله؟

    إذاً الحمد لله. إن شاء الله نكون من الشاكرين لهذه النعمة، خل المؤمنات يخرجن فلن ننظر إليهن.

    شكر الله على نعمة السمع

    ومن البصر إلى السمع، الآذان آلات السمع أو لا؟

    هذه النعمة؛ نعمة السمع جليلة وعظيمة، أرأيت الأصم الذي لا يسمع ادعه .. ناده، لا يسمع.

    هذه النعمة كيف نشكر الله تعالى عليها؟

    ألا نسمع .. ألا نصغي بآذاننا إلى كلمة تغضب ربنا، ولا يرضى بها.

    هل فهم السامعون والسامعات؟!

    فإذا سمعنا أحداً منا يغتاب، ويذكر فلاناً وفلاناً بما يسيء إليه، لا نسمع، ونغلق آذاننا.

    ومما هو واضح عندكم سماع أصوات المغنيات من العواهر، والتلذذ بتلك الأصوات.. آلله أذن لكم في هذا؟ أتحداكم.

    كيف أصبح المسلمون يتلذذون بأصوات العواهر وأغانيهن؟! لأنهم فقدوا نور الله، وكونهم مسلمين بالاسم أو لهم رغبة في الإسلام هذا غير مجد. ما عرفوا، إلى الآن تجد بين المسلمين من يقول: الأغاني ماذا فيها؟ ما فيها شيء! يقولون أو لا؟

    والله ما جاز لمؤمن أن يسمع امرأة تغني إلا أن تكون جاريته، أيام كان الجواري: غنِ يا جارية. لا بأس؛ يملكها ويملك صوتها، وحتى فرجها، فلا بأس، أما أن تغني امرأة لفحول الرجال، وهم يسمعون، وقد يتلذذون، إي نعم، فهذا منكر .. باطل .. حرام .. ذنب، ويتولد عن هذا الذنب موت القلوب، ثم الوقوع في الفجور، والتلطخ بالآثام والذنوب.

    إذاً: لا تسمع بأذنيك ما يغضب ربك: لا غيبة، ولا نميمة، ولا سخرية، ولا استهزاء بالإسلام ولا بالمسلمين، ولا كلمة الكفر، ولا ولا.. إذا سمعت من هذا النوع أغلق أذنيك، أو خذ نعلك واخرج.

    وجاء هذا في القرآن من سورة الأنعام: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68] فإذا جلس المؤمن مجلساً، وأخذوا يغتابون ويطعنون يأخذ نعله ويخرج، تعال تعال! لا، أو أدخل أصبعيه في أذنيه.

    وقد روي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان في طريقه مع مولاه نافع في البراري والصحارى أيام الفتح، وإذا براعي غنم أو إبل أو بقر يزمر بالزمارة.

    زمارة الراعي تعرفون عنها؟ وعلى كل حال العبرة ما هي بالأسماء.

    فأدخل ابن عمر أصبعيه في أذنيه، وأسرع الدابة، ومشى ثم لما تجاوز المنطقة قال: هل انقطع حس الزمارة يا نافع، مولاه؟ قال: نعم. فأخرج أصبعيه من أذنيه ومشى في الطريق الهوينا، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.

    أما نحن فماذا نقول؟!

    بالمدينة النبوية والحمد لله هذا الصوت نفع الله به، مضت أيام والله يا أبنائي وإن كنت واهماً سددوني، كان الدكان من أعلاه إلى أسفله بإطار خاص كله أشرطة أغاني، هل هذا صح أما أنا أكذب؟ في لندن أم المدينة النبوية؟ هنا. دكان بالإطار الخاص، كما يقولون: ديكور. من أعلى إلى أسفل أشرطة أغاني تباع للمؤمنين والمؤمنات، كيف كنا؟ متنا أم ماذا؟

    الحمد لله، يخبرني بعض الإخوان: يا شيخ! لقد كانت غرفتي أو مكتبي من أعلاه إلى أسفله أشرطة أغاني، وحولتها كلها إلى أشرطة علم ومنافع.

    كيف تبيع أشرطة العواهر في مدينة الرسول يا أعمى؟! يا من لا قلب لك ولا ضمير؟!

    إذاً حفظنا أسمعانا، شكرنا ربنا، لا نسمع إلا ما فيه رضا ربنا.

    شكر الله على نعمة اللسان

    ومن السمع والبصر إلى اللسان .. إلى المنطق.

    اللسان نعمة أو لا؟ أرأيتم الأبكم كيف حاله؟ يشير بأصابعه ورأسه لا يستطيع أن ينطق بكلمة بله بحرف واحد، نعمة عظيمة هذه أو لا؟ نعمة عظيمة.

    كيف تشكر هذه النعمة؟

    طريق شكرها لله ألا ننطق بكلمة سوء ولا بذاء ولا فحش، هذا من حيث آدابنا، لا ننطق بالبذاء ولا بالسوء ولا بالفحش أبداً، وثانياً: لا ننطق بكلمة تسيء إلى مؤمن أو مؤمنة، أو تضر بمؤمن أو مؤمنة، أو تؤذيهما بأي نوع من الأذى، وفوق ذلك ألا نقول كلمة نكفر بها، ونخرج من دين الله كالاستهزاء بأولياء الله .. كالاستهزاء بآيات الله .. كالاستهزاء بشرائع الله .. وقد وقع في هذا كثيرون، بل ملايين ويزعمون أنهم مسلمون، ويسخرون من آيات الله ومن أولياء الله وعباد الله.

    إذاً: هكذا نشكر الله بألسنتنا أو لا؟

    والذي يغني بلسانه بألفاظ البذاء، والدعارة، والدعوة إلى الخنا، هل هذه نعمة شكرها بهذا؟

    هذه النعمة تشكر بالذكر، والثناء على الرب .. بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. بتعاليم الله ونشرها .. بتعليم الناس وإنقاذهم من الجهالات ووهدتها، بهذا تكون هذه النعمة قد شكرت.

    ومن دخل السوق والناس في شغلهم الشاغل فرفع رأسه وأرسل صوته، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وإليه المصير، وهو على كل شيء قدير؛ كتب له مليون حسنة، وحط عنه مليون سيئة، ورفع مليون درجة .. ألف ألف كما يقول الرسول، فما عندهم لفظ المليون.

    أما ما يذكروه عن رسول الله: روح عن نفسك ساعة وساعة، هل هذا صحيح أو لا؟ هذا معناه صحيح، وروايته أيضاً صحيحة.

    لكن لمن يقال هذا الكلام؟ هل يقال لشخص يذكر الله: اترك الذكر، وغن ساعة وساعة! فهمتم، هل يقال هذا لمن يفتح التلفاز ويشاهد الراقصات يرقصن وهو ينظر ويبتسم ويقول: روح على نفسك ساعة فساعة؟!

    هذا يقال لمن صام ولم يفطر، وقام ولم ينم، يقال له: يا عبد الله! روح على نفسك، كل كما يأكل الناس .. اشرب كما يشربون .. استرح ساعة .. لا تواصل أربعة وعشرين ساعة وأنت تذكر .. أعط الراحة لنفسك.. عرفتم؟ هذا معنى (روح على نفسك).

    ليس معناه: ساعة افجر وساعة اعبد! أعوذ بالله، هذا كفر.

    أذن لنا في الفجور لنروح على أنفسنا؟!

    هذا الترويح بيناه بأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يشتغلون ثمان ساعات .. عشر ساعات، فإذا غابت الشمس ودقت الساعة السادسة، ذهبوا يروحون على أنفسهم في المراقص .. في المقاصف .. في الملاهي .. في دور السينما؛ لأنهم لا أمل لهم في السماء ولا الملكوت الأعلى، آيسون، ماذا يصنعون؟ ثمان ساعات وهم في الشغل، فإذا فرغوا من يروح عليهم؟ يذكرون الله؟! ما عرفوه.

    يصلون على النبي؟! ما آمنوا به.

    يذهبون إلى بيوت الرب؟ ما عندهم أو مغلقة، فيذهبون إلى الباطل.

    فهل المسلمون مثلهم؟ المفروض -والله- ما نحن بمثلهم، لكن الجهل غلب علينا فأصبحنا أيضاً إذا دقت الساعة السادسة وأغلق باب العمل نذهب إلى الملاهي؛ لأننا فقدنا النور الإلهي، ما عرفنا، وإلا المفروض والواجب إذا انتهينا من العمل الذي ما عملناه إلا لله، لا هدف إلا الله، سواء كان مصنع ينتج كذا، أو مزرعة تنتج كذا، أو متجر ينتج كذا.. ما نعمل إلا لله.

    يا شيخ! كيف تقول هذا؟

    إي والله، إنا لله، وكلنا لله، فإذا فرغنا من العمل نذهب إلى بيوت ربنا، فنروح على أنفسنا بذكر الله، والاتصال به ومناجاته، وسماع الهدى والنور النازل من عنده، لكن ما علمونا هذا، ما عرفنا.

    نعود إلى نعمة اللسان، واسمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم حين يسأله سائل: دلني على طريق الخير .. على ما يباعدني من النار، ويدخلني الجنة؟ فقال له: كف عنك هذا، ويشير صلى الله عليه وسلم إلى لسانه، قال: ( أو إنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ ! ) دعا عليه لجهله، لكن ما يقصد أن تموت أمه، أو تفقده هي، ( ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم؟! ) شك الراوي، وهما بمعنى واحد ( أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ).

    إن الكلمة أحياناً توقد نار فتنة تستمر عشرين سنة، وكلمة تقال تطلق الرجل من امرأته والمرأة من الرجل، وكلمة تقال يفصل بها شخص من عمله، وكلمة تقال فتنتج أموراً عظيمة.

    الكلمة هي مبدأ الخير والشر، فلهذا كف عنك لسانك يا معاذ .

    إذاً عرفنا شكر هذه النعمة.

    شكر الله على نعمة المال

    بقي نعمة الريال.

    الريال نعمة أو نقمة؟ نعمة، كلمة ريال هذه عادية .. دينار .. درهم .. ليرة.. قل ما شئت.

    المال نعمة، والكل يعترف، هذه النعمة شكرها أن تصرف في ما من أجله أنعم الله تعالى به عليك.

    إذاً: اشتر اللحم ولا تسرف .. اشتر الثوب ولا تسرف .. اشتر النعل ولا تسرف .. اشتر الفراش والغطاء ولا تسرف .. اشتر الدابة ولا تسرف.

    فبدل أن تشتري سيارة بأربعمائة ألف اشتر السيارة ذات الخمسين ألفاً، كذا أو لا؟ وهكذا، وعلى قدر الكساء أمد رجلي، هذا مثل عربي، ولكن تشتر بأربعمائة ألف للفخفخة والفخر والزهو، وحولك الناس في حاجة إلى ألف ريال، فكر يا عبد الله، كيف؟!

    إذاً كل درهم تنفقه في معصية الله كفرت به نعمة الله، وتعرضت للسلب بعد العطاء، انتبهتم؟

    خلاصة القول: دراهمك .. دنانيرك! إياك أن تنفق ريالاً واحداً منها في معصية الله، ولنبدأ ولا حرج بالسيجارة.

    تعرفون السيجارة أو لا؟

    السيجارة حرام، لم حرام؟ لأنها تؤذي الملائكة، ويا ويل من يؤذي ملائكة الله، كيف يسعد؟ كيف ينجو؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا ) لم يا رسول الله؟ قال: ( إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )، وقال: ( إذا أراد أحدكم أن يبصق فلا يبصق عن يمينه ولكن تحت رجليه؛ لأن عن يمينه ملكاً ).

    وصاحب الدخان ينفث في وجه الملك مباشرة، أعوذ بالله! أين يروح؟ أين يذهب؟

    يا شيخ! تقول هذا والأمة كلها تدخن؟

    وهذه حجة؟! سمعتم كذبة، حتى أسري عنكم: أحد المنتسبين إلى الإسلام يدعو إلى التصوف، فأتباعه قال لهم أحد الإخوان الموحدين: لم شيخكم يدخن، والسيجارة عملت في أصابعيه حمرة؟ تعرفون هذا أو لا؟ قالوا له: لقد أذن له النبي صلى الله عليه وسلم في المنام. فهؤلاء يكذبون على الرسول صلى الله عليه وسلم، يخافون الحكم العام في العالم الإسلامي العلماء كلهم يقولون: الدخان حرام أو مكروه، وكلمة مكروه عندنا كالحرام، ما دام مكروهاً للمؤمنين والمؤمنات والملائكة وأهل السماء كيف إذن نستسيغه أو نجيزه؟

    لا أطيل .. الذين يحرقون ريالاتهم في الدخان -والله- لقد كفروا هذه النعمة، وما شكروها، فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يدخن سواء كانت سيجارة أو بيارة، انتبهتم؟!

    أفواهنا طيبة طاهرة، ويدلك لذلك المساويك في جيوبنا، لم؟ لأننا نذكر الله دائماً إلا عند الخلاء .. إذا جلسنا على المرحاض لا نذكر، ما إن نخرج من المرحاض: غفرانك ربنا وإليك المصير.

    هل تجد مؤمناً يعيش الساعة والساعتين لا يذكر الله؟ والله ما كان، كيف هذا؟ إلا إذا نام، فالفم الذي تجري عليه اسم الله الأعظم تخبث، وتلوثه ضد الله، وأنت تعلم لو أنك أخذت اسم (الله) مكتوباً ووضعته في مزبلة أو على حظيرة، انمسحت من دينك وإسلامك، وأصبحت كالشيطان في كفرك.

    إذاً التدخين حرام، والذين ينفقون مال الله فيه هؤلاء ما شكروا نعمة الله، فهم بها كافرون.

    وهكذا كل من ينفق ماله في حرام، كالذي يشتري شريطاً للأغاني واللهو، لا يحل هذا أبداً، أنفقت مالك فيما حرم الله عليك، وهكذا، رزقنا الله وإياكم العلم والهدى.

    يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40] أي: حتى تشكروها؛ فإن ذكرها داع إلى شكرها، والذي ينسى النعم فلا يذكرها لا يشكرها أبداً.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007963490

    عدد مرات الحفظ

    720628890