إسلام ويب

شرح كتاب فضل الإسلام [10]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، وهم أهل الصلاح المتمسكون بالكتاب والسنة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، الذي يصلحون إذا فسد الناس، ويصلحون ما أفسد الناس، هؤلاء للعامل منهم في زمن الغربة أجر خمسين عاملاً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

    1.   

    باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء

    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء.

    وقول الله تعالى: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ [هود:116]، الآية.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، رواه مسلم ، ورواه أحمد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وفيه: (قيل: من الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل). وفي رواية: (الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس)، ورواه أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص وفيه: (فطوبى يومئذٍ للغرباء، إذا فسد الناس)، وللترمذي من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: (فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي).

    وعن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة الخشني رضي الله عنه: (كيف تقول في هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم. قلنا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم)، رواه أبو داود والترمذي . وروى ابن وضاح معناه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ولفظه: (إن من بعدكم أياماً للصابر فيها المتمسك بمثل ما أنتم عليه اليوم له أجر خمسين منكم).

    ثم قال: أنبأنا محمد بن سعيد أنبأنا أسد قال: أنبأنا سفيان بن عيينة عن أسلم البصري عن سعيد أخي الحسن يرفعه، قلت لـسفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: (إنكم اليوم على بينة من ربكم، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في سبيل الله، ولم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حب العيش. وستحولون عن ذلك لا تأمرون بالمعروف، ولا تنهون عن المنكر، ولا تجاهدون في الله، وتظهر فيكم السكرتان، فالمتمسك يومئذٍ بالكتاب والسنة له أجر خمسين. قيل: منهم؟ قال: لا، بل منكم).

    وله بإسناد عن المعافري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى للغرباء، الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك، ويعملون بالسنة حين تطفأ) ].

    ضوابط في معرفة الغربة

    الكلام عن غربة الإسلام لابد له من ضوابط:

    منها أنه لابد من رد نصوص الغربة إلى النصوص الأخرى التي فيها الإشارة إلى ضمان بقاء طائفة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم، وهم أهل السنة والجماعة، وهذا يفسر معنى الغربة شرعاً، وعلى هذا فإن حدود الغربة لا يمكن أن تكون بضياع الحق وانعدامه وخفائه، كما أنها لا تكون باستئصال أهل الحق، وهذا أمر قطعي، وبه لابد أن تفسر نصوص الغربة من الوجه الآخر، وهو أن الغربة تأتي على وجوه قد تجتمع وقد يوجد بعضها، ومن وجوه الغربة قلة أهل الحق عددياً، وأحياناً قلة المسلمين عددياً، وقلة أهل الحق أهل الاستقامة بين المسلمين نوع من الغربة، وقلة المسلمين بين الأمم نوع من الغربة؛ خاصة إذا صحب هذا النوع الثاني من الغربة أو النوع الثالث كثرة الخبث وكثرة البدع والأهواء والافتراق والفسق والفجور، فإنه إذا كثر ذلك قلَّ عدد أهل الحق لكن لا يكون ذلك بانعدام وجودهم ولا بضياع الحق ولا بخفاء السنة، لا يمكن أن يكون من الغربة خفاء السنة في العموم ولا خفاء جميع أهل الإسلام، فالغربة قد تكون في بلاد ما، أي: غربة المسلم المستمسك بدينه في بلد كانت إسلامية ثم أصابها ما أصابها، إما من اعتداء الكفار، أو انحراف أهلها إلى البدع والخرافات كما يكون في أقاصي العالم الإسلامي، أقاصي بلاد المسلمين كانت في يوم من الأيام الأصل فيها السنة، والسنة هي الظاهرة والبدعة مقموعة، ثم مع تحولات الزمن أصبح صاحب السنة فيها في غربة شديدة، فهذا يكون في بعض البلاد الإسلامية لا في كلها.

    وأيضاً قد تكون غربة الإسلام نفسه في بلد كانت إسلامية ثم تحولت إلى غير إسلامية مثل الأندلس، لأن الأندلس تمثلت فيها معاني الغربة للمسلم الذي بقي بعد دخول الكفار فيها بعد أن بقيت على الإسلام ثمانية قرون، فهذه غربة تتمثل فيها أقسى أنواع الغربة، وهناك بلاد في العصور الحديثة كانت مسلمة ثم تحولت إلى نصرانية بقوة السيف مثلما صار في الفلبين، والفلبين كانت مسلمة وكانت دولتها مسلمة وفيها سلطان مسلم، ويحكم فيها بشرع الله، ثم دخلها الأسبان وحاربوا الإسلام والمسلمين بعنف حتى تحولت إلى دولة نصرانية، حتى إنهم حجبوا الأخبار عن الأجيال حينما كان الاستعمار هو المستولي عليها والاحتلال، فكانوا يحجرون على جهات التعليم والمراكز العلمية والمدارس أن تدرس هذه الحقبة من التاريخ إلى وقت متأخر، كما علمنا أنه بدأت المدارس والمناهج في تلك البلاد يقرأ فيها أنها كانت مسلمة ثم تحولت إلى نصرانية، فمثل هذه البلاد تجد المسلمين إلى اليوم فيها في غربة شديدة.

    فهذه الغربة قد لا تكون على البلاد الإسلامية كلها، وأحياناً تكون الغربة غربة السنة وأهل السنة، وتكون بمخالفة الناس من الوجهين، والناس يخالفون أهل السنة، وأهل السنة يخالفون الناس، فربما في بعض البلاد الإسلامية يحكم على صاحب السنة بأنه إنسان مخالف للحق، وربما يرمى بأوصاف الشذوذ والإرهاب ونحو ذلك، وأحياناً بالألقاب مثل الوهابية وغيرها من الألقاب التي يعتبرونها من الأمور المنفرة، فيعيش صاحب السنة في غربة في مثل هذه البلاد وإن كانت إسلامية، وهذا واقع كثير من البلاد الإسلامية اليوم.

    فإن صاحب الحق يعيش غربة حقيقية وإن كانت البلاد مسلمة، وأحياناً الغربة قد تعني المشقة في العمل بالعمل بالسنة حتى بين المنتسبين لأهل السنة، العمل بها على الوجه الشرعي الكامل قد يكون فيه مشقة كما هو حاصل اليوم حتى في البلاد التي أهلها هم أهل السنة، فإن الذي يريد أن يأخذ السنة بحذافيرها قد يعيش غربة، لكنها ليست الغربة الكبرى أو الغربة التي تنطبق عليها أغلب هذه الأحاديث لكنها نوع من الغربة؛ لأن الناس الآن قد يكون لهم جرأة على من يعمل بالسنة وإن كان معه الدليل؛ وذلك لأنه خالفهم أو خالف ما هم عليه.

    كما أن الغربة قد تكون غربة الإسلام وقد تكون غربة السنة، أما غربة الإسلام فلا شك أن المسلمين تمر عليهم فترة من فترات التاريخ مثل عصرنا هذا، قد يكونون أقل عدداً من عموم الكفار والمشركين، فإذا صاحب هذا شيء من الضعف فإننا نجد أن المسلمين اليوم في جملتهم أمام العالم يعيشون غربة فعلاً؛ لأنهم وإن كانوا كثرة لكنهم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم: (كغثاء السيل)، وثبت في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود إزاء الأمم المشركة، فهذه الغربة إذا اجتمعت معها الغربة المعنوية كما هو حاصل اليوم فقد يكون أهل الإسلام عموماً في نوع من الغربة وهذا حاصل، أما غربة أهل السنة فهي ظاهرة، غربة أهل السنة في سائر البلاد الإسلامية اللهم إلا القليل مثل هذه البلاد نسأل الله أن يثبتنا على السنة.

    أجر الغرباء

    في حديث أبي هريرة الأول ذكر الغرباء، وذكر وصفهم حينما قال: (فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي)، فهنا الغرباء هم أهل الإصلاح.. أهل السنة والجماعة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، فهي تعني طائفة من المسلمين، وهم الذين يتصدون للباطل ويدعون للسنة.

    وفي النصوص الأخرى كثير من الأحاديث فيها ضعف، لكن بعض معانيها وردت في الصحاح، وكثير منها فيها ضعف إما في ألفاظها أو أسانيدها، وكثير منها وردت في أحاديث صحيحة، فهي في الجملة صح منها الكثير، لكن قد يكون بعض ألفاظها فيه نظر.

    وفيما يتعلق بالإشارة إلى أن المستمسك الصابر على السنة اليوم له أجر خمسين، هذا له توجيهات كثيرة، ولعل من أحسنها أن المقصود الأجر وليس مطلق الفضل؛ لأن هذا قد يتعارض مع فضل الصحابة رضي الله عنهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر في فضل الصحابة ما لم يكن لغيرهم ممن يأتون بعدهم.

    فله في هذا وجوه كثيرة في الجمع، وأحسنها وجهان:

    الوجه الأول: أن يقال: قد يوجد من أفراد الأمة في آخر الزمان -ولكن ليسوا كثرة- من يكون له أجر خمسين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن هذا لا يكون في جماعة أو طائفة تكون أفضل من الصحابة، إنما هم نزَّع من أفراد الأمة؛ وهذا توجيه لا بأس به.

    الوجه الثاني: أن يقال: إن هذا الأجر -أجر الخمسين- على عمل معين، وليس على جميع الأعمال، ولا يعني الأفضلية المطلقة، فإن أفضلية صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعدلها شيء، لكن تتفاضل من بعض الوجوه، وليس من جميع الوجوه.

    1.   

    الأسئلة

    من هم النزَّاع من القبائل

    السؤال: ما معنى النزاع؟ وقوله في مكان آخر: (النزاع من القبائل) هل هو بمعنى ما ذكرت؟

    الجواب: النزاع هم الأفراد القلائل. والغربة تأتي على وجوه كثيرة، ومن ضمنها: أن يكون هناك نزاع من القبائل، أي: أفراد قلة يصمدون بالحق، وقليل من يعينهم، وأكثر الناس يخذلونهم، لكن مع ذلك يوجدون في بلاد متنوعة، وفي قبائل متنوعة، وأقاليم متنوعة، وهذا معنى قوله: (نزَّاع) أي: أفراد قلة وليسوا جماعات.

    غرباء السنة

    السؤال: من يقوم بإحياء سنة مندثرة إلى حد ما هل يعد من الغرباء؟

    الجواب: نعم، إذا كان على فقه، فمن أحيا سنة مهجورة على فقه؛ لأنه قد يبدو لإنسان أنها مهجورة وهي من الأمور الاختيارية، فإذا كان على فقه صحيح ووجد شيئاً من الإنكار من الناس؛ فربما يشعر بشيء من الغربة.

    وأضرب لذلك مثالاً واضحاً:

    استجدت عندنا الآن حول مسألة العزاء والمآتم أشياء من عمل بالسنة فيها سينكر عليه، فالناس إذا مات لهم ميت لا بد من جلوس ثلاثة أيام للعزاء، ويعلن عن ذلك العزاء في الجرائد، وإذا ما فعل ذلك اعتبر مقصراً في حق الميت، وهذا إذا عمل السنة، وقال: أنا سأتقبل العزاء في البيت أو في الشارع أو في المسجد أو في أي مكان، ما يلزم أجلس ثلاثة أيام كأنه حداد؛ فمن خالف سنتهم في ذلك فسينكر عليه كثير من الناس.

    فلذلك ينبغي أن يتنبه طلاب العلم لمثل هذه الظواهر ولا يستهينوا بها، وإن كانت خلافية، لكن التوجه فيها إلى الابتداع واضح.

    والناس تعدوا حدود ما أفتى به العلماء، وتجرءوا إلى أكثر مما يقول به بعض أهل العلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016000696

    عدد مرات الحفظ

    723758575