إسلام ويب

سلسلة تأملات قرآنية تأملات في سورة النحل [2]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعرضت سورة النحل لبيان مجامع الخير كلها في آية من آياتها، كما تعرضت لذكر موقف الكفار من النسخ القرآني الذي هو أمر تقتضيه المشيئة الإلهية، كما ذكرت المؤمنين بموقف الناس يوم القيامة ومجادلة كل امرئ عن نفسه عله يجد سبيلاً إلى الخلاص من العذاب، وقد ختمت آياتها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما أصابه، وبيان معية الله لعباده المتقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان...)

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإننا نستعين الله جل وعلا في هذا الدرس على تفسير ما تبقى من سورة النحل، وكنا قد تكلمنا عن هذه السورة المباركة، وذكرنا أنها سورة مكية إلا بعض آيات منها قلنا: إننا سنعرج عليها في الدرس الثاني، أي: في هذا الدرس إن شاء الله تعالى، وهي آخر ثلاث آيات منها، وذكرنا كذلك فيها بعضاً من الأحكام والأمور، فذكرنا تحريم الله جل وعلا لبعض اللحوم وإباحته لبعضها واختلاف العلماء فيها، وذكرنا قول الله جل وعلا: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [النحل:66] وغير ذلك من التأملات التي عرجنا عليها فيما سلف.

    وأما الآيات التي سنعرج عليها في هذا الدرس فسنبدؤها بقول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إن هذه الآية أجمع آية في كتاب الله لخير يمتثل ولشر يجتنب.

    وقد ذكر بعض الفضلاء من المؤرخين أن عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي المعروف كان يأمر خطباء المساجد أن يضعوا هذه الآية مكان ما كانوا يقومون به من قبل من لعنهم وشتمهم لـعلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقد كان علي يلعن حيناً من الدهر على المنابر، فلما ولي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أمر بإلغاء شتم علي ولعنه، وجعل مكانه هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    ولذلك يعظم شيعة علي عمر بن عبد العزيز رحمه الله، قال كثير ، وهو شيعي:

    وليت فلم تشتم علياً ولم تخف برياً ولم تسمع مقالة مجرمِ

    فما بين شرق الأرض والغرب كلها مناد ينادي من فصيح وأعجم

    يقول أمير المؤمنين ظلمتني لأخذ دينار ولا أخذ درهم

    فلو يستطيع المسلمون لقسموا لك الشطر من أعمالهم غير نُدَّم

    فكان عمر رضي الله عنه ممن اتفقت كلمة المسلمين على فضله وعدله وإحسانه، وقد أخذ هذه الآية وجعلها مكان ما بيناه.

    بيان المراد بالعدل والإحسان

    وقد اختلف العلماء رحمهم الله في المراد بقول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:90]، فالمشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن العدل: (لا إله إلا الله)، والإحسان: بقية الفرائض، وهذا مرجوح عند كثير من العلماء.

    وذهب البعض إلى أن العدل هو الفرائض، والإحسان هو النوافل، وقال سفيان بن عيينة أحد مشاهير المحدثين الكبار: العدل استواء السريرة والعلانية، والإحسان: أن تكون سريرة المرء خير من علانيته، وهذا أمر -بصرف النظر عن كونه يطابق معنى الآية أو لا يطابقها- دونه خرط القتاد، فهو أمر صعب، قلما يرقى إليه أحد.

    ونقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أن العدل هو الإنصاف، والإحسان هو التفضل، وهذا -فيما يبدو والله أعلم- أظهر الأقوال، وجميع الأقوال السابقة يمكن إدخالها في قول علي رضي الله عنه وأرضاه؛ لأننا إذا قلنا: إن العدل هو الإنصاف؛ فلا ريب في أن من أعظم الإنصاف ألا تعبد إلا الله، فدخل فيه قول ابن عباس : إنه (لا إله إلا الله)، كما يدخل في قول علي هذا الإنصاف مع الناس، ويدخل في قوله رضي الله عنه وأرضاه بأن الإحسان هو التفضل من باب خفي التفضل على الناس بالعفو عنهم، وعدم الانتقام منهم.

    بيان معنى قوله تعالى (وإيتاء ذي القربى)

    قال تعالى: وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل:90] ولا ريب في أن المؤمن مطالب بأن يسدي الخير للآخرين، ولكن القرآن جاء بتربية أتباعه من المسلمين على التدرج في الأمور، فلا يمكن أن يكون حق العالم كحق الوالدين؛ لأن حق الوالدين أعظم، فهنا قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل:90]، فمن كان بينك وبينه رحم من قرابة ليس حقه كحق من ليس بينك وبينه أي صلة من قرابة، فذاك له حق الإسلام، والأول له حق القرابة وحق الإسلام.

    بيان معنى قوله تعالى (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي)

    ثم قال جل وعلا: وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:90]، والفحشاء تكون في الأقوال، وتكون في الأفعال، وهي غالباً ما تطلق في القرآن على الأمور الأخلاقية.

    وأما المنكر فهو أعم، والبغي أخص من المنكر، وعطف البغي على المنكر من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كلمة (المنكر) يدخل فيها البغي، فقول الله جل وعلا: وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:90] يدخل فيه البغي في المنكر، ولكن الله -كما قال أهل العلم- خصص البغي بالذكر لعظيم قبحه.

    والبغي: هو التجاوز والطغيان، وتجاوز الحد على العباد بسفك دم، أو بأكل مال، أو بانتهاك عرض، أو بتسلط وظيفي كما يحصل في حياة الناس المعاصرة، أو بالتسلط على أرض مجاورة، أو بأمور غير ذلك ينتقم بها الإنسان بغياً، فهذا هو البغي الذي نهى الله جل وعلا عنه، ولا يوجد مصرع أقرب من مصرع من يبغي، نعوذ بالله من ذلك كله، والله جل وعلا قال: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، وقال: إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [يونس:23]، فضرر الباغي دائماً مرده على نفسه، والبغي أحد الذنوب التي يعجل الله جل وعلا بها العقاب على من يصنعها، والإنسان إذا أدرك وقوفه بين يدي الله حرم على نفسه البغي وعرف أن البغي مرتعه وخيم، ولم تدعه قدرته على ظلم الناس إلى أن يظلمهم، ومن تذكر قدرة الله عليه أحجم عن أن يظلم غيره، وقد يكون البغي بكلمة تنقل عنك فتشاع فتثبت على أخ لك في الله، هو بريء كل البراءة مما قلت، وقد يكون البغي بسفك دم، وقد يكون باقتطاع أرض، أو بغير ذلك، فهو -والعياذ بالله- من أعظم ما نهى الله جل وعلا عنه.

    قال تعالى: وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، والله جل وعلا يعظ عباده ويؤدب خلقه، ويرشدهم إلى ما فيه الأمثل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية...)

    الوقفة الثانية: عند قوله تبارك وتعالى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل:101].

    القائلون: إنك مفتر هم الكفار، والمخاطب بقول الكفار هو نبينا صلى الله عليه وسلم، والنبي في سائر أمره ممتثل لله، ينزل عليه القرآن فيبلغه صلى الله عليه وسلم كما جاء إليه، فعندما يحدث نسخ يظن أولئك الكفار أن محمداً صلى الله عليه وسلم يفعل ما يريد، ويقول بعضهم لبعض: ما رأينا أعجب من هذا: يأمرهم الليلة بشيء ثم ينهاهم عنه في الصباح!

    فالله جل وعلا يخاطب هؤلاء الكفرة ويثبت نبيه قائلاً: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل:101].

    حكم نسخ القرآن بالقرآن ونسخه بالسنة

    وهذا يسوقنا -من حيث التأصيل العلمي- إلى مسألة النسخ في كلام الرب جل وعلا.

    فنقول: اتفق العلماء على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وهذا ظاهر لا يمكن رده إلا من متكبر، فالله جل وعلا يقول: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] والمراد صيام رمضان، فالله جل وعلا يقول في القرآن: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ [البقرة:184] أي: الصيام فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] يعني أن الإنسان الذي يقدر على الصيام ولا يريد أن يصوم يطعم مسكيناً، فهل يجوز هذا الآن!! والجواب: لا يجوز، فهذا منسوخ، فالآية منسوخة حكماً غير منسوخة تلاوة، والدليل على نسخها قول الله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فقول الله جل وعلا: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] نسخ لقوله تبارك وتعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، وهذا كثير، كآية المصابرة وآية المرأة التي توفى عنها زوجها وغير ذلك.

    فالاتفاق قائم على نسخ القرآن بالقرآن، وإنما اختلف العلماء رحمهم الله في نسخ القرآن بالسنة.

    فبعض العلماء يثبته، وبعض العلماء ينفيه، ولكل حجته، ولكن الذي ندين الله جل وعلا به، والذي عليه أكثر العلماء من المحققين: أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة.

    ومن أدلة من قال: إن القرآن لا ينسخ بالسنة -حتى تعلم أن العلماء لا يمكن أن يقولوا بقول جزافاً- قول الله جل وعلا: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106].

    قالوا: فالسنة ليست خيراً من القرآن، وليست مثله، والله يقول: بخير منها أو مثلها.

    وأجاب القائلون بجواز نسخ القرآن بالسنة بأن الله قال: (نأتِ) والذي يأتي بذلك هو الله، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما يأتي بحكم شرعي من السنة ينسخ به حكماً في القرآن لا يأتي به من عند نفسه، وإنما يأتي به من عند الله، فلا تعارض بين قول الله جل وعلا: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106]، وبين نسخ القرآن بالسنة.

    بيان ما وقع من نسخ الحكم قبل وقوعه

    ومن الفوائد في هذا الباب: أنه قد وقع نسخ الفعل قبل وقوعه، حيث وجد في النقل الصحيح نسخ حكم شرعي قبل أن يعمل به.

    فمما وقع من ذلك في السنة: الصلوات الخمس، فإنها فرضت في أول الأمر خمسين صلاة، ثم ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجع ربه حتى أصبحت خمساً، فنسخ منها خمس وأربعون صلاة، فهذه نسخت حكماً قبل أن يصليها الناس، أي: قبل الفعل، ومما وقع في القرآن ما جاء في قصة إبراهيم؛ فإن الله جل وعلا فدى إسماعيل، ونسخ الحكم بتكليف إبراهيم بقتل إسماعيل قبل أن يقتل إبراهيم إسماعيل، فقال الله جل وعلا: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:104-107].

    فالذبح العظيم وقع نسخاً لذبح إسماعيل، مع إن إبراهيم لم يذبح ابنه.

    إذاً: فما الحكمة من نسخ الحكم قبل وقوعه؟

    والجواب: لحكمة هي حصول التسليم والامتثال في قلب المؤمن، وقد وقع من خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام الاستسلام والانقياد والخضوع لكلام الرب جل وعلا وأمره، وهم بأن يذبح ولده، ولم يبقَ له إلا إراقة دمه، ولكن الله جل وعلا نسخ هذا الحكم قبل وقوعه.

    ومسائل النسخ من أعظم ما يمكن أن يتعلم به كتاب الله، ويستطيع الإنسان أن يفسر القرآن ويعرفه حين يعرف أحكام الناسخ والمنسوخ في كلام الرب جل وعلا.

    ومن القرآن ما ينسخ حكماً ويبقى تلاوة، ومنه ما ينسخ تلاوة ويبقى حكماً، ومنه ما نسخ تلاوة وحكماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها...)

    الوقفة الثالثة: قول الله جل وعلا: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [النحل:111].

    هذه من أعظم آيات العظات في كلام الرب تبارك وتعالى، وذلك أن الموقف بين يدي الله جل وعلا موقف عظيم إلى أبعد حد، لا يمكن أن يتصور مثله، فالله جل وعلا أعلم بما سيكون في عرصات يوم القيامة، وأعلم بحال خلقه حال وقوفهم بين يديه، وقد أنزل تبارك وتعالى هذا القرآن هداية ورحمة منه جل وعلا بخلقه، فكان بدهياً أن يضمن القرآن أعظم ما يعظ الناس، وأخبر الله جل وعلا بأن هذا القرآن تتشقق له الحجارة الصماء، والجبال الصلدة، وأنه لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله.

    فهو هنا -جل وعلا- يحذر خلقه ويخوف عباده قائلاً سبحانه: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا [النحل:111].

    ففي هذا الموقف لا يستطيع الإنسان من عظمته وخوفه على نفسه وإشفاقه مما قدمت يداه أن يصرف جاهه أو ماله أو فضله أو إحسانه أو لسانه أو بيانه إلى أحد من الخلق ممن حوله، لا إلى أمه ولا إلى أبيه ولا إلى إخوته ولا إلى من نصره في الدنيا، حتى قال بعض المفسرين: إن إبراهيم خليل الله الذي نعته الله جل وعلا بأنه كان أمة قانتاً لله حنيفاً يقول يوم القيامة: نفسي نفسي. فإذا كان مثل هذا في صلاحه وتقواه وإمامته للناس، وفضل الله جل وعلا عليه، وقول الله تبارك وتعالى عنه: وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنِ الصَّالِحِينَ [العنكبوت:27] يقول يوم القيامة: (نفسي نفسي) فما عسى أن يقول غيره؟!

    والمقصود من هذا أننا جميعاً ما زالت أرواحنا في أجسادنا، وباب التوبة إلى الرب تبارك وتعالى مفتوح، ولن يخلو أحد من خطأ أو زلل أو أمر يقوم به بينه وبين الله جل وعلا، ولكن الله تبارك وتعالى أرحم من سئل وأكرم من أجاب وأفضل من قبل توبة من يتوب إليه: (يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)، يقبل العفو ويعفو عن الجريرة، ويقبل التوبة من عباده، وهو يقول هنا عن ذلك اليوم: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا [النحل:111] تبحث عما يخلصها، وتبحث عما ينجينها، والله يقول: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185].

    والإنسان العاقل الفاهم المدرك لخطاب الرب تبارك وتعالى يدرك أن هذا سيقع لا محالة، فلابد من أن يقع هذا اليوم، ولا بد من أن يخرج الناس حفاة عراة غرلاً بهما لا يملكون من حطام الدنيا ولا متاعها شيئاً، فيخرجون كما بدأ الله جل وعلا خلقه أول مرة، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، يلجمهم العرق وتدنو منهم الشمس وتنصب الموازين وتنشر الصحائف، ويقف الخلق جميعاً بين يدي الله، فيتذكر المرء آنذاك ماضي أيامه وغابر أزمانه، ثم يعطى صحيفة يرى فيها كل ما قدمت يداه، كما حكى الله جل وعلا عن أهل الظلم قولهم: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

    وصوره جل وعلا بأعظم الصور فقال: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:111-112].

    فمن لجأ إلى الله جل وعلا ما دامت روحه في جسده أكثر من الاستغفار، والله جل وعلا يقول: لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:46]، وأكثر من التوبة والله جل وعلا يقول: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [الشورى:25]، وأكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وخفّ ظهره من مظالم الناس، فلم يظلمهم في دينار ولا في درهم ولا في دم ولا في قول ولا في فعل، ولم يكن بينه وبين أحد من الخلق يوم القيامة خصومة، وإنما تخلص من ذلك كله.

    فهؤلاء سيكونون أسعد من غيرهم يوم القيامة، وإن كان قول الله: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا [النحل:111] واقع لا محالة مهما كان عمل المرء، ومهما كان فضله، ومهما كان إحسانه، فإنه سيجادل عن نفسه وينافح عنها؛ لأن الإنسان لا يملك شيئاً أعظم من نفسه ينافح عنه، وهذا أمر مغروس في الصدور، جبل الله جل وعلا عليه الخلق، فلكرب يوم القيامة -أعاذنا الله وإياكم من الكربات- لا ينظر المرء إلى من حوله، ولما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بأن الناس يحشرون حفاة عراة، قالت يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: (يا عائشة ! الأمر أعظم من ذلك)، والله يقول: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37].

    اللهم إنا نسألك بعز جلالك وكمال جمالك أن ترحم وقوفنا بين يديك.

    1.   

    بيان معنى قوله تعالى: (وتوفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)

    ثم قال جل ذكره: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى [النحل:111] أي: تعطى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [النحل:111] أي: لا يمكن أن يظلم الله جل وعلا أحداً من خلقه، والرب تبارك وتعالى منزه عن الظلم، فالله لا يظلم الناس مثقال ذرة، بل إن الله جل وعلا لو لم يرحم عباده لدخل الخلق كلهم النار؛ لأننا لو عبدنا الله جل وعلا ليلاً ونهاراً لما أدينا شكر أي نعمة من نعمه تبارك وتعالى علينا، فنسأل الله جل وعلا أن يستر الحال، ويصلح المآل، ويغفر لنا ولكم؛ إنه -جل وعلا- الكبير المتعال.

    1.   

    بيان معنى قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به...)

    ثم قال جل شأنه وعظم ذكره: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:126-128].

    هذه الثلاث الآيات مدنية، وجمهور العلماء من المفسرين على أن هذه الآيات نزلت في منصرفه صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وذلك أن الدائرة كانت أول الأمر لأهل الإسلام، ثم كان ما كان من تصرف الرماة رضي الله عنهم وأرضاهم، وعصيانهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان تسلط خالد قبل إسلامه على الجبل، ووقع بالمسلمين من القتل ما وقع.

    ففي تلك المعركة شفت قريش غليلها من قتل المسلمين، وكان ممن مثل به في أرض المعركة حمزة بن عبد المطلب عم نبينا صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، حتى وردت أمور لا يحسن قولها في قضية ما فعل به أهل الكفر آنذاك، فقد بقروا بطنه وفعلوا به غير ذلك، فلما انتهت المعركة وانصرف أبو سفيان بالجيش إلى مكة؛ جاء صلى الله عليه وسلم يتفقد شهداء المعركة، وكانوا -رضي الله عنهم وأرضاهم- سبعين، وكانت أشلاؤهم ودماؤهم في أرض المعركة، فوقف صلى الله عليه وسلم يستغفر لهم، ويشهد لهم بالجنة، ويقول: إنهم سيبعثون يوم القيامة بلون الدم وريح المسك، وذكر أموراً عظيمة في فضلهم رضي الله عنهم وأرضاهم، ثم ما زال يمشي صلى الله عليه وسلم في أرض المعركة حتى وقف على حمزة وقد مثل به رضي الله عنه وأرضاه، وكان حبيباً جداً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فهو عمه وأخوه من الرضاعة في نفس الوقت، فوقف عليه صلى الله عليه وسلم وهو مغطى بثوبه الذي مات فيه، ثم وقف صلى الله عليه وسلم يبكي حتى نشج بالبكاء وكاد أن يغشى عليه رغم أن الدم كان ينزف منه، وصلى صلى الله عليه وسلم بأصحابه بعدما انصرف من أحد وهو قاعد، وصلى الصحابة وراءه قعوداً؛ لأنه إنما جعل الإمام ليؤتم به، ولم يطق صلى الله عليه وسلم من الجراح التي به أن يصلي بالناس واقفاً.

    وقبل ذلك وقف على حمزة ، فقال عليه الصلاة والسلام: (لولا أن تنهاني صفية ، ويكون سنة بعدي لتركته هكذا حتى يحشر في حواصل الطير وبطون السباع) ثم أمر بهم فدفنوا من غير أن يغسلوا.

    واختلف العلماء في كون النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليهم، وكلا الأمرين وارد، فقد نقل أنه لم يصلّ، ونقل أنه صلى على حمزة سبعين صلاة، فصلى عليه مع كل شهيد، فكأن يضع حمزة ويضع معه شخصاً آخر، ثم يدفن الثاني، وهكذا.

    ونقل غير ذلك، والمسألة فيها خلاف طويل بين العلماء ليس هذا موضع بسطها، وإن كان استقر الرأي عند أكثر المتأخرين من المعاصرين أنه لا يصلى على شهيد المعركة، مع الاتفاق على أنه لا يغسل.

    والمقصود أنه وقف صلى الله عليه وسلم ثم قال بعد أن أصابه الحنق لما فعلوا بعمه: (لئن ظفرت بهم -أي: قريش- لأمثلن بثلاثين منهم) وفي رواية: بسبعين. ولما رأى الصحابة ما أصاب نبيهم صلى الله عليه وسلم من الحزن على حمزة والتمثيل به قالوا مثل ما قال نبيهم، فقالوا: لئن أظفرنا الله بهم لنفعلن ولنفعلن، والله جل وعلا يربي العباد، ويدلهم على الأرشد، ولا يوجد في دين الله تنفيذ شيء تريده الجماهير، ولا شيء يثير الحماس أو يثير العاطفة، فلا أجد في الخلق اليوم أشرف من حمزة ، وقد مثل به تمثيلاً قبيحاً، ومع ذلك قال الله جل وعلا لنبيه: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126].

    فاختار صلى الله عليه وسلم أن يصبر، وكان ينهى عن المثلة، ونهى أصحابه في سائر حروبه رغم ما ظفر به من أهل الإشراك الذين نكلوا بأصحابه، ونكلوا بـحمزة أو بغيره، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن أن يمثلوا بأحد من أهل الإشراك؛ لأن الإنسان يقدم دين الله بالصورة التي نزل بها الدين، لا بالصورة التي نريدها نحن للدين، فإن هذا تقديم بين يدي الله وبين يدي رسوله صلى الله عليه وسلم، فلننقل دين الله كما أنزله الله للناس، ولا نخلطه بأمزجتنا وأهوائنا وآرائنا ورغباتنا الشخصية.

    والمقصود أنه لأجل هذا نزلت الآية: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:126-128].

    بيان المشاكلة اللفظية في قوله تعالى (بمثل ما عوقبتم به)

    ويتفرع على هذه مسائل عدة:

    أولها: مسألة لغوية، وهي أن الله يقول: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126]، ولا ريب في أن ما فعله المشركون بالمسلمين لا يسمى عقوبة، وإنما يسمى إيذاء وبغيا، وإنما أسماه الله عقوبة من باب المشاكلة، فحمل الأول على الثاني والثاني على الأول في المشابهة بالألفاظ يسمى عند البلاغيين بالمشاكلة، ومثله قول الله جل وعلا: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، فالثانية ليست سيئة، وإنما هي رد، ولكن الله جل وعلا سماها سيئة من باب المشاكلة في الألفاظ، وقال الله جل وعلا: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194]، ولا يسمى الثاني اعتداء؛ لأنه رد، ولكنه سمي اعتداء للمشاكلة في اللفظ فقط.

    بيان حكم الظفر

    قال الله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126].

    يفرع العلماء على هذه الآية مسألة الظفر، ومثالها في الصورة الآتية:

    أخذت من رجل بطاقته العائلية واكتتبت بها في البنك أو في شركة ما، ودفعت الأموال رجاء أن تقتسما الربح بعقد شفهي بينك وبينه، ولا يوجد بينكما شيء محرر، ثم لما علا السهم كان هو الذي يملك البيع؛ لأنه هو الذي بيده البطاقة، فقال: ما لك عندي شيء، لا ربح ولا رأس مال. وأنت لا تستطيع أن تثبت عليه شيئاً، فأخذ مالك، فلو قدر أن هذا الرجل ذات يوم لأمر ما وقع في يدك ماله، فهل لك أن تأخذه منه أو لا؟

    قال بعض العلماء -ومنهم ابن سيرين والنخعي -: إنه يجوز؛ لأن هذا ظاهر النصوص، واحتجوا بهذه الآية، وبقوله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40].

    ومنعه مالك رحمه الله، وقال: إنه لا يجوز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).

    ونحن نقول -والله أعلم-: إن هذا فيه تفصيل: فإن كان وصل إليك المال من غير طريقه -أي: ليس هو الذي ائتمنك عليه، وإنما استطعت أن تصل إليه بطريقتك الخاصة- جاز لك أن تأخذ بمقدار حقك، أما إذا نسي هو الموضوع، وائتمنك على المال ونسي الأمر الأول؛ فلا يحسن بك أن تخونه في مثل هذه الحال.

    بيان جرم الخيانة

    وما يتصل بما سبق ذكره أن الله جل وعلا ذكر الخديعة والمكر والخيانة في كلامه جل وعلا، فنسب الخديعة إلى نفسه، حيث قال جل وعلا: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142]، فالله يخدع من يَخدَع، وذكر الله جل وعلا المكر في كتابه ونسبه جل وعلا إلى نفسه، فقال سبحانه: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال:30].

    ولكنه ذكر الخيانة جل وعلا ولم ينسبها إلى نفسه، حيث قال تعالى: فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال:71]، ولم يقل جل وعلا: فخانهم.

    وذلك لأن الخيانة مسألة عظيمة، ومعنى الخيانة: أن الإنسان يستأمنك على شيء -بصرف النظر عن سبب الاستئمان- فتقلب له ظهر المجن، فهذا لا يمكن أن يقبل شرعاً، ولذلك كان عند المالكية رحمهم الله أن الشخص إذا قتل أحداً غيلة على وجه الاستئمان؛ لم يجز لأولياء الدم أن يطالبوا بالدية أو يعفوا، بل لابد من القصاص، حتى إن ولي أمر المسلمين الإمام الأعظم لا يجوز له أن يعفو في قضية كهذه.

    ومن أظهر أمثلة ذلك: شخص له صديق، وليس بينهما عداوة، بل هو صديق شخصي حبيب إليه، فجاء يبيت عنده، فغدر به في بيته وهو نائم بعد أن أدخله بيته ورحب به فقتله، ففي هذا يذهب مالك رحمه الله -وهو الحق إن شاء الله- إلى أنه ليس في ذلك عفو؛ لأن هذا لا تقع من إنسان سوي أبداً، ومثله الزوجة التي تقتل زوجها؛ لأن الله قال: لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف:189]، وجعلها أماناً وسكناً، والإنسان لا يجد الأمن إلا في بيته.

    فلو نام رجل في بيته عند زوجته في مخدعه ومضجعه ومكان طمأنينته، ثم انقلبت عليه زوجته وقتلته فإنه لا ينبغي أن يكون هناك عفو في مثل هذه القضية، وإن كان جمهور العلماء على خلافه.

    كما أن الآية مشكلة في مسائل الأخلاق، فرأي ابن سيرين رحمه الله وإبراهيم النخعي وغيرهما على إطلاقه أمر نراه صعباً جداً، فلو سافر إنسان، ثم إن جاره وقع على زوجته ظلماً وعدواناً وتبين له هذا بطريقة خاصة أو أخبره به أحد الجيران، فعرف أن هذا الجار بعد سفره قصد زوجته، ثم إن هذا الجار الفاعل سافر، فهل يجوز للرجل أن يغدر بالمرأة باعتبار نفس القضية؟

    والجواب أن هذا غير مقبول.

    والمقصود أن القرآن لابد من أن يفهم قبل الاستشهاد به.

    بيان فضيلة الصبر

    يقول تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126].

    ولا يوجد شيء يدني المرء من عظيم المنازل ورفيع الدرجات من الصبر، فقد صبر يوسف عليه الصلاة والسلام على مكر إخوانه، وعلى ظلم امرأة العزيز، وعلى السجن، فأورثه الله جل وعلا ما أورثه.

    وراء مضيق الخوف متسع الأمن وأول مفروح به غاية الحزن

    فلا تيأسن فالله ملك يوسف خزائنه بعد الخلاص من السجن

    والله جل وعلا يبتلي قبل أن يمكن، فإذا صبر العبد وأظهر لله جل وعلا الرضاء بالمقدور، وأذعن لله ولأمره ونهيه؛ بوأه الله جل وعلا منزلة أعلى ودرجة أرفع، ولهذا دعا الله نبيه وندبه إلى الصبر، فقال: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126].

    يقول لنبيه: وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127]، فالصبر يطلب من الله، فالمرء في كل أحواله، في تربيته لأبنائه، في صبره على أذى زوجته وفي غير ذلك يصبر مستعيناً بالله.

    يروى أن رجلاً من الصالحين جاءه رجل فطلب منه أن يتزوج ابنته وهو لا يعرفه، فوافق، فلما أدخلت عليه المرأة إذا هي عوراء عرجاء وفيها من كل العاهات، فصبر خمسة عشر عاماً لا يكلم أحداً بأن في زوجته شيئاً، فكانت من شدة ما بها من الأمراض والعاهات تتعلق به، فصارت من حبها له وتعلقها به تمنعه من أن يذهب إلى أصحابه، ثم صارت تمنعه من صلاة الجماعة من فرط شغفها به، فصار يحضر صلاة وأخرى لا يحضرها، فلا يخرج خوفاً من أن يجرح مشاعرها لضعفها وكونها محرومة من كل شيء، فصبر عليها خمسة عشر عاماً، ثم ماتت، فلما ماتت كان أهل حيه يحبونه حباً جماً، وهم لا يدرون هذه القضية كلها، ولكن الله أورث قلوبهم محبته، وفي ذات يوم انفرد به رجل، فقال: يا أبا عثمان ! إني سائلك عن مسألة، وأخذ عليه الأيمان المغلظة بأن يجيبه فوافق، فقال: إنني أرى الله أورثك حب الناس، فما السريرة التي بينك وبين الله حتى أورثك الله هذا الحب؟

    فاعتذر عن الإجابة، فلما أقسم عليه قال: إنني تزوجت امرأة، فذكره له القصة، فقال: صبرت عليها خمسة عشر عاماً ما كلمت في أمرها أحداً من الخلق، حتى إن أهلي لا يعرفونها، فصبرت عليها خشية من أنني لو طلقتها لم يتزوجها أحد.

    وهو غير ملزم شرعاً بالصبر عليها، ولكن بمثل هذا الصبر ونحوه من التجلد على أذى الناس ومكر الحاقدين، وحسد الأعداء وغير ذلك ينال الإنسان رفيع الدرجات.

    1.   

    بيان معية الله تعالى للمتقين والمحسنين

    قال الله: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127]، ولماذا لا يكون في ضيق؟ لأن الآية التي بعدها تقول: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، وهذه معية خاصة، ومعية الله العامة لكل خلقه في اطلاعه جل وعلا على ما يصنعون، وعلمه تبارك وتعالى وقدرته عليهم، وإحاطته بهم، فهذه لكل الخلق، وأما هذه فهي معية خاصة، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا [النحل:128] بتأييده ونصره وفضله وإحسانه تبارك وتعالى وغير ذلك، وكل عبد في فقر ملح إلى نصرة الرب تبارك وتعالى.

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، والتقوى والإحسان درجتان في العبادة، والتقوى لا تكون إلا من قلب يعرف الله أولاً، ويحب الله ثانياً، ثم يرجو الله ويخافه، فمن عرف الله -ولا بد من معرفة الله- ثم أحب الله ثم رجاه ثم خافه رزق التقوى.

    قال العلماء: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله، فإذا رزق الإنسان التقوى أمنه الله جل وعلا مما يخاف، وآتاه الرزق من حيث لا يحتسب، وكفاه الله جل وعلا شر ما يهمه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:2-3].

    هذا ما تيسر إيراده وتهيأ قوله حول سورة النحل، نسأل الله جل وعلا لنا ولكم النفع، والله أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الاستنجاء باليد اليمنى

    السؤال: ما حكم الاستنجاء باليد اليمنى؟

    الجواب: ظاهر الأمر أنه محرم، وإذا اضطر فأرجو الله أن لا يكون به بأس.

    مصير الذنب الذي قد تاب المرء منه

    السؤال: هل يرى الإنسان بعد موته الذنب الذي فعله ثم أتبعه بالحسنة؟

    الجواب: هذا لا أستطيع أن أجزم به، ولكن ظاهر الأمر أنه يعرض عليه، ولكن لا يعاتب عليه.

    حكم لعن الكافر المعين

    السؤال: هل يجوز للإنسان أن يلعن كافراً معيناً؟

    الجواب: الأظهر أنه لا يجوز لعن الكافر المعين.

    حكم أخذ مال المدين الكاذب في الوعد بالوفاء

    السؤال: إن كان لي مال عند شخص يعدني أن يعطيني المال فيكذب، فهل لي أن آخذ مالي إن استطعت أخذه بدون رضاه؟

    الجواب: نعم يجوز أخذه بدون رضاه، فما دام أنه لم يستأمنك عليه فالأمر واسع.

    حكم الدعاء لمن يظن تركه للصلاة

    السؤال: هل يجوز لي الدعاء لرجل مات وأنا لا أعلم أكان يصلي أم لا يصلي؟

    الجواب: من مات من أهل القبلة من المسلمين في أي مكان فإنه يصلى عليه ويدعى له.

    حكم المسح على الأحذية في الوضوء

    السؤال: إذا كان الشخص يلبس ما يسمى بالجزمة فهل الأفضل أن ينزع الجزمة والجوارب إذا أراد الوضوء أم يمسح عليها؟

    الجواب: إذا كانت الجزمة مما ينزع عادة، فإنها تنزع ويمسح على الجوارب، أما إذا كانت مثل جزمات العسكر ذات الحبال فإنه يمسح عليها.

    حكم تارك صلة بعض أرحامه

    السؤال: هل يعتبر من يصل بعض أرحامه ولا يصل بعضهم لنسيان أو لكثرتهم قاطعاً؟

    الجواب: يحاول أن يسدد ويقارب ولو بالهاتف.

    حكم حلق شعر الصدر

    السؤال: هل يجوز حلق شعر الصدر إذا كان كثيفاً؟

    الجواب: لا بأس به.

    حكم الصلاة عن يسار الإمام لازدحام المكان

    السؤال: صليت إماماً بجماعة وامتلأ المسجد، فصلى عن يميني مصلون، ثم جاء آخرون فصلوا عن يساري، فهل تصح صلاة من صلوا عن يساري؟

    الجواب: نعم تصح؛ لأنها حالة اضطرار.

    دليل جواز نسخ القرآن بالسنة

    السؤال: ما هو دليل القائلين بجواز نسخ القرآن بالسنة؟

    الجواب: هو قول الله جل وعلا: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا [البقرة:106]، فالقائلون بالجواز يقولون: فاعل (نأت) على الله، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، والله جل وعلا هو الذي يوحي إليه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010525606

    عدد مرات الحفظ

    721965183