إسلام ويب

تفسير سورة الجاثية [6 - 13]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله بعض آياته ونعمه على عباده، ونعم الله كثيرة لا تحصى، ومن العجيب أن يكفر الإنسان بالله ويجحد نعمه سبحانه، وقد توعد الله هؤلاء الكافرين بشتى أنواع العذاب، ولن تغني عنهم معبوداتهم شيئاً من الله تعالى إن أراد أن يهلكهم أو يعذبهم جزاء ما فعلوا وما اقترفوا من آثام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الجاثية:

    تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [الجاثية:6-11].

    يخبر الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات وما قبلها عن هذا القرآن العظيم الذي نزله من عنده سبحانه وقال: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية:2].

    ثم يخبر عن آيات الله سبحانه في السموات وفي الأرض: إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الجاثية:3-5].

    هذا الذي ذكر الله عز وجل من آيات الله العظيمة هي بعضٌ من آيات الله في الكون التي أمرنا أن نتفكر فيها وأن نعقلها وأن نتدبرها وأن نستدل بها على قدرته سبحانه، وأنه وحده الذي يستحق العبادة دون غيره.

    فقوله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ أي: هذه الآيات العظيمة التي أشرنا إليها.

    وقوله تعالى: نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ أي: التلاوة حق، والتلاوة مشتملة على الحق، والتلاوة متلبسة بالحق.

    فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ فبأي حديث إذا لم تؤمنوا بهذا الكلام الحق المعجز من عند رب العالمين تؤمنون؟ أي كلام وأي حديث بعد هذا الكلام العظيم يجعلكم تؤمنون؟!

    والمعنى: أن من لم يؤمن بهذا فلا ينتظر منه أن يؤمن بشيء آخر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم... أولئك لهم عذاب مهين)

    قال سبحانه: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الجاثية:7] ويل عذاب أليم، أو واد في قعر جهنم لكل أفاك، والأفاك من الإفك، والإفك: أعظم وأشنع الكذب والافتراء، وذلك حين يتحدث الإنسان فيكذب ثم يفتري على غيره فيأفك، فهذا الأفاك يبهت غيره ويفتري عليه بما يجعل هذا الذي يسمع يتعجب مما يقوله؛ لأنه كذب عظيم جداً؛ ولذلك ربنا سبحانه يقول: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11] والإفك: أعظم الكذب، كذبوا وافتروا على السيدة عائشة كذباً عظيماً شنيعاً بشعاً يجعل من يسمعه لا يتخيل أنه يوجد إنسان يقول مثل هذا الكلام الكذب والكلام الإفك.

    فويل لهذا الأفاك، وأعظم ما يكون الافتراء على الله عز وجل، وذلك حين يقول الإنسان: الله قال: كذا، والله لم يقل ذلك أصلاً فيفتري على الله سبحانه هذا الإفك، فالأفاك يعني: الكذاب العظيم من الكذب والافتراء، وإن كان الناس غيروا هذه الكلمة إلى أفاق، وهذا خطأ في اللغة، فالأفاق من الآفاق، يقال: آفاقي يعني أتى من الآفاق من بعيد، لكن الأفاك: الكذاب المفتري الأثيم الذي يختلق الشيء وهو غير موجود.

    قال سبحانه: وَيْلٌ أي: عذاب أليم لكل إنسان عظيم الكذب يكذب على الخلق ويكذب على الخالق سبحانه.

    وقوله تعالى: أَفَّاكٍ أَثِيمٍ أي: مكتسب للإثم بما يصنع وبما يقول.

    هذا الأفاك الأثيم من صفاته: يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الجاثية:8].

    فقوله تعالى: يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ أي: يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليه القرآن ويدعوه إلى الله عز وجل.

    قال: ثُمَّ يُصِرُّ أي: يعاند وكأنه لم يسمع شيئاً. يقال له: ما الذي سمعت؟ يقول: لم أسمع شيئاً. ما الذي فهمت؟ يقول: لم أفهم شيئاً، يقول: هذا مجنون.

    فيفترون على النبي صلى الله عليه وسلم ويفترون على الله سبحانه تبارك وتعالى، ويكذبون، فويل لهذا الكذاب، الذي يجعل نفسه كأنه لم يسمع شيئاً ولم يعلم شيئاً، فإذا سمع آيات الله عز وجل وهي تتلى عليه يصر ويعاند ويبقى على ما هو فيه من كفر متعظماً في نفسه. فقوله تعالى: يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا يعني: كأنه في نفسه أعظم من أن يقبل هذا الكلام أو يدخل في هذا الدين العظيم.

    فقوله: كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كأنه لم يسمع هذه الآيات.

    فقال الله تعالى: فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ والأصل في البشارة: الإخبار بشيء مغيب قد يسر وقد يسوء، لكن الغالب في اللغة: أنه لا تطلق البشارة إلا على الخبر الذي يسعد ويسر، إلا أن تأتي مقيدة بشيء بعدها فتدل على العكس في ذلك.

    فهنا يتنزل هذا المعنى على وجهين: فبشر هذا الإنسان الذي تهكم واستهزأ بمصيبة سوداء ستحل به؛ لأنه مكذب بآيات الله.

    فالله سبحانه يسخر من هذا الإنسان؛ لأنه يسخر من آيات الله، أو على أصل معنى البشارة، بمعنى: الإخبار بما غاب عنك بما يغير بشرتك، فالتبشير: إخبار بالشيء الذي يغير بشرة جلد الإنسان، فالإنسان حين يخبر بالشيء الذي يسره يضحك وتتغير بشرته، ويحمر وجهه، ويتورد وتظهر عليه آثار الانبساط والسرور، فبشرة الإنسان تتغير بالشيء الذي يسر الإنسان.

    والعكس كذلك إذا أخبر بما يسوءه ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل:58].

    إذا أخبر الإنسان بمصيبة ستحدث له يخاف ويتضايق وينزعج ويظهر على تباشير وجهه هذا الأثر، كأن البشارة الإخبار بما يغير هيئة بشرة الإنسان ووجهه، فكأن الله يقول له: انتظر ما يسوءك من عذاب أليم.

    فقوله تعالى: فَبَشِّرْهُ أي: أخبره بما سيسوءه بعد ذلك من عذاب مؤلم موجع.

    ومن صفات الأفاك: وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا أي: إذا علم وعرف أن كلام رب العالمين حقيقي اتخذه هزوا.

    فقوله تعالى: اتَّخَذَهَا هُزُوًا تقرأ بالواو، يقرأها حفص فقط عن عاصم . وباقي القراء كلهم يقرءونها بالهمزة على أصلها (هزءاً) ما عدا حمزة فيسكن الهمز إذا وقف عليها ويقول: (هزء).

    فالقراءة الأخرى: (إذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزءا) أي: يستهزئ بكلام رب العالمين سبحانه.

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ المكذبون الأفاكون لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ .

    إذاً: له عذاب أليم مؤلم موجع، وله عذاب يهينه؛ لأنه أهان كلام الله، وأهان رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فاستحق الهوان واستحق الإهانة يوم القيامة، وأن يحقره الله عز وجل.

    ولذلك يرى الكافر يوم القيامة في نار جهنم وهو أحقر من الذر مثل أصغر من النمل، والكفار ينادون ربهم سبحانه كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ [فصلت:29] أي: ندوس عليهم بأقدامنا الذين أضلونا في الدنيا، هذا تحقير لهم وإهانة لهم في نار جهنم والعياذ بالله، فهم اتخذوا آيات الله هزواً فاستحقوا أن يهينهم الله عز وجل في الدنيا وفي الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من ورائهم جهنم... )

    قال الله تعالى: مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ الوراء: الغيب، يعني: الذي يغيب عن الإنسان حتى وإن كان أمامه مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ فتأتي كلمة وراء بمعنى: خلف، وبمعنى: ما غاب عنك وهو أمامك، فهنا المعنى: من قدامهم، يعني: سيقدمون على جهنم؛ ولكونها غيباً لا يرونها فهي من وراء الغيوب، ومن وراء ما لا يرونه، فجهنم من ورائهم.

    ومنه: قول الله عز وجل في سورة الكهف عن أصحاب السفينة: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف:79] فهو لا يجري وراءهم، بل هو أمامهم، يعني: سيقدمون على الشط في الجهة الثانية فإذا وصلوا فإنهم سيجدون ملكاً يأخذ منهم هذه السفينة، فلما كانوا لا يرون هذا الملك ولم يعرفوا ما الذي ينتظرهم، فكأن وراءهم شيء مغيب عنهم.

    فقوله تعالى: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ [الكهف:79] أي: قدامهم، ولكن لا يرون ولا يعرفون، فأرسل الله عز وجل الخضر حتى يأخذ لوحاً من السفينة فتظهر أنها فاسدة معطلة، فإذا وصلوا يكون قد دخلها قليلاً من الماء، فيتركها الملك؛ لأنها لا تصلح أن تكون من أسطوله، وبقيت لهؤلاء المساكين.

    فكلمة وراء تأتي بمعنى: خلف لما غاب عنك وهو وراؤك، وتأتي بمعنى ما هو أمامك، ولكنك لا تراه، فهو غيب مغيب عنك، فكذلك: مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ أي: سيقدمون عليها أمامهم بعد أن يموتوا، وسيرون هذا العذاب في نار جهنم المستعرة.

    وقال تعالى: وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ أي: ولا يغني عنهم ما كسبوا من الله شيئاً، ولا يوجد يوم القيامة فداء ولا دفع إلا الحسنات والسيئات، والجزاء بما عمل الإنسان يوم القيامة، ولا يغني عنهم كل ما كسبوه في الدنيا.

    هذا لو فرض أنه معهم، ولكن يوم القيامة ليس مع الإنسان شيء، فهذا الذي كسبوه لو قدموه كله وهو معهم لا يغني عنهم ولو شيئاً يسيراً من عذاب الله سبحانه.

    وقوله تعالى: وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ أي: ولا يغني عنهم شيئاً هؤلاء الذين اتخذوهم من دون الله أولياء، والولي: القريب والحميم والناصر والمدافع، فكل من اتخذوهم في الدنيا أحزاباً تدافع عنهم وتناصرهم لا تغني عنهم يوم القيامة، وكل من عبدوه من دون الله سبحانه تبارك وتعالى لا يغني عنهم من دون الله شيئاً.

    وقوله تعالى: مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: كل ما هو غير الله من أوثان وأصنام وتماثيل، فكل ما عبد من دون الله لا يغني عن أصحابه شيئاً من الله.

    قال تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ أي: لهم أشد العذاب، وانظر للتنوع، (لهم عذاب أليم)، (لهم عذاب مهين)، (لهم عذاب عظيم) بسبب شناعة الذي صنعوه، فاستحقوا كل هذه الأنواع من العذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم)

    قال تعالى: هَذَا هُدى [الجاثية:11] أي: هذا القرآن وهذا الذي جاء من عند رب العالمين هدى هداية ودلالة وحجة من الله عز وجل يدل بها المؤمن على الطريق الصحيح، فيهتدي بها الإنسان، فيستحق من الله عز وجل الإعانة في الدنيا وفي الآخرة.

    وقوله تعالى: هَذَا هُدًى يعني: من الله.

    وقال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ هذا وصف رابع لعذاب هؤلاء الذي ذكره الله عز وجل: (عذاب أليم)، (عذاب مهين)، (عذاب عظيم)، (عذاب من رجز أليم).

    فقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ أي: بحجج الله سبحانه، وبما نزل من عنده.

    وقوله تعالى: لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أي: لهم عذاب من أشد أنواع العذاب وهو الرجز، لهم عذاب من أشد ما يسوءهم من عذاب من عند الله عز وجل.

    قراءة الجمهور: مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ وصف للعذاب، يعني عذابُ أليمٌ من رجز من أشد أنواع العذاب.

    وقراءة ابن كثير وحفص عن عاصم ويعقوب : لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ وباقي القراء: (من رجز أليمٍ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك بأمره...)

    قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الجاثية:12]

    ذكر لنا في أول السورة بعضاً من نعم الله ومن آياته سبحانه وتعالى، فأخبرنا أنه سخر الشمس والقمر، وخلق الليل والنهار، وسخر الرياح، وصرف الرياح، وأرسل السحاب سبحانه، وأنزل الرزق من السماء، كل هذه آيات من آيات الله سبحانه.

    وفي خلقكم آية من آيات الله سبحانه، كذلك من آياته: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ .

    الله الذي يستحق العبادة وحده، فهو الذي سخر، وهو الرب الذي يفعل ذلك، فهو الرب الفاعل الذي يفعل، والصانع الذي يصنع، والمألوه المعبود الذي يستحق العبادة، فيجمع بين الاثنين: بين توحيد ألوهيته أنه مستحق لأن يؤله ويعبد، وتوحيد ربوبيته أنه الفاعل وحده لا أحد معه يصنع ذلك.

    وسخر الشيء بمعنى: ذللـه ويسره، وسيره، وكلفه بأن يفعل كذا، فالله سخر لكم البحر، وجعله تحت تصرفاتكم، فتتصرفون فيه، وتركبون عليه، وتسبحون فيه، وتغوصون بداخله، وتأخذون من خيراته.

    وقوله تعالى: لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ أي: لتجري السفن في البحر بأمره ليس بأمركم أنتم، فالإنسان حين يتطاول على ربه سبحانه يريه الله عز وجل آياته.

    هذا مركب غرق وعليه ألف وأربعمائة شخص، لم ينج منهم إلا القليل، فالذي سخر البحر الله، وعندما يتطاول العبد على الله يريه الله عز وجل آياته، وانظر إلى أعجب سفينة كانوا قد صنعوها (تايتنك) وقصتها معروفة لدى الجميع، وقد صنعوا لها مسلسلات أو روايات تلفزيونية وغيرها، ومعنى (تايتنك): الخارقة، والمعجزة، والجبارة، يعني السفينة القاهرة التي لا تقهر، فقد تحدوا الله عز وجل، وأغنى أغنياء العالم ركبوا في هذه السفينة، ومن غرور صاحب هذه السفينة أنه لم يضع فيها قوارب نجاة، وأمر ربان السفينة أن يجري بها على أقصى سرعة ليرى الناس عظمة هذه السفينة، وضخامة حجمها، وكل من عليها من أصحاب الملايين، جرت اصطدمت بجبل وانقسمت نصفين وغرقت بمن عليها! قالوا: كان من الممكن نجاة من عليها لو كان عليها قوارب نجاة، واستمرت خمس ساعات وهي تغرق، فلو كان هناك قوارب نجاة لنزل الناس منها ونجا من عليها، ولكن غرور أهلها جعهلم يقولون: هذه السفينة لا تقهر، فقهرها الله أول ما نزلت في البحر، واصطدمت وانشطرت وغرق كل من فيها، وربان هذه السفينة كان بإمكانه أن يعوم، ولكنه فضل أن يغرق مع السفينة لئلا يفضح عندما ينجو.

    فقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ أي: بأمر الله تجري وتسير وتقف، ولا يحدث فيها شيء إلا بأمر الله سبحانه وتعالى.

    وقوله تعالى: الْفُلْكُ أي: السفن في البحر بأمر الله، وقوله: وَلِتَبْتَغُوا أي: لتطلبوا من فضل الله سبحانه. فقوله: مِنْ فَضْلِهِ أي: بالأخذ من هذا الماء، وبالتجارة في البلاد، وبالغوص وإخراج اللؤلؤ والمرجان والمعادن داخل البحار والبترول وغيرها، وفضل الله عظيم سبحانه.

    قال تعالى: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: حين تجدون نعم الله ورزقه سبحانه، فيمكن أن تشكروا الله وتتفكروا في آياته وترجعوا إليه فتعبدوه سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض...)

    قال الله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13] أي: منه سبحانه وتعالى ليس منكم أنتم، فلستم أنتم الذين أنزلتم المطر من السماء، ولا أنتم الذين أرسلتم الرياح يسخر بها السحاب، ولا أنتم الذين زرعتم هذه الأشجار فخرجت منها الثمار، إنما الصانع الله سبحانه وتعالى.

    هذا خلق الله سبحانه وآيات من آياته في البر، وآيات في البحر، وآيات في السماء، وآيات في الأرض، فالله سبحانه سخر وذلل ويسر لكم ما في السموات وما في الأرض.

    وسخر الله نجوماً في السماء وسخر الشمس والقمر لتعرفوا بها الليل من النهار، وتأخذوا الدفء في النهار، وتستريحوا تناموا في ظلمة الليل، وسخر الشمس والقمر، وسخر النجوم لتهتدوا بها وجعلها زينة للسماء، قال تعالى: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]

    فقوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ من أشياء جَمِيعًا أي: كلها نعم من الله سبحانه.

    وقال سبحانه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .

    الذي يتفكر في هذه الآيات يعلم أنها من الله عز وجل، وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ولا يكفر، أن يشكر ولا يجحد سبحانه وتعالى، وأن يذكر ولا ينسى.

    فاذكروا الله يذكركم، واشكروه يغفر لكم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007964400

    عدد مرات الحفظ

    720678285