إسلام ويب

تفسير سورة الحشر [1-5]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    بين يدي سورة الحشر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: نشرع بإذن الله تعالى في تفسير السورة التاسعة والخمسين من سور القرآن الكريم، وهي: سورة الحشر. قال المهايمي: سميت به لدلالة إخراج اليهود عنده على لطف الله وعنايته برسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، وقهره وغضبه على أعدائهم، فهو من أعظم مقاصد القرآن، وكان ابن عباس يقول: سورة بني النضير، وبنو النضير: هم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد نزلوا في المدينة في فتن بني إسرائيل؛ انتظاراً لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من أمرهم ما قص الله عليه هنا في هذه السورة. وسبب وجود اليهود في المدينة وفي بلاد المغرب الإسلامي هو أنهم كانوا دائماً لا يجدون مأمناً إذا نزل بهم الفزع إلا في ظل الحكم الإسلامي، فلما حصل الاضطهاد والقتل لهم في الأندلس فزعوا إلى المغرب الإسلامي، وما زالوا موجودين فيه إلى الآن، بل ولهم فيه ثقل. وكذلك كانوا يفرون من الفتن التي تعرض لهم إلى المدينة؛ انتظاراً لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا حصل بينهم وبين المشركين نزاع فإنهم يقولون: نحن في انتظار نبي سوف يبعث، فإذا بعث لنؤمننّ به ولنتبعنّه، ثم نقاتلكم فنغلبكم، وقد ذكر الله تعالى عنهم ذلك في سورة البقرة: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة:89]. روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لـابن عباس : سورة الحشر، قال: سورة بني النضير. يعني: سمِّها سورة بني النضير. وعنه قال: قلت لـابن عباس : سورة الحشر، قال: سورة بني النضير، وهم قوم من اليهود كما ذكرنا. وهذه السورة مدنية، وآيها أربع وعشرون بلا خلاف. قال الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحديد:1]. تقدم القول في تأويل نظيره في القرآن الكريم، وهنا سنتجاوزه اختصاراً، وقد بدأ الشيخ عطية سالم رحمه الله -وهو أخص تلامذة العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى- تتمة (أضواء البيان) ببحث مفصل جداً عن التسبيح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ...)

    المقصود بالحشر هنا

    قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2] . أشار الله تبارك وتعالى بعدما وصف نفسه بقوله: (( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )) إلى بيان بعض آثار عزته تعالى، وإحكام قسمته، وذلك إثْرَ وصفه بالعزة القاهرة، والحكمة الباهرة على الإطلاق، فهو العزيز الحكيم، فبيّن وفصّل آثار هذه العزة والحكمة، فقال: (( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ )) يعني: بني النضير من اليهود، (( مِنْ دِيَارِهِمْ )) أي: من مساكنهم التي جاورا بها المسلمين حول المدينة؛ لطفاً بالمسلمين. وقوله: (( لِأَوَّلِ الْحَشْرِ )) يقول القاسمي : أي: لأول الجمْع؛ لقتالهم، يعني: أن الله سبحانه وتعالى أخرجهم بقهره لأول الحشر، فكأن القاسمي ينتحي منحى من ذهب إلى أن أول الحشر هنا توقيت زماني، وقال بعض المفسرين: إنه حشر مكاني، وأنه يقصد به الأحساء أو غير ذلك كما سيأتي، فـالقاسمي يرى أن أول الحشر توقيت زماني، والتوقيت به إشارة إلى شدة الأخذ الرباني لهم، وقوة البطش والانتقام بقذف الرعب في قلوبهم، حتى اضطروا في أول الهجوم عليهم إلى الجلاء والفرار، فأول ما حشر وجمع الجيش الإسلامي لمواجهتهم لم يحتج الأمر إلى حشر ثانٍ وثالث، بل قذف الرعب في قلوبهم، ففروا وهربوا، هذا هو الذي اختاره العلامة القاسمي رحمه الله تعالى. وأما القرطبي فيقول: إن (( الْحَشْرِ )): هو الجمع، وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة. فأما اللذان في الدنيا: فالأول: حشرهم للقتل، كقوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ))، قال الزهري : كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء ، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشروه في الدنيا إلى الشام، وقال ابن عباس وعكرمة : من شك أن المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، يعني: (( لِأَوَّلِ الْحَشْرِ )) أي: لأول مكان يحصل منه حشر الناس يوم القيامة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (اخرجوا، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر). قال قتادة : هذا أول المحشر، وقال ابن عباس : هم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ديارهم. وقيل: إنهم أخرجوا إلى خيبر، وأن معنى: (لأول الحشر) إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخره: إخراج عمر رضي الله تعالى عنه إياهم من خيبر إلى نجد وأذرعاء، وقيل: شيما وأريحاء -وأريحاء ما زالت تسمى إلى الآن أريحاء-؛ وذلك لكفرهم، ونقضهم عهدهم. وأما الحشر الثاني: فحشرهم قرب القيامة، قال قتادة : تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلف. وهذا ثابت في الصحيح. وقال ابن وهب لـمالك : هو جلاؤهم من ديارهم، فقال لي: الحشر يوم القيامة حشر اليهود، قال: وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى خيبر حين سئلوا عن المال فكتموه، فاستحلهم بذلك. وقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: في الحشر أولٌ ووسطٌ وآخر. فالأول: إجلاء بني النضير، والأوسط: إجلاء خيبر، والآخر: حشر يوم القيامة. وفصّل ذلك أيضاً الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى -وقد توفي في عام الحزن، وذلك في السنة الماضية التي شهدت وفاة جمع كبير من العلماء وأهل الخير- فيقول رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ )): أجمع المفسرون أنها في بني النضير، إلا قولاً للحسن إنها في بني قريظة، ورُدَّ هذا القول: بأن بني قريظة لم يخرجوا ولم يجلوا، ولكن قتلوا. ويسمي الناس هذه السورة بسورة بني النضير.

    1.   

    سبب نزول سورة الحشر

    اتفق المفسرون على أن بني النضير كانوا قد صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر، قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة، فإنه لا ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة، فحالفوا عليه قريشاً عند الكعبة، فأخبر جبريل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فأمر بقتل كعب ، فقتله محمد بن مسلمة غيلة وكان أخاه من الرضاعة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد اطلع منهم على خيانة حين أتاهم في دية المسلمَين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في منصرفه من بئر معونة، فهموا بطرح الحجر عليه صلى الله عليه وسلم، وأرادوا اغتياله صلى الله عليه وسلم، فأوحي إليه بذلك، وعصمه الله تعالى منهم، كما قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]. ولما قتل كعب أمر صلى الله عليه وسلم بالمسيرة إليهم، وطالبهم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام كي يتجهزوا للخروج، فأرسل إليهم عبد الله بن أبي رأس المنافقين سراً ألا تخرجوا من الحصن، ولا تمتثلوا أمره بالجلاء، ووعدهم بنصرهم بألفي مقاتل من قومه، ومساعدة بني قريظة وحلفائهم من غطفان أو الخروج معهم، فتآمروا مع رأس النفاق في المدينة عبد الله بن أبي، فدربوا أنفسهم، وامتنعوا بالتحصينات الداخلية، فحاصرهم صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة. وقيل: أجمعوا على الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: اخرج في ثلاثين من أصحابك، ويخرج إليك ثلاثون منا؛ ليسمعوا منك، فإن صدّقوا آمنا كلنا، ففعل، فقالوا: كيف نفهم ونحن ستون؟ أي كيف نفهم دعوة الإسلام، وأدلة النبوة، ونحن ستون: أنتم ثلاثون، ونحن ثلاثون؟! اخرج في ثلاثة، ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا يناظرونك، يناظرونك عن الإسلام، ففعلوا، فاشتملوا على الخناجر، أي: أخفوا الخناجر، وأرادوا الغدر، فأرسلت امرأة منهم ناصحة إلى أخيها -وكان مسلماً- فأخبرته بما أرادوا، فأسرع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فساره بخبرهم قبل أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما كان من الغد غدا عليهم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين الذي وعدهم به ابن أبي ، فطلبوا الصلح، فأبى عليهم صلى الله عليه وسلم إلا الجلاء، على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من المتاع إلا الحلقة -وهي أدوات السلاح- فكانوا يحملون كل ما استطاعوا عليه ولو أبواب المنازل، فكانوا يخلعون أبواب المنازل ويحملونها معهم، كما قال تعالى: (( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ ))، فكانوا يحملون ما استطاعوا معهم، فانظر إلى العبرة، والى مشيئة سبحانه وتعالى الذي جعلهم يخربون بيوتهم، فينقضونها ويهدمونها بأيديهم بعد أن كان المسلمون ينظرون إليهم على أنهم قوة قوية ومنعة منيعة، وحصون لا تُهد. يقول الشيخ عطية رحمه الله : وقد ذكرنا هذه القصة في سبب نزول هذه السورة؛ لأن عليها تدور معاني هذه السورة كلها، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته في أصول التفسير: إن معرفة السبب تعين على معرفة التفسير، وليعلم المسلمون مدى ما جُبل عليه اليهود من غدر، وما سلكوه من أساليب المراوغة، فما أشبه الليلة بالبارحة، وهنا نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى أسند إخراجهم إلى نفسه عز وجل، فقال: (( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا )) مع وجود حصار المسلمين لهم، وقال الله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا [الأحزاب:25]، فذكر عز وجل أنه هو الذي رد الذين كفروا بغيظهم، ولم يبين السبب الذي ردهم به. أي: أن الإرادة والمشيئة الحقيقة هي إرادة الله، وأما السبب الذي به تنفذ إرادة الله فهم جند الله كالريح والملائكة وغير ذلك من جنود الله، ولذلك قال عز وجل في شأن هؤلاء الأحزاب الذين قال فيهم: (( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ ))[الأحزاب:25]، قال: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب:9]، فرد الله غيظهم بأسباب كالريح والجنود التي لم يرها المؤمنون، وكذلك هنا: (( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ )) فأسند إخراجهم إليه تعالى مع حصار المسلمين إياهم، وقد بين الله سبحانه وتعالى السبب الحقيقي لإخراجهم في قوله عز وجل: (( فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ))، فهذا من أهم أسباب إخراجهم، وسبب قذف الله تعالى الرعب في قلوبهم أنهم كانوا في موقف القوة وراء الحصون، ولم يتوقع المؤمنون خروجهم، (( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ))، وقد كان هذا الإخراج من الله لهم بوعد سابق من الله لرسوله، وهو في قوله عز وجل: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:137]، فقوله: (( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ )) خبر ووعد من الله سبحانه وتعالى أنه سوف يكفيه إياهم، وبهذا الإخراج تحقق كفاية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم إياهم، فقد كفاه إياهم بإخراجهم من ديارهم، فكان إخراجهم حقاً من الله تعالى، وكان بوعد مسبق من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أكد هذا بقوله تعالى مخاطباً المسلمين في خصوصهم في أوقات الجلاء، فقال الله عز وجل للمؤمنين: فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحشر:6]، وتسليط الرسول صلى الله عليه وسلم هو بما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، فإذا كان ينصر بالرعب من مسيرة شهر فما ظنك بمسيرة ميلين من المدينة، فلا شك أنه أولى أن يُقذف الرعب في قلوبهم، وهذه من خصائص النبي عليه الصلاة السلام على غيره من الأنبياء فضلاً عن سائر البشر. إذاً: فالذي أخرجهم في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى كما قال: وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [الحشر:6]، وسلط عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرعب، (نصر بالرعب مسيرة شهر)، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: (( فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا )) أي: من قلوبهم، فقد أُلقيتْ الهزيمة في قلوبهم، وقد كانوا يظنون أنهم مانعتهم حصونهم من الله، بل كان المؤمنون أنفسهم يظنون ذلك كما قال الله: (( مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ))، فالمؤمنون أنفسهم كانوا يظنون أنهم لا يستطيعون أن يخرجوهم؛ لشدة تحصنهم في هذه الحصون المنيعة، وكذلك كان اليهود أنفسهم في غاية الثقة بما هم عليه من الحصون، (( فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا )) أي: من جهة قلوبهم، فألقى الرعب في قلوبهم، ونصر نبيه صلى الله عليه وسلم عليهم. ثم قال الله تعالى بعد ذلك: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ [الحشر:6]، وذلك أن المسلمين تطلعوا إلى حظهم من هذا المال الذي غنموه من اليهود، فبين الله سبحانه وتعالى لهم وأفتاهم أن هذا إنما هو للرسول عليه الصلاة السلام خاصة يتصرف فيه بما يشاء، وليس غنيمة للمسلمين؛ لأنه لم يكن لهم أي فضل في إخراج اليهود، وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ [الحشر:6] أي: أنكم ما أسرعتم بالخيل، ولم تقاتلوا، ولم تفعلوا شيئاً، وسيأتي ذلك بتفصيل إن شاء الله تعالى. إن السياق هنا في هذه السورة في شأن اليهود لعنهم الله، وهو يتفق مع السياق في سورة الأحزاب في شأن بني قريظة سواء بسواء، وذلك في قول الله تبارك وتعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا [الأحزاب:26-27]، وعليه ظهرت حقيقة إسناد إخراجهم لله تعالى: (( فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ )). كما أنه تعالى هو الذي ردَّهم فقال: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا [الأحزاب:25]، وذلك بما أرسل عليهم من الرياح والجنود، وهو الذي كفى المؤمنين القتال كما في قصة الأحزاب وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:25]، وهو تعالى أيضاً الذي أنزل بني قريظة من صياصيهم، وأورث المؤمنين ديارهم وأموالهم، وكان الله على كل شيء قديراً، ورشح لهذا كله التذييل في آخر الآية. أي: أن التذييل في آخر الآية هو الذي يقوي هذا المعنى من أن الإخراج في الحقيقة هو إخراج الله سبحانه وتعالى، وقد يجعل الله بعض الأشياء في الظاهر هي سبب هذا الإخراج كالملائكة أو الريح كما حصل في غزوة الأحزاب، أو كإلقاء الرعب في قلوب اليهود لعنهم الله كما حصل في بني النضير. ولذلك جاء التذييل هنا بقوله تبارك وتعالى: (( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ))، فهذا التذييل يطلب الاعتبار والاتعاظ بما فعل الله بهم، أي: اعتبروا واتعظوا بإخراج الذين كفروا من حصونهم وديارهم ونواصي قوتهم، (( مَا ظَن

    آثار الرعب وآثار الطمأنينة

    قوله تعالى: (( وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ))، يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله: منطوقه أن الرعب سبب من أسباب هزيمة اليهود، ومفهوم المخالفة يدل على أن العكس بالعكس، أي: أن الهزيمة تكون بسبب الرعب، وأيضاً فالطمأنينة التي هي ضد الرعب تكون سبباً من أسباب النصر كما قال الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18]، وقال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [التوبة:25-26]. ومنها قوله تعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40]، فهذا الأمر لا شك أنه آية من آيات الله، وهذه الآية أيضاً دليل على هذا المعنى الذي نذكره وهو: أن السكينة سبب النصر، والرعب سبب الخوف، فاثنان أعزلان يتحديان قريشاً بكاملها بعددها وعُددها، فيخرجان تحت ظلال السيوف، ويدخلان الغار في سدفة الليل، وتأتي الأصنام على فم الغار بقلوب حانقة، وسيوف مصمتة، وآذان مرهفة، حتى يقول الصديق رضي الله عنه: والله يا رسول الله! لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غاية الطمأنينة والسكينة: (ما بالك باثنين الله ثالثهما!). ووقع نفس الأمر أيضاً في غزوة بدر، قال الله تبارك وتعالى: فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ..)[الأنفال:9-11] إلى آخره، وقد كان الإمداد بالملائكة؛ لتطمئن به قلوبهم، وإنزال النعاس بهم أمنة منه تبارك وتعالى، وتم كل ذلك بما ربط على قلوبهم كما ربط على قلوب أهل الكهف: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.. [الكهف:14] إلى آخر الآية. فهذه آثار الطمأنينة والسكينة والربط على القلوب التي نستدل عليها بمفهوم المخالفة في قوله هنا: (( فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ )). وقد جمع الله سبحانه وتعالى المنطوق والمفهوم في قوله: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال:12]، فنص على الطمأنينة بالتثبيت في قوله: (( فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ))، ونص على الرعب فقال: (( سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ))، فكانت الطمأنينة تثبيتاً للمؤمنين، والرعب زلزلة للكافرين. وفي حديث جبريل لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى بني قريظة، قال: (إني متقدمكم لأزلزل بهم الأقدام)، وقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45] * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46]، وهذا المعنى الذي ندندن حوله الآن هو أثر التأثير في الحالة النفسية والإيمانية والقلبية على الإنجاز في ساحة القتال، ومن ثَم نجد في الحروب الحديثة استخدام هذا السلاح، وكما هو معلوم أن السلاح ليس بذاته، وإنما هو بضاربه، وضاربه نفسه لا قيمة له إلا إذا كان عنده شجاعة وقوة وطمأنينة. فالآن تجدون ما يسمى بالحرب الباردة، فإنهم يستخدمون الحرب النفسية، وذلك ببث الدعايات، وإلقاء المنشورات، ففي بعض الحروب تلقى منشورات تدعو الناس إلى الاستسلام، وإلى عدم المقاتلة، وأنهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً، وأنهم لا محالة مهزمون، فما عليهم إلا أن يستسلموا، وكذلك يلجأ إليها أيضاً المتصارعون في حلبات الملاكمة، فيلقي بعض التصريحات حتى يلقي الرعب في قلب من يريد أن يوهن عزيمته بالحرب الباردة. ومن الحرب الباردة أيضاً ما سلكه أهل الكتاب: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران:72-73]، فهذه حرب نفسية أيضاً، وهي حرب باردة، فيأمرون بعضهم أن يدخل في الإسلام في أول النهار، ثم يرتد عنه في آخر النهار، ثم يقول: دخلنا في هذا الدين فما وجدنا فيه خيراً، وهذا نوع من الحرب النفسية، ففيه زلزلة قلوب المؤمنين. ويقول الله تبارك وتعالى محذراً من هؤلاء، ومحذراً من هذا النوع من الحرب؛ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:18]، و(( الْمُعَوِّقِينَ )) هم المنافقون الذين يندسون وسط المسلمين، فيلقون فيهم الإرجاف والشبهات والتشكيك وروح الانهزامية، ولذلك حذر الله سبحانه وتعالى من الإنصات لهذا الإرجاف؛ لأن الإرجاف والتعويق والتثبيط له أثر خطير على المسلمين، يقول تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة:47]. ولما اشتد الأمر على المسلمين في غزوة الأحزاب، وبلغ الرسولَ عليه الصلاة والسلام أن اليهود نقضوا عهدهم، أرسل إليهم من يستطلع له خبرهم، وأوصاهم إن هم رأوا غدراً ألا يصرحوا بذلك، أي: ألّا ينشروا الخبر في أوساط المسلمين، ولكن عليهم أن يعرِّضوا بالكلام ويلحنوا به لحناً؛ حفاظاً على طمأنينة المسلمين، وإبعاداً للإرجاف عن صفوفهم. ثم بيّن الله سبحانه وتعالى أثر الدعاية الحسنة، والإعلام الخيّر في قوله تبارك وتعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ [الأنفال:60]، فهذا وإن كان استعداداً مادياً إلا أن الهدف منه الإرهاب النفسي، فهذه حرب باردة أيضاً، وحصل بالفعل هذا الاستعداد، فخرج جيش أسامة بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وعند تربص الأعراب، فكان لهذا الخروج الأثر الكبير في إحباط نواي المتربصين بالمسلمين، وقالوا: ما أنفذوا هذا البعث إلا وعندهم الجيوش الكافية، والقوة اللازمة. وأيضاً ما أجراه الله سبحانه وتعالى في غزوة بدر كان من هذا القبيل، وهو أكبر دليل عملي، فقد قلل الله سبحانه وتعالى كل فريق في أعين الآخرين، يقول تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [الأنفال:43-44]. وفاتنا أن ننبه على أمر يتعلق بقراءة قوله تعالى: (( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ))، فعامة القراء قرءوها: (( يُخْرِبُونَ ))، بالتخفف، من أخرب، أي: يهدمون، وقرأ السلمي والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو : ( يُخْرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ) بالتشديد، من التخريب، قال أبو عمرو : إنما اخترت التشديد؛ لأن الخراب ترك الشيء خراباً بغير ساكن، وبنو النضير لم يتركوا خراباً وإنما خربوها بالهدم، ويؤيده قوله تعالى: (( بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ))، وقال آخرون: التخريب والإخراب بمعنى واحد، والتشديد بمعنى التخريب. وقال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير : لما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن لهم ما أقلّت الإبل كانوا يستحسنون الخشبة والعمود، فيهدمون بيوتهم، ويحملون ذلك على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها. وعن ابن زيد أيضاً قال: كانوا يخربونها؛ لئلا يسكنها المسلمون بعدهم. وهذا كما فعلوا في سيناء وغيرها، فأي مكان ينسحبون منه فإنهم يخربونه؛ حتى لا ينتفع بها م

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ...)

    قال الله تعالى: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا [الحشر:3] أي: ولولا أنه قضى أنه سيجليهم عن دارهم، وأنهم سيبقون مدة فيؤمن بعضهم، ويولد لهم من يؤمن، فهذه حكمة استبقائهم، وأما غيرهم فقد أبيدوا وقتلوا. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا [الحشر:3] أي: بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة، والجلاء: هو مفارقة الوطن، يقال: جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء، والفرق بين الجلاء والإخراج -وإن كان كلاهما فيه معنى الإبعاد- من وجهين: الأول: أن الجلاء يكون مع الأهل والولد، والإخراج: قد يكون مع بقاء الأهل والولد، أي: أنه ينفى ويبقى أهله وولده في البلد. الفرق الثاني: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لواحد ويكون لجماعة، قاله الماوردي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ...)

    قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر:4] أي: خالفوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما نُهوا عنه من الفساد ونقض الميثاق. قوله: وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:4] أي: شديد العقاب له في الدنيا وفي الآخرة. يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر:4]، المشاقة: العصيان، ومنه شَقُّ العصا، بمعنى المخالفة، وهذا يدل على أن الله تعالى أوقع ما أوقعه ببني النضير من إخراجهم من ديارهم، وتخريب بيوتهم بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، فالمشاقة المذكورة هي علة العقوبة الحاصلة بهم، ولا شك أن مشاقة الله ورسوله من أعظم أسباب الهلاك التخريب. ويقول أيضاً: وهكذا اليهود، فإن داءهم الدفين هو الحسد والعجب بالنفس، فجرّهم إلى الكفر، ووقعوا في الخيانة، وكانت النتيجة القتل والطرد. فمشاقة اليهود هذه هي من الإفساد في الأرض الذي نهاهم الله عنه، وعاقبهم عليه مرتين، وتهددهم إن هم عادوا للسالفة عاد للانتقام منهم، وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8]، وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا [الإسراء:4-7] أي: الثانية من المرتين، لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا [الإسراء:7] * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء: 8] أي: إن عدتم للإفساد في الأرض عدنا لتسليط عباد لنا أولي بأس شديد عليكم، فينتقمون منكم، وهاهم قد عادوا إلى الخيانات كما حصل منهم مع النبي عليه الصلاة والسلام، وشاقوا الله ورسوله، فسلط الله عليهم رسوله والمؤمنين. فقوله تعالى: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا لم يبين هل عادوا للإفساد في المرة الثالثة أم لا، لكن هناك آيات أخرى تدل على أنهم عادوا فعلاً للإفساد، فقد عادوا للإفساد بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وكتْم صفاته، ونقْض عهوده، ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة ، فعاد الله جل وعلا للانتقام منهم تصديقاً لقوله: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ، فسلط عليهم نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وجرى على بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع وخيبر ما جرى من القتل، والسلب، والإجلاء، وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة وغيرها، ومن الآيات التي تدل على أنهم عادوا للإفساد قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [البقرة:89-90]، فقال تعالى: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [البقرة:100]، وقال تعالى: وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ [المائدة:13]. ومن الآيات التي تدل على أن الله سبحانه وتعالى عاد إلى الانتقام منهم لما عادوا إلى الإفساد بمحاولة اغتيال الرسول عليه الصلاة والسلام، ونقض العهود، وموالاة المشركين، والاتفاق السري مع المنافقين في المدينة، هذه الآيات التي في سورة الحشر: (( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ )) إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7]، وقال تعالى أيضاً يبين أنه عاد إليهم بالانتقام لما عادوا إلى الإفساد: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8]، وقال: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.. [الأحزاب:26-27]، إلى آخر الآية. فالمشاقة التي وقعت من اليهود تخالف المشاقة التي وقعت من غيرهم، فكان تخلف الحكم عمن شاقوا الله ورسوله من غير اليهود بسبب تخلف بعض العلة في الحكمين، فليس كل من شاق الله ورسوله يخاطب بهذا التقريع، لكن المقصود هنا أن اليهود صدرت منهم مشاقة تقتضي هذه العقوبات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ...)

    قال الله تبارك وتعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر:5]. (ما) في قوله: (( مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ )) في محل نصب مفعول به، والناصب له (قطعتم)، والمعنى: أي شيء قطعتم، فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم على حصون بني النضير وهو غضبان عليهم حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد، فأمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فقام الصحابة بقطع هذا النخل بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام، أو أنهم فعلوا ذلك وأقرهم عليه، وكان هذا الفعل إما لإضعاف اليهود وإلقاء الهيبة في قلوبهم، وإما لتوسيع المكان؛ حتى يتمكنوا من مقاتلتهم، فشق ذلك عليهم، فقال اليهود: يا محمد! ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح؟ أفمن الصلاح قطع النخل، وحرق الشجر؟ وهل وجدت في ما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، ووَجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا، فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا، يعني: هذا النخل بكل الأحوال هو لنا، فإذا كان لنا فلماذا نقطعه؟! وقال بعضهم: اقطعوه؛ لنغيظهم بذلك، فنزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع، وتحرير من قطع من الإثم، وذلك لبيان أن كل الفريقين اجتهد وأصاب، فأخبر أن قطْعه وترْكه إنما هو بإذن الله وإباحته تبارك وتعالى، وهذا يرفع عنهم الشعور بالحرج. قوله: (( مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ )) اللينة تطلق على كل النخل ما عدا العجوة، وقد كان هذا النخل في مكان يسمى البويرة، وهو بستان يقع في الجنوب الغربي من مسجد قباء. وقال ابن كثير في قوله تبارك وتعالى: (( مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ )) يعني بالإذن: القدري والمشيئة الإلهية، كما في قوله: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران:166]، وقال تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران:152]، إذاً: فـابن كثير يرى أن هذا الإذن إذن كوني قدري. ويقول الشيخ عطية سالم رحمه الله: والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الإذن المذكور في الآية هو إذن شرعي إرادي، وهو ما يؤخذ من عموم الإذن في قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39]، فيكون المقصود من قوله: (فبإذن الله)، أي: بإباحة الله لكم أن تغيظوا هؤلاء اليهود بحرق نخيلهم. يقول: فلأن الإذن بالقتال إذن بكل ما يتطلبه القتال بناء على قاعدة الأمر بالشيء أمر به، وأن ما لا يتم إلا به فإنه يؤمر أيضاً به، والحصار نوع من القتال، ولعل من مصلحة الحصار قطع بعض النخيل؛ لتمام الرؤية، أي: أنهم قد يتخفون فيها ويفرون، فربما كانت هناك مصلحة في قطع النخيل؛ حتى تكون المنطقة مكشوفة فتسهل الرؤية، أو لإحكام الحصار عليهم، أو لإذلال وإرهاب العدو بحصاره، وإشعاره بعجزه عن حماية أمواله وممتلكاته، وقد يكون فيه إشارة له ليندفع بحمية للدفاع عن ممتلكاته وأمواله، فينكشف عن حقوله، ويسهل القضاء عليه، إلى غير ذلك من الأغراض الحربية التي أشار الله تعالى إليها بقوله: (( وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ )) أي: بعجزهم وإذلالهم وحسرتهم وهم يرون نخيلهم يقطع ويحرق فلا يملكون له دفعاً. وعلى كل؛ فالذي أذن بالقتال، وسفك الدماء، وإزهاق الأنفس ألا يأذن بإحراق أموالهم، وما يترتب على هذا القتال من سبي وغنائم لا يمنع في مثل قطع النخيل إن لزم الأمر. ويمكن أن يقال: إن ما أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبإذن الله أذن، ويكون هذا قريباً مما فعل الخضر بالسفينة، ففي الظاهر أن الخضر كان يتلف السفينة، حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا [الكهف:71]، مع أن الخضر أراد من خرقها أن يعيبها بإتلاف بعضها، ليستخلصها من التقاط الملك إياها، وقال: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]. واعترض أيضاً المشركون على المسلمين حينما حصل منهم القتال في شهر من الأشهر الحرم كما اعترض اليهود على المسلمين في قطع النخيل، قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، فتعاظم المشركون قتل المسلمين لبعض المشركين في وقعة نخلة، ولم يتحققوا دخول الشهر الحرام، أي: أن المسلمين لم يكونوا متثبتين من دخول الشهر الحرام، فاتُّهموهم بالاعتداء على حرمة الأشهر الحرم، (( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ )) أي: تقاتلون أيها المسلمون! في الشهر الحرام؟ فأجابهم الله تعالى بموجب ما قالوا: بأن القتال في الشهر الحرام كبير، فقال: (( قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ )) أي: أنه أمر عظيم وخطير. وهنا تنبيه وهو: أننا مقبلون في هذه الليلة على أول ليلة في شهر رجب، وهو من الأشهر الحرم، فينبغي الحذر الشديد من أي معصية؛ لأن الله سبحانه تعالى يقول: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36]، فينبغي الاحتراز الشديد من أي نوع من أنواع الظلم والمعاصي وخصوصاً القتال؛ مراعاة لحرمة الأشهر الحرم، فالمعاصي فيها قد تضاعف عقوبتها؛ لحرمة هذه الأشهر عند الله، وبسبب هجرنا الآن للتقويم الهجري فإن الناس لا يفرقون بين شهر الحرام وغيره، فالمؤمن الذي يفقه عن الله كلامه ينبغي أن يحترس في الأشهر الحرم عن أي معصية كما قال تعالى: (( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ))، فالنهي عن ظلم النفس بالمعاصي وغيرها، وكذلك النهي عن ظلم الآخرين حاصل في كل وقت، لكنه يزداد حرمة بحرمة الزمان، كما في هذه الأشهر الحرم، فلنلتفت جميعاً إلى هذا المعنى. يقول: فأجابهم الله تعالى بموجب ما قالوا: بأن القتال في الشهر الحرام كبير، ولكن ما ارتكبه المشركون من صد عن سبيل الله، والكفر بالله، والصد عن المسجد الحرام، وإخراج أهله منه أشد من القتال الذي ارتكبه المسلمون في الأشهر الحرام، والفتنة عن الدين أكبر من القتل الذي تستنكرونه من المسلمين. وهكذا هنا أيضاً؛ فقد تعاظم اليهود على المسلمين قطع بعض النخيل، وعابوا على المسلمين إيقاع الفساد بإتلاف بعض المال، فكيف بغدرهم وخيانتهم ونقضهم للعهود؟ وكيف بممالأتهم على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد سجل هذا المعنى كعب بن مالك وهو يذكر إجلاء بني النضير، وقتل ابن الأشرف فيقول: لقد خزيت بغدرتها الحبور كذاك الدهر ذو صرف يدور وذلك أنهم كفروا برب عظيم أمره أمر كبير وقد أوتوا معاً فهماً وعلماً .... وجاءهمُ من الله النذير إلى أن قال: فلما أشربوا غدْراً وكفراً وجد بهم عن الحق الثغور أرى الله النبي برأي صدق وكان الله يحكم لا يجور فأيده وسلطه عليهم وكان نصيره نِعم النصير إذاً: فالأقرب في الإذن بقطع النخيل أنه إذن شرعي، ويمكن أن يقال: هو عمل تشريعي إذا دعت إليه الحاجة. قوله: (( مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ )) أي: من نخلة من نخيلهم؛ إغاظة لهم، ويطلق كما ذكرنا على النخل كله إلا العجوة، (( مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا )) أي: سواء ما قطعتم وما تركتم من النخيل، (( فَبِإِذْنِ اللَّهِ )) أي: بأمر الله ورضاه، وذلك ليس للعبث ولا للإضرار، بل لتأييد قوة الحق، وتصلب أهله، وإرهاب المبطلين وإذلالهم، كما قال تعالى: (( وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ))، لما فيه من إهانة العدو وإضعافه ونكايته. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ذكر علماء الأخبار وأئمة السير أن سبب الأمر بجلاء بني النضير هو نقضهم العهد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه، ولا يظاهروا ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم. وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة. وقسم تاركوه، فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يئول إليه أمره وأمر أعدائه صلى الله عليه وسلم. ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن؛ ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون، فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى، فصالح يهود المدينة، وكتب بينه وبينهم كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريضة، فكان بنو قينقاع أول من نقض ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، ثم نقض العهد بنو النضير، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم، فتآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم، وأن يعلو رجل فيلقي صخرة عليه، فانتدب لذلك عمرو بن جحش بن كعب أحدهم، وصعد ليلقي عليه صخرة، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أراد القوم، فقام ورجع بمن معه من أصحابه إلى المدينة، وأمر بالتهيؤ لحربهم، ثم سار بالنا

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007963490

    عدد مرات الحفظ

    720628760