إسلام ويب

تفسير سورة يوسف [1-18]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تسمية السورة ومناسبتها لما قبلها

    سميت سورة يوسف بهذا لأن معظم ما ذكر في هذه السورة هو قصة يوسف عليه السلام. وتناسب آي القرآن هو علم من علوم القرآن، أي: أن هناك حكمة ووجوه مناسبة بين ترتيب سور المصحف الشريف، وبين ترتيب الآيات فيما بينها في السورة الواحدة. وفيما يتعلق بمناسبة هذه السورة لما قبلها، فإن السورة التي قبلها وهي سورة هود ختمت بقوله تبارك وتعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] فجاء في هذه السورة نبأ من أنباء الرسل، بالإضافة إلى ما مضى. ففي سورة هود ذكر تبارك وتعالى ما لقي الأنبياء عليهم السلام من قومهم، أما في هذه السورة فقد ذكر عز وجل ما لقي يوسف من إخوته؛ ليعلم ما قاساه الأنبياء من أذى الأجانب والأقارب معاً. فسورة هود ذكر فيها أنباء الرسل وما لاقوه من أذى الأجانب، أما سورة يوسف ففيها ذكر ما لقي يوسف عليه السلام من أذى الأقارب وكيد إخوته له، فبين السورتين مناسبة تامة أكيدة، والمقصود بذلك تسلية النبي صلى الله عليه وسلم؛ بما لاقاه من أذى القريب والبعيد. ويكفي أن عمه أبا لهب كان يكيد له أشد الكيد حتى نزلت سورة في شأنه. فجاءت هذه السورة لمواساته عليه الصلاة والسلام مما يلقاه من الأذى، وأنه ليس أول من لقي الأذى من الأقارب ومن الأباعد.

    معنى اسم يوسف وحقيقته اللغوية وتعريبه

    يوسُف اسم عبراني ينطق يوسِف، كذلك يونُس ينطقونها يونِس، فلما عرب هذا الاسم عدل عن يوسِف إلى يوسُف؛ لأن في يوسِف معنى الإيساف والأسف، ولو همزت الواو تقول: يؤسف، كذلك في يونس لما عربت قيل: يونُس ولم يقولوا يونِس؛ لأن فيه معنى الإيناس. فاجتنب في التعريب كسر السين؛ لما فيه من معنى المؤاسفة فصارت يوسُف، ومعناه: يزيد أو زيادة؛ وذلك لما روي أن أمه راحيل قعدت عن الحمل مدة، وكان لها ضرات يلدن فلحقها الحزن، ولما وهبها الله تعالى ولداً بعد سنين سمته يوسف، وقالت: يزيدني به ربي ولداً آخر بعد ما أنعم علي بيوسف.

    وقع سورة يوسف على اليهود وتأثيرها

    هذه السورة مكية اتفاقاً وآيها مائة وإحدى عشرة بلا خلاف، وقد روى البيهقي في الدلائل (أن طائفة من اليهود حين تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم هذه السورة أسلموا) لموافقتها ما عندهم. والسورة لا توافق ما عندهم فحسب، بل هي أوضح في بيان الأحداث، ولو حصلت مقارنة منصفة بين ما ذكر في التوراة وما في القرآن لتبين الفرق الشاسع بينهما، فهناك مواقف محورية حذفت من التوراة فهي غير موجودة، هذا بجانب فقد الترابط، بخلاف ما في القرآن من روعة الأسلوب القرآني وبلاغته، واستكمال المواقف والأحداث.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (آلر تلك آيات الكتاب المبين)

    قال تعالى: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:1]. تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. ((تلك آيات الكتاب المبين)) الإشارة بتلك راجعة إلى آيات هذه السورة الكريمة، فكأنه قد قرأ هذه الآيات التي في سورة يوسف، ثم أشار إليها فقال: ((تلك آيات الكتاب المبين)) مع أنه لم يأت بعد ذكرُ هذه الآيات، فيكون قد نزَّل ما يأتي بعد منزلة الذي قد تقدم، والإشارة بلفظ (تلك) للبعد، وذلك لعظمتها وعلو مرتبتها، وأنها آيات عالية المقام. ((تلك آيات الكتاب المبين)) أي: أن المراد بالكتاب هو السورة؛ لأنه بمعنى المكتوب فيطلق عليها، أو المقصود القرآن كله؛ لأنه كما يطلق على كله يطلق على بعضه، فهذا يطلق عليه قرآن، وهذا يطلق عليه قرآن. ((المبين)) أي: الظاهر أمرها وإعجازها، إن جعل من باب (فعل) اللازم، أما إن جعل من المتعدي فالمفعول مقدر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآناً عربياً...)

    قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف:2]. ((إنا أنزلناه)) أي: الكتاب المنعوت السابق الإشارة إليه. ((قرآنا عربياً لعلكم تعقلون)) أي: لكي تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم، كما قال تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [فصلت:44] فمن ثم لا يجوز أن يطلق على تراجم معاني القرآن الكريم لفظ القرآن، كما فعله بعض المستشرقين الملاحدة أعداء الدين، وأيضاً بعض جهلة المسلمين الذين يصنعون تراجم لمعاني القرآن ويسمونها قرآناً، فلا يمكن أن يكون القرآن غير عربي، لذلك لابد أن يقولوا: معاني القرآن الكريم، وألا يقولوا: القرآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ((ولو جعلناه قرآناً أعجمياً)) أي: لو أن القرآن نزل بلغة أخرى غير العربية ((لقالوا لولا فصلت آياته)) لأن اللغات الأخرى غير العربية تعجز عن التعبير عن المعاني القرآنية، وهذا بين لمن قارن بين تراجم هذه المعاني، وبين القرآن الكريم. ((لعلكم تعقلون)) أي: لعلكم تتدبرون بعقولكم أن القصص الموجود في القرآن ومنه قصة يوسف عليه السلام خاصة مع وروده بهذه الكيفية من شخص لم يتعلم القصص. إذا أضفنا إلى ذلك خصيصة أخرى من خصائص القصص القرآني، وهي التي عبر تبارك وتعالى عنها في وصف القرآن الكريم بأنه مهيمن على ما سبق من الكتب، فالقرآن يفصل في جميع القضايا التي تنازع فيها أهل الكتاب، فيأتي فاصلاً وحاكماً بينهم ومهيمناً على ما عندهم، فهو السلطان الأعلى على ما عندهم، وهذا لا يكون إلا من عند الله تبارك وتعالى، ولا يكون إلا بواسطة الوحي. أو ((إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)) أي: لعلكم تعقلون بإنزاله عربياً ما تضمن من المعاني والأسرار التي لا تتضمنها ولا تحتملها غيرها من اللغات؛ وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأثبتها وأوسعها، وأكثرها تأديةً للمعاني التي تقوم بالنفوذ. قال بعضهم: نزل أشرف الكتب (القرآن) بأشرف اللغات (اللغة العربية) على أشرف الرسل صلى الله عليه وسلم، بسفارة أشرف الملائكة (جبريل عليه السلام)، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض (مكة)، وفي أشرف شهور السنة (رمضان) وفي أشرف ليلة من هذا الشهر الكريم وهي ليلة القدر، فكمل له الشرف من كل الوجوه. ويمكن أن يضاف إلى ذلك أنه نزل على أشرف أمة؛ لقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ...)

    قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف:3]. ((نحن نقص عليك أحسن القصص)) أي: أبدعه طريقة، وأعجبه أسلوباً، وأصدقه أخباراً، وأجمعه حكماً وعبراً. ((بما أوحينا إليك)) أي: بإيحائنا إليك هذا القرآن. ((وإن كنت من قبله لمن الغافلين)) أي: من الغافلين عنه، حتى إنه لم يكن القرآن الكريم من قبل يخطر ببالك، والتعبير عن عدم العلم بالغفلة؛ لإجلال شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو لم يستعمل الكلمة التي تقوم مقام الغفلة، حتى لا يصف النبي بعدم العلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً...)

    قال تعالى: (( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ ))أي: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. والظرف (إذ) بدل اشتمال من المفعول قبله. إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4] نادى يوسف أباه بهذه الرؤيا؛ لأن يوسف عليه السلام كان يحب أباه يعقوب عليه السلام، وكان يعتقد في أبيه أنه كامل في علمه، فقد كان نبياً من أنبياء الله، وأيضاً اجتمع إلى كمال علمه حلمه عليه وحبه له وشفقته عليه، بحيث لو كانت رؤياه تسوءه لأمكنه صرفها عنه، وهذا معلوم في عامة الناس. فلذلك تجد الابن دائماً ينظر إلى أبيه على أنه أكمل الناس وأنه أعلم الناس وأكرم الناس وأحسن الناس وهكذا، فلذلك ينظر إليه بصورة فيها اعتقاد علو الشأن بهذه الدرجة، فيوسف عليه السلام لا شك أنه محق في ذلك الاعتقاد. قال القاشاني : قوله: ((إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)) هذه من المنامات التي تحتاج إلى تعبير؛ لأن بعض المنامات تكون أضغاثاً لا تعبير لها ولا يتكلف لها تعبير، لكن هذه كانت واضحة أنها رؤيا حق. ((يا أبت)) أصله: يا أبي، فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة، وكسرت تاء التأنيث لأن الياء مكسورة، فناسبها أن تكسر التاء التي هي عوض عنها، وقرئ بفتحها، (يا أبت) على حركة أصلها، أو لأن أصلها (يا أبتا) فحذفت الألف وبقيت الفتحة، وقرئ بالضم: (يا أبتُ)، إجراءً لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء، من غير اعتبار التعويض. ((إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)) هذا استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها. والتكرار في قوله أولاً: (رأيت)، ثم قوله: (رأيتهم) له فائدة، فهو استئناف من أجل بيان كيفية رؤيته هذه الأشياء التي رآها، وعلى هذا فلا تكرار، أو أنه كرر الفعل تأكيداً، وذلك لطول العهد كما في قوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [المؤمنون:35]. وإنما أجريت المرئيات المذكورة مجرى العقلاء في ضميرهم، وجمع صفتهم جمعاً مذكراً سالماً (ساجدين)؛ لأنه وصفها بفعل من أفعال العقلاء، وهو السجود. ولو صح كونها ناطقة فلا إشكال. قال القاشاني : ولم أر من تعرض لهيئة السجود. أي: كيف كان سجود الشمس والقمر، هل حركت جانبها الأعلى إلى الأسفل، أو ظهرت مستديرة أو مستطيلة؟! وهذا كله من التكلف، وإنما ينبغي أن يوكل علم ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال تبارك وتعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك..)

    قال تعالى: قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف:5]. ((قال يا بني)) صغره لصغر سنه، وللشفقة عليه، ولعذوبة المصغر، فإن الصغير كما يكون أحياناً للتحقير يكون أحياناً للتمليح، فهنا المقصود به التعبير عن عذوبة اللفظ المصغر. ((فيكيدوا لك كيداً)) أي: فيفعلوا لهلاكك تحيلاً عظيماً متلفاً لك. ((إن الشيطان للإنسان عدو مبين)) أي: ظاهر العداوة، فلا يألو جهداً في إغواء إخوتك وحملهم على ما لا خير فيه. قال القاشاني : هذا النهي من الإلهامات المجملة، فإنه قد يلوح صورة الغيب من المجردات الروحانية في الروح، ويصل أثره إلى القلب. يعني: أن الله سبحانه وتعالى ربما يكون أوقع في قلب يعقوب عليه السلام ما يريده إخوته له، فيقع في النفس من ذلك خوف واحتراز إن كان مكروهاً، فهذا النوع من الإلهام يسمى: إنذارات، وإذا كان الإلهام مما يسر فيسمى بشارات. فخاف يعقوب عليه السلام من وقوع ما سيقع قبل وقوعه، وهذا شيء مجرب، ويعبرون عن الإلهام أحياناً بالحاسة السادسة. وهذا يحصل كثيراً ونسمع كثيراً من هذا للأمهات بالذات، لأن قلوب الأمهات رقيقة، فنسمع قصصاً كثيرة عن أمهات قالت في نفس الوقت الذي حصل فيه حادث للابن في مكان بعيد: إني أشعر بقلبي أن حادثاً حدث لابني، وهذا من الإلهام الذي يلقيه الله سبحانه وتعالى في قلب الإنسان، فكذلك ربما يكون ما وقع ليعقوب عليه السلام حينما قص عليه يوسف الرؤيا مثل هذا الخوف، فنهاه عن إخبارهم برؤياه؛ احترازاً واحتياطاً. ويجوز أن يكون احترازه من جهة دلالة الرؤيا على شرفه وكرامته، وأن قدره سيزيد على قدر إخوته، فخاف من حسدهم عليه عند شعورهم بذلك. وتعلمون أن من آداب الرؤيا: ألا تقص الرؤيا إلا على حبيب أو لبيب، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحبيب لا يحسد، أما إذا قصصت الرؤيا على عدوك المناوئ لك فقد يحمله الحسد على أن يتعمد الإساءة في تعبيرها بشر؛ لأنها تقع على ما تعبر به. أو (لبيب) أي: رجل عاقل له علم ودراية بالأصول وقواعد تفسير وتعبير الرؤى. قال السيوطي في الإكليل: قال الكياالهراسي : هذا يدل على جواز ترك إظهار النعمة لمن يخشى منه حسد ومكروه. قال ابن العربي : في حكم العادة أن الإخوة والقرابة يحسدون، أي: أن هذه الآية الكريمة فيها بيان لهذا الأمر الذي يقع عادةً بين الناس، وهو أن الإخوة والقرابة يتحاسدون، والسبب هو أن الحسد يكون أقوى إذا كان هناك قاسم مشترك أو وصف مشترك بين طرفين. مثلاً: اثنان مشتركان في علم، أو مشتركان في مهنة، أو مشتركان في قرابة من نفس النسق، فغالباً ما يقع الحسد بينهما. فلذلك يكثر الحسد في الأقارب إلا من عصم الله سبحانه وتعالى. ثم يقول ابن العربي : وفيه أن يعقوب عرف تأويل الرؤيا ولم يبال بذلك، فهذا فيه إشارة إلى قاعدة مقررة ينطق بها كل الناس: وهي أن الشخص الوحيد الذي يحب لك أن تكون أفضل منه هو أبوك، لذلك يعقوب عليه السلام ما تأذى بذلك، بل فرح لعلو مقام ابنه يوسف عليه السلام كما تنبئ عنه هذه الرؤيا فلم يتأثر بذلك، بل خشي من حسد إخوته له. أما الأخ فإنه لا يود ذلك لأخيه، بخلاف المؤمن فإنه لا يكره خيراً لأخيه؛ لأن المؤمن لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ لكن ربما يكون الكلام هنا فيما زاد على القدر المتساوي، وإلا فهذه درجة من الإيمان موجودة كما وجدت في المهاجرين والأنصار: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] فهناك نماذج في التقوى من البشر لكنها قليلة، فتجد من يحب لأخيه من الخير مثل ما يحب لنفسه. أما الأب فهو الذي يحب أن يكون ابنه أفضل منه وخيراً منه غالباً. قال الحاكم : هذا يدل على أنه يجب في بعض الأوقات إخفاء فضيلة؛ تحرزاً من الحسود إذا عرف منه ذلك.

    حكم كتم الحق عند خوف الفتنة

    يقول الحاكم : وهذا داخل في قولنا: إن الحسد إذا كان سبباً للقبيح قبح، يعني: تفريعاً على قاعدة: أن الوسائل لها حكم الغايات والمقاصد، ومن ذلك قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108] فسب آلهة الكفار حسنة؛ لكنه إذا أدى إلى قبيح وهو المقابلة بالمثل، فإنه يقبح. وفي هذا ما ذكر عن زين العابدين من قوله: إني لأكتم من علمي جواهـره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا لأن بعض العلم إذا ألقيته إلى غير أهله يسيء فهمه، فهناك من العلوم ما يكتم بحسب مستوى الشخص الذي تكلمه. فإذا فتحت عليه باب شبهة ربما أفسدت عليه دينه، وفي ذلك يقول ابن مسعود رضي الله عنه (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة). وهذا يعقوب صلوات الله عليه أمر يوسف ألا يقص رؤياه على إخوته، فلا معنى لزعم من يزعم أن العلم لا يحل كتمه، نقول: عليه أولاً أن ينظر إذا كان إظهار العلم مما يضر المخاطبين فإنه يكتم عنهم؛ لأن هناك من العلوم ما يحتاج إلى درجة معينة من الفهم، المقصود من هذا أن خوف شر الأشرار أمر معتبر شرعاً، وهو من الصوارف التي تجيز كتم الحق أحياناً. قال السيد المرتضى اليماني في كتابه (إيثار الحق على الخلق): مما زاد الحق غموضاً وخفاءً خوف العارفين -مع قلتهم- من علماء السوء وسلاطين الجور. إن هذا الاستبداد والظلم الحاصل من سلاطين الجور قد يكون عذراً لبعض الناس ألا يجهروا بالحق، مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] أو قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران:28] وإجماع أهل الإسلام أيضاً على جواز ذلك، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق، وما برح المحق عدواً لأكثر الخلق، وذكر من قبل في الاستدلال على التقية أنه تعالى أثنى على مؤمن آل فرعون، ووصفه بالإيمان، مع أنه كان يكتم إيمانه: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ [غافر:28] وقد كان يكتم إيمانه تقية، وسميت به سورة غافر فهي تسمى أيضاً سورة المؤمن، أي مؤمن آل فرعون. وصح أمر عمار بالتقية وتقريره عليها حينما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عادوا فعد) ونزل فيه قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] وقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في ذلك العصر الأول (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين، أما أحدهما: فبثثته لكم -أي: نشرته فيكم وأعلمتكم به- وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم) أي: من أمراء الجور والظلم إذا جهر بهذا العلم. ولذلك قال الغزالي في خطبة المقصد الأسنى: من جهل الحق جدير بأن يتعامى، لكن من أبصر الحق عسير عليه أن يتعامى. ومن ثم كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يرى أن العالم ليس له أن يأخذ بالتقية؛ لأن العلماء العاملين الذين يعلمون الحق قلة، فإذا سكت العالم عن إظهار الحق الذي عنده مع جهل الناس؛ فمتى تقوم الحجة على هؤلاء الناس؟ والإمام أحمد أنكر أشد الإنكار على من اتقى القول في فتنة خلق القرآن، وصمد هو وقلة معه رحمه الله تعالى. ومن الشعر الذي قيل في علي بن المديني وهو إمام جليل رحمه الله تعالى: يا ابن المديني الذي عرضت له دنيـا فجـاب بدينـه لينالهـا ماذا دعاك إلى انتحال مقالةٍ قد كنت تزعم كافـراً من قالهـا فهذا من العتاب الذي يكون بين العلماء في قضية الصدع بالحق وعدم التقية، لكن أغلب العلماء يرون جواز التقية عند الإكراه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث...)

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6]. ((وكذلك يجتبيك ربك)) أي: كما اصطفاك بهذه الرؤيا العظيمة الشأن يصطفيك للنبوة والسيادة. ((ويعلمك من تأويل الأحاديث)) أي: تعبير المنامات، وإنما سمي التعبير تأويلاً لأنه جعل المرئي آيلاً إلى ما يذكره المعبر بصدد التعبير، والتعبير يكشف عما ستئول إليه هذه الرؤيا. والأحاديث اسم جمع للحديث سميت به الرؤيا؛ لأن الرؤيا إما حديث ملك، وإما حديث نفس، وإما حديث شيطان، فلذلك سماها الأحاديث. ((ويتم نعمته عليك)) أي: بما سيئول إليه أمرك فيما بعد. ((وعلى آل يعقوب)) وهم أهله من بنيه وحاشيتهم، أي: يبرز نعمته عليهم بك. ((إن ربك عليم)) بمن هو مستحق للاجتباء والاصطفاء ((حكيم)) في صنعه.

    أقوال المفسرين في كون الرؤيا سبباً في اصطفاء يوسف عليه السلام

    قال أبو السعود : كأن يعقوب عليه السلام أشار بقوله: ((ويعلمك من تأويل الأحاديث)) إلى ما سيقع من يوسف عليه السلام من تعبيره لرؤيا صاحبي السجن، ورؤيا الملك، وكون ذلك ذريعة إلى ما يبلغه الله إليه من الرئاسة العظمى التي عبر عنها بإتمام النعمة، وإنما عرف يعقوب عليه السلام ذلك منه من جهة الوحي؛ لأنه كان نبياً يوحى إليه، فعرف أن الله سبحانه وتعالى كما اصطفاه بأن يرى هذه الرؤيا سوف يصطفيه بإتمام النعمة عليه. سيكون إتمام النعمة عليه عن طريق علم التعبير، حتى إنه عبر رؤيا صاحبي السجن، الذي كان أحدهما سبباً فيما بعد لمعرفة شأنه في التعبير وأن يستدعى لتعبير رؤيا الملك، ورؤيا الملك كانت سبباً في إتمام نعمة الله عليه في الزيادة كما ذكرنا، وإنما عرف يعقوب عليه السلام ذلك منه من جهة الوحي. أو أراد كون هذه الخصلة سبباً لظهور أمره عليه السلام على الإطلاق، فيجوز حينئذ أن تكون معرفة يعقوب بطريق الوحي، وإما بطريق التفرس في يوسف عليه السلام، وعن طريق الاستدلال من الشواهد والدلائل والأمارات والمخايل، فإن الغلام النجيب يسهل جداً على من هو صاحب فراسة أن يتنبأ، أو يستكشف ما ينتظر من نبوغه فيما بعد، هذا أمر له نظائر هنا، فكأنه استدل عليه السلام بأن من وفقه الله تعالى لمثل هذه الرؤيا لا بد من توفيقه لتعبيرها وتأويل أمثالها، وتمييز ما هو آفاقي منها مما هو أنفسي، كيف لا وهي تدل على كمال تمكن نفسه عليه السلام في عالم المثال وقوة تصرفاتها فيه، فيكون أقبل لفيضان المعارف المتعلقة بذلك العالم، فمن كان عنده الشفافية حتى يرى مثل هذه الرؤيا فلا بد أن الله سيمن عليه بالوعي والبصيرة حتى يتمكن من تعبير هذه الرؤيا، إن هذا الشأن البديع لا بد أن يكون أنموذجاً لظهور أمر من اتصف به، ومداراً لجريان الأحكام، فإن لكل نبي من الأنبياء عليهم السلام معجزة تظهر بها آثاره وتجري أحكامه. وقد استدل بهذه الآية الكريمة في قوله تعالى: ((كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق)) على أن الجد يطلق عليه اسم الأب، فمن نسب رجلاً إلى جده وقال: يا ابن فلان، فلا يكون قذفاً.

    فوائد من تحذير يعقوب ليوسف من إظهار رؤياه لإخوته

    قال المهايمي : من فوائد هذا المقام: استحباب كتمان السر، أي: يؤخذ من هذه من هذا الموقف بين يوسف عليه السلام وأبيه استحباب كتمان السر. وجواز التحذير من شخص بعينه، وقد صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود). وجواز أيضاً مدح الشخص في وجهه إذا لم يضره، واعتبار الأخذ بالأسباب كما قال يعقوب لولده يوسف: قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5] فاعتبر الأخذ بالأسباب بأن نصح ابنه بكتمان هذه الرؤيا. ((فيكيدوا لك كيداً)) حتى إن السبب لم يدفع عن يوسف كيد إخوانه. فيعتبر السبب وإن لم يؤثر، وكذلك جواز تعبير رؤيا الصغير لأن الصغير قد يرى رؤيا حق. على أي الأحوال الإخبار عن هذه الرؤيا آية، وعما ترتب عليها آيات. ثم ذكر القاسمي بحثاً مطولاً نقلاً عن الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه (الذريعة) عن الرؤيا، وكذلك عن ابن خلدون ، فنتجاوز هذين البحثين إلى قوله: وذكر ابن خلدون رحمه الله عند بحث علم تعبير الرؤيا: أن التعبير للرؤيا كان موجوداً عند السلف كما هو في الخلف، وأن يوسف الصديق صلوات الله عليه كان يعبر الرؤيا كما وقع في القرآن الكريم، وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه كما في الحديث: (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً). إذاً: المرئي منه ما يكون صريحاً لا يفتقر إلى تعبير، كأن تكون رؤيا جلية واضحة، ومنه ما يحتاج إلى معبر. وهذا علم له أصوله وله قواعده، فلا ينبغي للإنسان أن يتجاسر على تعبير الرؤيا؛ لأنها جزء من الوحي كما في الحديث: (هي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) فلذلك كان بعض المعبرين أو بعض العلماء يمتنع من التعبير ويقول: أتريد أن أكذب في الوحي. وقد كانت الرؤيا الصادقة من الإرهاصات التي تقدمت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين)

    قال عز وجل لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ [يوسف:7]. ((لقد كان في يوسف وإخوته)) أي: في قصة وحديث يوسف وإخوته. ((آيات للسائلين)) أي: دلائل على قدرته تعالى وحكمته في كل شيء لمن سأل عن نبئهم، أو آيات على نبوته صلوات الله عليه لمن سأل عن نبئهم فأخبرهم بالصحة من غير تلق عن بشر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يتلق عن بشر ولم يأخذ عن كتاب، فلم يبق إلا أن مصدره هو الوحي المعصوم من الله سبحانه وتعالى. (آيات للسائلين) أي: آيات معظمات لمن يسأل عن قصتهم ويعرفها. أولاً: تدل هذه الآيات على أن الاصطفاء المحض أمر مخصوص بمشيئة الله تعالى، كما قال عز وجل: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ [القصص:68] وقال تعالى: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ [يوسف:6] أي: يصطفيك، وقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا [آل عمران:33] إلى آخره. أي: أن الاصطفاء لا يتعلق بسعي ساع ولا إرادة مريد، فهذا محض فضل من الله سبحانه وتعالى، ليس أمراً مكتسباً. ثانياً: الآية الأخرى المشار إليها في قوله: ((آيات للسائلين)) تدل على أنه إذا قضى الله سبحانه وتعالى أن يصيب عبده بخير فلا يمكن لأحد أن يمنع عنه هذا الخير أو يدفعه، وهناك جملة كبيرة من الآيات في القرآن الكريم تدل على ذلك، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، فإذاً من أراد الله به خيراً لا يمكن لأحد أن يدفع عنه هذا الخير، لا راد لقضائه سبحانه وتعالى، ومن عصمه الله لم يمكن لأحد أن يرميه بسوء ولا أن يقصده بشر، فيقوى يقينهم وتوكلهم. فثمرة هذه القصة أن باستحضارها يقوى يقين المؤمنين وتوكلهم على الله سبحانه وتعالى، والعلم بأن كيد الشيطان وإغواءه أمر لا يأمن منه أحد حتى الأنبياء، فيكونون منه على حذر. نعم الأنبياء معصومون من المعاصي، لكن الشيطان حريص على أن يكيدهم، من ذلك كيد الشيطان عن طريق التحريض لإخوة يوسف على أن يكيدوا يوسف عليه السلام. أي هذه الآيات تطلعهم من طريق الفهم -الذي هو الانتقال الذهني- على أحوالهم في البداية والنهاية وما بينهما، وكيفية سلوكهم إلى الله، فتثير شوقهم وإرادتهم، وتكحل بصيرتهم وتقوي عزيمتهم. أول السورة وهو غلام بريء يحكي لأبيه هذه القصة، ثم انظر في النهاية تجد العز والقدرة والتمكين: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:101] إلى آخر الآية، مما يدل على أن العاقبة للمتقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ...)

    قال تعالى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يوسف:8]. ((إذ قالوا ليوسف وأخوه)) بنيامين ، وهو شقيقه، وأمهما راحيل بنت ليان خال يعقوب عليه السلام. ((أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة)) بالنصب أي: والحال أننا جماعة أقوياء، فنحن أحق بالمحبة من صغيرين لا كفاية فيهما، لأننا رجال أشداء أقوياء نقضي حوائج أبينا وينتفع بنا. والعصبة والعصابة: الجماعة من الرجال، فإذاً: ذكر العصبة ليس لإفادة العدد فقط؛ بل للإشعار بالقوة، ليكون أنسب في الإنكار. ثم قالوا بعد ذلك: ((إن أبانا لفي ضلال مبين)) أي: في ذهاب عن طريق الصواب في هذه المسألة بالذات؛ لأنه فضل المفضول بزعمهم على الفاضل، وغاب عنهم أن يعقوب عليه السلام ما كان في ضلال مبين وإنما رأى في يوسف عليه السلام مخايل النجابة وعلامات السيادة التي سيئول إليها أمره فيما بعد، لاسيما بعد ما قص عليه تلك الرؤيا، فكانت دليلاً على أن الله يريد به خيراً، أما بنيامين فلكونه شقيقه ولكونه كان أصغرهم، ومن المعروف زيادة الميل لأصغر البنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً...)

    قال تعالى: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف:9]. ((اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً)) هذا من قولهم المحكي قبل، وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم، ويروى أنه قصه عليهم فتشاوروا في كيده، ولا نستطيع أن نجزم بأن يوسف عليه السلام أخبرهم، فالله أعلم. وتنكير كلمة (أرضاً) وإخلاؤها من الوصف للإبهام، أي: اطرحوا يوسف في أرض مجهولة لا يعرفها الأب، ولا يمكن ليوسف أن يعرف طريق العودة إليه. ((يخل لكم وجه أبيكم)) هذا هو جواب الأمر كناية عن خلوص محبته لهم؛ لأنه يدل على إقباله عليهم بكليته، وعلى فراغه عن الشغل بيوسف فيشتغل بهم، لكن ما حصل هو العكس، فإن يعقوب عليه السلام حزن أشد الحزن لغياب يوسف. ((وتكونوا من بعده قوماً صالحين)) أي: من بعد الفراغ من قتله أو طرحه. هذه حيلة الشيطان الدائمة، فهو إذا أراد أن يسوغ للإنسان المرور إلى منطقة محذورة، أو ارتكاب أي نوع من الشر أو التقصير أو المعاصي، فإنه يقول له: اعمل هذا الشيء هذه المرة، ثم إنك بعد ذلك ستتوب وستكون من الصالحين، فانظر كيف قال لإخوة يوسف: ((وتكونوا من بعده قوماً صالحين)) أي: تائبين إلى الله مما جنيتم، فيكون صلاحكم فداء عن معصية قتله أو طرحه. أو ((وتكونوا من بعده قوماً صالحين)) أي: ستصلح دنياكم وتصلح أموركم بعده لخلو وجه أبيكم. قال ابن إسحاق : لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند الله مع حق الوالد على ولده ليفرقوا بينه وبين أبيه على كبر سنه ورقة عظمه، مع مكانه من الله، فيمن أحبه طفلاً صغيراً، وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم. والعجيب أنهم أجمعوا واجتمعوا على كل هذه الكبائر. قال ابن كثير : اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف. وذلك لأنه لا يمكن للأنبياء أن يرتكبوا هذه الكبائر الموبقة، لأن الأنبياء معصومون من مثل هذا. ثم يقول: وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنه أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ [البقرة:136] وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ [الحجرات:13]. فيذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالاً؛ لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله تعالى أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجبِّ...)

    قال تعالى: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ [يوسف:10]. ((قال قائل منهم)) أي: قالها قولة صريحة ورضي الباقون بهذا الاقتراح: ((لا تقتلوا يوسف)) لأن القتل من الكبائر التي يخاف معها سد باب الصلاح، فهم قالوا: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف:9] وهذا قال لهم: إذاً القتل كبيرة موبقة ربما تسبب شؤمها في أن يسد عليكم باب الصلاح فيما بعد، وإنما أظهره في مكان الإضمار؛ استجلاباً لشفقتهم عليه، أو استعظاماً لقتله. ((وألقوه في غيابة الجب)) أي: في غوره، والجب: البئر التي لم تطو. ((يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ)) أي: يأخذه بعض الأقوام الذين يسيرون في الأرض فيتملكه، فلا يمكنه الرجوع إلى أبيه، فيحصل مطلوبكم بكونكم تتخلصون من يوسف ويخلو لكم وجه أبيكم من غير ارتكاب كبيرة يخاف معها سد باب الصلاح عليكم. ((إن كنتم فاعلين)) أي: إن كنتم عازمين مصرين على أن تفرقوا بينه وبين أبيه، وقد روي: أن القائل هو أخوهم الأكبر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف ... لحافظون)

    لما تواطئوا على رأي أخيهم الأكبر واتفقوا على هذا المذهب جاءوا أباهم يعقوب فـ: قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ [يوسف:11]. ((قالوا)) أي: لأبيهم: ((يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون)) أي: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه؟ لقد لاحظوا أن أباهم كان محتاطاً ومحترزاً على حفظ يوسف عليه السلام من إخوته، فأرادوا منه أن يتنازل عن هذا الاحتياط وهذا الاحتراز. وفيه دليل على أنه أحس منهم بما أوجب ألا يأمنهم عليه، فبالتالي أخذ يحتاط أكثر؛ كيلا يمسوه بسوء. أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:12]. الرتع: هو الأكل والشرب، واللعب: هو السعي والنشاط، حيث يكون الخضرة والمياه والزروع، كأنهم يقولون: إن إلزامك يوسف وحرصك على أن يكون ملازماً لك في نفس المكان دون أن يخرج معنا ليرتع ويلعب ويسعى ويجري ويمرح في الخضرة والزروع والمياه، هذا يوجد لديه نوعاً من الملل، والملل سوف يضعف نشاطه على العبادة، واكتساب الكمالات. (( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) هنا توكيد بأن وباللام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال إني ليحزنني أن تذهبوا به... لخاسرون)

    قال تعالى: قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ [يوسف:13]. أي: حتى لو كنتم تضمنون لي أنكم تحفظونه فحفظكم له إنما يحصل إذا كنتم دائمي النظر إليه، لكن لا يخلو الإنسان عن الغفلة، فأخاف غفلتكم عنه. قال الزمخشري : اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن ذهابهم به ومفارقتهم إياه مما يحزنه؛ لأنه كان لا يصبر عنه ساعة. الثاني: خوفه عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم، أو قلّ به اهتمامهم ولم تصدق بحفظه عنايتهم. قال الناصر : وكان أشد الأمرين على قلبه خوف الذئب عليه، فهو يجزع لذلك، وأما حزنه لمفارقته ريثما يرتع ويلعب ويعود سالماً إليه عما قريب فأمر سهل. إن الذي فهمه إخوة يوسف هو خوف أبيهم من الذئب؛ لذلك لم يشتغلوا إلا بتأمينه، فلم يناقشوه في جواب قول يعقوب: ((إني ليحزنني أن تذهبوا به) وإنما أجابوا عن أشق الأمرين على نفسه وهو خوفه من الذئب عليه فأجابوا قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ [يوسف:14]. ((ونحن عصبة)) أي: جماعة أقوياء يمكننا أن ننزعه من يد الذئب. ((إنا إذاً لخاسرون)) أي: هالكون ضعفاً وجبناً، أو عاجزون أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسار والدمار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب ...)

    فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:15]. قال تعالى: (( فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ )) أي: بعد مراجعة أبيهم في شأنه (( وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ )) هذا فيه تعظيم لما لنيتهم التي نووها وأجمعوا عليه؛ لأنهم قالوا لأبيهم: سنأخذه كي يتمتع ويرتع ويلعب ويلهو ويسرح ويمرح، فأغروه بالإكرام وهم لا يريدون ذلك، بل بيتوا سوءاً وشراً. ((وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)) (لتنبئنهم) هذه لام القسم، أي: أعلمناه بالإلقاء في روعه، أو بواسطة ملك، وهذا تبشير له بأنه سيتخلص مما هو فيه الآن، وسوف يحدثهم بما فعلوا به، وحصل ذلك حينما قال لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ [يوسف:89] * قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ [يوسف:90]. ((وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا)) أي: أوحينا إليه بخبرهم. ((وهم لا يشعرون)) إما متعلق بأوحينا إليه، إيناساً له وإجابة للوحي، أو أنها حال من الهاء في قوله: ((لتنبئنهم)) أي: لتحدثنهم بذلك وهم لا يشعرون أنك يوسف لعلو شأنك كما سيأتي في قوله تعالى: فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [يوسف:58]. ولأنهم تركوك ذليلاً في الجب كي تسير رقيقاً وعبداً ذليلاً، فلن يتخيلوا أنك أنت الوزير الصالح الذي يكلمهم من أعلى المقامات، وأعلى الشأن، فهذا هو المعنى لقوله: ((لتنبئنهم بهذا بأمرهم هذا وهم لا يشعرون)). وروي أنهم نزعوا قميص يوسف الذي عليه وأخذوا يوسف وطرحوه في البئر، وكانت فارغة لا ماء بها، وجلسوا بعد يأكلون ويلهون إلى المساء. قوله: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ [يوسف:15] لم يذكر جواب (لما) فالجواب في الآية محذوف، أي فلما فعلوا ما فعلوا، وقيل: إن الجواب هو ((وأوحينا)) والواو زائدة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاءوا أباهم عشاء يبكون...)

    قال تعالى: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف:16]. هذا بيان لمكرهم بأبيهم، فهم جاءوا بطريق الاعتذار الموجب موته، كي يقطع الأمل وييأس من عودته، وتنقطع محبته عنه ولو بعد حين، فيرجع إليهم بالحب الكلي. ((وجاءوا أباهم عشاء)) أي: قدموا عشاء، واختاروا وقت الظلمة كي لا تكون وجوههم ظاهرة أمام أبيهم؛ لأنه ربما ظهرت علامات الكذب على وجوههم، فهم اختاروا وقت الظلمة حتى لا يحتشموا من أبيهم في اعتذارهم بالكذب؛ أيضاً لأن أباهم كان عنده فراسة فهم خشوا أنه إذا نظر إليهم أن يكتشف كذبهم لما يرى من الاضطراب في كلامهم ووجوههم، وأوهموا ببكائهم وتفجعهم عليه إفراط محبتهم له، فإذا كانت عندهم المحبة ليوسف فلاشك أن هذه المحبة تمنعهم من الجرأة على قتله، فأرادوا أن يبعدوا عنهم الشبهة بهذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا...)

    قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17]. لقد نادوا أباهم بعد مجيئهم إليه، وأضافوه إليهم ليرحمهم، ويترك غضبه عليهم الداعي إلى تكذيبهم: ((قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ)) أي: إنا ذهبنا في العدو والرمي بالنصل. ((وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا)) أي: ما يتمتع به من الشراب والأزواد وغيرهما ليحفظها ((فأكله الذئب))، أي: كما حذرت. ((وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)) هذا تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، أي: أنت تسيء الظن بنا، ولا تصدقنا في هذه الحالة ولو كنا صادقين، فكيف ونحن عندك غير مصدقين؟! أنت تتهمنا وغير واثق بقولنا.

    البكاء لا يدل على الصدق

    يستفاد من الآيات أحكام منها: أن بكاء المرء لا يدل على صدقه، لاحتمال أن يكون تصنعاً، فالممثلون إذا أراد الواحد منهم أن يبكي يبكي، ويبكي الذين يشاهدونه من شدة البراعة في التمثيل بالبكاء والشكوى. قال بعض السلف: إن الفاجر إذا كمل فجوره ملك عينيه، فإذا أراد أن يبكي بكى. ليس شرطاً أن يستعمل المواد الموجودة مثل البصل وغيره حتى تذرف العين بالدموع. إذاً: البكاء لا يدل على صدق الباكي، ويضربون المثل لذلك بدموع التماسيح. بالمناسبة: لما ذهب أمير الكويت إلى أمريكا حين دخل الجيش العراقي الكويت فالرئيس الأمريكي بكى شفقةً على ما حصل للكويتيين، فقدرة الإنسان على أن يذرف الدموع لا تكون دليلاً على صدقه، ويسمونها كما تعلمون دموع التماسيح، حتى يتمكن من الفريسة كي يلتهمها. قال بعض السلف: إن الشيطان إذا أراد أن يضل الناس ويخدعهم بالمبتدع ألقى عليه الخشوع والبكاء حتى يصطاده ويصطاد به، فالإنسان لا بد أن يكون حذراً، عالماً وعارفاً بالمقاييس والمعايير التي يحكم بها على الشخص، ليس البكاء من علامات الصدق، وليس شرطاً أن يكون الباكي صادقاً، وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: ((وجاءوا أباهم عشاء يبكون)).

    أهمية الرياضة البدنية

    ((قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب)) من أحكام هذه الآية: مشروعية المسابقة، وفيه من الطب رياضة النفس والدواب، فالإنسان إذا سابق على الخيل فإن الخيل يحصل لها نوع من الرياضة وتحتاج إليها لتشتد عضلاتها، وإذا أهملت فسيحصل لها ضعف. كذلك رياضة النفس وتمرين الأعضاء على التصرف، فالحقيقة أن جانب الرياضة من الجوانب المهمة التي قصر فيه المسلمون جداً إذا قورنوا بغيرهم من الأمم الكافرة، فهم اهتموا بجانب الرياضة وحافظوا على نعمة الصحة، بينما جهل المسلمون قيمة هذا الجانب انخداعاً بمثل قول الصوفية أحياناً: يا خادم الجسم كم تبقى لخدمته أتطلـب الربح مما فيـه خسـران أقبل على النفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفـس لا بالجسـم إنسان هذا كلام قد يصح في جانب معين، لكن المسلم إذا أراد أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، أو يشترك في الجهاد فكيف يدافع؟! كان بعض الإخوة ممن كان عنده حماس عاطفي يذهب إلى أفغانستان، لكنه صار عبئاً على المجاهدين؛ لأنهم يصعدون الجبال الشاهقة وهو لا يستطيع، وكانوا يحملونه فوق ظهورهم! كنت أتكلم عن اهتمام الإسلام بالرياضة البدنية خاصة في مراحل نمو الجسم وبناء الجسم. على الإنسان أن يدرك أهمية مرحلة الشباب ويهتم بصحته البدنية. والرياضة إذا كانت بالشروط الشرعية فلا بأس بها، فالصحابة كانوا يهتمون بالرياضة البدنية، فقد كانوا يجيدون ركوب الخيل، ومعلوم الجهد العضلي الذي كان يبذل للتحكم في الخيل والفرس، فسلموا من أمراض كثيرة من آفات الجلوس الطويل على المقاعد أو على المكاتب، وهذا الرسول عليه الصلاة والسلام تصارع مع ركانة فصرعه الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما قال: (خير الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) ومع ذلك كان داود إذا قام للأعداء يصمد أمامهم ويغلبهم ولا يفر عند ملاقاتهم. كذلك قوله: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه) فالشاهد: أنه لابد من الاهتمام بالرياضة البدنية والصحة البدنية؛ لأن هذا رصيد ينفع الإنسان في المستقبل إذا احتاج دفاعاً عن النفس، حتى في الصلاة قد يصل الإنسان به الضعف أن يتعب من السجود والركوع ولا يقوى على العبادة. فإذاً الاهتمام بالبدن داخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (احرص على ما ينفعك) لأن الغالب في الدنيا أن الأحكام حسية. ورأس مالك أيها الإنسان الصحة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ) فحافظ على صحتك ولا تتركها؛ لأنها من أعظم النعم، ومما يحفظ الصحة الاهتمام بالرياضة بالشروط المعروفة بحيث لا يذهب ليمارس الرياضة في أماكن الاختلاط مثلاً ولا أماكن الفساد، ولكن يجتهد في إيجاد مكان مع إخوانه الصالحين لممارسة الرياضة التي بها يحفظ صحته. إذاً: من فوائد هذه القصة: مشروعية المسابقة، قال بعض اليمانيين : اللعب إن كان بين الصغار جاز بما لا مفسدة فيه، ولا تشبه بالفسقة، وأما بين الكبار فهو ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون في معنى القمار فلا يجوز. الثاني: ألا يكون في معناه وفيه استعانة وحث على القوة والجهاد كالمناضلة بالقسي والمسابقة على الخيل فذلك جائز مطلقاً، فكل رياضة أعانت على تقوية البدن أو على الرماية أو على الجهاد فهذا مما يدل عليه قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]. الثالث: ألا يكون فيه عوض كالمصارعة ونحوها، ففي ذلك قولان للشافعية: أرجح الأقوال أنه يجوز إن كان بغير عوض، أو بعوض يكون دفعه على سبيل الرضا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صارع ركانة ، وروي أن عائشة رضي الله عنها قالت: (سابقت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين فسبقته في المرة الأولى، فلما بدنت سبقني، وقال: هذه بتلك)صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث: (ليس من اللهو ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه بقوسه) هذا ليس من اللهو وليس من الباطل؛ لأنه يستعان به على الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاءوا على قميصه بدم كذب...)

    قال تعالى: وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]. ((وجاءوا على قميصه بدم كذب)) بيان لما تآمروا عليه من المكيدة، وهو أنهم أخذوا قميصه وغمسوه في دم معز كانوا ذبحوه. ((كذب)) هذا مصدر بتقدير المضاف أي: (وجاءوا على قميصه بدم) ذي كذب، أو أنه وصف به مبالغة. (على) حرف جر، وهي ظرف لجاءوا، لأن كلمة (جاءوا) متضمنة معنى (افتروا). ((قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً)) أي: من تغييب يوسف وتفريقه عني. والذي قوى يعقوب وحمله على اتهامهم أنهم ادعوا الوجه الخاص الذي خاف يعقوب عليه السلام هلاكه بسببه أولاً. لم يقولوا مثلاً غرق في الماء، أو حصل له كذا، وإنما قالوا: أكله الذئب. استدل بعض الناس بهذا القول على أن البلاء موكل بالمنطق. وكذلك استدلوا بقول يعقوب عليه السلام في موضع آخر: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ [يوسف:66] فأحيط بهم. إذاً: قواه على اتهامهم أنهم ادعو الوجه الخاص الذي خافه يعقوب عليه السلام وهو أكل الذئب، فاتهمهم أن يكونوا تلقفوا العذر من قوله لهم: ((وأخاف أن يأكله الذئب)) وكثيراً ما تتفق الأعذار الباطلة مع قلق المخاطب المعتذر إليه، حتى كان بعض أمراء المؤمنين يلقنون السارق الإنكار، واستنبط من هذا الحكم بالأمارات والنظر إلى التهمة، حيث قال: (بل سولت لكم أنفسكم أمراً). وفي الآية من الفوائد: أن الجاه يدعو إلى الحسد كالمال، وهو يمنع من المحبة الأصلية من القرابة ونحوها، بل يجعلون عداوتهم أشد من عدواة الأجانب، مع أن الأصل من القرابات أن تكون هناك محبة أصلية وهي صلة القرابة، لكن قد يصل العداء بين الأقرباء إلى أشده كما قال الشاعر: وظلم ذوي القربي أشد مرارة على النفس من وقع الحسام المهند وكذلك الحسد يدعو إلى المكر بالمحسود وبمن يراعيه، وأنه إنما يكون برؤية الماكر نفسه أكمل عقلاً من الممكور به؛ لأن إخوة يوسف ظنوا أنهم أفضل منه، وأن الحاسد إذا ادعى النصح والحفظ والمحبة وأظهره فعلاً لم يعتمد عليه، ولم يوثق بقوله. ومن الفوائد أيضاً: أن الإذلال والإعزاز بيد الله عز وجل لا الخلق، وأن من طلب مراده بمعصية الله بعد عنه، وأن الخوف من الخلق يورث البلاء، وأن الإنسان وإن كان نبياً يخلق أولاً على طبع البشرية، وأن اتباع الشهوات يورث الحزن الطويل، وأن القدر كائن، وأن الحذر لا يغني من القدر، انظر إلى الاحتياطات التي اتخذها يعقوب عليه السلام لحماية يوسف، حتى لاحظ إخوته ذلك: ((فقالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف)) عرفوا أن هذه الاحتياطات تدل على صدق حرصه الشديد وحراسته لـيوسف، لكن لما أتى القدر لم ينفع الحذر. قيل للهدهد: كيف ترى الماء تحت الأرض ولا ترى الشبكة فوقها قال: إذا جاء القضاء عمي البصر. ((قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً)) التسويل: هو تزيين النفس للمرء ما يحرص عليه، وتصوير القبيح بصورة الحسن. ((فصبر جميل)) خبر أو مبتدأ لكونه موصوفاً، أي: فشأني صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل، والصبر قوة للنفس على احتمال الآلام كالمصائب إذا عرضت، والجميل من الصبر هو ما لا شكوى فيه إلى الخلق، ولا جزع فيه رضاً بقضاء الله ووقوفاً مع مقتضى العبودية. ((والله المستعان على ما تصفون)) أي المطلوب منه العون على احتمال ما تصفون من هلاك يوسف. هنا تقديرات واحتمالات: ((فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)) الاحتمال الأول: كلمة (المستعان) تفيد الطلب، يعني: أطلب من الله سبحانه وتعالى أن يعينني على احتمال ما تصفون من هلاك يوسف. الاحتمال الثاني: أن المعنى (والله المستعان على ما تصفون) أي: على إظهار حال ما تصفون هل هو صدق أم كذب؟! قال سبحانه: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات:180] أي: من الكذب فكلمة (عما يصفون) يستدل بها على أن هناك كذباً، وهذا القول الثاني هو الأليق بما سيجيء من قوله تعالى:فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا [يوسف:83]؛ لأنه لو قلنا بالقول الأول أن المطلوب منه العون على احتمال ما تصفون من هلاك يوسف فإن معناه: أنه صدقهم فيما أخبروا به، لكن السياق والصيغة تشير إلى أنه لم يصدقهم، ولذلك قال: ((بل سولت لكم أنفسكم أمراً)) فهذا السياق يؤيد أن الراجح هو إظهار حال ما تصفون وكذبه، وأنه من تسويل أنفسكم، وكذا استعملتها عائشة رضي الله عنه الله تعالى عنها في قصة الإفك قالت: (بل أقول كما قال العبد الصالح: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)، يعني: على إظهار حال ما تصفون من الكذب. وقوله: ((والله المستعان)) فيه اعتراف بأن التلبس بالصبر لا يكون إلا بمعونته تبارك وتعالى. قال الرازي : إن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع وهي دواع قوية، والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا، فكأنهما في تحارب وتجاذب، فما لم تحصل إعانته تبارك وتعالى لم تحصل الغلبة، ولذلك قال: ((والله المستعان)) يعني: سأل الله أن يعينه على الصبر، فقوله: ((فصبر جميل)) يجري مجرى قوله: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5]، وقوله: ((والله المستعان)) يجري مجرى قوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007967341

    عدد مرات الحفظ

    720786029