إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [135-143]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا...)

    الإسلام كان وصية إبراهيم لبنيه ويعقوب، ومع هذا لم يمتثل اليهود هذا التوجيه وهذا النصح، ولم يهتدوا بالأصفياء من أسلافهم، وإنما صاروا دعاة إلى الكفر، قال تبارك وتعالى: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا [البقرة:135] مع كل هذا الذي ذكره الله سبحانه وتعالى من شأن التوحيد وملة إبراهيم عليه السلام لم يمتثلوا الهداية، وإنما صاروا دعاة إلى الكفر! يقول السيوطي رحمه الله عند قوله تعالى: (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا): أو هنا للتفصيل، يعني: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى، وقائل الأول (كونوا هوداً) هم يهود المدينة، وقائل الثاني (كونوا نصارى) هم نصارى نجران. (قل بل ملة إبراهيم حنيفاً) قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، يعني لن نتبعكم أنتم في دعوتكم إلى اليهودية أو النصرانية، بل نتبع ملة إبراهيم، فلذلك نصب بتقدير فعل نتبع، أي بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً، وحنيفاً: حال من إبراهيم، يعني مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيم. (وما كان من المشركين) هذه تبرئة لإبراهيم الخليل عليه السلام من الشرك. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (وقالوا) أي: الفريقان من أهل الكتاب (كونوا هوداً) يعني قالت اليهود: كونوا هوداً تهتدوا، والنصارى قالوا: كونوا نصارى تهتدوا. قوله تعالى: (قل بل ملة إبراهيم) بل نتبع ملة إبراهيم، ونهتم بسنته، ولا نتحول عنها كما تحولتم.

    معنى الحنيف في اللغة

    (حنيفاً) يعني: نتبع إبراهيم حال حنيفيته، مستقيماً أو مائلاً عن الباطل إلى الحق، لأن الحنَف محركة يطلق على الاستقامة، ومنه قيل للمائل الرجل: أحنف، كما هو الحال في الطفل الذي يصاب بالكساح في عظامه، فيحصل تقوس وميل وانحراف في ساقيه، فهذا هو الحنف، فالعرب يسمون الرجل المائل أو الشيء المائل حنيفاً أو أحنف، وهذه عادة العرب كما يسمون اللديغ سليماً تفاؤلاً له بالسلامة، وأن تئول حاله وعاقبته إلى السلامة، فكذلك أطلقوا على الرجل المائل أحنف تفاؤلاً باستقامة حاله، وكذلك المكان المهلك يسمونه مفازة، يعني منجاة، تفاؤلاً أن تنتهي به إلى النجاة، ويطلق الحنف أيضاً في اللغة على الاستقامة، فالحنيف المستقيم على إسلامه لله تعالى؛ المائل عن الشرك إلى دين الله سبحانه وتعالى، وهذا المصطلح يتكرر كثيراً جداً في القرآن وفي السنة، فعلينا أن نهتم به اهتماماً زائداً، والحنيف فيها قولان: أحدهما: أنه المائل إلى العبادة، الذي يميل عن الدنيا واللهو إلى العبادة. قال الزجاج : الحنيف في اللغة المائل إلى الشيء، أخذاً من قولهم: رجل أحنف، وهو الذي تميل قدمه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها، قالت أم الأحنف ترققه وتقول له: والله لولا حنف برجله ودقة في ساقه من هزله ما كان في فتيانكم من مثله هذا المعنى الأول، الحنيف المائل إلى العبادة. المعنى الثاني: الحنيف يعني المستقيم، ومنه قيل للأعرج: حنيفاً، نظراً له إلى السلامة. وقيل: الحنيف المخلص الذي يوحد الله ويحج ويضحي ويستقبل الكعبة.

    شرك اليهود والنصارى

    لما أثبت الله إسلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله: (وما كان من المشركين)، وفيه تعريض بأهل الكتاب، وإيذان ببطلان دعواهم باتباعه عليه السلام مع إشراكهم بقولهم: (عزير بن الله والمسيح ابن الله)، وهذا شرك. وقد أفادت هذه الآيات الكريمة أن ما عليه الفريقان محض ضلال وارتكاب بطلان، وأن الدين المرضي عند الله الإسلام، وهو دعوة الخلق إلى توحيده تعالى وعبادته وحده لا شريك له، ولما خالف المشركون هذا الأصل العظيم بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بدعوة الناس جميعاً إلى هذا الأصل، ولهذا أردف الله تبارك وتعالى قولهم هذا بقوله: (قولوا آمنا) وهذا أمر بالتوحيد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ...)

    قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:136]، يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (قولوا) هذا خطاب للمؤمنين (آمنا بالله) وحده (وما أنزل إلينا) من القرآن (وما أنزل إلى إبراهيم) وهي الصحف العشر (وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) التفسير المشهور في الأسباط أنهم أولاد يعقوب عليه السلام، لكن القاضي محمد كنعان صاحب حاشية قرة العينين أتى بتنبيه يتعلق بأولاد يعقوب فقال: أولاد يعقوب وهو إسرائيل عليه السلام، اتفق العلماء على أن يوسف بن يعقوب نبي، أما إخوته فقد قال بعضهم: إنهم أنبياء، ودليلهم على ذلك: أنهم هم المعنيون بقوله تعالى: (والأسباط) الذين هم أولاد يعقوب عليه السلام. ولكن الصواب: أن إخوة يوسف العشرة، ما عدا بنيامين ليسوا بأنبياء قطعاً؛ لأن ما صدر عنهم نحو أخيهم يوسف ووالديهم لا يصدر مثله من أنبياء، بل ولا يرضون بمثله، والأنبياء معصومون من مثل هذه الأشياء الشنيعة التي فعلها إخوة يوسف عليه السلام به وبأبيهم. قال القاضي عياض في الشفا: وأما إخوته فلم تثبت نبوتهم، وقال ابن كثير : لم يقم دليل على نبوتهم، وبمثله قال القرطبي والرازي ، وقال السيوطي في رسالة سماها: رفع التعسف عن إخوة يوسف: لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين نبوتهم، وقال ابن كثير : ومن استدل على نبوتهم بقوله تعالى: ( والأسباط ) فليس استدلاله بقوي؛ لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل، وكان يوجد فيهم من الأنبياء الذين نزل عليهم الوحي من السماء. فبطون بني إسرائيل يقال لهم: أسباط، كالقبائل في العرب، وكالشعوب في العجم، ولا وجه لتفسير الأسباط بأولاد يعقوب لصلبه، بل هي تعني الجماعات الكثيرة. ( وما أوتي موسى ) يعني من التوراة (وعيسى) من الإنجيل (وما أوتي النبيون من ربهم) من الكتب والآيات، (لا نفرق بين أحد منهم) فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كاليهود والنصارى (ونحن له مسلمون). قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم) بين الله عز وجل في سورة الأعلى أن الذي أنزل إلى إبراهيم كان صحفاً، كما قال: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى:18-19] أما صحف موسى فهي التوراة. (قُولُوا) يعني: أيها المؤمنون، وفيه إظهار لمزية فضل الله عليهم، حيث يلقنهم ولا يستنطقهم. (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ) يعني: آمنا بالأحكام التي كانوا متعبدين بها، (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى) من التوراة كما قال: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [الأنعام:154] وهي التوراة بالإجماع، وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ [الحديد:27]. (وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) يعني ذكرهم وذكر وغيرهم، (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) في الإيمان، وليس هذا في التفضيل؛ لأنه ثبتت المفاضلة بين الأنبياء فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فضل على سائر الأنبياء والمرسلين في الدنيا وفي الآخرة، فمعنى (لا نفرق بين أحد منهم) يعني: في الإيمان، نؤمن بهم جميعاً، ولا نكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى حيث كفر اليهود بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام، وكفرت النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم. (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: منقادون، وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا). وتلقين الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بأن يقولوا هذه الشهادة العظيمة فيه إظهار لمزية فضل الله عليهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يلقنهم ماذا يقولون تعبيراً عن إيمانهم وعقيدتهم في هذه الأمور الجسيمة. وقد بين تبارك وتعالى في موضع آخر أن المؤمنين استجابوا لهذا الأمر، وفعلوا ذلك، وامتثلوا تكليف الله سبحانه وتعالى لهم، فهنا قال: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:136]؛ فبين في آخر سورة البقرة أنهم امتثلوا هذا الأمر بقوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:285].. إلى آخر الآيات، وذكر جزاءهم على ذلك في آية أخرى فقال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:152].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ..)

    يقول تبارك وتعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:137] (فإن آمنوا) أي: اليهود والنصارى، (بمثل ما آمنتم به) يقول السيوطي: مثل زائدة، والمقصود: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، (فقد اهتدوا وإن تولوا) عن الإيمان به، (فإنما هم في شقاق) أي: في خلاف معكم، (فسيكفيكهم الله) يعني: سيكفيك الله -يا محمد صلى الله عليه وسلم- شقاقهم، (وهو السميع) لأقوالهم، (العليم) بأحوالهم، وقد كفاه إياهم بقتل بني قريظة ونفي بني النضير وضرب الجزية عليهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (صبغة الله ...)

    قوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ [البقرة:138] هذا مصدر مؤكد لآمنا، ونصبه بفعل مقدَر، يعني صبغنا الله صبغة الله، فصبغنا الله بهذا التوحيد الذي نحن عليه، والمراد دينه الذي فطر الناس عليه، يقول السيوطي: والمراد بها دينه الذي فطر الناس عليه لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب، أليس الثوب إذا صبغته وغمسته في لون معين ينصبغ بهذا اللون ويظهر عليه أثره؟! كذلك نحن فطرنا الله على التوحيد، وظهر علينا أثر هذا التوحيد باعترافنا بتوحيد الله تبارك وتعالى. وَمَنْ أَحْسَنُ [البقرة:138] يعني: لا أحد أحسن من الله صبغة، صِبْغَةً [البقرة:138] هنا تمييز، وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [البقرة:138]. قوله تعالى: (صبغة الله) كأنه قيل صبغنا الله صبغة، أي: صبغ قلوبنا بالهداية والبيان صبغة كاملة لا ترتفع بالشبه، ولا تغلب صبغة غيره عليها، فصبغة الإسلام والتوحيد لا يمكن أبداً أن تتغير أو تتبدل أو يحل غيرها محلها، والصِبغة بالكسر ما يصبغ به وتلون به الثياب، فوصف الإيمان بذلك لكونه تطهيراً للمؤمنين من أوضار الكفر وحمية وتنزيهاً لهم بآثاره الجميلة، ومتداخلاً في قلوبهم، كما أن فعل الصبغ بالنسبة إلى الثوب كذلك، يقال: صبغ يده بالماء غمسها فيه، يقول ثعلب: دع الشر وانزل بالنجاة تحرزاً إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ وقال الراغب : الصبغة إشارة من الله عز وجل إلى ما أوجده في الناس من بدائه العقول التي ميزنا بها من البهائم، ووشحنا بها. صبغنا بالفطرة وبالعقل كي يقودنا هذا العقل إلى التفكر والوصول إلى التوحيد، ووشحنا بها لمعرفته ومعرفة حسن العدالة وطلب الحق، وهو المشار إليه بالفطرة في قوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، وهو المعني بقوله عليه السلام: (كل مولود يولد على الفطرة)، وتسمية ذلك بالصبغة من حيث أن قوى الإنسان التي ركب عليها تجري مجرى الصبغة التي هي زينة المصبوغ. ولما كانت النصارى إذا لقنوا أولادهم النصرانية يقولون: صبغناه، وهو التعميد، فهم يصبغون المولود في الماء المقدس عندهم، والذي لا يغمس في هذا الماء فإنه لا تصح نصرانيته، ولا يدخل الملكوت الأحمر! فبين تعالى أن الإيمان بمثل ما آمنتم به هو صبغة الله وفطرته التي ركزها في الخلق، ولا أحد أحسن صبغة من الله تبارك وتعالى، وقال بعض المفسرين كـالحسن وقتادة ومجاهد : (صبغة الله) دين الله، وقال بعضهم: إنها الشريعة، وقال بعضهم: هي الختان، وهي إشارة إلى مغزى واحد؛ لأن الختان من مقتضى هذه الشريعة. (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) استفهام للإنكار وللنفي، يعني لا صبغة أحسن من صبغته تعالى؛ لأنها صبغة قلب لا تزول لثباتها لما تولاها الحفيظ العليم، وهذه الصبغة من نوع الصبغات التي لا تزول أبداً؛ لأنها فطرة الله، ومن يصبغ مثل ما صبغنا الله؟! هو الذي صبغنا بالتوحيد والإسلام، بخلاف هذه الصبغة التي يفعلها هؤلاء؛ فيصبغ الله قلوبنا بالتوحيد صبغة لا تزول لثباتها؛ لأن الذي يتولاها هو الحفيظ العليم، فلا يرتد أحد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه، ولذلك كان من ضمن أسئلة هرقل لـأبي سفيان في شأن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ أي: هل يوجد من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه بعدما يدخل في الإسلام ينتكس ويرتد عنه؟ فذكرت أن لا، يعني لا أحد من الصحابة رضي الله عنهم يرتد بعد أن يدخل في الإسلام، ثم قال: وسألتك هل يرتد أحد منهم بعد أن يدخل فيه سخطة عليه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب. فهذا فيه إشارة إلى نفس هذا المعنى الذي نذكره الآن. (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) يعني هذه الصفة لا تزول بتوفيق الله تبارك وتعالى، فهذا فيه معنى الابتهاج والفخر والاعتزاز بهذه الصبغة، فتباً وسحقاً للذين يريدون أن يحرفونا عن صبغة الله التي اصطفاها لنا، وهي الشرف بهذا الإسلام وباتباع خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام. وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [البقرة:138] يعني: شكراً له على هذه النعمة أن فطرنا على التوحيد، وصبغنا بصبغة الإسلام والإيمان، فنحن نشكر الله على نعمته هذه، ونشكر له سائر نعمه بأن نكون له وحده عابدين، ولذلك قال تعالى: (ونحن له عابدون) شكراً لتلك النعمة ولسائر نعمه، فكيف تذهب عنا صبغته ونحن نؤكدها بالعبادة، ونقويها بها؟ والعبادة تزيل رين القلب فينطبع فيه صورة الهداية، وهو عطف على (آمنا) داخل معه تحت الأمر (ونحن له عابدون).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ..)

    قال الله تبارك وتعالى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [البقرة:139] قل لهم: (أتحاجوننا) أي: أتخاطبوننا وتجادلوننا (في الله) أن اصطفى نبياً من العرب، ولم يكن هذا النبي من بني إسرائيل؟ (وهو ربنا وربكم)؛ فنحن سواء في هذه العبودية لله، فله أن يصطفي من عباده من يشاء، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ [القصص:68]، ليس لكم الخيرة، فالله سبحانه وتعالى كلنا سواء أمامه في العبودية، وكلنا مربوبون له، فله أن يصطفي من عباده من يشاء سبحانه وتعالى، وهو ربنا وربكم (ولنا أعمالنا) أي نجازى بها (ولكم أعمالكم) تجازون بها، فلا يبعد في أن يكون في أعمالنا ما نستحق به الإكرام، أو في أعمالكم ما تجازون عليه، فكلانا عبد مربوب لله تبارك وتعالى، فلا يبعد بعدما استوينا في هذه الأمور أن يكون في أعمالنا ما نستحق به إكرام ربنا، وقد كان بالفعل، فكانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، (ونحن له مخلصون) في الدين والعمل دونكم، فبالتالي نحن أولى بالاصطفاء. قوله: (قل أتحاجوننا) استفهام إنكاري، والجمل الثلاث أحوال، (أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم)، هذه جملة حال، (ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم)، حال ثانية، (ونحن له مخلصون) حال ثالثة. قوله تعالى: (قل أتحاجوننا) المحاجة المخاصمة في الدين، (قل) منكراً لمحاجتهم وموبخاً لهم عليها، (أتحاجوننا في الله)، أي: أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له، واتباع الهدى، وترك الهوى؟ (وهو ربنا وربكم) يعني المستحق لإخلاص العبودية له وحده لا شريك له ونحن وأنتم في العبودية له سواء (ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم) أي: نحن برآء منكم ومما تعبدون، وأنتم برآء منا، كما قال في الآية الأخرى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس:41]، وقال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [آل عمران:20]. (ونحن له مخلصون) في العبادة والتوجه لا نشرك به شيئاً، بينما أنتم تشركون به عزيراً والمسيح والأحبار والرهبان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ...)

    لم يبق من البهت والكذب والافتراء والدعوى إلا أن اليهود يدعون أن أسلافهم كانوا على دينهم، فقال الله تبارك وتعالى موبخاً لهم: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:140]، يقول تعالى: (أم تقولون)؛ (أم) هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، وفيها إضراب عما قبلها، يعني: بل أتقولون، وهي بالياء في قراءة أخرى (يقولون). (قل) قل لهم: (أأنتم أعلم أم الله) والمقصود: أن الله أعلم، وقد برأ إبراهيم بقوله: (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً) فالذي أخبر هو الله سبحانه وتعالى، وهم ما شهدوا هذا الحال، فالله سبحانه وتعالى يبطل دعواهم بأن إبراهيم والمذكورين بعده من أبنائه كانوا هوداً أو نصارى ( قل أأنتم أعلم أم الله ) فالجواب: أن الله أعلم، والله الذي هو أعلم منكم أخبر بأنه: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:67] والمذكورون بعده تبع له؛ لأن المذكورين كما اتضح من سياق الآيات من يعقوب وبنيه كانوا جميعاً تبعاً لإبراهيم عليه السلام على ملة الإسلام. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ [البقرة:140] كتم يعني أخفى، (شهادة عنده) أي: كائنة عنده، (من الله) أي: لا أحد أظلم من هذا، وهم اليهود الذين كتموا شهادة الله في التوراة لإبراهيم بالحنيفية ولعقيدة التوحيد، (وما الله بغافل عما تعملون)، وهذا فيه تهديد لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ...)

    قال تبارك وتعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:141]، لما ذكر تعالى حسن طريقة الأنبياء المتقدمين، ولم يدع لليهود متمسكاً من جهتهم؛ أتبع ذلك الإشارة إلى أن الدين دائر مع أمره في كل زمان، وأنه لا ينفعهم إلا ما كانوا عليه بحكم ما تجدد من المنزل المعجز لكافة أهل الأرض أحمرهم وأسودهم. معنى الكلام: عليكم بترك الكلام في تلك الأمة، لا تجادلوا هذه الأمة المحمدية، أو المقصود: عليكم بترك الكلام في تلك الأمة الماضية، ولا تشتغلوا بالكلام بعد كل هذا في إبراهيم وإسماعيل وادعاء أنهما كانوا على اليهودية أو النصرانية، دعوكم من هذا، (تلك أمة قد خلت)، والإشارة إلى المذكورين في قوله: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة:140]، عليكم بترك الكلام في تلك الأمة، فلها ما كسبت، وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك أنفع لكم، وأعود عليكم بالنفع والفائدة، ولا تسألون إلا عن عملكم. قال الراغب : إعادة هذه الآية من أجل أن العادة مستحكمة في الناس صالحهم وطالحهم أنهم يفتخرون بآبائهم ويقتدون بهم في متحرياتهم، سيما في أمور دينهم، ولهذا حكى عن الكفار قولهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23]، فأكد الله تعالى الكلام هنا بأننا ينبغي ألا نقلد الآباء والأجداد، وألا نفتخر بما كان عليه الآباء والأجداد، وقد ذكر هذا على أثر ما حكى من وصية إبراهيم ويعقوب بنيه بذلك؛ تنبيهاً على أن الأمر سواء كان على ما قلت أو لم يكن، فليس لكم ثواب فعلهم ولا عليكم عقابه، يعني: سواء هذا الذي ذكرناه عن إبراهيم وإسماعيل وقع أو لم يقع، فأنتم غير مسئولين عن أفعالهم، فلا أنتم تثابون بأفعالهم ولا تعاقبون على مخالفاتهم إن فرض ذلك، وإنما: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، هذا لا يعنيكم أنتم، الآن انظروا فيما يدعوكم إليه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ولما ذكر ادعاءهم اليهودية والنصرانية لآبائهم عاب أيضاً عليهم تأكيداً وتنبيهاً على نحو ما قال: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء:13]، وقوله: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21]، وقوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، وقوله: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، ولما جرت به عادتهم وتفردت به معرفتهم، يعني كما يقول العرب: كل شاة تناط برجليها، يعني تعلق برجليها، يعني لها حالها المستقل، ولا شأن لها بالآخرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ..)

    قال الله تبارك وتعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:142]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (سيقول السفهاء) الجهال (من الناس) الناس المقصود بهم هنا اليهود والمشركون، (ما ولاهم) يعني: أي شيء صرف النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي عن استقبالها في الصلاة وهي بيت المقدس، والإتيان بالسين في: (سيقول) دالة على الاستقبال، وهي من الإخبار بالغيب، فهذا من علامة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. (قل لله المشرق والمغرب) أي: أن الجهات كلها ملك لله، فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء فلا اعتراض عليه. (يهدي من يشاء إلى صراط) أي: طريق مستقيم، وهو دين الإسلام، ومنهم أنتم، دل على هذا قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] يعني: أنتم -أيها المخاطبون- خير أمة أخرجت للناس، ومن أجل ذلك جعلناكم أمة وسطاً.

    أحاديث تحويل القبلة

    روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت)، كان يحن إلى قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، إلى الكعبة المشرفة، لكن في البداية صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت (وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه القوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد لله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت)، وهذا يؤخذ منه قبول خبر الواحد، وجواز العمل بخبر الواحد. وروى مسلم عن البراء رضي الله عنه نحو ما تقدم، ولفظه: (صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم صرفنا نحو الكعبة). وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (بينا الناس في قباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة)، وهذا لفظ مسلم. فالأحاديث في تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة متواترة، وفي هذا كفاية، وهذه الآية دليل واضح وبين على أن في أحكام الله تبارك وتعالى وفي كتابه ناسخاً ومنسوخاً، وهذا مما أجمعت عليه الأمة إلا من شذ، وإنكار الناسخ والمنسوخ هو من البدعة والضلالة ومن الشذوذ عن إجماع أمة المسلمين، فهذه الآية من أوضح الأدلة على وقوع النسخ في أحكام الله تبارك وتعالى.

    رد الله على السفهاء منكري تحويل القبلة

    أعلم الله تعالى نبيه والمؤمنين أن فريقاً من الناس سينكرون تغيير القبلة، وسماهم سفهاء، فقال: (سيقول السفهاء) جمع سفيه، وهو الخفيف الحلم والأحمق والجاهل، من قولهم: ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج، وقال أبو السعود (سيقول السفهاء) أي: الذين خفت أحلامهم وعقولهم بالتقليد والإعراض عن التدبر والنظر. (ما ولاهم) أي: أيُ شيء صرفهم (عن قبلتهم التي كانوا عليها) أي: ثابتين على التوجه إليها، وهي بيت المقدس، ومدار الإنكار يختلف، إن قلنا: إن هؤلاء السفهاء من اليهود فيكون مدار الكلام والإنكار يختلف عما لو قلنا: إن هؤلاء السفهاء هم المشركون، إذا قلنا: إن المقصودين بقوله تعالى: (سيقول السفهاء) اليهود فمدار الإنكار كراهتهم للتحول عن بيت المقدس إلى الكعبة؛ لأنها قبلتهم، واليهود كانوا يحبون ذلك الثبات، أما إذا كانوا غير اليهود من المشركين فمدار الإنكار يراد به الطعن في الدين والقذف في أحكامه. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن القائلين هم اليهود، وعن الحسن : أنهم مشركو العرب، وعن السدي : أنهم المنافقون، قالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. يقول الإمام الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى بعدما ذكر قول ابن عباس والحسن والسدي: ولا تنافي بين أقوالهم، فكل قد عابوا، وكل سفهاء.

    إرهاصات ما قبل تحويل القبلة

    قوله تبارك وتعالى هنا: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) سبق أن أشرنا أن سنة الله تبارك وتعالى في الآيات العظام وفي الأمور الجسيمة أن يسبقها بإرهاصات تمهد القلوب لتقبل هذا الأمر الجديد، فهناك أمور عجيبة تحصل قبل وقوع الآية العظمى التي ستأتي، من ذلك مثلاً: إذا راجعنا سورة آل عمران تجد أن الله سبحانه وتعالى قدم بين يدي مولد المسيح عليه السلام من غير أب قصة امرأة عمران وزكريا، وكيف أنها رأت كرامات الله التي كان يكرم بها مريم عليها السلام، قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:37]، ثم يقول تعالى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ [آل عمران:38] وهذا تمهيد لحدوث الآية العظمى فيما بعد، فلما رأى هذه الكرامة، وأن الله قادر على أن يرزق من يشاء بغير حساب (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ) فطمع في رحمة الله، فدعا الله سبحانه وتعالى أن يهب له الولد فوهبه الله الولد مع أنه كان قد طعن في السن، فرزقه الله سبحانه وتعالى يحيى عليه السلام، فهذه إرهاصات ومقدمات تمهد القلوب لما هو أعظم مما سيأتي، وهو ميلاد المسيح عليه السلام، وهو من آيات الله سبحانه وتعالى. كذلك نلاحظ أن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام حدث غير مجرى تاريخ البشرية كلها، فتجد إرهاصات كثيرة بين يدي بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، من ذلك: حادثة الفيل فقد ولد في نفس السنة، إشارة إلى أن هذا البيت وهذه البلدة وهذه الكعبة يراد بها أمر عظيم، ولذلك حماها الله سبحانه وتعالى من جيش أبرهة لما أراد هذا البيت وأهله بسوء، فحصلت حادثة الفيل، وهي آية من آيات الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ كي تمهد أيضاً القلوب لحدوث مثل هذه المعجزة العظمى، وهذا الأمر المهم، وهو بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك الجن وجدوا أن السماء حرست بالشهب والنيازك، وأنهم لن يستطيعوا أن يسترقوا السمع كما كان يحصل من قبل؛ وهذا أيضاً تمهيد بين يدي بعثته صلى الله عليه وسلم. ومن تلك الإرهاصات: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رأت أمي كأن نوراً خرج منها أضاءت له قصور الشام). ومن هذه الإرهاصات: هواتف الجن كما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الجن كانوا ينطقون ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الممهدات، فكلها أمور تمهد لحصول أمر أخطر منها وأعظم. وكذلك هنا أيضاً لو أننا تتبعنا الآيات السابقة في الأرباع الماضية، نجد إرهاصات وتقدمة وتوطئة وتمهيد لهذا الحدث الخطير، وهو حدث تحويل القبلة، وقد بدأت الآيات بالتنويه بدين الإسلام، ونسبة ذلك إلى ملة إبراهيم عليه السلام، وأنه كان مسلماً موحداً، وأن أبا الأنبياء الخليل عليه السلام كان على ملة الإسلام، وكذب من قال: إنه كان يهودياً أو كان نصرانياً. ثم أتت قصة بناء الكعبة المشرفة، وفضل هذه الكعبة، ودعاء إبراهيم وإسماعيل ببعثة النبي عليه السلام بعد ذلك، ثم أتت الآيات تتحدث عن النسخ في آيات الله: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا [البقرة:106]، وكل هذا تمهيد للقلوب؛ حتى إذا ما حصل نسخ للقبلة تكون القلوب قد تقبلت هذا الحدث، ولم يبق حجة لأعداء الدين أن يطعنوا وينفذوا من خلال هذه الثغرة، فهذا نوع من الإرهاصات نحو الحدث، وهو الذي ينبه الله أيضاً قبل وقوعه بقوله: (سيقول السفهاء)، فقبل أن يقولوا ينبهنا ويقول: (سيقول السفهاء) ويصفهم بالسفه، وقد كان ذلك بالفعل وقالوا كما أخبر الله تبارك وتعالى، فهذا خبر حصل قبل وقوع الحدث، وفائدته: توطين النفس واستعدادها على ما بعد الحدث.

    جواب الله للمشركين بصدد تحويل القبلة

    إن الله تعالى يسلح المؤمنين بالحجج التي يهزمون بها أعداء الله من اليهود والمشركين، سيقول لكم السفهاء من الناس: (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فاعلموا الجواب من الآن، وقولوا لهم: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:142] فإن مفاجأة المكروه على النفس أشق وأشد، والجواب شديد على الخصم الألد، مع ما فيه من دلائل النبوة، لماذا؟ لأنه أخبر عليه الصلاة والسلام عن غيب وقد وقع كما أخبر، فيكون ذلك معجزة. (قل لله المشرق والمغرب) هذا جواب عن شبهتهم، وتقريره: أن الجهات كلها ملك لله، فهي لله من ناحية الملكية، وحدود الأرض من مشرقها إلى مغربها كل هذا ملك له تبارك وتعالى، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى هو الذي جعلها قبلة، فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى أخرى، وما أمر به فهو الحق. (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) هذا فيه تعظيم لأهل الإسلام، وإظهار عناية الله تبارك وتعالى بهم، وتفخيم شأن الكعبة، كما فخمه عند إضافته إليه في قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج:26]، فهذه إضافة تفخيم وتشريف وتعظيم للكعبة المشرفة، كذلك هنا قال: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) إشارة كما ذكرنا لتعظيم الكعبة وشرفها، وإشارة إلى شدة عناية الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة، حيث امتن عليهم بأن هداهم إلى هذا الحكم، وهو استقبال الكعبة المشرفة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ..)

    قال تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة:143] . يقول السيوطي رحمه الله: قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) كذلك كما هديناكم إليه جعلناكم -يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم- أمة وسطاً، يعني: خياراً عدولاً، (لتكونوا شهداء على الناس) يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم، (ويكون الرسول عليكم شهيداً) ويشهد عليكم الرسول أنه بلغكم. (وما جعلنا) يعني: ما صيرنا (القبلة) لك الآن الجهة (التي كنت عليها) وهي الكعبة. إذاً: إعراب (التي كنت عليها) مفعول ثانٍ لـ:(جعلنا)؛ لأن (جعلنا) فعل يتعدى لمفعولين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل الكعبة حين يصلي بينه وبين بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة أمر أن يستقبل بيت المقدس، فصلى إليه ستة أو سبعة عشر شهراً، ثم حول عنها. وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة:143] إلا لنعلم علم ظهور، (من يتبع الرسول) أي: يصدقه، (ممن ينقلب على عقبيه) أي: يرجع إلى الكفر شكاً في الدين، وظناً أن النبي صلى الله عليه وسلم في حيرة من أمره، وقد ارتد لذلك جماعة. وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [البقرة:143] (إن) مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي: وإنها كانت كبيرة، أي: التولية والانصراف إلى الكعبة، (لكبيرة) أي: شاقة على الناس، (إلا على الذين هدى الله) منهم، (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، بل يثيبكم عليها؛ لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل؛ لأن الصحابة تساءلوا لما نزل هذا الحكم عن صلاة الذين ماتوا قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة، ولم يدروا ما يقولون فيهم، فأنزل الله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس، وهذا الحديث في البخاري . (إن الله بالناس) الناس المقصود بهم هنا المؤمنون، (لرءوف رحيم) في عدم إضاعة أعمالهم، والرأفة هي شدة الرحمة، وقدم الأبلغ هو الرءوف على الرحيم مراعاة لرءوس الآي.

    حجية العمل بالسنة

    قال تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [البقرة:143]. قبل أن نستطرد في شرح هذه الآية، هل في هذه الآية دليل على حجية السنة من القرآن؟ قد نسمع بعض الضالين المنحرفين يقولون: لا حجة إلا في القرآن، ونحن لا نعترف بالسنة! فإذا أردت أن تفحمهم، وتقيم عليهم دليلاً من القرآن نفسه، لو كانوا قرآنيين فعلاً ويحترمون القرآن لالتزموا بهذا الدليل من القرآن، هل هذه الآية تثبت حجية الرسول عليه الصلاة والسلام؟ قوله تعالى: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) جعلنا، النون تعود على الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن القبلة الأولى هل كانت بشرع الله أم بشرع الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الرسول إذا شرع فإنما يشرع بإذن الله، لكنها ثبتت بمعنى آخر عن الله سبحانه وتعالى، فالذي أمر باستقبال البيت هو الله، ومن الذي أمر باستقبال بيت المقدس في أول الأمر؟ هل يوجد في القرآن دليل أو أمر يقول للمسلمين: استقبلوا بيت المقدس في الصلاة؟ أين هذا الدليل؟ الدليل على أن المسلمين كان عليهم أن يستقبلوا بيت المقدس في الصلاة لا نجده في القرآن الكريم، وإنما نجده فقط في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول: (وما جعلنا) فمن الذي جعل؟ هو الله، جعله في السنة؛ لأن السنة وحي مثل القرآن، فهذا من أوضح الأدلة الموجودة في القرآن -وما أكثرها- على حجية سنة النبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) يعني كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وأفضلها جعلناكم أمة وسطاً، يعني عدولاً خياراً، كما قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] خياراً عدولاً، كقوله تعالى: قَالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم:28] يعني: أعدلهم وأفضلهم، ويقول زهير : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) تعليل للجعل المنوه به الذي تمت المنة به عليهم، أي: ما جعلناكم أمة وسطاً إلا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً.

    شهادة الرسل على أقوامهم

    يتكرر في القرآن الكريم وصف الأمة بالشهادة، ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً بالشهادة، كما في قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب:45]، فالشهود والشهادة هي الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر وإما بالبصيرة، وقد يقال للحضور كقوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الأنعام:73]، فكلمة الشهادة أولى بالحضور وإن كانت تقال على الحضور أو المشاهدة بالبصر أو بالبصيرة، لكن الأصل فيها والأغلب أنها تكون في الحضور بالبصر، ويقال للمرأة التي يحضرها زوجها: مشهد، ولذلك سألت عائشة رضي الله عنها المرأة يوماً، قالت لها: أمشهد أم مغيب؟ يعني: زوجك حاضر أم مسافر. وجمع مشهد مشاهد، ومنه مشاهد الحج، لماذا؟ لأنها تحضرها الملائكة ويحضرها الأبرار من الناس، قال تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28] يعني: يحضروا، وقال تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا [النور:2] يحضرون ويرون بالبصر، وقال تعالى حاكياً عن قوم صالح: مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ [النمل:49] ما حضرنا، وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72] أي: لا يحضرون بنفوسهم ولا يسمعون بإرادتهم مجالس الزور، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] أي: تحضره ملائكة الليل وملائكة النهار. فالشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر، هذا هو تعريف الشهادة، فأنت حينما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، تعني: أنك بعدما تدبرت ورأيت الآيات واستحضرت معناها شهدت بهذه الآيات على وجود الله سبحانه وتعالى وتوحيده، فالشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر، وليس عن تقليد، وقال تعالى: (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [الزخرف:19] أي: أحضروا وشاهدوا خلق الملائكة؟ ثم قال تعالى: سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ [الزخرف:19]. ومن ذلك أيضاً قوله تبارك وتعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] أي: على هؤلاء المشركين شهيداً، وقال تبارك وتعالى: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ [الزمر:69-70]، قيل: الشهداء وصف للأنبياء أنفسهم؛ لقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] فشهيد كل أمة هو رسولها، يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ [المائدة:109]. وقال تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:6]، وقال تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ [النحل:89] ، ويقول تعالى هنا: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143] (وسطاً) أي: خياراً عدولاً، ويدل بأن الوسط هم الخيار العدول: قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] وهذا المعنى معروف في لغة العرب، ومنه قول زهير : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وقوله تعالى: (ويكون الرسول عليكم شهيداً)، لم يبين هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو في الآخرة؟ ولكنه بين في موضع آخر أنه يكون شهيداً عليهم في الآخرة، وذلك في قوله: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:41-42].

    معنى وسطية الأمة

    يقول القرطبي رحمه الله: قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) المعنى: كما أن الكعبة وسط الأرض ..، وهذا اكتشاف علمي اكتشف حديثاً، وهناك بحوث علمية مؤكدة بأن مكة هي مركز اليابس على سطح الكرة الأرضية، فانظر كيف استنبط القرطبي هذا المعنى من القرآن، يقول: كما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أيها الأمة أمة وسطاً، أي: جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. أي: أنتم أقل من الأنبياء وفوق كل أمم الأنبياء، فأنتم خير أمة أخرجت للناس، هذا أحد معاني الوسطية. والوسط العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها، وأفضل الأشياء الوسط. وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) قال: (عدلاً)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي التنزيل الكريم: قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ [القلم:28] أي: أعدلهم وخيرهم، وقال زهير : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وقال آخر: أنتم أوسط حي علموا بصغير الأمر أو إحدى الكبر وقال آخر: لا تذهبن في الأمور فرطاً لا تسألن إن سألت شططاً وكن من الناس جميعاً وسطاً ووسط الوادي خير موضع فيه وأكثره كلأً وماءً، ولما كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً، أي هذه الأمة أمة وسط، يعني أنها مبرأة من الغلو أو التطرف كما يقولون على المصطلح الشائع الآن، فالتطرف أخذ الأشياء بطرف الأمور: كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الخوادث حتى أصبحت طرفاً فالأخذ بأطراف الأمور سواء في الإفراط أو التفريط، الغلو أو الجفاء، هو التطرف، وذلك كأن تكون مغالياً في التعامل مع الأمور أو في فهمها، فهذه الأمة مبرأة من هذا الوصف، وكما ذكرنا من قبل مراراً: أن التعريف الوحيد الصحيح للمتطرف: هو كل من عدا المسلم من أهل السنة والجماعة، فكل رجل على غير ملة الإسلام فهو متطرف قطعاً ولا شك في ذلك، فاليهودي والنصراني والمجوسي والمشرك كلهم متطرف، وكل من ليس من أهل السنة والجماعة من المسلمين فهو أيضاً متطرف، فالخارجي متطرف، والمرجئ متطرف، والجبري متطرف، والقدري متطرف وهكذا، في كل قضية هناك طرفان ووسط، فالمعتدل الوحيد في هذا الوجود هو أولاً: المسلم، ثانياً: الذي يكون من أهل السنة والجماعة، وكل من خالفه في عقيدته ومنهجه فهو المتطرف.

    شهادة أمة محمد على غيرها من الأمم

    هذه الأمة أمة وسط لأنها لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم, ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم، فالنصارى غلو حتى عبدوا المسيح عليه السلام، واليهود جفو حتى شتموا الأنبياء وسبوهم ورموهم بعظائم الأمور، وفي الأثر: (خير الأمور أوسطها)، وثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب! فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول الله سبحانه وتعالى لنوح عليه السلام: من يشهد لك؟ فيقول نوح عليه السلام: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، فذلك قوله عز وجل: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ))[البقرة:143]). من أين ستشهد هذه الأمة أن نوحاً بلغ؟! لأنهم يؤمنون بالقرآن، والقرآن حكى لنا أن نوحاً عليه السلام بلغ أمته، وهو خبر الله سبحانه وتعالى الذي لا مراء فيه. وفي رواية ابن المبارك : (ستقول فيكم الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟! فيقول لهم الرب سبحانه وتعالى-يعني للمسلمين-: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولاً، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب: صدقوا، فذلك قول الله عز وجل: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)). وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ثناء الناس على الميت، حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال صلى الله عليه وسلم: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)، قال الحافظ: المراد بالوجوب الثبوت؛ لأن الشيء الثابت في صحة الوقوع كالواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله والعقاب عدله، لا يسأل عما يفعل. وقال أيضاً في قوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم شهداء الله في الأرض) أي: المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، والبعض خصص ذلك بالصحابة رضي الله تعالى عنهم، والصواب أن ذلك يختص بالثقات المتقين. ويقول تبارك وتعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا [النحل:89]، وهذا أيضاً بنفس معنى هذه الآية الكريمة. قوله تبارك وتعالى هنا: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، هذه اللام إما أنها لام الصيرورة والعاقبة، وإما أنها لام التعليل، فإذا قلنا: إنها لام الصيرورة والعاقبة، فالمعنى: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً؛ فآل الأمر بهدايتكم وجعلكم وسطاً أن كنتم شهداء على الناس. والناس هنا أهل الأديان الأخرى، وإذا قلنا أنها لام التعليل وهذا هو الأصل فالمعنى: جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا: أي: لأجل أن تكونوا شهداء على الناس أي رقباء عليهم، لدعائهم إلى الحق وإرشادهم إلى الهدى، وإنجائهم مما هم فيه من الزيغ والضلال، كما كان الرسول شهيداً عليكم بقيامه عليكم بما بلغكم وأمركم ونهاكم وحذركم وأنذركم، وعلى هذا القول، فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، فكذلك هنا قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا [البقرة:143]، وهذا تعليل، أي: كي تكونوا شهداء على الناس، فالوسط بمعنى الخيار، وقد صرح به في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] وإلى هذا المعنى يشير مجاهد في تفسيره لهذه الآية الكريمة حيث قال: لتكونوا شهداء لمحمد عليه الصلاة والسلام على الأمم: اليهود والنصارى والمجوس، لأنكم نواب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة الحجة على الأمم. يعني أن هذه الأمة نائبة عن الرسول عليه الصلاة والسلام في إقامة الحجة، فإذا قصرت هذه الأمة في ذلك فكيف يصلحون أن يكونوا شهداء؟ وكيف تكونون شهداء وأنتم ما بلغتموهم وقصرتم في إقامة الحجة عليهم؟ فلا بد أن نُشهِد نحن الأمم جميعاً على أحقية إرساله صلى الله عليه وسلم إليها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وظيفة هذه الأمة كما وصفها الله تبارك وتعالى بذلك في قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] وكما وصف نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ [الأعراف:157]، ووصف المؤمنين بقوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71].

    هذه الأمة هي أشرف الأمم على الإطلاق

    نحن في هذا الزمان لابد أن نعرف مكان هذه الأمة التي ننتسب إليها، وهذا الدين الذي ننتسب إليه، نحن لسنا من سقط المتاع، ولسنا بذيول الأمم، وإنما الموقع الطبيعي لنا أن نكون في قمة البشرية، وأن نكون مهيمنين عليها لقيادتها إلى الخير وإلى ما يرضي الله تبارك وتعالى، فهذه الأمة هي أكمل الأمم على الإطلاق، وإذا تمسكت بالقرآن والسنة فحينئذ تكون أكمل الأمم وأعلى الأمم وأشرف الأمم على الإطلاق، وليس ذلك على أساس اللون ولا العنصر ولا الأجناس ولا الغنى ولا الدنيا؛ ولذلك ذم الله هؤلاء السفهاء الذين يفتنون بالكفار ويغترون بما آتاهم الله سبحانه وتعالى من متاع الدنيا وتقلبهم في البلاد، ولا يمكن أبداً أن يكون تفضيلهم للكفار على أساس دينهم، وإنما تفضيلهم لهم على المسلمين هو على أساس أي شيء من أمور الدنيا، أو عرض من أعراضها: الغنى، المباني، الجمال، الخضرة، التفوق في أمور الدنيا، لكن لا يمكن أبداً أن يكون ذلك تكريم، قارن في أي شيء من أمور الدين وفي أمور الآخرة ستجدهم في أسفل سافلين بل أحط من البهائم والأنعام كما قال تعالى: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179]، ولذلك ندبنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ننظر في الدين إلى من هو فوقنا، وننظر في الدنيا إلى من هو أسفل منا؛ كي لا نزدري نعمة الله علينا، فالذين يفتنون بهؤلاء الكفار يعكسون وصية النبي صلى الله عليه وسلم ويخالفونها، فهم ينظرون إلى من فوقهم في الدنيا، ولا ينظرون لحالهم في الدين!! فانظر لأي وجه من وجوه الافتتان بما عليه الكفار الآن، وماذا يساوي بالنسبة لبعدهم وانسلاخهم عن الدين! فهم كفار مشركون، يعبدون الشركاء والأنداد من دون الله، وانظر في أخلاقهم تجد الفساد والعناد والإجرام والانحراف، انظر إلى أخلاقهم في التعامل مع الأمم تجد الظلم والقهر والإذلال، وانظر لكل شيء من أمور الدين وأمور الآخرة تجدهم صفراً، فهم كالأنعام بل هم أضل من الأنعام، يعيشون للشهوات ويعيشون للدنيا، فالذي يفتن بهم لا يفتن إلا بسبب الدنيا، لكن إذا عظم الدين في قلبه لاحتقرهم ولعاداهم ولأبغضهم كما أرشدنا الله تبارك وتعالى، فنحن المسلمين لسنا من سقط المتاع، نحن أفضل أمة على الإطلاق إذا تمسكنا بالقرآن والسنة، فأكمل الأمم عقولاً وأهداها سبيلاً هي الأمة المحمدية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما قد ملأ العالم نوراً وهدى) وهذا نلمسه الآن بأيدينا في ظل انحطاط هؤلاء المشركين، وكيف أن أمة المسلمين -على ما فيها من الضعف- أهدى الأمم عقولاً، وأنضجها عقولاً، وأقومها بأمر الله تبارك وتعالى.

    من مظاهر وسطية وخيرية هذه الأمة

    نقرأ الرسالة التي أرسلها شيخ الإسلام ابن تيمية إلى جماعة عدي بن مسافر -فنتلوها عليكم باختصار لأن فيها فوائد عظيمة جداً متعلقة بهذه الآية ولا نستطيع أن نمر عليها مراً عابراً سريعاً- يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (فعصم الله هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، ولهذا كان إجماعهم حجة كما كان الكتاب والسنة حجة، ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة بالسنة والجماعة، عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنة رسول الله وعما مضت عليه جماعة المسلمين -يعني أهل السنة، فهم ليسوا فقط أهل سنة ولكنهم أيضاً أهل جماعة يجتمعون- وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة رواه عنه أهل السنن والمسانيد كالإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم أنه قال: (ستفترق هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) وفي رواية: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) هذا هو المقياس للفرق الناجية عن النارية، وهذه الفرقة الناجية هي أهل السنة، وهم وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل، فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين -يعني وسط في مواقفهم من هؤلاء- لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31] ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، فكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً، بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أرباباً، كما قال تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:79-80]. ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المسيح، فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة كما تقوله النصارى، ولا كفروا به وقالوا على مريم بهتاناً عظيماً، حتى جعلوه ولد زنا كما زعمت اليهود، بل قالوا: هذا عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه. وكذلك المؤمنون وسط في شرائع الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شاء ويثبت، كما قالته اليهود كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:80] -لأن اليهود ينكرون النسخ، ويعيبون المسلمين بوقوع النسخ، وأنكروا رسالة المسيح أيضاً؛ لأن المسيح أتى بنسخ بعض الشرائع في التوراة- فاليهود يعيبون النسخ وينكرونه، ولذلك أنكروا نسخ القبلة، وحكى الله أيضاً بقوله وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:80]، كذلك فالمسلمون لم يجوزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله، فيأمروا بما شاءوا وينهوا عما شاءوا، كما يفعله النصارى، كما ذكر ذلك عنهم بقوله اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31] قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: (قلت: يا رسول الله! ما عبدوهم! قال: ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم) والمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره، وقالوا: سمعنا وأطعنا، فأطاعوا كل ما أمر الله به، وقالوا: إن الله يحكم بما يريد، وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيماً، كذلك في صفات الله تعالى فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقالوا -والعياذ بالله-: يد الله مغلولة، وقالوا -والعياذ بالله-: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت، إلى غير ذلك، والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب، والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى ليس له سمي ولا ند ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء، فإنه رب العالمين، وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له، فقراء إليه، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:93-95]. ومن ذلك أمر الحلال والحرام، فإن اليهود كما قال الله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء:160]، فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبقر، ولا شحم الثرب -وهو شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء والكليتين- ولا الجدي في لبن أمه.. إلى غير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما، حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعاً من المحرمات -أما المحرمات من الطعام في الإسلام محصورة وضيقة جداً- والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمراً، وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها في البيوت -يعني لا يعيشون معها في البيوت-، وأما النصارى فاستحلوا الخبائث، -أي: عكس التشديد الذي كان عند اليهود- أما النصارى فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران:50] ، ولهذا قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، فإذا كان هذا حالهم أيضاً في الحلال والحرام، فكيف نعت الله المؤمنين في هذا الباب، يقول تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:156-157]. وهذا باب يطول وصفه. وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق، فهم في باب أسماء الله وآياته وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى يشبهونه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات، فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدرة الله وبين المفسدين لدين الله، بين المجبرة وبين القدرية... إلى أن يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد الوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء...) ثم ناقش بالتفصيل طرفي النقيض في هذا الموضوع بين الفرق الضالة، كما ذكر وسطية هذه الأمة أهل السنة والجماعة في شأن الصحابة بين الغالية الذين يغالون في علي رضي الله عنه ويبن هؤلاء الجفاة الذين يعادونه ويعادون عثمان رضي الله تعالى عنه.

    1.   

    تفسير قول الله عز وجل: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه..)

    قال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا [البقرة:143] أي ما شرعنا القبلة، كقوله: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة:103] إلى آخره، يعني: ما شرعها، الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا [البقرة:143] ليست هذه الجملة صفة للقبلة، وإنما هي صفة ثاني مفعولي جعل، أي: وما جعلنا القبلة والجهة التي كنت عليها أي: في مكة. تستقبلها قبل الهجرة، يعني: الكعبة، وما رددناك إليها إلا امتحاناً للناس وابتلاءً، أو بمعنى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا [البقرة:143] يعني التي أنت عليها أو التي صرت إليها الآن، كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران:110] يعني أنتم خير أمة، فكنت أنت عليها، أو التي كنت عليها حريصاً، وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا [البقرة:143] يعني تطلبها، أي: حريصاً عليها وراغباً فيها، والدليل على هذا قوله تعالى فيما بعد ذلك: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [البقرة:144] يعني لشدة حرصه على أن تحول القبلة. إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ [البقرة:143] يعني الحكمة في هذا التشريع؛ لنعلم من يتبع الرسول في كل ما يؤمر به، فيثبت عند تقلب الأحكام لما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له على أي حال مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة:143] أي يرتد عن دينه فينافق أو يكفر ممن كان يظهر الاتباع، وأصل المنقلب على عقبيه هو الراجع مستدبراً في الطريق الذي كان قد قطعه منصرفاً عنه، استعير لكل راجع عن أمر كان فيه من دين أو خير. قال ابن جرير : قد ارتد في محنة الله أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم في القبلة رجال ممن كان قد أسلم، يعني: هذا الامتحان والابتلاء بتحويل القبلة تسبب في ارتداد بعض من كان من المسلمين، وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم فقالوا: ما بال محمد يحولنا مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا، وقال المسلمون فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت؛ لأن أول ما نسخ هو القبلة؛ فلذلك كان هذا الابتلاء وهذا الامتحان عظيماً حتى أن من المسلمين من قال: بطلت صلاتنا فيما مضى أي: التي كنا نستقبل فيها بيت المقدس، وكذلك بطلت صلاة إخواننا الذين ماتوا وهم لم يشهدوا هذا التحويل! وقال المشركون: تحير محمد في دينه، فكان ذلك فتنة للمؤمنين وتمحيصاً لهم، ومعنى قوله تعالى: عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة:143] تثنية عقب، وهو مؤخر القدم، والانقلاب عليهما مثل قوله تعالى: ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ [المدثر:23]، ومثل قوله كَذَّبَ وَتَوَلَّى [العلق:13].

    علم الله تبارك وتعالى

    قوله تعالى: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة:143] هناك خلاف في تفسير هذه الآية، وباختصار شديد نقول: إن العلم الذي ينسب إلى الله سبحانه وتعالى نوعان: علم غيب، وعلم شهادة، فعلم الغيب هو: علم الله قبل التكليف، وعلم الشهادة هو: العلم الذي يترتب عليه الجزاء، فالله سبحانه وتعالى يعلم ما سيكون منا، وكل ما يأتي فالله تعالى يعلمه، والله سبحانه لا يحاسبنا طبقاً لعلمه السابق، وإنما يحاسبنا بعد وقوع ما علمه فينا، فهذا هو الذي يترتب عليه الجزاء، فقوله تبارك وتعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة:143]، وكذلك قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31]، فظاهر هاتين الآيتين قد يتوهم منه الجاهل أن الله يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً!! وهذا كفر والعياذ بالله؛ لأن العلم إذا كان حادثاً في حق الله سبحانه وتعالى فمعنى ذلك أن عدم وجوده يكون صفة نقص، وإذا كان يحدث له علم من جديد فمعناه أن هذا العلم لم يكن من قبل! وهذا وصف لله سبحانه وتعالى بعكس العلم والعياذ بالله، وهذا كفر، وهو ما يتوهمه بعض الجهال، لكننا نعلم قطعاً أن الله سبحانه وتعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون، فهو يعلم ما سيعمله الخلق كما دلت عليه آيات كثيرة، كقوله تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ [النجم:32]، وقال تعالى: وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ [المؤمنون:63] وهذا يعني أن الله يعلمها، وبين الله تبارك وتعالى أنه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه فقال عز وجل: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران:154] فانظر إلى قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران:154] بعد قوله تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ [آل عمران:154] فهو دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالماً به سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً؛ لأنه إذا كان عليماً بذات الصدور فهو غني عن الاختبار، لا يعزب عنه مثقال ذرة، فنحن نتوقف عند هذا اللفظ بالذات لأن هذا يتكرر في الآيات كثيراً. فهذه الآية وهي قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31] فيها بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه، فقوله حَتَّى نَعْلَمَ [محمد:31] يعني: حتى نعلم علماً يترتب عليه الثواب والعقاب، وهذا لا ينفي أنه كان عالماً به قبل ذلك، بل هو يعلم قبل ذلك، لكن علم الماضي الذي هو صفة من صفات الله لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، فالله لا يعاقبك طبقاً لعلمه فيك، لكن يعاقبك طبقاً لما عملته، وهو موافق لعلمه السابق، وفائدة هذا الاختبار: ظهور الأمر للناس، والله هو عالم السر والنجوى، عالم بكل ما سيكون كما لا يخفى. يقول القرطبي رحمه الله تعالى: وهذا العلم هو العلم الذي يقع عليه الجزاء؛ لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم، فتأويله: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ [محمد:31] أي: حتى نعلم المجاهدين علم شهادة؛ لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء والثواب والعقاب يقع على علم الشهادة، وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31] أي: نختبرها ونظهرها. وقال الطبري رحمه الله: ولنبلونكم -أيها المؤمنون- بالقتل وجهاد أعداء الله، حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ [محمد:31] يعني: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهلَ الجهاد في الله منكم وأهلَ الصبر على قتال أعدائه، فيظهر ذلك لهم، ويَعرف ذوي البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيرة، وأهل الإيمان من أهل النفاق، يقول تبارك وتعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران:179] وهذه الآية تؤيد هذا التفسير، (حتى نعلم) يعني: حتى يعلم حزبي وأوليائي المؤمنين الصادقين من المنافقين الكاذبين، لأن الله تبارك وتعالى أخبر أن معرفة الناس وتمييزهم الغرض منه أن ينكشفوا لأولياء الله، فيعلم من المؤمن ومن المنافق، من الصادق ومن الكاذب، وهذا يحتمل أن يكون من طريقين: إما وقوع الابتلاءات ثم يتمايز الناس ويظهرون من خلال الابتلاء، وإما من طريق آخر هو معرفة الغيب، وليس هناك سبيل لغير الله أن يعرف الغيب، وليس هناك سبيل للاطلاع على حقائق الناس من خلال معرفة الغيب؛ لأن الله يقول: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران:179]؛ لهذا فإن الباب مسدود في حق البشر والمخلوقين، ولا يعلم الغيب إلا الله، فلم يبق إلا طريق واحد فقط حتى يعرف الناس الخبيث من الطيب، وهو وقوع الابتلاء في الجهاد وغيره (حتى نعلم) يعني: حتى يعلم أوليائي ويتميز الناس؛ ولذلك يقول تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [آل عمران:179] من اختفاء أموركم وعدم ظهور حقيقة إيمانكم حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179] يعني: حتى يميّز أوليائي وحزبي الخبيث من الناس من الطيب، فلا سبيل إلى ذلك إلا بالاختبار والابتلاء وإظهار علم الشهادة حين تقع هذه الأعمال. يقول الإمام ابن جرير : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وكان من شأن العرب إضافة ما فعله أتباع الرئيس إلى الرئيس، وما فعل بهم إليه، فمثلاً تقول: فتح عمر بن الخطاب سواد العراق، وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك أصحاب عمر وجنوده، ونسب إليه لأنهم يأتمرون بأمره، فهو سبب في ذلك، كما قال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين! مصر الله بك الأمصار، وفتح بك البلاد، فقوله: (بك) لأنه كان سبباً لذلك، أما الذي فتح فهم جنوده، فهذه هي عادة العرب، ونظيره حديث أبي هريرة في مسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني! قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمك أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي)...... فهنا نسب الله سبحانه وتعالى المرض والاستسقاء والاستطعام إلى نفسه، وكان ذلك لغيره. وحكي عن بعض العرب سماعاً: أجوع في غير بطني، وأعرى في غير ظهري، ومعنى ذلك أن بعض العرب كان يشتكي، أو أن المقصود التعبير عن جوع أهله وعياله وعري ظهورهم، كذلك قوله تعالى هنا: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ [البقرة:143] يعني ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي، مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [البقرة:143] والتاء في قوله: (وإن كانت) تعود على التولية أو الجعل أو التحويل أي: التولية إليها أو الجعل أو التحويل (لكبيرة) أي: ثقيلة شاقة؛ لأن مفارقة الإلف بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جداً، إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [البقرة:143] يعني هدى الله قلوبهم فأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنهم كلما حدث أمر أحدث لهم شكاً، لكن يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، يقول تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:125]، ويقول تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82].

    عدم ضياع أعمال المؤمنين

    قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة:143] هذا تطمين، طمأنة لمن صلى إلى بيت المقدس من المسلمين. ومن أهل الكتاب قبل النسخ، وبيان أنهم يثابون على ذلك، يعني ما دمتم في الحالتين أطعتم أمر الله فلم تبطل صلاتكم كما توجستم، فقد روى البخاري من حديث أبي إسحاق عن البراء قال: وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة:143] أي صلاتكم، وإنما عدل إلى لفظ الإيمان الذي هو عام في الصلاة وغيرها ليوحي لهم أنه لم يضع شيء مما عملوه ومن ثم يصح منهم، فينبغي أن يكون المسئول عنه حكماً أولياً ويكون الحكم في الإجابة كلياً. وقوله عز وجل هنا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143] أتى بلفظ الخطاب دون الغائب ليتناول الماضين والباقين، لتغليب حكم المخاطب على الغائب في اللفظ، وفي تتمة الآية إشارة إلى تعليل عدم الإضاعة، فلم يحبط الله صلاتهم إلى بيت المقدس لأنه رءوف رحيم، هذا تعليل بما اتصف به من الرأفة المنافية لما هجس في نفوسهم من الإضاعة، فإن الله سبحانه وتعالى لأنه رءوف رحيم بكم لا يمكن أبداً أن يحبط صلاتكم إلى بيت المقدس، يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان -فالمرجئة يعتبرون أن الإيمان هو المعرفة فقط، ولا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان ومنها الصلاة- فهذه الآية رد على المرجئة، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143] فسمى الصلاة إيماناً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315050

    عدد مرات الحفظ

    723594256