إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [55]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشفاعة لله جميعاً، وقد ضل من طلبها من غير الله تعالى، فإن سبب شرك المشركين هو طلبهم الشفاعة من آلهتهم الباطلة، وأسعد الناس بالشفاعة من قال: لا إله إلا الله مخلصاً بها من قلبه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:22-23]].

    هذه الآية توضح وتبين أن طلب الشفاعة من غير الله ضلال وشرك، وأن الذي يُدعى أو يُطلب يجب أن يكون مالكاً لما يُدعى من أجله، فإن لم يكن مالكاً يكون مشاركاً للمالك، وهذا أقل درجة، فإن لم يكن مشاركاً للمالك يكون مساعداً ومظاهراً له ومعاوناً له، فإن لم يكن كذلك -يعني: انتفت الأمور الثلاثة- ينبغي أن يكون شافعاً كما يقع من الوزارء والكبراء لمن يكون عنده أمر من أمور الناس يطلبونه، فنفى الله جلَّ وعلا ذلك، وأن هذا لا يقع إلَّا بإذنه، فنفى على التدريج: نفى الأعلى، ثم ما دونه، ثم ما دونه، ثم نفى الشفاعة: قُلِ ادْعُوا [سبأ:22] وهنا: (قل) الأمر للتعجيز يعني: يأمر الله جلَّ وعلا نبيه أن يقول للمشركين الذين يزعمون أن أصنامهم تشفع لهم، على حسب اختلافها؛ لأنه عُلم أن المدعوات من دون الله مختلفة، فمنهم من يدعو شجراً، ومنهم من يدعو حجارةً، ومنهم من يدعو الجن، ومنهم من يدعو الأنبياء، ومنهم من يدعو الملائكة، ومنهم من يدعو أجراماً من أجرام السماء كالشمس والقمر والنجوم وغيرها، وكلهم سواء، وكلهم يشملهم هذا الخطاب، وهذا الأمر: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [سبأ:22] (زعمتم) يعني: أن دعوتهم هذه كذب؛ وذلك لأن المدعو من دون الله ما يملك شيئاً، وليس إلهاً، فتسميتهم آلهة من الكذب الذي افتروه على الله جلَّ وعلا؛ ولهذا قال جلَّ وعلا: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا [النجم:23] يعني: أسماء وضعتموها على مسميات لا حقيقة لها، وليس لها شيء من هذه التسمية في الحقيقة.

    قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [سبأ:22] وغالباً إذا جاءت كلمة (زعم) فالمقصود بها: الكذب، فهم يكذبون في أن هذه آلهة، ويكذبون في أنها تملك شيئاً.

    قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ:22] يعني: غير الله، وقد دعوتموهم وهم عباد مسخرون مقهورون ذليلون لا يملكون شيئاً.

    لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:22] ومعنى ذلك: أنهم ليس لهم ملك القليل الحقير في الدنيا ولا في الآخرة، حتى في الدنيا ما يملكون شيئاً إلَّا أن يملِّكهم الله جلَّ وعلا إياه، أما إذا منعهم الله جلَّ وعلا فلا يستطيعون شيئاً، ثم هذا الملك الذي يملِّكهم إياه يُسلب منهم، فيذهبون إلى قبورهم وليس معهم شيء، ثم يخرجون من قبورهم إذا بعثهم الله جلَّ وعلا عندما يريد ذلك، وليس معهم شيء، ولا يملكون لأنفسهم شيئاً، ويأتون إلى الله جلَّ وعلا فرادى: ملوكهم ورؤساؤهم وأغنياؤهم، كلهم يأتي فرداً ليس معه لا ولد ولا خادم ولا صديق ولا مال ولا أي شيء، وإنما يأتي إلى الله فرداً ذليلاً خاضعاً، فكيف يشفع؟! ومن أين له ذلك؟!

    قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:22] إذا كان المدعو لا يملك شيئاً فكيف يُدعى؟! هذا كلام الله جلَّ وعلا، وهو شامل لكل مدعو من دون الله، هذه الدرجة الأولى.

    ثم الدرجة الثانية: أنه قد يقال: هم لا يملكون شيئاً ولكن يشاركون المالك، فنفى الله جلَّ وعلا ذلك، فقال: وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ [سبأ:22] يعني: ما لهم في السماوات والأرض من اشتراك مع المالك الذي هو الله جلَّ وعلا.

    هذه الدرجة الثانية.

    ثم قد يتصور متصور: أنهم إذا كانوا لا يملكون، وليس لهم اشتراك مع المالك فقد يكونون مقربين عنده أو يكونون مساعدين له، فنفى ذلك جلَّ وعلا فقال: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22] يعني: ليس للمالك منهم مظاهر يعني: مساعد ومعاون، فنُفي الملك، ونُفي الاشتراك، ونُفيت المساعدة، فماذا بقي؟

    بقيت الشفاعة، فقال: وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23] وهذه الجملة تدل على شيئين:

    تدل على أن الشفاعة بلا إذن الله جلَّ وعلا باطلة ومنفية وغير واقعة.

    وتدل على أن الشفاعة التي تكون بإذنه واقعة.

    والشفاعة التي تكون بإذنه تكون لمن يرضى عنهم، والله جلَّ وعلا لا يرضى الشرك ولا يرضى عن المشرك، بل حرم الجنة على المشرك لما قال جلَّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وقال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].

    فتبين بهذا أن طلب الشفاعة من غير الله شرك، والمشرك محروم من ذلك.

    كلام ابن القيم حول هذه الآية

    قال الشارح: [وقوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:22-23] قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآيات: وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع، والنفع لا يكون إلَّا ممن فيه خصلة من هذه الأربع:

    إما مالك لما يريده عابده منه.

    فإن لم يكن مالكاً كان شريكاًً للمالك.

    فإن لم يكن شريكاً له كان معيناً له وظهيراً.

    فإن لم يكن معيناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده.

    فنفى الله سبحانه المراتب الأربع نفياً مرتباً، منتقلاً من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعةً لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه.

    فكفى بهذه الآية نوراً وبرهاناً، وتجريداً للتوحيد، وقطعاً لأصول الشرك وموادّه لمن عقلها.

    والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمُّنه له ويظنونها في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثاً، فهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولَعَمْرُ الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناوُل القرآنِ لهم كتناوُله لأولئك.

    ثم قال: ومن أنواعه -أي: الشرك-: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، وهذا أصل شرك العالَم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عمن استغاث به وسأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلَّا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سبباً لإذنه، وإنما السبب كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك.

    فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبة أهله إلى التنقُّص بالأموات، وهم قد تنقَّصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقَّصوا من أشركوا به غاية التنقُّص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به، وأنهم يوالونهم عليه، وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم!].

    يعني: أن هؤلاء الذين يطلبون من الأموات والأولياء الشفاعة، إذا نهاهم أهل الحق عن ذلك قالوا: أنتم لا تحبون أولياء الله، أو لا تحبون أنبياء الله! كالذي يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة، فإذا قال له إنسانٌ: هذا ما يُطلب إلَّا من الله، ولا يجوز أن تطلبه من الرسول قال له: أنت ما تحب الرسول! أو أنت تتنقَّص الرسول! وما أشبه ذلك، وهذا من الجهل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرضى إلَّا ما رضي الله جلَّ وعلا وأمر الله به، وقد أمره الله جلَّ وعلا أن يبلغ الناس وأن يُعْلِمهم أن الشافعة ملك لله جلَّ وعلا وحده، وأنه من حق الله.

    أما تنقُّصهم مَن يدعونه ويتشفعون به فمعناه: أنهم يظنون أنهم راضون عنهم بذلك، وأولياء الله وأنبياؤه لا يرضون بهذا، بل إذا اجتمعوا بهم يوم القيامة يتبرءون منهم، ويعادونهم أشد العداء، ويبرءون إلى الله من أفعالهم.

    وأما ظنهم السيئ بالله جلَّ وعلا فهو أنهم ظنوا أنه يمكن للمخلوق أن يشفع لإنسان ولو لم يكن الرب جلَّ وعلا راضياً عنه، وهذا من قياسهم الخالق على المخلوق تعالى الله وتقدس، وهذا غاية التنقُّص.

    فمعنى ذلك: أنهم ما عرفوا الله ولا عرفوا قدره، فوقعوا في هذه الأمور التي فيها تنقُّص المؤمنين الموحِّدين وتنقُّص الأولياء والرسل، وفيها إساءة الظن بالله جلَّ وعلا، وفيها الوقوع في الشرك، وعدم معرفة حق الله، حيث صرفوا ما هو من خالص حقه إلى مخلوق لا يملك مع الله شيئاً.

    سبيل النجاة من الشرك الأكبر

    قال رحمه الله: [وما نُجِّي من شَرَك هذا الشرك الأكبر إلَّا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ اللهَ وحده وليه وإلهه ومعبوده].

    وهذا واجب، وهو من مقتضى الإيمان: كونه يبغض المشرك ويمقته، وبغضُه ومقتُه لأجل الله جلَّ وعلا؛ لأن الله يبغض ذلك المشرك ويمقته، فهو يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله، فالله جلَّ وعلا يأمره بهذا ويتبع ذلك ويتقرب بذلك إلى الله، ولهذا يقول جلَّ وعلا: لا تَجِدُ قَوْمَاً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22] يعني: ولو كان أقرب قريب إليك ووقع في شيء من ذلك فإنه فرض عليك أن تبغضه وتمقته وتتقرب إلى الله جلَّ وعلا ببغضه، والإيمان ينتفي إذا لم يحصل ذلك، قال الله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمَاً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة:22] ويقول جلَّ وعلا: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدَاً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] وهذا كثير في القرآن، يبين الله جلَّ وعلا أن هذا مقتضى الإيمان، وأن الذي لا يحصل ذلك منه، فإيمانه غير صحيح، فالله قطع الصلة بين المؤمن وبين المشرك والكافر، فالصلة مقطوعة نهائياً، وإنما الرابطة بين المؤمن وبين أخيه المؤمن ولو لم يكن بينه وبينه نسب، فالمؤمنون إخوة يتوادُّون فيما بينهم ويتعاونون على البر والتقوى.

    أما إذا كان أخوك مشركاً أو كافراً فإنه يجب عليك أن تقطع الصلة بينك وبينه، وأن تجعل بدل الصلة العداوة والبغضاء.

    قال رحمه الله: [فجرَّد حبَّه لله، وخوفَه لله، ورجاءَه لله، وذلَّه لله، وتوكلَه على الله، واستعانتَه بالله، والتجاءَه إلى الله، واستغاثتَه بالله، وقصدَه لله، متبعاً لأمره، متطلباً لمرضاته، إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله، فهو لله وبالله ومع الله. انتهى كلامه رحمة الله عليه.

    وهذا الذي ذكره هذا الإمام في معنى هذه الآية هو حقيقة دين الإسلام، كما قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينَاً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفَاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَاً [النساء:125].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: قال أبو العباس : نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله. ولم يبق إلَّا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلَّا لمن أذن له الرب، كما قال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28] فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يُقال له: ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تُعطَ، واشفع تشفَّع).

    وقال أبو هريرة له صلى الله عليه وسلم: (من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال: (لا إله إلَّا الله) خالصاً من قلبه) فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود.

    فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلَّا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه].

    أبو العباس هي كنية شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهذا الكلام في معنى الآية السابقة: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:22-23] فهو يقول: إن الله جلَّ وعلا نفى أن يكون أحد من الخلق يملك شيئاً من دونه، ونفى أن يكون له اشتراك في هذا الملك، ونفى أن يكون أحد من الخلق مساعداً أو معاوناً لله تعالى وتقدس، ونفى أن تقع الشفاعة لأحد من الخلق إلَّا إذا أذن له.

    وهذه الشفاعة التي نفاها هي: ما يزعم المشركون أنها تقع لمن طلبوا منه الشفاعة استقلالاً، فأخبر جلَّ وعلا أن هذا شرك، وأنه يمنع حصول الشفاعة، بل يمنع ألَّا يُعذَّبوا، فهم من المعذَّبين؛ لأنهم مشركون، ثم بين أن الشفاعة لله، كما جاء في الأحاديث التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يطلب الشفاعة استقلالاً، وإنما أول ما يفعل: أنه يسجد لربه جلَّ وعلا ويحمده ويثني عليه، وأنه لا يرفع رأسه حتى يأمره جلَّ وعلا بذلك، ولا يشفع حتى يقول له جلَّ وعلا: (اشفع) فعند ذلك يشفع.

    وقوله: (فحقيقتها) يعني: حقيقة الشفاعة هي رحمة الله جلَّ وعلا للمشفوع، وإظهار كرامة الشافع، يعني: أمرُه بالشفاعة وقبول شفاعته ليظهر كرامته، فإذاً: هي رحمة من الله للشافع وللمشفوع له، والأمر كله بيد الله.

    1.   

    الشفاعة الكبرى هي المقام المحمود لنبينا عليه الصلاة والسلام

    المقام المحمود الذي وعد الله جلَّ وعلا بينه في قوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامَاً مَحْمُودَاً [الإسراء:79] معنى (محمود): أنه يُحمد على هذا المقام، والصحيح أن المقام المحمود هو الشفاعة الكبرى في الموقف؛ حتى يفصل الله بين عباده ويحاسبهم، وليس فيها أنه يشفع في قوم معينين، بل شفاعة عامة، يشفع إلى الله أنه يأتي ليحاسِب خلقه، وهذا لإظهار كرامته فقط، حتى يبلغ المقام المحمود؛ ولأن الله جلَّ وعلا أراد أن يريح المؤمنين من عناء هذا الموقف، ويدخل الكافرين في جهنم بعدما وقفوا وقوفاً طويلاً وعظيماً، وهذا جاء تفصيله في الأحاديث الصحيحة: أن الله جل وعلا إذا أراد محاسبتهم ألهمهم أن يسألوا الشفاعة من الأنبياء، والأنبياء معهم يخاطبونهم، فيطلبون منهم قائلين: اسألوا الله أن يأتي ليفصل بيننا، وليس هذا مثل سؤالهم وهم في قبورهم؛ لأنهم واقفون معهم، فالموقف فيه الأنبياء وفيه الشهداء وفيه العلماء... إلخ، فلهذا أول من يذهبون إليه: آدم؛ لأنهم يتشاورون فيما بينهم بعدما يلهمهم الله جلَّ وعلا ذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك لأهل الموقف كلهم، وإنما يكون للبعض، فإذا تشاوروا فيما بينهم قالوا: (ليس هناك أحد أولى من أبيكم آدم؛ لأن الله خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، فيذهبون إليه -وهو واقف معهم- فيخاطبونه ويقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، ألا ترى ما نحن فيه؟! اشفع لنا عند الله ليحاسبنا فيريحنا من هذا الموقف، فيقول: لستُ كما تظنون، أنا عصيت ربي وأكلت من الشجرة، فأخرجني من الجنة؛ ولكن اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول أرسله الله جلَّ وعلا إلى الأرض، وقد سماه الله جلَّ وعلا عبداً شكوراً، فيذهبون إليه ويطلبون منه مثلما طلبوا من آدم، فيعتذر ويقول: إني دعوت على قومي دعوة أُغرقوا بسببها، وإني سألت ربي ما ليس لي به علم، ولا أسأل اليوم إلَّا نفسي، اذهبوا إلى غيري ...) ومقصودُه بهذا: قوله فيما أخبر الله جلَّ وعلا عنه: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [هود:45] لأن الله جلَّ وعلا وعده أن ينجيه وأهله، فقال الله جلَّ وعلا له: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي ... [هود:46-47] إلى آخر الآية، فهذا الذي جعله يعتذر، وقد غفر الله له وعفا عنه واجتباه، ولكن الموقف هائل، فيرسلهم إلى إبراهيم ويقول: (اذهبوا إلى إبراهيم فإنه خليل الرحمن، فيذهبون إليه ويطلبون منه ذلك، فيعتذر، ويرسلهم إلى موسى ويقول: إن الله فضله على خلقه بكلامه حيث كلمه بلا واسطة، فيذهبون إليه ويعتذر، فيرسلهم إلى عيسى ...)، واعتذار إبراهيم يقول: (إني كذبت ثلاث كذبات)، وموسى يقول: (إني قتلت نفساً بلا حق)، وهذا قبل النبوة، وقتله إياه كان خطأً، أما الكذبات التي ذكرها إبراهيم عليه السلام فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنها كلها في ذات الله) يعني: في مجادلته الكفار وفي دعوته إلى إقامة دين الله، وهي أيضاً من المعاريض وليست كذباً صريحاً، وهي قوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89] وقوله: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63] وقوله في زوجته للظالم الفاجر الكافر: إنها أختي، وقد قال لها: أنت أختي في الإسلام؛ لأنه لو قال: إنها زوجته لأخذها ظلماً، فهذه سماها كذباً من باب التجوُّز، وإلَّا فلها وجه صحيح قد عذر بها إبراهيم عليه السلام؛ ولكن الموقف شديد، وأما موسى عليه السلام فإنه ضرب الرجل بيده، وَكَزَه بيده ولم يرد قتله، فمات بهذه الوكزة، فقتله كان خطأً، والخطأ معفوٌّ عن المخطئ يعني: ما يكون مثل الذي يفعله عمداً، وكان هذا قبل النبوة أيضاً، وقد أخبر الله جلَّ وعلا أنه غفر له، فإنه طلب من ربه أن يغفر له ذلك، فغفر له، فأخبره أنه قد غفر له، ومع ذلك يعتذر ويقول: (... إني قتلت نفساً بلا نفس، فيرسلهم إلى عيسى، فإذا أتوا إلى عيسى عليه السلام لا يذكر ذنباً ولكنه يعتذر، ويقول: لستُ كما تظنون، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو خاتم الرسل، وهو الذي يشفع لكم، فيذهبون إليه، فإذا أتوا إليه يقول صلى الله عليه وسلم: أخرج في سماطين من المؤمنين -يعني: في صفين يخرجون معه من الموقف- يقول: فإذا رأيت ربي خررت ساجداً، فيَدَعُني ما شاء الله أن يدَعَني، ويفتح عليَّ من المحامد والثناء ما لا أحسنه الآن. جاء: أنه يُترك ساجداً قدر جمعة -أسبوع وهو ساجد-، ثم بعد ذلك يقول الله جلَّ وعلا له: أيْ محمد! ارفع رأسك، واسأل تُعْطَ، واشفع تشفَّع، فيشفع في أن الله جلَّ وعلا يأتي ليفصل بين عباده، فيعده الله جلَّ وعلا بذلك فيأتي لفصل القضاء)، هذه هي الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود، حيث يحمده كل أهل الموقف، وهذا فضل الله فهو الذي أذن له بذلك، وهو الذي أقامه هذا المقام، فالأمر كله بيد الله جلَّ وعلا. وهذه الشفاعة متفق عليها بين أهل السنة وأهل البدع، حتى الذين ينكرون الشفاعة من المعتزلة والخوارج يقرُّون بهذه الشفاعة، وأما التي أنكروها فهي: الشفاعة في أهل الذنوب، وكونهم يُخرجون من النار، أو كونهم يُمنعون دخول النار، وهم يستحقونها بذنوبهم، فهذه أنكرها هؤلاء.

    1.   

    مسائل باب الشفاعة

    تفسير آيات الشفاعة

    قال المصنف رحمه الله: [ فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيات ].

    الآيات في الشفاعة كثيرة، لكن المقصود: الآيات التي ذكرها، وإلَّا فالآيات في الشفاعة كثيرة جداً، وتفسيرها -والحمد لله- واضح.

    فإن الآية الأولى التي ذكرها: قوله جلَّ وعلا: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً [الزمر:44] وتفسيرها يتبين بذكر الآية التي قبلها؛ لأن الآية التي قبلها يذكر الله جلَّ وعلا فيها: أن المشركين اتخذوا شفعاء؛ وزعموا أن شفاعتهم تقع ولو لم يأذن الله جلَّ وعلا، فأبطل الله جلَّ وعلا ذلك فقال: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً وَلا يَعْقِلُونَ [الزمر:43] يعني: كيف يشفعون وهم لا يملكون شيئاً؟! و(شيء) هنا: دخل فيها الشفاعة وغيرها، ومع ذلك لا يعقلون؛ لأنهم جماد ما بين شجر أو حصى: إما حصى كاللات، أو شجر كالعُزَّى وما أشبه ذلك، أو أصنام مثل كونهم يبنون الصنم بأيديهم ثم يزعمون أنه يشفع لهم!

    ثم قال: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً [الزمر:44] فقوله: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ [الزمر:44] يدل على أن الشفاعة كلها ملك لله، ثم أكد ذلك بقوله: جَمِيعَاً فدل على أنه لا أحد يملك الشفاعة من دون الله جلَّ وعلا، فالشفاعة لله، وإذا أراد جلَّ وعلا أن يكرم أحداً من عباده أذن له بالشفاعة، ولكن فيمن يحدُّهم له، يقول: (هؤلاء اشفع فيهم)، وليست الشفاعة إلى الشافع.

    وكذلك الآية التي ذكرها بعدها وهي قوله جلَّ وعلا: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] تبين أن الشفاعة لا تقع عند الله جلَّ وعلا إلَّا إذا أذن، وهذا أيضاً مثل قوله: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً [الزمر:44] فهو لا يأذن إلَّا لمن رضي عنه، ولا يمكن للشافع أن يشفع إلَّا إذا أذن له، والإذن هو: الأمر بأن يشفع، فأصبح الأمر كله الله.

    وكذلك الآية الثالثة وهي قوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:22-23] فيتبين بها أن الأمر كله لله جلَّ وعلا، وأن هؤلاء الذين يُزعم أنهم يشفعون لا يملكون مثقال ذرة لا في السماء ولا في الأرض، لا يشتركون في ملك المالك، وليس له منهم مساعد أو مظاهر أو معاون تعالى وتقدس، فالأمر كله لله جلَّ وعلا.

    فيتبين بذلك أن الذي يدعو شافعاً ويطلب منه أن يشفع له ولو لم يأذن الله له أنه مشرك؛ لأنه جعل ما لله لغيره، ولهذا قال: وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23].

    فتبين من هذه الآيات أن الشفاعة قسمان:

    القسم الأول: شفاعة منتفية وهي: التي يطلبها الطالب بدون إذن الله، وسواءً كان الذي تُطلب منه الشفاعة نبياً أو ملَكاً أو ولياً أو غير ذلك، فهذه منتفية، وهي الشفاعة التي زعمها الكفار في شركهم؛ لأن شركهم كله في الشفاعة، فالذين عبدوهم -يعني: دعَوهم- زعموا أنهم يشفعون لهم فقط، فما كان أحد منهم يقول: إن الأصنام أو غيرها ممن يُدعى من دون الله يملك مع الله شيئاً، وإنما يطلبون منها الشفاعة فقط، مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] وتبين بهذا أن طلب الشفاعة من غير الله رأساً شرك، كأن يأتي الإنسان إلى شخص ميت أو قبر أو غيره فيقول: يا فلان! اشفع لي، فهذا هو شرك المشركين.

    القسم الثاني: الشفاعة المثبتة وهي: التي تقع بأمر الله ولمن رضي الله عنه، قال الله: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28].

    صفة الشفاعة المنفية

    [المسألة الثانية: صفة الشفاعة المنفية].

    صفة الشفاعة المنفية هي: الشفاعة التي يزعمون أنها تقع ولو لم يأذن الله وهي: أن تكون للمشركين؛ لأن الشفاعة خاصة للموحدين، أما المشرك فلا تناله شفاعة الشافعين.

    صفة الشفاعة المثبتة

    [الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة].

    وصفة الشفاعة المثبتة هي: التي تقع إذا أذن الله للشافع أن يشفع، والمشفوع معين يعينه الله، ويقول للشافع: (هؤلاء اشفع فيهم) كما جاء ذلك صريحاً في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فيحد لي حداً فيقول: هؤلاء اشفع فيهم).

    [المسألة الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.

    الخامسة: صفة ما يفعله صلى الله عليه وسلم: أنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد فإذا أُذن له شفع].

    يعني: أنه يبدأ بالسجود أولاً، ويثني على الله ويمجده، ثم إذا أمره الله جلَّ وعلا وقال: (اشفع) شفع، أما قبل ذلك فما يشفع، وهذا من معنى قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] والمعنى: ما أحدٌ يشفع عند الله إلَّا بعد أن يأذن له، وهذا من عظمة الله جلَّ وعلا وتمام ملكه.

    أسعد الناس بالشفاعة

    [المسألة السادسة: مَن أسعد الناس بها؟].

    أسعد الناس بها: أهل الإخلاص، ولا يلزم من هذا أن يكون أهل الإخلاص هم السابقون إلى الجنة؛ لأنه قد يكون العبد مخلصاً وتكون عنده ذنوب، فيستوجب بهذه الذنوب الدخول في النار، فيُشفع له ألَّا يدخل النار، أو يدخل النار، ثم يُشفع له أن يخرج منها؛ لأنه قد يترك واجبات وقد يفعل محرمات، والواجبات التي يفعلها يكون مخلصاً فيها لله.

    الشفاعة لا تنال المشرك

    [المسألة السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله].

    الشفاعة لا تنال المشرك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم -كما تقدم- قال: (كل نبي له دعوة فعجّلها في قومه...) يعني: أن يدعو على قومه أن يُصابوا بالعذاب العام، كما فعل نوح عليه السلام فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارَاً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرَاً كَفَّارَاً [نوح:26-27]، فاستجاب الله جلَّ وعلا له، وأغرق أهل الأرض جميعاً بدعوته، وكذلك غيره من الأنبياء، فكل نبي له دعوة فعجَّلها، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (... واختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً)، فبين أنها لأهل الإخلاص .. لأهل التوحيد، أما الذي يشرك بالله شيئاً فهو ليس أسعد الناس بها بل هو أتعسهم.

    ومن المعروف أن السعادة تتفاوت، فهذه في المذنبين سواءً دخلوا النار أو لم يدخلوها، أما أسعدهم بها مطلقاً فهم السبعون ألفاً الذين يسبقون إلى الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ لأنهم لا يُدخلون الجنة إلَّا بعد الشفاعة .. بعد أن يشفع صلوات الله وسلامه عليه، فيأتي الله جلَّ وعلا ليفصل بين عباده ويحاسبهم، فإذا جاء ذهب هؤلاء إلى الجنة، وأول من يذهب إلى الجنة: هؤلاء السبعون ألفاً، وكذلك السابقون، والله جلَّ وعلا قد قسم الناس إلى أقسام ثلاثة:

    قسمين أهل سعادة.

    وقسم أهل شقاء.

    فأهل السعادة هم: السابقون وأصحاب اليمين.

    فالسابقون هم الذين يسبقون الناس إلى الجنة، ومنهم السبعون ألفاً، فهؤلاء هم أسعد الناس على الإطلاق بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم العظمى الكبرى التي يشفع فيها ليحاسَب الناس.

    أما الشفاعة التي تكون في أهل الذنوب سواءً استوجبوا دخول النار، فشُفع فيهم فلم يدخلوها، أو أنهم دخلوا النار فشُفع فيهم بعدما دخلوا النار، فكلهم سعداء بها؛ ولكن أسعد اسم تفضيل، يعني: الذين يسبقون إلى الجنة على الإطلاق.

    حقيقة الشفاعة

    [المسألة الثامنة: بيان حقيقتها].

    حقيقة الشفاعة: أن الله يرحم المشفوع، ويُظهر كرامة الشافع، وإلَّا فالشافع لا يؤثر في الله شيئاً، فإنه ما شاء فعل، وما لم يشأ لم يفعل، وإنما المقصود فقط: إظهار كرامته، وليس معنى الشفاعة أنه: إذا شفع أثر في الله في أن يفعل شيئاً ما يريد فعله، تعالى الله! هذا ما يكون إلَّا في المخلوق فقط، أما الخالق جلَّ وعلا فهو لتمام ملكه لا أحد يملك الشفاعة عنده، وإنما حقيقتها: أن الله يرحم عبده، ويظهر كرامة الشافع، وإلَّا فكل الأمر بيد الله جلَّ وعلا.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007983308

    عدد مرات الحفظ

    720885578