إسلام ويب

تحريم الغيبة وأضرارهاللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حرم الله عز وجل على المسلم أن يغتاب أخاه، وشبه غيبته بأكل لحمه ميتاً، فلها أضرار كثيرة تعود على الفرد والمجتمع؛ ولهذا كان التحذير منها شديداً على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان السلف ينكرون على أصحاب المجالس التي يذكر فيها مساوئ المسلمين وعيوبهم، وكانوا منشغلين بعيوب أنفسهم ومحاسبتها عن عيوب الآخرين.

    1.   

    حرمة الغيبة شرعاً

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    ثم أما بعد:

    ففي سورة الحجرات يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات:11-12].

    الموضوع الذي سنتناول قوله تبارك وتعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات:12].

    قد يكون الإنسان حشا ذهنه بكثير من المعلومات حول موضوع معين كالموت مثلاً، فهو يعلم أنه سيموت، لكنه يحتاج بين وقت وآخر إلى أن يجدد العهد بالذكرى، ويذكر نفسه بالموت وما بعده، ومحاسبة الله عز وجل إياه، وقد بين الله تبارك وتعالى أهمية هذه الذكرى في قوله عز وجل: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9]، فأمرنا بالتذكير إن نفعت الذكرى، وبين في آية أخرى من هم الذين تنفعهم الذكرى، فقال عز وجل: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]، فالمؤمنون هم الذي ينتفعون بالذكرى، فهم إذا ذكِّروا ذكروا، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن المؤمن خلق مفتناً تواباً نسياً، إذا ذُكِّر ذكر) يعني: معرضاً للفتنة والابتلاء والامتحان، (تواباً نسياً) يعني: كثير التوبة والنسيان، فتأتي الذكرى لتجدد عهد القلب بنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة، ليعود إلى الجادة ويجدد العهد مع الله سبحانه وتعالى.

    ولا شك أن اللسان من أكبر الجوارح التي تحتاج إلى أن تلجم وأن تكبح عن الاسترسال في هذه الآفات المهلكات.

    فقول الله تبارك وتعالى هنا: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12]، يعني: إن كرهتم أكل لحم الإنسان الميت طبعاً فاكرهوه شرعاً، فإن عقوبته أشد، يعني: هل منكم ذو فطرة سليمة وطبع مستقيم يقبل أن يأتي إلى جثة أخيه وهو ميت، فيقطعها ويأكل منها؟! هل يحب أحد منكم بطبيعته وفطرته أن يقبل من يفعل هذا؟!

    لا شك أن الجواب: لا يوجد إنسان سوي الفطرة يقبل أن يأكل لحم أخيه وهو ميت.

    قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما ضرب الله سبحانه وتعالى هذا المثل للغيبة؛ لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر، وكذا الغيبة حرام في الدين وقبيحة في النفوس.

    وقال قتادة في تفسير الآية: كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حياً.

    ولم يقل: أيحب أحدكم أن يغتاب أخاه فكرهتموه، وإنما قال: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)، وهذه عادة العرب الجارية في التعبير عن الغيبة بأكل اللحم، يقول الشاعر:

    فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً

    تعريف الغيبة

    بين النبي صلى الله عليه وسلم حد الغيبة المحرمة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هل تدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) أخرجه مسلم وغيره.

    وهنا وضع النبي صلى الله عليه وسلم حداً فاصلاً للغيبة: (هل تدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم)، وهذه عادة الصحابة في تأدبهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ذكرك أخاك بما يكره)، وذكرك أخاك المسلم بما يكره، إما أن يكون باللسان، أو ما يقوم مقام اللسان، كحركة العين فيغمز بعينه، ويشير بيديه، ويكتب بقلمه، ويخرج لسانه، فأي شيء يقوم مقام اللسان في الغيبة فهو يدخل في قوله: (ذكرك أخاك بما يكره).

    قوله: (قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟) يعني: استوضح بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: هل من الغيبة أنني أذكر أخي بشيء يكرهه، ولا أفتري عليه، إنما هو شيء فيه؟ وهذا لا يزال يقال حتى اليوم، رغم أن هذا منذ أكثر من أربعة عشر قرناً وضحه النبي صلى الله عليه وسلم، لكننا لا نزال نجد من الناس من يذكر نفس هذه الشبهة، فيقول: هذا شيء موجود فيه، وأنا لا أفتري عليه، أو يقول: أنا مستعد أن أواجهه بهذا؛ ليدفع عن نفسه صفة المغتاب.

    إذا كنت ستواجهه بهذا ستنتقل من وزر الغيبة إلى وزر أذية أخيك المسلم؛ لأنك سوف تواجهه بما يؤذيه، فلم تخرج أيضاً من الأذية، فالفارق أن هذه أذية في غيبته، وهذه أذية في مواجهته، وكلها أذية، فقول بعض الناس الذين يلبس عليهم الشيطان في هذا الأمر: أنا مستعد أن أواجهه بهذا! أنا مستعد أن أقول هذا أمامه! نقول: هذه غيبة في غيبته، أما في حضوره فهذه أذية للمسلم حينما تذكره بما يكره.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ذكرك أخاك بما يكره قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) يعني: إن كنت تذكره من وراء ظهره بشيء ليس فيه فهذا بهتان أشد من الغيبة؛ لأنه كذب وافتراء.

    وروي (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل: ما الغيبة؟ قال: أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع)، وفي بعض الألفاظ: (الغيبة: أن يذكر الرجل بما فيه من خلقه)، وفي بعض الروايات: (ما كنا نظن أن الغيبة إلا أن يذكره بما ليس فيه، قال: ذلك من البهتان).

    وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فقالوا: لا يأكل حتى يطعم، ولا يرحل حتى يرحل له) يعني: أنه لا يعتمد على نفسه، فوصفوه بالكسل أو بالضعف، حتى إنه لا يتولى أمور نفسه وإنما يتولاها له غيره، وإذا أراد أن يركب الجمل أو الدابة فإنه لا يضع الرحل والأشياء التي يركب عليها، وإنما لابد أن يخدمه الآخرون.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم فوراً لما سمعهم يقولون ذلك: (اغتبتموه، فقالوا: يا رسول الله! حدثنا بما فيه -أي: ذكرناه بشيء هو فيه- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه )يعني: يكفيك من الإثم والوزر أن تذكره بما فيه - مما يكرهه. قال الراغب : الغيبة أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير محوج إلى ذكر ذلك، يعني: بدون سبب يحوجه إلى أن يذكر ذلك؛ لأن هناك حالات يجوز فيها أن يذكر الإنسان بما فيه.

    وقال ابن الأثير : الغيبة: أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه.

    وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى تبعاً للغزالي : الغيبة ذكر المرء بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خَلقه أو خُلقه أو ماله أو ولده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته.. أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز.

    فكلما يمس المسلم وعرضه فإنه يدخل في حد الغيبة، أن تذكره بما يكرهه، ليس فقط في نفسه، وإنما في أي شيء يختص به في شكله.. بدنه .. دينه .. دنياه .. خُلقه .. ملابسه .. طريقة كلامه .. طريقة مشيته .. أولاده .. زوجته .. بيته .. دابته .. سيارته .. ثيابه .. حركته .. عبوسته.. أو غير ذلك مما يتعلق بالشخص، فالتعرض بذكره سواء باللفظ الصريح أو بالإشارة أو بالرمز كله من الغيبة؛ لأن هذا انتهاك لعرض المسلم، والعرض لفظ أوسع بكثير مما يظن بعض الناس؛ لأن بعض الناس يتصور أن العرض هو ما يتعلق بالتعفف عن الفواحش كالزنا ونحو ذلك، لا، العرض هو كل موضع قابل للذم أو المدح في الإنسان، فأي شيء فيك يقبل المدح والذم فهو عرضك، مثل الأمثلة التي ذكرناها.

    وتحريم النيل من عرض المسلم أصل شرعي متين معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وحفظ العرض أحد الضروريات الخمس التي شرعت من أجلها الشرائع، فمن مقاصد الشريعة العليا حفظ العرض، وقد خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على مجمع يزيد على مائة ألف نفس من صحابته الأبرار في حجة الوداع، فقال في هذه الخطبة: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟!)

    والأعراض: جمع عرض، وهو موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يكون من نفسه وحسبه، ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب.

    الأدلة الواردة في تحريم غيبة المسلم

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه).

    ونظر عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يوماً إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة منك.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: (يا رسول الله! إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها) يعني: هي مشهورة جداً بالاجتهاد بكثرة الصلاة والصيام والصدقة، لكنها تفعل ذنباً واحداً فقط مع كثرة الصلاة والصيام والصدقة، قال: (غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال صلى الله عليه وسلم: هي في النار، قال: يا رسول الله! فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط -وهي قطع من الأقط وهو اللبن المجفف- ولا تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: هي في الجنة).

    وعن سفيان بن حسين قال: كنت عند إياس بن معاوية وعنده رجل تخوفت إن قمت من عنده أن يقع في، قال: فجلست حتى قام، فلما ذكرته لـإياس فجعل ينظر في وجهي فلا يقول لي شيئاً حتى فزعت! يعني: جعل يحدق فيه ويستغرب كيف أنه تجرأ أن يتكلم على أخيه بعدما قام من المجلس، فانزعج من ذلك جداً، فقال لي: أغزوت الديلم؟ قلت: لا، قال: فغزوت السند؟ قلت: لا، قال: فغزوت الهند؟ فقلت: لا، قال: فغزوت الروم؟ قلت: لا، قال: فسلم منك الديلم والسند والهند والروم ولا يسلم منك أخوك هذا! فلم يعد سفيان إلى ذلك، يعني: تاب من أن يتكلم في أحد.

    وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)، ولا شك أن هذه الضمانة الجسيمة لا تعلق إلا على أمر عظيم عند الله سبحانه وتعالى، فضمان الجنة لا يكون إلا على شيء عظيم جداً ولا شك أن أعظم ما يهلك الناس هما الأجوفان: الفم والفرج، ولذلك قال النبي عليه السلام: (من تزوج فقد أعانه الله على على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني) أو كما قال، فنصف النجاة في الفرج، والنصف الآخر في اللسان، فمن استقام له هذان ضمن له النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، فلا يمكن أن تعلق هذه الضمانة الجسيمة إلا على أمر عظيم عند الله سبحانه وتعالى.

    قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: لا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن من اغتاب أحداً عليه أن يتوب إلى الله عز وجل.

    وقال الفقيه الشافعي ابن حجر الهيتمي رحمه الله: كل منهما -أي: الغيبة والنميمة- حرام بالإجماع، وإنما الخلاف في الغيبة هل هي كبيرة أو صغيرة، ونقل الإجماع على أنها كبيرة، وقال آخرون: محله إن كانت في طلبة العلم وحملة القرآن، وإلا كانت صغيرة، يعني: أن بعض العلماء قالوا: إنها تكون كبيرة إذا كانت الغيبة في حق طلبة العلم أو حملة القرآن العظيم، وإن كانت في غيرهم فهي صغيرة.

    وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: (حبسك من صفية كذا وكذا)، يعني: هي تشير بيدها تريد أن تقصد أنها قصيرة، فقال عليه الصلاة والسلام: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)، هذه كلمة خلطت بماء البحر لتعكر منها ماء البحر، فهذا يدل على أن الغيبة من الذنوب التي يقول الإنسان فيها كلمة لا يلقي لها بالاً قد تهوي به في النار سبعين خريفاً، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أتدرون ما هذه الريح؟! هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين)

    وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فهبت ريح منتنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين)، فلو كشفت الحجب، وشمت ريح الذين يقعون في الغيبة؛ لظهرت منهم هذه الرائحة التي ظهرت في ذلك الوقت.

    وفي رواية أخرى عن جابر رضي الله عنه قال: (هاجت ريح منتنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ناساً من المنافقين اغتابوا ناساً من المسلمين فبعثت هذه الريح لذلك).

    وقد يعرض سؤال: إذا كان في عصر النبي عليه الصلاة والسلام ظهرت هذه الريح وتبينت، فما الحكمة في أن ريح الغيبة ونتنها كانت تتبين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتبين في يومنا هذا؟!

    الجواب: لأن الغيبة كثرت الآن، وامتلأت الأنوف منها فلم تتبين للأنوف نتنها، ومثال هذا لو أن رجلاً دخل دار الدباغين الذين يدبغون الجلد، فإنه لا يقدر على القرار فيها من شدة الرائحة، وأهل تلك الدار يأكلون فيها الطعام ويشربون الشراب، ولا تتبين لهم الرائحة؛ لأنه قد امتلأت أنوفهم منها، وكذلك الغيبة في عصرنا شاعت جداً، فالناس يشتركون في تنفس الهواء المسموم، فما يكادون يحسون بنتن الغيبة.

    وعن أبي برزة الأسلمي والبراء بن عازب رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولما يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته)، يعني: كما أنه يتتبع عورات الآخرين يفضحه الله ولو في جوف بيته؛ لأن الجزاء من جنس العمل.

    وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: (بينما أنا أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي ورجل على يساره، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، وبلى) أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذين الرجلين الميتين المدفونين يعذبان في قبريهما، فقال: وما يعذبان في شيء يكبر عليها أن يحترزا منه، بل هو بسبب معصية كانا يرتكبانها، وكان يسهل عليهما جداً أن يحترزا منها، ولم يكن يشق عليهما تركها؛ لأن الإنسان إذا نهي عن شيء فإنه قد لا يشق عليه تركه، وقد يفرض على الإنسان أن يترك بعض المعاصي كالمستلذات من الشهوات أو المطعومات أو المشروبات ويشق عليه تركها؛ لأنها مستلذة، فمن المنهيات ما يشق تركه كالمستلذات، ومنها ما ينفر الطبع منه كالسموم والنجاسات، فهذه الأشياء الإنسان ينفر منها بطبعه، ومن المنهيات التي لا يشق على الإنسان تركها: الغيبة، قال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) قال بعض العلماء: يعني: في كبير في زعمكم أنتم، تحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، ففي نظركم تستحقرون هذا الذنب، لكنه عند الله كبير وعظيم.

    وقوله: (بلى) يعني: حقاً إنه كبير يعاقب الله عليه، وقد عاقبهما سبحانه في القبر بعد موتهما بسبب هذين الذنبين، ثم قال: (فأيكم يأتيني بجريدة؟! فاستبقنا فسبقته، فأتيته بجريدة فشقها نصفين، فألقى على ذا القبر قطعة، وعلى ذا القبر قطعة، قال: إنه يهون عليهما ما كانتا رطبتين، وما يعذبان إلا في الغيبة والبول) والغيبة معروف معناها، والبول المراد به: أنه كان لا يستنزه من البول، وكان يهمل أمر التطهر من البول.

    وعن جابر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً: (أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول).

    وصح عن قتادة رضي الله عنه قال: (ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث، ثلث من الغيبة، وثلث من البول، وثلث من النميمة).

    وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس -يعني: أظفار نحاسية- يخمشون -يعني: يخدشون ويعذبون أنفسهم- يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم).

    وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل -يعني: غاب عن المجلس- فوقع فيه رجل من بعده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تخلل -من التخلل وهو استعمال الخلال لإخراج ما بين الأسنان من بقايا الطعام- فقال: ومم أتخلل وما أكلت لحماً؟ قال: إنك أكلت لحم أخيك).

    وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه مر على بغل ميت فقال لبعض أصحابه: لأن يأكل الرجل من هذا حتى يمتلئ بطنه، خير من أن يأكل لحم رجل مسلم.

    1.   

    تحذير السلف من آفة الغيبة

    الغيبة ضيافة الفساق كما قال بعض السلف، الضيافة هي ما يقدم للضيف، فالفساق يقدم بعضهم لبعض في المجالس لحوم الناس ليأكلوها بدل المشروبات والأطعمة.

    كلام إبراهيم بن أدهم رحمه الله في ذم الغيبة

    عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله أنه أضاف ناساً، فلما جلسوا على الطعام جعلوا يتناولون رجلاً؛ فقال إبراهيم: إن الذين كانوا قبلنا كانوا يأكلون الخبز قبل اللحم، فأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز، يشير إلى قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا [الحجرات:12]، فبدل أن يبدءوا بالخبز بدءوا أولاً بلحم الناس بغيبتهم.

    وعن ابن سيرين : أنه ذكر الغيبة فقال: ألم تر إلى جيفة خضراء منتنة؟ هكذا يكون المغتاب.

    كلام سفيان الثوري في ذم الغيبة

    عن محمد بن عبيد الطنافسي قال: كنا عند سفيان الثوري فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله ! أرأيت هذا الحديث الذي فيه: (إن الله ليبغض أهل البيت اللحميين)، وهذا ليس حديثاً مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولعلها كلمة أو مثل شائع بين الناس، قال: هل هم الذين يكثرون أكل اللحم؟ قال: سفيان : لا، هم الذين يكثرون أكل لحوم الناس، هؤلاء هم اللحميون.

    وسمع علي بن الحسين رجلاً يغتاب آخر فقال: إياك والغيبة! فإنها إدام كلاب الناس.

    وعن عبد العزيز بن أبان أن سفيان الثوري رحمه الله قال: إياك والغيبة! إياك والوقوع في الناس فيهلك دينك.

    وسئل بشر بن الحارث عمن يغتاب الناس، أيكون عدلاً؟ قال: لا، إذا كان مشهوراً بذلك فهو الوضيع.

    وقال الفضيل : سمعت سفيان يقول: لأن أرمي رجلاً بسهم أحب إلي من أن أرميه بلساني.

    كلام الحسن البصري في ذم الغيبة

    قال الحسن : والله للغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكلة في جسده، يعني: أن الغيبة أسرع في إفساد دينه من الأكلة إذا ضربت جسده، وهي تآكل في الجسد، والغيبة تكون بالقول، وتكون بغيره.

    كلام الإمام الغزالي في كل ما يدخل في الغيبة

    يقول الغزالي رحمه الله تعالى: الذكر باللسان إنما حرم؛ لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكره، يعني: الغيبة هي: ذكرك أخاك بما يكره، ويكون ذلك باللسان أصلاً، لكن قد يقوم غير اللسان مقام اللسان في توصيل هذه الرسالة، وهي انتقاص أخيك أو ذكره بما يكره، فسر تحريمها باللسان أن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك، وفيها تعريفه بما يكره، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول مثل الإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة، فكل ما يفهم منه المقصود داخل في الغيبة وهو حرام.

    كلام الإمام النووي في ذم الغيبة وضابطها

    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: إن الغيبة ذكرك الإنسان بما يكره، سواء ذكرته بلفظك أو في كتابتك، أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك، وضابطه: كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة، ومن ذلك المحاكاة، وهي: أن يقلده في مشية أو حركة أو في طريقة كلامه، فالمحاكاة كأن يمشي متعارجاً أو مطأطئاً أو على غير ذلك من الهيئات، مريداً بذلك حكاية هيئة من يتنقصه، فكل ذلك حرام بلا خلاف، وقد يحمل بعض الشباب الترفيه عن أنفسهم على مثل هذه الأشياء، فتجده يقلد شيخاً معيناً أو يقلد خطيباً في حركته أو طريقة صوته، ويقصد بذلك الاستهزاء، فهذا من الغيبة المحرمة، وهذا في طلبة المدارس والجامعات شائع جداً، كسخرية الطلبة من أساتذتهم، وهو من سوء الخلق ومن نكران المعروف الذي يسديه إليه أستاذه، حتى الذي يعلمك علماً دنيوياً له حق عليك، ولا ينبغي الاشتغال بغيبته.

    وبعض الناس عندهم هواية نقد الخطباء، فبمجرد أن يخرج من صلاة الجمعة يبدأ في الغيبة، مع أن الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، فتكون أول القسيمة غيبة خطيب الجمعة، فيبدأ الأسبوع بالغيبة؛ والمفروض أن صلاة الجمعة تقوي عنده شحنة الإيمان والورع بعد خطبة الجمعة، لأنه سيبدأ يعد نفسه إلى الأسبوع الآتي، فلما يكون العد بادئاً بمصيبة الغيبة، إذاً بعدها بيوم ويومين سيعمل أعظم من ذلك، فالمفروض أن الإنسان بعد صلاة الجمعة يكون في أعلى درجات الاستعداد للاحتراز عن المعاصي؛ لأنه مازال أمامه أسبوع، فينبغي أن يكف الإنسان عن مثل هذا؛ لكن هناك هواية عند بعض الناس وهي النقد وغيبة الخطباء والكلام عليهم بمجرد ما يخرج من الخطبة، فهذا بلا شك مما لا ينبغي.

    يقول الإمام النووي رحمه الله: ومن ذلك إذا ذكر مصنف كتاب بعينه غمزة في كتابه قائلاً: قال فلان: كذا، مريداً تنقصه والشناعة عليه، فهذا حرام، يعني: إذا كان يريد التنقص والتشنيع، لكن إن أراد بيان غلطه وبيان الحق، لا التشنيع، حتى لا يقلد، أو ليبين ضعفه في العلم، حتى لا يغتر به ويقبل قوله؛ فهذا ليس بغيبة، بل نصيحة واجبة يثاب عليها إذا أراد ذلك.

    وإذا قال المصنف أو غيره: قال قوم أو جماعة كذا، أو هذا غلط أو خطأ أو جهالة وغفلة ونحو ذلك؛ فليس بغيبة؛ لأن الغيبة ذكر الإنسان بعينه، أو ذكر جماعة معينين.

    ومن الغيبة المحرمة قولك: فعل بعض الناس كذا أو بعض الفقهاء أو بعض من يدعي العلم أو بعض المفتين أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو يدعي الزهد، فإذا كان المخاطب الذي تخاطبه يفهم من الذي تقصده فهذه غيبة، وكأنك عينت اسمه، وهذا من الذي تقصده، فهذا من ذكرك لهذا الشخص بما يكره، وإن لم تذكره باسمه، لكونك ذكرت من صفاته ما يجعله متعيناً عند المستمعين.

    ومن ذلك غيبة المتفقهين والمتعبدين، فإنهم يعرضون بالغيبة تعريضاً يفهم به كما يفهم بالصريح، فهو يؤدي إلى نفس الغاية، وهي التنقض وذكر المسلم بما يكرهه، فمثلاً يقال لأحدهم: كيف حال فلان؟! فيقول: الله يصلحنا، الله يغفر لنا وله، ربنا يصلحه، نسأل الله العافية، والظاهر أنه يريد الورع والتحرر من الغيبة من عدم التصريح في تنقصه، والظاهر أنه أيضاً يدعو له، لكن في الحقيقة هذه غيبة؛ لأنه يقصد بقوله: ربنا يعافينا، ربنا يكفينا شر الدنيا، ونحو ذلك؛ التنقص لأخيه المسلم.

    فينبغي الاحتراز؛ لأن الشيطان يلبس على العباد الذين ليس عندهم علم بهذه الطريقة، فيغتاب بقوله: الله يصلحنا، الله يغفر لنا، الله يصلحه، نسأل الله العافية، نحمد الله الذي لم يبتلينا بالدخول على الظلمة، الله يعافينا من قلة الحياء.

    هو يسأل: كيف فلان؟ ما أخباره؟ فيقول: الله يتوب علينا، وهو ما اغتابه في الظاهر، لكنه يقصد بذلك التنقص، وما أشبه ذلك مما يفهم منه تنقصه، فكل ذلك غيبة محرمة، وكذلك إذا قال: والله كلنا مذنبون وكلنا مقصرون، فهو يريد أن يعمم من أجل أن يخفف الجريمة، لكن بلا شك أنه قد أوصل رسالة في ذم أخيه، وبيان أنه سيئ، ومثله أن يقول: والله نحن كلنا بشر، وكلنا مبتلون كما ابتلي فلان، ويظن أنه عندما يتكلم بهذه الصيغة يخفف من جريمته، أو يقول مثلاً: كلنا نفعل هذا الشيء، وهذه أمثلة، وإلا فضابط الغيبة تفهيمك المخاطب نقص إنسان.

    كلام شيخ الإسلام في ذم الغيبة

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره، يعني: يجلس في مجلس فيساير أهل المجلس، ولا يريد أن يخالفهم فتحصل بينه وبينهم الوحشة، فيساير الناس ويوافقهم كالإمعات، يكون مع الناس حيث كانوا، إن أساءوا يسيء معهم، وإن أحسنوا يحسن معهم، فهو تابع وذيل وموافق ومساير لما عليه أهل المجلس، فلا يريد أن يوحشهم بترك المشاركة في هذه الوليمة التي هي ضيافة الفساق.

    يقول شيخ الإسلام : فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض مما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس، واستثقله أهل المجلس ونفروا منه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم ويخوض معهم، ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب، لكن أنا أخبركم بأحواله. وهذه المقدمة لا تغني عنه شيئاً؛ لأنه بالفعل سيتورط في الغيبة، فيقول مثلاً: والله هذا مسكين، والله هذا رجل جيد، ولكن يفعل كذا وكذا، أو فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه، ما نحب ذكر سيرة الناس، الله يغفر لنا وله، وهذه العبارة تفهم أيضاً التنقيص والاستنقاص وهضم جناب أخيه، فيخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك!

    يقول شيخ الإسلام : وقد رأينا منهم ألواناً كثيرة من هذا وأشباهه، ومنهم من يرفع غيره رياءً، يعني: يتصنع إبداء الشفقة والرحمة على أخيه، ففي الظاهر يبين لك أنه مشفق عليه، لكن هو يريد اغتيابه، ثم يتصنع بالدعاء له عند إخوانه، ومن ذلك قوله: فلان حبيب! فلان طيب! أو طيب القلب! وهو يقصد بكلمة طيب أنه مغفل، والسياق يبين ذلك، وأحياناً يقولون: درويش، ويريد أنه يخدع بسرعة، فكلمة: قلبه طيب قد تكون مدحاً، لكن أحياناً السياق يوحي أنه يراد بها أنه يستغفل.

    يقول شيخ الإسلام : ومنهم يرفع غيره رياء، فيرفع نفسه فيقول: لقد دعوت البارحة في صلاتي لفلان، وأنا كنت أدعو له بالأمس في الثلث الأخير، وفي السحر دعوت لفلان لما بلغني عنه كيت وكيت، والذي يفعل كذا وكذا، فهو في الحقيقة يرفع نفسه، وفي الظاهر أنه يتكلم كلاماً طيباً، لكن هو يرفع نفسه ويرائي ويجهر بعمل السر، وعمل السر لا يجهر به.

    يقول مثلاً: في ثلث الليل الأخير من صلاتي دعوت لفلان؛ لأنه يفعل كذا وكذا، والظاهر أنه يريد له الخير، لكن هو يريد أن يرفع نفسه، ويضع أخاه ويحقره أو يقول: فلان بليد الذهن قليل الفهم، ومعنى هذا أن المتكلم أكثر ذكاء وأعلم وأفضل منه.

    يقول شيخ الإسلام : ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة، فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد، وإذا أثني على شخص في حضوره أزال عنه ذلك بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفجور وقدح ليثبت ذلك عنه.

    يعني: هو يغتاب لينفس عن الحسد الذي يملأ قلبه على خلق الله سبحانه وتعالى، والحسد خلق لا يمكن أن يجتمع مع الإيمان، فالمؤمن لا يمكن أن يحسد، فالحسد قرين الكفر، فهو من أخلاق الكافر، خاصة إذا كان في أمور الدين، فهذا من أقبح أنواع الحسد.

    وقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق) ليس هذا هو الحسد المذموم، وإنما المقصود به الغبطة، وهي أن تتمنى مثل ما لأخيك من الخير، فهذا لا حرج فيه، فهو جائز، أما الحسد: فهو أن تتمنى زوال نعمته، فالحاسد عدو نعم الله سبحانه وتعالى، ولا يرضيه من أخيه إلا أن تزول عنه نعم الله عز وجل.

    وإن كان الحسد قبيحاً في حق من يتنافسون على الدنيا فإنه ليس له أي مسوغ أو مبرر فيما بين أهل الدين وطلبة العلم، ونحن نسمع عن بعض طلبة العلم الديني فضلاً عن العلم الدنيوي صدور نوع من الأنانية الغريبة، والتحاسد في طلب العلم، وطلب العلم إنما يراد به النجاة في الآخرة، والجنة واسعة جداً، وفسيحة تسع كل خلق الله سبحانه وتعالى، بل سيبقى فيها أماكن زائدة، فيخلق الله سبحانه وتعالى خلقاً يملئونها، فهي أكبر مما نتخيل قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] هذا عرضها فما بالك بطولها، فالجنة واسعة، فيقبح بالمؤمن أن يحسد أخاه في الدين، فعليك أن تخرج كل الناس من الظلمات إلى النور بما تستطيع، وتزيدهم في الطاعات، فالعجيب جداً أن يوجد بعض أنواع من التحاسد في الدين، وخاصة بين طلبة العلم، فمثلاً: شخص يقف على كتاب مهم يخبئه ولا يظهره لإخوانه! لا يجوز هذا، تأملوا قول الله سبحانه وتعالى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3]، وغيرها من الآيات التي يعاتب الله عز وجل فيها نبيه صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على إيمان الكفار، وشدة حزنه على عدم استجابتهم، حتى كاد أن يموت من الحسرة والحزن عليهم لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3]، وقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6] ومثال هذا كشخص يريد أن يودع أحب إنسان إليه وقد ركب القطار، ثم بدأ القطار يتحرك ليسافر بهم سفراً بعيداً، فهو يريد أن يتحدث مع هذا الشخص الذي هو أحب إنسان إليه، ابنه أو أخاه أو صديقه، فإذا بالقطار يتحرك وهو يمشي معه، ويتبعه على آثارهم، ولا يريد أن يستسلم، وإلى آخر فرصة يحاول أن يسلم عليه أو يوصيه بوصية أو يعطيه متاعاً، ولا يفارقه بسرعة، فيظل يجري مع القطار من الخارج، فهذه صورة قريبة جداً تبين شفقة النبي عليه السلام وعاطفته تجاه الكفار وصناديد الكفر الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، قال تعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6] يعني: هم يمشون وأنت تجري وراءهم، وتتحسر وتحزن، وتحريص على أن تجتذبهم إلى الإيمان، وهم ينفرون منك، وأنت تتبعهم وتغتنم كل فرصة ممكنة، وتجري وراءهم (على آثارهم)، وتكاد تهلك من الحزن والحسرة والأسف؛ لأنهم لم يؤمنوا، فالله سبحانه وتعالى دائماً يواسيه، ويأمره أن يخفف عن نفسه حتى لا يهلك نفسه حسرة على هؤلاء الكفار، لأنه يدعوهم إلى الجنة والنجاة!

    فيجب أن تفرح لأخيك إذا كان مجتهداً في الطاعات، وإذا ازداد من طلب العلم، وإذا كان عندك بحث أو كتاب أو مرجع أو أي شيء يعينه على طلب العلم، فعليك أن تبذله له ابتداء فضلاً عن أن يطلبه منك فتخبئه أو يأتي شيخ عنده أسانيد وكذا وكذا فيخفي أمره! فبعض الشباب يجدون شيخاً في مكان فيسكتون حتى لا يعلم باقي إخوانهم بدروس الشيخ، فيأتون ويسمعون منه الحديث ويتعلمون منه العلم، فهذه نفسية أناس يريدون الدنيا، فالذي يريد الآخرة لا يحسد في العلم أحداً حسداً مذموماً، والذي يفعل هذا هو يريد الرياء، ويريد السمعة والجاه، وهذه كلها من أعراض الدنيا، فهذا طالب دنيا وليس بطالب علم شريف، فطالب العلم الشرعي يؤثر إخوانه بالعلم، ويبذل لإخوانه النصح، ويحرص على ما ينفعهم.

    ونحن نرى كثيراً من هذه الأخلاق في بعض التجمعات الطلابية لاسيما في غير العلوم الشرعية، في طلبة الكليات أو البحوث والدراسات، فيحصل عندهم نوع من التنافس والحسد، فيخبئ أحدهم شيئاً من الملخصات والبحوثات عن إخوانه!

    فهذه النفسيات الغربية العجيبة لا يمكن أن تكون تأدبت ولا تهذبت بأخلاق وآداب الإسلام، قال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، فإن كان هذا قبيحاً في طلاب علوم الدنيا فهو أقبح وأشر في طلاب علوم الآخرة والجنة، فالذي يريد الجنة يحب الجنة لكل الناس.

    أما الذي يحسد ويحب زوال النعم على الناس فهذا لا يمكن أن يكون مجداً للآخرة، هذا طالب دنيا، وإنما يتستر وراء الدين، لكن هو في الحقيقة يريد الدنيا، فإن كنت صادقاً في حب الله وحب رسوله فينبغي للصادق أن يحب أن يكون كل الناس طائعين لله، وكل الناس مقيمين للصلاة، وكل الناس يتعلمون العلم الشرعي ويستفيدون منه. فمريد الآخرة يبذل ويضحي ويؤثر على نفسه، ويحب أن يكون كل الناس مطيعين لله عز وجل، لا أن يحسد أو يخبئ عن إخوانه أمور الآخرة، هذه إشارة عابرة فيما يتعلق بوباء الحسد بين بعض الفئات القليلة من طلاب العلم الشرعي.

    يقول شيخ الإسلام : ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين الغيبة والحسد، وإذا أثني على شخص في مجلس لا يتحمس، ولابد أن يدفع هذا الإحسان وهذا الثناء بأي صورة من صور التنقص، ويأتي بها في قالب دين وصلاح: نسأل الله العافية، هو رجل طيب، لكن كذا وكذا وكذا، أو لا يستطيع أن يخرجه من قالب دين وصلاح فيأتي به في قالب حسد وفجور وقدح ليسقط عنه ثناء الناس.

    ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به.

    وهذا خلق سيء لا يليق بالمسلم أبداً، لاسيما مع المدرسين، والآن يعتبرون أن هذا الموضوع جائز، وليس فيه أي ذنب، فيسخر منه وكأنه يشرب كوباً من الماء، وكأن المدرس ليس له أي حرمة، وإنما جريمته أنه مدرس يعلمه وينفعه، فما يكاد يشعر أحد بأن هذا إنسان مسلم محترم له حرمة، ويجب أن يصان عرضه، ولا ينبغي أن يقابل الإحسان بالإساءة، حتى لو كان يعلمه علوماً دنيوية مباحة فلا ينبغي أن يقابل هذا الإحسان بالغيبة، فنجد التنقص الشديد للمدرسين، والاستهزاء بهم أو تقليدهم ومحاكاتهم، وهذا تعرفونه جميعاً.

    ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول: تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت! ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت! وكيف فعل كيت وكيت! فيخرج الغيبة في معرض التعجب.

    ومنهم من يخرج الغيبة مخرج الاغتمام فيقول: مسكين فلان غمني ما جرى له وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف، وقلبه منطو على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به، وربما يذكره عند أعدائه ليشمتوا به، وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه.

    ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصده التنقص وغير ما أظهر، والله المستعان.

    كلام الحارث المحاسبي في ذم الغيبة

    يقول الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: إن علم إبليس أنك حذر خائف في كثير من أحوالك، لم يبدأ صاحبك بالتزين له بالغيبة والكذب، إن علم أنك من ذلك نافر وله مجانس، ولكن يدعكما أنت وصاحبك، مادام أنكما لا تريدان أن تتكلما في الغيبة، حتى إذا ذكرتما الله عز وجل، واستأنست قلوبكما، زين لكما فضول الكلام والراحة إلى الدنيا، فإذا خضتما في ذلك زين لكما الغيبة، فإن كنتما من الخائفين في كثير من أموركما أجرى الغيبة من قبل الغضب لله عز وجل أو التعجب أو الإنكار أو التوجع لمن تغتابانه.

    وهذه فتنة شائعة خاصة في أهل الدين، وهي إظهار الغيبة بحجة أنه يغضب لله عز وجل، فيقول: هذه غيرة على الدين، والغيبة جائزة في ستة أحوال وهي كذا وكذا وكذا، وهو يقصد به التشفي! فمشكلتنا أننا دائماً نبدأ من حيث انتهى الشرع، أقصى منطقة يؤاخذ فيها الشرع تكون بالنسبة لنا نقطة تشريع، وننطلق بعدها إلى بعيد جداً عن حدود الشرع، فالنصيحة للإخوة عموماً ترك الغيبة، وبعض البلاد قد اكتوت بنيران هذه الفتن، فحصدت الدين وحلقته كما تحلق الرءوس، يدخل لهم الشيطان من هذه الثغرة، فيقولون: نحن نغضب للمنهج والدفاع عن السلفية، والرد على أهل البدع.. إلى غير ذلك من هذه التزيينات الشيطانية، ويصبح من هذه الثغرة ينطلق الشيطان يفعل مفعوله، والذي لا يستطيع أن يضبط لسانه ولا قلمه فننصحه أن يكف وينسى أن هناك رخصاً في الغيبة؛ لأن مشكلتنا أننا أصلاً متمادون في هذا الذنب، ومترخصون فيه جداً، فينبغي الحذر من ذلك، وعدم الإنصات لمن يدعون أنهم يدافعون عن المنهج، وأنهم يدافعون عن كذا وكذا، وهم بسلوكهم إنما يقصدون تنقص خلق الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    مستمع الغيبة والمغتاب مشتركان في الإثم

    مستمع الغيبة والمغتاب شريكان في الإثم، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء الأسلمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو ماعز - فشهد على نفسه بالزنا أربع شهادات يقول: أتيت امرأة حراماً، وفي كل ذلك يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فذكر الحديث إلى أن قال له النبي عليه الصلاة والسلام: (فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني) ومعروف أنه إذا بلغ الحد الإمام فلا رجوع فيه، وهنا سؤال: من أتى ذنباً يستوجب حداً في مثل هذا الزمان الذي لا تقام فيه الحدود إلا نادراً في بعض البلاد، هل يعمل مثل ماعز.

    الجواب: لا، حتى لو كان في مجتمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم -الذين هم خير أمة أخرجت للناس-، فلو كانت الحدود تقام فليس على كل من فعل ذنباً أن يذهب إلى الخليفة ويعترف عنده ليقام عليه الحد، بل الواجب عليه أن يستر نفسه حتى في ظل الدولة الإسلامية التي تقيم الحدود، وهو يكافأ إن ستر على نفسه في الدنيا أن يستر الله في الآخرة، فيقرره الله بذنوبه يوم القيامة فيقول له: أتذكر كذا؟ أتذكر كذا؟ فإذا ظن أنه هالك لا محالة، يقول الله سبحانه وتعالى له: (فأنا أسترها عليك اليوم كما سترتها عليك في الدنيا)، فإن الله سبحانه وتعالى حيي ستير يحب الحياء والستر، ومن أعظم ما يحبه أن يستر العبد على نفسه وعلى إخوانه.

    فإذا ابتلي الإنسان بشيء من هذه المعاصي أو القبائح فينبغي أن يستر على نفسه ولا يحدث بذلك أحداً، وقد جاء في الحديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون)، والمجاهرون هم الذين يأتي أحدهم الذنب بالليل فإذا أصبح يهتك ستر الله عليه ويقول: قد فعلت كيت، ويحكي للناس ما فعل، فهذا يعاقب بأن الله لا يغفر له ولا يعافيه؛ لأنه ضاد الله فيما يحبه، فالله ستير يحب الستر، وفي الحديث: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، فينبغي الاهتمام بهذا الأمر، حتى ولو في ظل دولة الخلافة الإسلامية، فالعاصي غير مطالب بأن يذهب للإمام ويهتك ستر نفسه، لكنه مطالب طلباً أكيداً أن يستر على نفسه، ويرجو رحمة الله وعفوه، وإن جهر بذلك وفضح نفسه فإنه يعاقب، فإذا بلغت توبته إلى هذا الحد، وحرص على أن يطهره الله، وبلغ الإمام ذنبه؛ فلا رجوع في الحد، لذلك لما اعترف ماعز بالزنا أراد النبي عليه السلام أن يدفع عنه ذلك فقال له: (لعلك فعلت كذا أو كذا)، بما هو أخف من الفاحشة، فأقر وصرح تصريحاً لا لبس فيه بأنه أتى بالفعل هذا الحرام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجم فرجم، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظروا إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكلب! قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر بجيفة حمار شائل برجله -والشائل: هو كل ما ارتفع، والارتفاع ينشأ من التعفن والغازات في داخل أمعاء الحمار فتتراكم فترفع الرجلين، فالعضلات تتصلب، والغازات تدفعه من شدة التعفن- فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا: ها نحن يا رسول الله! فقال لهما: كلا من جيفة هذا الحمار، فقالا: يا رسول الله! غفر الله لك، من يأكل من هذا؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة) وقوله: (أشد) بصيغة أفعل التفضيل، فما وجه هذه التفضيل؟ معناه أن الذنب الذي ارتكبتماه بغيبة هذا المسلم الذي أقيم عليه الحد وطهر منه أشد عند الله سبحانه وتعالى من أكل جيفة الحمار المتعفن؛ لأن من يأكل جيفة الحمار لا يكون قد آذى مسلماً، لكن من وقع في الغيبة فقد آذى مسلماً، وانتهك عرضه، وانشغلت ذمته بحقوق العباد، فهذا خير ممن يأكلون لحوم البشر!

    وقول النبي عليه الصلاة والسلام: (كلا من جيفة هذا الحمار) فخاطب المتكلم وجليسه، وقال: (ما نلتما)، استعمل صيغة المثنى، مع أن الذي اغتاب كان واحداً، لكن الآخر استمع وأقر ولم ينكر عليه، فهذا نذير خطر؛ وما أكثر ما يجلس الإنسان في مجالس آكلي لحوم البشر! وهذه بلية موجودة حتى في أهل الدين والطاعة، كيف تجلس في مجالس الغيبة وتسكت وتقر، إما أن تزيل المنكر وتنكر على هذا المتكلم وإما أن تترك المكان وتفارقه، وإن كنت لا تقوى على هذين الأمرين فاتق مخالطة الناس ما استطعت، فإن من أكثر المخالطة لا يكاد يسلم في هذا الزمان من الوقوع في الغيبة.

    والمغتاب لو أنه في كل مجلس يجد من يزجره أو يهجره ويترك المجلس؛ لانتبه وأحس بجريمته، فإن كان لا يستحي من الله فقد يخشى هجرة الناس إياه، فلو أنه في كل مجلس وجد من يزجره لتوقف عن الغيبة وانتهى عنها، لكن نحن نساعده بالسكوت والإقرار إن لم يكن بالمشاركة والمؤازرة.

    إذاً: هذا الحديث دليل على أن الذي يسمع المنكر ويسكت ويقر كمرتكب الجريمة، وكلاهما سواء في الوزر؛ ولذلك قال: (كلا) وقال: (ما نلتما من عرض أخيكما) فنسب الوزر إليهما جميعاً.

    ومثله قوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا [الشمس:14] هل عقر الناقة كل القبيلة أم واحد؟

    هو واحد، لكن الباقون كانوا مقرين وموافقين، فنسب الفعل إليهم أجمعين.

    وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كانت العرب يخدم بعضهم بعضاً في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما رجل يخدمهما، فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاماً، فقال أحدهما لصاحبه: إن هذا ليوائم نوم بيتكم -يعني: أن نومه يشبه نوم البيت لا نوم السفر، يريد بذلك أن يعيبه بكثرة النوم، يعني: أنه ينبغي له في حالة السفر أن ينام نوماً خفيفاً ويكمل الرحلة- فلما تأخر عن إعداد الطعام لهما، قال أحدهما لصاحبه: إن هذا ليوائم -يعني: يوافق- نوم بيتكم، فأيقظاه، فقالا: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك -يعني: يطلبان منك الإدام، وهو ما يؤكل مع الخبز- فلما ذهب الرجل الخادم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك، فقال الرسول رداً عليه: إنهما قد ائتدما، فلما رجع وأخبرهما فزع أبو بكر وعمر وجاءا مسرعين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله! بعثنا إليك نستأدمك، فقلت قد ائتدما، فبأي شيء ائتدمنا؟! قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده! إني لأرى لحمه بين أنيابكما)، وفي رواية: (والذي نفسي بيده! إني لأرى لحمه من ثناياكما، قالا: فاستغفر لنا، قال: هو فليستغفر لكما) يعني: صاحب الحق هو الذي يطلب عفوه، ويستغفر لكما.

    فقول النبي عليه الصلاة والسلام: (قد ائتدما)، وقوله أيضاً: (بين أنيابكما)، وقوله: (هو فليستغفر لكما)، كل هذا يدل على أنهما سواء في الوزر، مع أن الذي تكلم واحد، والآخر لم ينكر عليه.

    يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن الغيبة كما يحرم على المغتاب ذكرها يحرم على السامع استماعها وإقرارها، فيجب على من سمع إنساناً يبتدئ بغيبة محرمة أن ينهاه إن لم يخش ضرراً ظاهراً، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه، ومفارقة ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قدر على الإنكار بلسانه أو على قطع الغيبة بكلام آخر لزمه ذلك، فإن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانه: اسكت وهو يشتهي بقلبه استمرارها -ويحب أن يزود الكلام ليتشفى، خاصة إذا كان بينه وبينه عداوة، ويقول ذلك نفاقاً؛ لا يخرجه عن الإثم، ولابد من كراهته بقلبه، يعني: لو كان يشتهي الزيادة، فمعنى ذلك أن قلبه يحب المعصية، ومعلوم أن إنكار المنكر بالقلب فرض عين على كل مسلم، لا يعذر فيه أحد أبداً، لكن الإنكار باللسان وباليد أحياناً لا يستطيعه الإنسان، لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، ثم سكت بعده؛ لأن القلب لا سلطان لأحد عليه، لكن قال: (وذلك أضعف الإيمان)، فلابد أن يكره المسلم الإثم بقلبه، ومتى اضطر إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغيبة وعجز عن الإنكار أو أنكر فلم يسمع منه ولم يمكنه المفارقة بطريق؛ حرم عليه الاستماع والإصغاء للغيبة، وفي هذه الحالة طريقه: أن يذكر الله تعالى بلسانه أو بقلبه، ويفكر في أمر آخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضره بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكن بعد ذلك من المفارقة وهم مستمرون في الغيبة وجب عليه المفارقة، قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68].

    وعن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان أنه قال لمولى له: نزه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه لسانك عن القول به، فإن المستمع شريك القائل:

    وسمعك صن عن سماع القبيح كصون اللسان عن النطق به

    فإنك عند سماع القبيح شريك لقائله فانتبه

    1.   

    أهمية الاشتغال بعيوب النفس

    من الأمور المهمة جداً التي تعين الإنسان على أن ينشغل عن الغيبة ويبرأ منها: أن يشتغل بعيوب نفسه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه) القذى: هو ما يقع في العين أو الماء أو الشراب من التراب أو التبن أو القش أو أي شيء من هذا، هذا هو القذى، ودائماً يكون شيئاً صغيراً، أما الجذع فهو واحد جذوع النخل، وهو كبير بالنسبة للقذى، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: إنك تنشغل بعيب الناس مع أن فيك ما هو أخطر وأشد جسامة من عيب أ×يك، فإذا أردت أن تنتقد أخاك في الإسلام، وتدقق حتى ترى منه أدق العيوب وتنتقد من أجلها، ففي عينك الجذع ولا تراه، لكنك تدقق في رؤية عيب أخيك!

    فالإنسان لنقصه وحب نفسه يتوفر على تدقيق النظر في عيب أخيه، فيدرك عيب أخيه مع خفائه، فيعمى به عن عيب في نفسه ظاهر لا خفاء به، ولو أنه اشتغل بعيب نفسه عن التفرغ لعيوب الناس، لكف عن أعراض الناس وسد الباب إلى الغيبة، ومعروف في علم النفس حيلة الإسقاط، والإسقاط: إنسان يشعر بنقص معين أو هو يعمل ذنباً معيناً فيدافع لا شعورياً عنه، حتى يبرئ نفسه من هذا الذنب، فيرمي به الآخرين، والمولع بذم الناس فيه عيوب، لكن هو لا شعورياً يحاول أن يدفعها عن نفسه، وينفيها بأن ينتقص الآخرين، فلو علم ذلك لأدرك أنه إذا أكثر ذم الناس فهو يكشف عن العيوب المستكنة في نفسه.

    يقول بعض العلماء:

    عجبت لمن يبكي على موت غيره دموعاً ولا يبكي على موته دما

    وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيماً وفي عينه عن عيبه عمى

    هو أعمى عن عيب نفسه، لكن بصره حاد عندما يريد أن يرى عيوب الآخرين!

    كلام السلف في الاشتغال بعيوب النفس

    يقول الإمام أبو حاتم ابن حبان رحمه الله تعالى: الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من عيب أخيه، ومن سنة القتال: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [التوبة:123]، فابدأ بالعدو الأقرب عن العدو الأبعد، فنفسك التي بين جنبيك هي العدو الأول أو الأقرب إليك، فاجتهد بمجاهدتها أولاً. يقول: وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه، وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه، ومن عاب الناس عابوه، يقول الشاعر: المرء إن كان عاقلاً ورعاً أشغله عن عيوب غيره ورعه كما العليل السقيم أشغله عن وجع الناس كلهم وجعه كما يقول الشاعر أيضاً: لا يشفي كلوم غيري كلومي ما به به وما بي بي الجراح التي في غيرك تؤلمك أكثر أم الجرح الذي في جسدك وفي بدنك؟! جراح غيرك لا تشفي جراحك أنت، وكل بجرحه. وعن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم ذكروا رجلاً فقال: إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك. قال أبو البحتري العنبري : يمنعني من عيب غيري الذي أعرفه عندي فوق العيب عيبي لهم بالظن مني لهم ولست من عيبي في ريب إن كان عيبي غاب عنهم فقد أخفى عيوبي عالم الغيب يعني: يمنعني من ذكر غيري بعيوبه ما أعرفه في نفسي من العيوب. قوله: (عيبي لهم بالظن مني لهم) يعني: عيبي لهم بأشياء مظنونة، لكن أنا على يقين من عيبي إن كنت في حالة ظن من عيوبهم. وعن بكر قال: تساب رجلان فقال أحدهما: حلمي عنك ما أعرف من نفسي، يعني: الذي يجعلني أحلم وأصبر ولا أرد عليك أنني أعرف من نفسي عيوباً أكثر من التي تعيرني بها. وقيل للربيع بن خثيم : ما نراك تغتاب أحداً، فقال: لست عن حالي راضياً حتى أتفرغ لذنب الناس، ثم أنشد: لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها لنفسي من نفسي عن الناس شاغل ولقي زاهد زاهداً، فقال له: يا أخي! إني لأحبك في الله، قال الآخر: لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله، فقال له الأول: لو علمت منك ما تعلم من نفسك لكان لي في ما أعلم من نفسي شغل عن بغضك. قبيح من الإنسان أن ينسى عيوبه ويذكر عيباً في أخيه قد اختفى ولو كان ذا عقل لما عاب غيره وفيه عيوب لو رآها قد اكتفى وعن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة قد غفلها عن نفسه. وعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: كنا نحدث أن أكثر الناس خطايا أفرغهم لذكر خطايا الناس. وقال الفضيل بن عياض : ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير. وقال مالك بن دينار : كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة، وكفى المرء شراً ألا يكون صالحاً ويقع في الصالحين. وقال أبو عاصم النبيل : لا يذكر الناس بما يكرهون إلا سفلة لا دين له، يعني: غوغاء وأسافل. لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله ستراً عن مساويك واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحداً منهم بما فيك قال بكر بن عبد الله : إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب الناس ناسياً لعيبه، فاعلموا أنه قد مكر به. وسمع أعرابي رجلاً يقع في الناس فقال: قد استدللت على عيوبك لكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها: وأجرأ من رأيت بظهر غيب على عيب الرجال أخو العيوب وقال آخر: شر الورى من بعيب الناس مشتغلاً مثل الذباب يراعي موضع العلل وقال ابن السماكي: سبعك بين لحييك، تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور في الدور، حتى تعاطيت أهل القبور، أي: ما سلم منك أحد تأكل أعراض الأحياء وتؤذيهم، ثم تحولت بعد ذلك إلى أهل القبور. يقول: حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم، وأنت هاهنا تنبشهم، إنما نرى نبشهم أخذ الخرق عنهم، يعني: يوصف الإنسان بأنه نباش إذا كان يأخذ أكفان الموتى، فيقول: لا، النبش ليس هو سرقة أكفان الموتى، إنما هو النبش الحقيقي الخطير، وهو نبش عيوب الموتى. قال: إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم، إنه ينبغي لك أن يدلك على ترك القول في أخيك ثلاث خلال: أما واحدة: فلعلك أن تذكره بأمر هو فيك، فما ظنك بربك إذا ذكرت أخاك بأمر هو فيك؟! يعني: نفس العيب الذي تغتاب به أخاك هو موجود فيك أنت، فما جوابك عند الله؟! ولعلك تذكره بأمر فيك أعظم منه، فذلك أشد استحساناً لمقته إياك. ولعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه، فهل هذا جزاؤه إذ عافاك؟! يعني: إما يكون ذنبك مثل ذنبه، وإما أن يكون أعظم من ذنبه، وإما أنك عوفيت، فهل جزاء الله سبحانه وتعالى أن عافاك أن تغير هذا المسلم؟! أما سمعت: ارحم أخاك واحمد الذي عافاك؟! إن شئت أن تحيا ودينك سالم وحظك موفور وعرضك صين لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن وعينك إن أبدت إليك مساوئاً فصنها وقل يا عين للناس أعين قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت المدائني يقول: رأيت أقواماً من الناس لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم، وزالت عنهم تلك العيوب، ورأيت أقواماً لم تكن لهم عيوب، فاشتغلوا بعيوب الناس؛ فصارت لهم عيوب! لأن من اغتاب اغتيب، ومن عاب عيب. فبحثه عن عيوب الناس يورث البحث عن عيوبه، ولعل في قاعدة: الجزاء من جنس العمل زاجراً للذين يخوضون في عيوب الناس، فيكفوا عنها خشية أن يعاملوا بالعدل، فإن البلاء موكل بالقول: لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن قال تعالى: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94]. وعن إبراهيم قال: إني لأرى الشيء مما يعاب لا يمنعني من غيبته إلا مخافة أن أبتلى به. وعن الأعمش قال: سمعت إبراهيم يقول: إني لأرى الشيء أكرهه فما يمنعني أن أتكلم فيه إلا مخافة أن أبتلى بمثله. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لو سخرت من كلب لخشيت أن أكون كلباً، وإني أكره أن أرى رجلاً فارغاً ليس في عمل آخرة ولا دنيا. وقال عمرو بن شرحبيل : لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكت منه لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع. وقال ابن سيرين : عيرت رجلاً وقلت يا مفلس، فأفلست بعد أربعين سنة. وعن الحسن قال: كانوا يقولون من رمى أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يبتليه الله به. وقال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: حدثني عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية رضي الله عنه فقضى حاجته ثم خلا به، فقال: يا مسور ! ما فعل طعنك على الأئمة؟! يعني: أنت كثير النقد للخليفة فقال: دعنا من هذا وأحسن، يعن: لا داعي أن نفتح هذا الموضوع، قال: لا والله لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي، أي: صارحني وواجهني بما تنتقده علي، قال المسور : فلم أترك شيئاً أعيبه عليه إلا بينت له، فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: لا أبرأ من الذنب، فهل تعد لنا يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك المحاسن؟! فـمعاوية رضي الله تعالى عنه قال: أنا لا أبرأ من الذنب؛ لأني بشر غير معصوم، لكن هل في المقابل كما أحصيت السيئات وضعت في الكفة الأخرى الحسنات؟ صحيح أن الدولة الأموية ليست كالخلافة الراشدة ولا كالدولة العباسية، لكنها في إطار الخلافة الإسلامية، ونحن الآن نتمنى أن ترجع إلينا حتى الخلافة العثمانية فيا ليت أنها هي التي تحكمنا الآن، فأوضاع العالم الإسلامي الآن معروفة وكيفما تكونوا يولى عليكم، قال بعض السلف: أعمالكم عمالكم، يعني: كيفما تكونوا يولى عليكم، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا [الأنعام:129]. فالشاهد أنه قال: لا أبرأ من الذنب، فهل تعد لنا -يا مسور- ما نلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها أم تعد الذنوب وتترك المحاسن؟ قال: ما نذكر إلا الذنوب، قال: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك -يا مسور- ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلك إن لم تغفر؟ قال: نعم. قال: فما يجعلك لرجاء المغفرة أحق مني؟ يعني: إذا كان كنت ترتكب ذنوباً بينك وبين الله سبحانه وتعالى ترجو أن الله سبحانه وتعالى ينجيك من الهلاك بسبب هذه الذنوب، فما يجعلك برجاء المغفرة أحق مني؟ يعني: أنت لماذا تغلق باب الرحمة في وجهي؟ ولماذا لا أطمع في رحمة الله وأن يعفو الله عني ذنوبي؟! قال: فما يجعلك برجاء المغفرة أحق مني؟ فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين الله وغيره إلا اخترت الله على ما سواه، وإني على دين يقبل فيه العمل، ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها، قال: فخصمني، يعني: غلبني، قال عروة : فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه، أي: بعد ذلك تاب من هذا الأمر، فكان إذا ذكر معاوية يدعو له. وعن أبي راشد قال: جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد الله بن عمر فقال: إني رسول إخوانك من أهل البصرة إليك، فإنهم يقرئونك السلام ويسألونك عن أمر هذين الرجلين علي وعثمان وما قولك فيهما؟ هذا الرجل شد الرحال من ال

    كلام السلف في أهمية الاشتغال بعيوب النفس

    يقول الإمام أبو حاتم ابن حبان رحمه الله تعالى: الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من عيب أخيه، ومن سنة القتال: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [التوبة:123]، فابدأ بالعدو الأقرب عن العدو الأبعد، فنفسك التي بين جنبيك هي العدو الأول أو الأقرب إليك، فاجتهد بمجاهدتها أولاً.

    يقول: وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه، وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه، ومن عاب الناس عابوه، يقول الشاعر:

    المرء إن كان عاقلاً ورعاً أشغله عن عيوب غيره ورعه

    كما العليل السقيم أشغله عن وجع الناس كلهم وجعه

    كما يقول الشاعر أيضاً:

    لا يشفي كلوم غيري كلومي ما به به وما بي بي

    الجراح التي في غيرك تؤلمك أكثر أم الجرح الذي في جسدك وفي بدنك؟!

    جراح غيرك لا تشفي جراحك أنت، وكل بجرحه.

    وعن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم ذكروا رجلاً فقال: إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك.

    قال أبو البحتري العنبري :

    يمنعني من عيب غيري الذي أعرفه عندي فوق العيب

    عيبي لهم بالظن مني لهم ولست من عيبي في ريب

    إن كان عيبي غاب عنهم فقد أخفى عيوبي عالم الغيب

    يعني: يمنعني من ذكر غيري بعيوبه ما أعرفه في نفسي من العيوب.

    قوله: (عيبي لهم بالظن مني لهم) يعني: عيبي لهم بأشياء مظنونة، لكن أنا على يقين من عيبي إن كنت في حالة ظن من عيوبهم.

    وعن بكر قال: تساب رجلان فقال أحدهما: حلمي عنك ما أعرف من نفسي، يعني: الذي يجعلني أحلم وأصبر ولا أرد عليك أنني أعرف من نفسي عيوباً أكثر من التي تعيرني بها.

    وقيل للربيع بن خثيم : ما نراك تغتاب أحداً، فقال: لست عن حالي راضياً حتى أتفرغ لذنب الناس، ثم أنشد:

    لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها لنفسي من نفسي عن الناس شاغل

    ولقي زاهد زاهداً، فقال له: يا أخي! إني لأحبك في الله، قال الآخر: لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله، فقال له الأول: لو علمت منك ما تعلم من نفسك لكان لي في ما أعلم من نفسي شغل عن بغضك.

    قبيح من الإنسان أن ينسى عيوبه ويذكر عيباً في أخيه قد اختفى

    ولو كان ذا عقل لما عاب غيره وفيه عيوب لو رآها قد اكتفى

    وعن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة قد غفلها عن نفسه.

    وعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: كنا نحدث أن أكثر الناس خطايا أفرغهم لذكر خطايا الناس.

    وقال الفضيل بن عياض : ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير.

    وقال مالك بن دينار : كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة، وكفى المرء شراً ألا يكون صالحاً ويقع في الصالحين.

    وقال أبو عاصم النبيل : لا يذكر الناس بما يكرهون إلا سفلة لا دين له، يعني: غوغاء وأسافل.

    لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله ستراً عن مساويك

    واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحداً منهم بما فيك

    قال بكر بن عبد الله : إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب الناس ناسياً لعيبه، فاعلموا أنه قد مكر به.

    وسمع أعرابي رجلاً يقع في الناس فقال: قد استدللت على عيوبك لكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها:

    وأجرأ من رأيت بظهر غيب على عيب الرجال أخو العيوب

    وقال آخر:

    شر الورى من بعيب الناس مشتغلاً مثل الذباب يراعي موضع العلل

    وقال ابن السماكي: سبعك بين لحييك، تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور في الدور، حتى تعاطيت أهل القبور، أي: ما سلم منك أحد تأكل أعراض الأحياء وتؤذيهم، ثم تحولت بعد ذلك إلى أهل القبور.

    يقول: حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم، وأنت هاهنا تنبشهم، إنما نرى نبشهم أخذ الخرق عنهم، يعني: يوصف الإنسان بأنه نباش إذا كان يأخذ أكفان الموتى، فيقول: لا، النبش ليس هو سرقة أكفان الموتى، إنما هو النبش الحقيقي الخطير، وهو نبش عيوب الموتى.

    قال: إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم، إنه ينبغي لك أن يدلك على ترك القول في أخيك ثلاث خلال: أما واحدة: فلعلك أن تذكره بأمر هو فيك، فما ظنك بربك إذا ذكرت أخاك بأمر هو فيك؟!

    يعني: نفس العيب الذي تغتاب به أخاك هو موجود فيك أنت، فما جوابك عند الله؟!

    ولعلك تذكره بأمر فيك أعظم منه، فذلك أشد استحساناً لمقته إياك.

    ولعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه، فهل هذا جزاؤه إذ عافاك؟!

    يعني: إما يكون ذنبك مثل ذنبه، وإما أن يكون أعظم من ذنبه، وإما أنك عوفيت، فهل جزاء الله سبحانه وتعالى أن عافاك أن تغير هذا المسلم؟! أما سمعت: ارحم أخاك واحمد الذي عافاك؟!

    إن شئت أن تحيا ودينك سالم وحظك موفور وعرضك صين

    لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن

    وعينك إن أبدت إليك مساوئاً فصنها وقل يا عين للناس أعين

    قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت المدائني يقول: رأيت أقواماً من الناس لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم، وزالت عنهم تلك العيوب، ورأيت أقواماً لم تكن لهم عيوب، فاشتغلوا بعيوب الناس؛ فصارت لهم عيوب! لأن من اغتاب اغتيب، ومن عاب عيب.

    فبحثه عن عيوب الناس يورث البحث عن عيوبه، ولعل في قاعدة: الجزاء من جنس العمل زاجراً للذين يخوضون في عيوب الناس، فيكفوا عنها خشية أن يعاملوا بالعدل، فإن البلاء موكل بالقول:

    لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن

    قال تعالى: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94].

    وعن إبراهيم قال: إني لأرى الشيء مما يعاب لا يمنعني من غيبته إلا مخافة أن أبتلى به.

    وعن الأعمش قال: سمعت إبراهيم يقول: إني لأرى الشيء أكرهه فما يمنعني أن أتكلم فيه إلا مخافة أن أبتلى بمثله.

    وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لو سخرت من كلب لخشيت أن أكون كلباً، وإني أكره أن أرى رجلاً فارغاً ليس في عمل آخرة ولا دنيا.

    وقال عمرو بن شرحبيل : لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكت منه لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع.

    وقال ابن سيرين : عيرت رجلاً وقلت يا مفلس، فأفلست بعد أربعين سنة.

    وعن الحسن قال: كانوا يقولون من رمى أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يبتليه الله به.

    وقال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: حدثني عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية رضي الله عنه فقضى حاجته ثم خلا به، فقال: يا مسور ! ما فعل طعنك على الأئمة؟! يعني: أنت كثير النقد للخليفة فقال: دعنا من هذا وأحسن، يعن: لا داعي أن نفتح هذا الموضوع، قال: لا والله لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي، أي: صارحني وواجهني بما تنتقده علي، قال المسور : فلم أترك شيئاً أعيبه عليه إلا بينت له، فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: لا أبرأ من الذنب، فهل تعد لنا يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك المحاسن؟! فـمعاوية رضي الله تعالى عنه قال: أنا لا أبرأ من الذنب؛ لأني بشر غير معصوم، لكن هل في المقابل كما أحصيت السيئات وضعت في الكفة الأخرى الحسنات؟ صحيح أن الدولة الأموية ليست كالخلافة الراشدة ولا كالدولة العباسية، لكنها في إطار الخلافة الإسلامية، ونحن الآن نتمنى أن ترجع إلينا حتى الخلافة العثمانية فيا ليت أنها هي التي تحكمنا الآن، فأوضاع العالم الإسلامي الآن معروفة وكيفما تكونوا يولى عليكم، قال بعض السلف: أعمالكم عمالكم، يعني: كيفما تكونوا يولى عليكم، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا [الأنعام:129].

    فالشاهد أنه قال: لا أبرأ من الذنب، فهل تعد لنا -يا مسور- ما نلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها أم تعد الذنوب وتترك المحاسن؟

    قال: ما نذكر إلا الذنوب، قال: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك -يا مسور- ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلك إن لم تغفر؟ قال: نعم. قال: فما يجعلك لرجاء المغفرة أحق مني؟ يعني: إذا كان كنت ترتكب ذنوباً بينك وبين الله سبحانه وتعالى ترجو أن الله سبحانه وتعالى ينجيك من الهلاك بسبب هذه الذنوب، فما يجعلك برجاء المغفرة أحق مني؟ يعني: أنت لماذا تغلق باب الرحمة في وجهي؟ ولماذا لا أطمع في رحمة الله وأن يعفو الله عني ذنوبي؟!

    قال: فما يجعلك برجاء المغفرة أحق مني؟ فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين الله وغيره إلا اخترت الله على ما سواه، وإني على دين يقبل فيه العمل، ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها، قال: فخصمني، يعني: غلبني، قال عروة : فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه، أي: بعد ذلك تاب من هذا الأمر، فكان إذا ذكر معاوية يدعو له.

    وعن أبي راشد قال: جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد الله بن عمر فقال: إني رسول إخوانك من أهل البصرة إليك، فإنهم يقرئونك السلام ويسألونك عن أمر هذين الرجلين علي وعثمان وما قولك فيهما؟ هذا الرجل شد الرحال من البصرة من أجل أن يسأل عبيد الله بن عمر، فقال: هل غير؟! يعني: هل عندك شيء آخر؟ قال: لا، قال: جهزوا الرجل، أي: أعدوا له متاع السفر، من أجل أن يرجع من حيث أتى في الحال، فلما فرغ من جهازه قال: اقرأ عليهم السلام، وأخبرهم أن قولي فيهم: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134].

    وعن شريك قال: سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية ، فبكى، فندمت على سؤالي إياه فرفع رأسه فقال: من عرف نفسه اشتغل بنفسه عن غيره، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره.

    وسئل عمر بن عبد العزيز رحمه الله عن علي وعثمان والجمل وصفين وما كان بينهم فقال: تلك دماء كف الله يدي عنها، وأنا أكره أن أغمس لساني فيها.

    وقال الرياشي رحمه الله تعالى:

    لعمرك إن في ذنبي لشغلاً بنفسي عن ذنوب بني أميه

    على ربي حسابهم إليه تناهى علم ذلك لا إليه

    وليس بضائري ما قد جنوه إذا ما الله أصلح ما لديه

    وعن الهيثم بن عبيد الصيدلاني قال: سمع ابن سيرين رجلاً يسب الحجاج فقال: مه أيها الرجل! إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملته قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج يعني: أصغر ذنب عندك حينما تواجه الله يوم القيامة سيكون بالنسبة لك وفيما يخصك أعظم وأخطر عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج ؛ لأن كل إنسان مسئول عن أفعاله هو، فأنت أصغر ذنب ارتكبته سيكون يوم القيامة -بين يدي الله عز وجل- أخطر عليك من أكبر ذنب عمله الحجاج ، واعلم أن الله عز وجل حكم عدل، إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه شيئاً، أخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلن نفسك بسب أحد.

    إذاً: أهل السنة والجماعة لا ليتعبدون الله بالسب والذم والشتم، كما يقول الإمام الذهبي في يزيد بن معاوية : لا نحبه ولا نسبه، وإن كان له منقبة كما هو معلوم، لكن فيه من المؤاخذات يستحق بها ما قاله الإمام الذهبيفيه: ولا نحبه، بخلاف الروافض فإنهم يقولون إذا قدموا لك الشراب: اشرب والعن يزيد.

    فالشيعة عندهم التقرب إلى الله سبحانه وتعالى باللعن والسب والشتم، حتى يشتمون الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأقبح السباب، فديننا أقصى ما فيه أن اللعن جائز بشروط معينة، لكن لا نتقرب إلى الله باللعن، فهذا ليس من خلق أهل الإسلام، حتى إبليس لا يصلح أن تتقرب إلى الله بلعنه، فبدل ما تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، تظل تقول: لعن الله إبليس لعن الله إبليس، اللعن ليس من طبع المؤمن ولا خلقه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)، فكثرة اللعن ليس من خلق المسلم، لكن يجوز اللعن في بعض المواضع بالشروط المعروفة، فأما الاشتغال باللعن والسب فهذا ليس شئننا إنما هو شأن أهل البدع.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007982256

    عدد مرات الحفظ

    720861913