إسلام ويب

سلسلة كيف تصبح عالماً [4]للشيخ : راغب السرجاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك أسباب لا بد من اتخاذها للنهوض بالأمة علمياً، وهذا واجبنا جميعاً أفراداً وجماعات، وليس من واجبنا النتائج، فالنتائج إلى الله عز وجل، فهو سبحانه إذا علم صدقنا وأنا قد بذلنا جهدنا في النهوض بالأمة علمياً، فسيحقق لنا ما فيه عزنا ونهضتنا ومجدنا، وهذا الدور ليس مقتصراً على الرجال فقط، بل على النساء أيضاً أدوار عظيمة في النهوض بالأمة علمياً.

    1.   

    ضرورة بذل الأسباب في النهوض بالأمة علمياً دون النظر إلى النتائج

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.

    نستكمل ما كنا قد بدأناه من حلقات حول موضوع أمة الإسلام بين علوم الشرع وعلوم الحياة، وتحدثنا في عدة محاور، كان المحور الأول هو قيمة العلم بصفة عامة في الشريعة، قيمة العلم في كتاب رب العالمين سبحانه وتعالى وفي السنة المطهرة، وأثبتنا بما لا يدع مجالاً للشك أن العلم أساس لبناء الأمم، وأول ما فتح به كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وأن أكثر الكلمات التي جاءت في كتاب ربنا بعد لفظ الجلالة العلم.

    ثم تحدثنا في محاضرة أخرى عن رصد الواقع عن قراءة في واقعنا العلمي، وفجعنا جميعاً بالفجوة الهائلة التي بين أمة الإسلام وبين غيرها من الأمم التي كانت تتشابه مع أمتنا في ظروف كثيرة، ولكنها أخذت بأسباب العلم فسبقت وقادت، وتحدثنا عن الفجوة التي بين جامعات المسلمين وبين الجامعات الغربية، والفجوة التي بين علماء المسلمين والعلماء الغربيين والشرقيين، وبين التقنية والاختراع والتصنيع والابتكار والإبداع وما إلى ذلك، وكان هذا قراءة حقيقية للواقع الذي نعيش فيه، وذكرنا ذلك بالإحصائيات والأرقام.

    ثم في المحاضرة السابقة أخذنا في تحليل: لماذا وصل المسلمون إلى هذا الوضع؟ وذكرنا أن القضية في الأساس تمكن في فهم المسلمين على مدار عصور طويلة، حيث فهموا أن العلوم تقسم إلى علوم دين وعلوم دنيا، فتحرج المتحمسون لهذا الدين والملتزمون به والمحبون لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم أن ينصرفوا عن علوم الدين إلى علوم الدنيا، وأن ينشغلوا بدنياهم عن آخرتهم، كما صور الذين صنفوا هذا التصنيف: علوم دنيا وعلوم دين.

    وأما التصنيف الذي أرتاح له كما ذكرت أنها علوم شريعة أو شرع وعلوم حياة، والحياة ليست مذمومة كالدنيا في كتاب ربنا سبحانه وتعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97]، أما الدنيا فتأتي مذمومة ملعونة، حتى قال رسولنا صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً ومتعلماً) ، فالدنيا بصفة عامة ملعونة، فكيف يقرن علماً بالدنيا ثم يكون من العلوم المحمودة؟ هذا ما لم يفهمه الكثير من الملتزمين، وبذلك أعرضوا عن التفوق في العلوم الدنيوية أو العلوم الحياتية، وتوجهوا إلى العلوم الشرعية فقط، العلوم الشرعية في غاية الأهمية، وهي لا شك تسبق العلوم الحياتية، لكن لا تقوم أمة إلا بالعلمين سوياً.

    وفي المحاضرة السابقة عن الإسلام وعلوم الحياة ذكرنا خمسة أدلة على أن العلوم الحياتية هي علوم شرعية، وعلى أن العلوم الحياتية إن أخذت بنية وبإخلاص تقود إلى الجنة إن شاء الله رب العالمين.

    قبل أن نخوض في الأدلة الخمسة الأخرى، نجيب على بعض الأسئلة التي وردت.

    في الحقيقة أنا سعيد جداً بالتفاعل الذي لمسته من الحضور من إخواننا وأخواتنا في هذا الموضوع مع صعوبته، أنا أعلم أنه ليس من القصص وليس من الحكايات والروايات التي تمر سريعاً على القلب، بل هو موضوع صعب ويحتاج إلى جهد، ومع ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله تفاعلكم هذا يرفع الهمة، وحضوركم بهذه الكثافة أيضاً يرفع الهمة.

    ونسأل الله أن يتقبل منا أجمعين، وأن يرفع من درجات المسلمين، وأن يعلي من شأن هذه الأمة في الدنيا وفي الآخرة.

    هذه ملحوظة جاءت من كثير من الإخوة، تقول: إن الدور الرئيسي في التغيير هو دور الحكومات ونحن أفراد لا نملك الإنفاق على البحوث العلمية، ولا نملك تحسين مستوى الجامعات، ولا نملك كذا وكذا من الأمور التي ذكرتها، براءة الاختراع، والترجمة، والكمبيوتر، والعلوم التقنية، والتصنيع، والشركات الكبرى، لا نملك كل هذا.

    أقول: لقد تعرضنا لهذه النقطة في الدرس السابق، ولا مانع من أن نعيد الكلام فيها؛ لأهميتها، وما أطلبه في هذه المحاضرات بعد أن نفهم قيمة العلم فهماً جيداً أن نسدد ونقارب، لو فهمنا حقيقة هي في غاية الأهمية فأنا على يقين أننا بإذن الله سنعمل بطريقة مختلفة تماماً، ليس فقط في هذا الموضوع، ولكن في كل أمور حياتنا، هذه الحقيقة: هي أن الله عز وجل برحمته لا يحاسبنا على النتائج، ولكن يحاسبنا على الأعمال، ماذا عملت في حدود إمكانياتك وقدراتك التي وضعها لك رب العالمين ويسرها لك في هذه الدنيا؟ فأنت لو أتاح الله عز وجل لك التفوق بمساحة معينة فهذه قدرتك، وليس مطلوباً منك ما هو أعلى من ذلك، يقول عز وجل: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60].

    فالمطلوب من الإخوة الأفاضل الحضور، والذين يسمعون هذا الكلام بعد ذلك سواء في أشرطة أو يقرءونه في كتاب أو يسمعونه من أحد الإخوة الذين ينقلون هذا الكلام، مطلوب منه أن يتحرك بقدر طاقته لرفعة الأمة في هذا الباب باب العلم، نريد من الطالب أن يكون متفوقاً، ومن الأستاذ أن يصبح معلماً جيداً ومبدعاً، ومن المهندس أن يقرأ أكثر وأكثر حتى يبدع في مجاله، قد لا تسمح الظروف أن تكون على درجة مساوية لعلماء الغرب في هذه الظروف التي تمر بها الأمة، ليس هذا هو المطلوب الآن، المطلوب هو بذل الجهد قدر المستطاع، سنتعرض إن شاء الله في المحاضرة القادمة لقضية كيف نصبح علماء؟ وما هو الطريق الذي ينبغي أن يسير فيه الفرد ليصبح عالماً؟ وأنا أقول: عالماً بملء الفم لا أقول فقط: طالب علم، أو كما يقول بعض الإخوة بتواضع شديد: طويلب علم، لا، نحن نريد طموحاً عالياً، أن تكون عالماً مفيداً لأمتك، مفيداً للإنسانية بصفة عامة، مبدعاً مخترعاً، رائداً للناس ولست مقلداً فقط لغيرك، فنحن نحاسب على الأعمال ولا نحاسب على النتائج، افرض أنك عملت كل الذي عليك لإصلاح مؤسسة علمية، أنت في جامعة أو في معهد أو في مركز بحثي أو في مدرسة أو في غير ذلك، وحاولت قدر المستطاع ثم جابهوك بالعراقيل وكسروا ما أصلحت وأفسدوا ما فعلت فعلوا كل ذلك فلم تظهر نتيجة، هل حرمت الأجر؟ لا.

    يا أخي! كن كـأسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه، كـمصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه، كحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه، كـأنس بن الربيع ، كـأنس بن النضر ، كالكثير والكثير والكثير من عظماء الصحابة الذين قدموا ثم لم يشاهدوا تمكيناً في حياتهم، إنما جاء التمكين بعد ذلك بسنوات وسنوات، هل حرموا من الأجر؛ لأن النتائج لم تتحقق في عصرهم وفي عهدهم؟ أبداً، إذا راجعت قصة قيام الدولة الأيوبية والانتصار على الصليبيين ستجد أنه حتى قبل نور الدين محمود وقبل عماد الدين زنكي كان هناك العلماء الذين يربون الأمة على الخير وعلى الصلاح، وعلى العودة إلى الله عز وجل، وعلى البناء في شتى المجالات، فـنور الدين محمود لم يكن مهتماً فقط بالعلوم الشرعية وإن كان شديد الاهتمام بها رحمه الله، لكن كان مهتماً أيضاً ببناء المصانع، وبناء الأسواق، وتعبيد الطرق، وتعليم الحمام الزاجل، والتدريب على السلاح، وبناء القلاع، عمل كل الأسباب المادية المتاحة في حياته ولم يصل إلى قوة الصليبيين في زمانه، ولكنه قدم ما يستطيع، هذا ما نسأل عنه.

    لو فهمت هذا المفهوم ما يضرني أن هناك الآلاف والملايين من المفسدين في الأرض في بلاد المسلمين وفي غير بلاد المسلمين، حتى لو كنت وحدي، وسأقول كما قال الصديق رضي الله عنه وأرضاه عندما قرر أن يحارب المرتدين وعارضه الصحابة؛ لقلة العدد، قال: سأقاتلهم وحدي حتى تنفرد سالفتي. يعني: سأستمر حتى لو كنت في هذا الطريق وحدي.

    إذاً: هذا هو الطريق الذي به تصلح الأمة إن شاء الله رب العالمين.

    1.   

    دور المرأة في قضية العلم الذي به تنهض الأمة

    هذا سؤال طيب جداً من إحدى الأخوات تقول: أين المرأة في قضية العلم، تقول: إنها متزوجة ولها أولاد وعندها انشغالات في أمور خاصة ببيتها وبأسرتها، فهل تترك هذه الأمور وتتفرغ لتحضير الدراسات العليا كالماجستير والدكتوراه وما إلى ذلك أم لا؟

    أقول: الأخوات الفاهمات الواعيات نرجو منهن الكثير والكثير، نريد منهن التحرك في ثلاثة محاور رئيسية، هذا الكلام للأخوات اللاتي يسمعن ومن لم يسمع منهن فنحن ننقل لزوجاتنا وننقل لبناتنا وننقل لأمهاتنا.

    دور المرأة في البيت

    المحور الأول في قضية العلم: هو البيت، فالمرأة مسئولة عن إخراج علماء من بيتها، ليس بالضرورة أن تكون المرأة هي التي تقود حركة التغيير في قضايا العلم، ولكن هي مسئولة عن إخراج الزوج والأولاد في صورة علمية جيدة، تهيئ الجو المناسب للزوج ليبدع وينتج، تحمسه على الإبداع وعلى الاختراع وعلى التفوق والتقدم، توفر له الجو الهادئ المناسب، تضيق أحياناً على ظروف المعيشة في داخل البيت؛ لأجل توفير كتب العلم، وهذا ينبغي أن يترسخ بداخلنا، أنا أرى الناس التي تتزوج تفكر أن تأتي بغرفة نوم وغرفة سفرة، وصالون وأجهزة كهربائية وكذا وكذا، وقد لا يخطر على بالهم أن يشتروا مكتبة قيمة، وتكون من ضمن الأمور التي ستبدأ بها الحياة الزوجية، ليس مهماً أن تكون المكتبة القيمة في الخشب، أو في الشكل الخارجي، لا، أنا أقصد مكتبة قيمة فيها الكتب المتنوعة النافعة لك ولأسرتك، فالزوجة تستطيع أن تهيئ هذا الجو في داخل البيت، والأهم من ذلك أيضاً الأولاد، وكلنا نرى ظروفنا كرجال في هذا الآونة التي تعيش فيها الأمة للأسف الشديد، كلنا مشغولون فمنا الذي يشتغل في الصبح وبعد الظهر وبين كذا وكذا، ومنا الذي لا يرجع إلى البيت إلى في منتصف الليل أو بعد ذلك، ويستيقظ الصبح باكراً وينطلق إلى عمله، وهذا ليس عذراً للأزواج، ولكن هذا واقع نرصده، والزوجة هي التي تبقى مع الأولاد، فهل سيكون أولادك كـالبخاري وكـمسلم وكـأحمد بن حنبل وكـالشافعي وكغيرهم من علماء المسلمين رحمهم الله جميعاً، أو كـجابر بن حيان وكـالرازي وكهؤلاء الذين غيروا وجه التاريخ، أم سيكون إنساناً بسيطاً عادياً من الصعوبة بمكان أن يعرف بعض المعلومات عن دينه وعن حياته وعن أمته؟ هذا دور في غاية الأهمية.

    نقف وقفة مع زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، ومع أمه رضي الله عنها وأرضاها، فـزيد بن ثابت وهو طفل صغير عمره ثلاث عشرة سنة أراد أن يخرج للقتال في بدر واشتاقت نفسه للجهاد في سبيل الله وهو لا يزال صغيراً، لأن حركة المجتمع كله كانت متجهة للجهاد، فارتفعت حميته للجهاد في سبيل الله، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام رآه صغيراً فأشفق عليه فرده، فبكى زيد بن ثابت حباً واشتياقاً للجهاد، ورجع إلى البيت وهو يبكي، فقالت له الأم: ما يبكيك؟ فقال: ردني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجهاد في سبيل الله، فقالت: إن كنت لا تستطيع أن تجاهد بالسيف كما يقاتل المقاتلون، فأنت تستطيع أن تخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام بالعلم الذي عندك، أنت تقرأ وتكتب وتحفظ من القرآن ما لا يحفظ غيرك، وتقرؤه كما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعال نعرض هذه الإمكانيات على الرسول صلى الله عليه وسلم فقد يستغلها.

    انظروا إلى الأم الفاهمة الواعية للشرع.

    هناك بعض الإخوة لما يغلق باب الجهاد يعتقد أن القضية انتهت، وما عليه إلا أن يقعد إلى أن يفتح باب الجهاد، نقول: لعله لا يفتح باب الجهاد في حياته، فالمسلم لا يقعد ويركن أبداً، فـزيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه أغلق أمامه باب ففتحت له أمه باباً آخر، ألا وهو باب العلم، وذهبت به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وعرضت عليه الإمكانيات التي عنده، فسمع منه صلى الله عليه وسلم واختبره، فقرأ زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه أمامه القرآن وأحسن القراءة، وهو أيضاً يكتب، وهذا نادر في هذه البيئة، فقال له: اذهب وتعلم لي لغة اليهود؛ فإني لا آمنهم على كتابي، وذهب زيد بن ثابت فتعلم اللغة العبرية في سبع عشرة ليلة، ستقول لي: كيف استطاع أن يعمل هذا؟ سأقول لك: لا أعرف، لكن هو ربنا سبحانه وتعالى بارك له في وقته، أو لعله كان يعرف بعض الأمور عن اللغة العبرية وأتقن هذه اللغة في هذه الأيام السبعة عشر، لكن الظاهر أن ربنا بارك له في وقته وبارك له في علمه، وفتح له أبواب الخير، وعاد يتكلم اللغة العبرية كأهلها، وبعثه الرسول عليه الصلاة والسلام ليتعلم لغة أخرى وهي السريانية فتعلمها، ثم أمره بكتابة الوحي، وصار من كتبة الوحي، فمات الرسول عليه الصلاة والسلام في سنة إحدى عشرة من الهجرة، وأوكل الصديق رضي الله عنه وأرضاه لـزيد بن ثابت مهمة جمع القرآن، وكان عمره حينها ثلاثاً وعشرين سنة.

    انظر ثلاثاً وعشرين سنة في زماننا يكون وقت التخرج من الجامعة، فـزيد بن ثابت أوكلت إليه مهمة من أثقل المهام في تاريخ البشرية جمعاء، إنها مهمة جمع كتاب الله عز وجل ليحفظ إلى يوم القيامة، كل واحد فينا وفي أي بلد في العالم وفي أي زمن من الأزمان يقرأ في كتاب ربنا سبحانه وتعالى يعطي زيداً أجراً، دون أن ينقص من أجورنا شيئاً إن شاء الله، فهذا عمل أفاد الأمة الإسلامية، وهو من جانب العلم وليس من جانب الجهاد كما ذكرنا.

    يقول الحسن البصري كلمة عجيبة جداً يقول: يوم القيامة يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء فيرجح مداد العلماء قد نستغرب من هذا الكلام، لكن هذا واقع، كم من المجاهدين الذين جاهدوا بإخلاص، ولكن ليس عن علم فضلوا وأضلوا، كما هو حال الخوارج، والآن ترون بعض الناس تتطوع بقتل من لا يجوز أن يقتل وتدمير ما لا يجوز أن يدمر، وفعل الموبقات باسم الإسلام، وهو يتوجه توجهاً صادقاً إلى الله عز وجل، لكن هذا التوجه يفتقر إلى العلم، فيضيع نفسه ويضيع أمته، وهذا مشاهد بكثرة في القديم والحديث، من أجل هذا قدم العلم على الجهاد في سبيل الله، وليس معنى هذا أن نأخذ العلم فقط ونترك الجهاد، لا، (فكل ميسر لما خلق له) يعني: كل واحد بحسب إمكانياته، لكن الآن لا عذر لك أن تكون عالماً.

    إذاً: نرجع لأختنا السائلة ونقول: إن من الأدوار الهامة جداً عليك أن تعملين كما عملت أم زيد بن ثابت ، وهو أن تربي ابنك حتى يكون عالماً من علماء الأمة، وسنتعرض إن شاء الله في الدروس القادمة لموقف أم الشافعي وأم أحمد بن حنبل وأم البخاري وغيرهم من العظماء وأم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، فهناك كثير جداً من العظماء أثرت فيهم الأمهات، وأخرجن للأمة رجالاً غيّروا -حقيقةً- من وجه التاريخ.

    إذاً: هذا هو أول محور تسير فيه المرأة المسلمة.

    دور المرأة في مجال تخصصها العلمي

    المحور الثاني في غاية الأهمية أيضاً: وهو محور العلم نفسه الخاص بها، أعني: مجال تخصصها، وأنا أهيب بالنساء والأخوات أن يتخصصن قدر المستطاع فيما يفيد الأمة عن طريق الأخوات، يعني: هناك بعض الأمور تنجح فيها المرأة أكثر من الرجل، وتسد فيها المرأة الثغرة أكثر من الرجل، فنحن نحتاج في هذه الأمة طبيبات يسترن عورات المسلمات، فليس هناك داع أن مسلمة تذهب وتكشف عند رجل طبيب مع وجود النساء الطبيبات الماهرات الحاذقات الفاهمات في علمهن فهماً دقيقاً جيداً، فهذه ثغرة نحتاج إلى سدها، وليس فقط في فرع النساء والتوليد، لا، بل في فرع الباطنية والأمراض الجلدية والعيون والأنف والأذن والحنجرة.. وغير ذلك من الفروع التي تتحرج المرأة جداً من الذهاب إلى الطبيب.

    لكن إذا لم يوجد غير الطبيب وانعدمت النساء المعالجات فللمرأة أن تذهب إلى الطبيب؛ لأن عندها عذراً في ذلك، لكن إذا كان عند المرأة ثغرات فلماذا لا تسدها؟

    إذا: هذا مجال.

    وأيضاً مجال التدريس، هذا مجال في غاية الأهمية، وقد تبدع فيه المرأة إبداعاً غير مسبوق وتصل إلى ما لا يصل إليه الرجال عادةً، والمرأة بصفة عامة أقرب إلى الأطفال منها من الرجال.

    إذاً: هذا محور في غاية الأهمية: مجال تخصصها، فتبدع فيه إن شاء الله، لكن أؤكد على أن النقطة الأولى هي المرتبة الأولى، والنقطة الثانية هي المرتبة الثانية، والنقطة الثالثة هي المرتبة الثالثة، يعني: بهذا الترتيب.

    دور المرأة في مجال الدعوة إلى الله عز وجل وتوريث التخصص للآخرين

    المحور الثالث: الدعوة إلى الله عز وجل، لا تكون الدعوة إلى الله عز وجل إلا عن علم، فلابد للمرأة أن تتعلم شيئاً وتنقله، فلا تنقل شيئاً عن جهل فتضر من تنقل إليه، سواء كان هذا العلم علماً شرعياً أو علماً حياتياً، يعني: إذا كنت متقنة لشيء في العلوم الشرعية: متقنة للتجويد، متقنة لبعض الأمور الفقهية، متقنة للرقائق والأخلاق.. أو غير ذلك، فانقلي هذه العلوم إلى غيرك: (بلّغوا عني ولو آية).

    كذلك توريث العلم التخصصي، فإذا كنت متخصصة في النساء والتوليد أو في غيرها فاهتمي ببنات جنسك من النساء المسلمات اللاتي في نفس التخصص، وذلك بالرفع من مستواهن ومن قدراتهن.

    هناك شيء مهم جداً أيضاً وهو داخل في هذه النقطة ألا وهو تعليم القراءة والكتابة، فالأمية كما ذكرنا في الدرس السابق متفشية بدرجة غير مقبولة في بلاد المسلمين، وهي في النساء أعلى منها في الرجال، فنسبة الأمية في النساء تقريباً ضعف نسبة الأمية في الرجال، ليس في مصر وحدها ولكن في بلاد العالم أجمع، ومنها بلاد العالم الإسلامي.

    وأنا أنتهز المناسبة من أجل أن أحمس أخواتنا وإخواننا أيضًا على قضية الأمية هذه؛ لأن عندي سؤالاً يقول: هل مطلوب مني أن أحضر رسالة ماجستير ودكتوراه وعندي عدد هائل من الأمة لا يقرأ ولا يكتب أصلاً؟

    فأقول: كل ميسر لما خلق له، عندنا أناس ستبدع في مجال الكيمياء والفيزياء والفلك والطب والهندسة والعلوم الأخرى، وعندنا أناس تستطيع أن تفرغ طاقتها الدعوية، وتخدم أمتها عن طريق تعليم أولئك الذين لا يقرءون ولا يكتبون، يعني: ليس كلنا يستطيع أن يصل إلى درجة العلماء المتخصصين في الفرع الذي أنت فيه، لكن ممكن تشغل نفسك بتعليم المسلمين القراءة والكتابة، وهذا عمل جليل، وهو عمل ليس صعباً، فأحد إخواني كنت أتحدث معه عن الأمية قبل أن آتي إلى المحاضرة، فقال لي: أنا قعدت مع اثنين من حراس العمارات في إحدى المناطق مدة شهر واحد فقط، وكنت أجلس معهم كل يوم ساعة أو ساعة ونصف أو ساعتين أعلمهم فيها اللغة العربية، وكانا أميين لا يعرفان القراءة ولا الكتابة، وخلال شهر أتقن الاثنان القراءة والكتابة، هل هذا متيسر للجميع؟ أنا أعتقد أنه متيسر وأكثر من ذلك، لكن ابدأ وربنا سبحانه وتعالى ييسر: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، نعود إلى نسبة الأمية في مصر، الحمد لله نزلت نسبة الأمية من (45%) عام (2003م) إلى (29%) في هذه السنة، يعني: أن (29%) من شعب مصر أمي لا يكتب ولا يقرأ، وهذه نسبة خطيرة، يعني: من كل عشرة ثلاثة لا يستطيعون القراءة أصلاً لا يفتحون المصحف أساساً ولا كتاباً ولا صحيفة ولا غير ذلك، ونحن قاعدون بينهم وهم قاعدون بيننا، فهم ليسوا منعزلين في بلد ثان، لا، بل هم موزعون علينا كلنا، كل واحد منا يرى حوله منهم، فهؤلاء مسئولية من؟ مسئولية الحكومة فقط أم مسئوليتنا جميعاً؟

    من أجل أن تعرف إلى أي حد صار هذا الرقم مخيفاً فاعرف نسبة الأمية في إسرائيل أيضاً، ونحن نقارن بإسرائيل؛ لأنها دولة -كما ذكرنا- لقيطة خرجت من لا شيء منذ حوالي ستين سنة أو أقل من ستين سنة، لكن أخذوا بالعلم حقيقة علم الحياة، فنسبة الأمية في إسرائيل (2.9%)، بينما في مصر (29%) يعني: العلامة العشرية فقط انتقلت قليلاً، هي جاءت كذا قدراً (2.9%) فقط.

    هذه النسبة في سن من كان فوق خمس عشرة سنة إلى أربع وعشرين سنة، لو أخذنا الشباب فسنجد أن (15%) من شباب مصر لا يكتب ولا يقرأ، ستقول: مجانية التعليم، وستقول: التعليم الإلزامي: وستقول وستقول.. انظر (15%) من شبابنا لا يقرءون ولا يكتبون، في إسرائيل هذه النسبة (0.2%)، هؤلاء الشباب سيكبرون وهم غير متعلمين إذا لم يعلم مستقبلاً، وستحدث مشكلة؛ لأن هذا الشاب الذي لا يقرأ ولا يكتب لن يكون حريصاً تمام الحرص في الأغلب على أن يكون أولاده من العلماء، فأكبر شيء قد يعمله أنه يعلمهم أن يقرءوا ويكتبوا، أو يدخلهم المدرسة ليأخذوا شهادة أياً كانت هذه الشهادة، لكن لن يكون عنده طموح العلماء؛ لأنه لا يقرأ ولا يكتب، ولا يستطيع أن يساعد أولاده، فهذه فتنة كبيرة، والمسئولية مسئوليتنا.

    إذاً: أنا أعلمه الآن من سن خمس عشرة سنة إلى أربع وعشرين سنة قبل أن يؤسس أسرة، أعلمه بحيث إذا أسس أسرة يربي أولاده تربية صحيحة.

    أنا أريد أن أخبركم عن رقم غريب جداً: نحن دائماً نضرب الأمثلة بإسرائيل وبأمريكا وبإنجلترا وبفرنسا فيأتي لنا نوع من الإحباط؛ لأن هذه بلاد متقدمة كما يقولون، نحن كما قلنا عندنا (15%) في الشباب أمية، فنسبة الأمية في كوبا في الشباب من سن خمس عشرة سنة إلى أربع وعشرين سنة، وكوبا هي بلد موجودة، لكن لا نسمع عن أي تأثير لها في حركة التاريخ أو الواقع فنسبة الأمية فيها (صفر) يعني: ليس فيها ولا شاب من سن خمس عشرة سنة إلى أربع وعشرين سنة لا يقرأ ولا يكتب، كل الشباب يقرأ ويكتب.

    وهذه الصحوة جديدة فجائز أن تكون نسبة الأمية في كوبا عند الكبار (0.2%)، التي يقابلها عندنا (29%)، يعني: كوبا دولة فقيرة ومضطهدة ومحاربة، وبعيدة عن أسباب العلم المتاحة في البلاد الأوروبية والغربية واليابان والصين.. وما إلى ذلك من بلاد متقدمة الآن، ومع ذلك استطاعت أن تحل مشاكلها، فإذا كانت كوبا استطاعت أن تعمل هذا فمؤكد نحن نستطيع أن نعمل مثلهم، وراجعوا إحصائيات الأمية لعام (2005م) التابعة للأمم المتحدة ستجدون أن أمريكا اللاتينية معظم الدول التي فيها تجاوزت فيها نسبة التعليم (98%) أو (97%): تشيلي، البرازيل، فنزويلا، كولومبيا، حتى كولومبيا التي فيها المخدرات والمشاكل، ومع ذلك مستوى التعليم عندها عالياً، فلا عذر لنا في هذه الأمور، إن كان نظام التعليم فاسداً وهناك محاولات لإضعافه أكثر وأكثر، وهناك تسلط من أمريكا ومن الاتحاد الأوروبي وتغيير المناهج وتحريفها، فلا نلتفت إلى مثل هذه الأمور ونتقاعس، بل على كل واحد منا دور في التغيير، ولا ننتظر أن ينزل التغيير من السماء أو من أي مكان من خارج مصر، أو من خارج العالم الإسلامي بصفة عامة.

    هذا الكلام الذي أذكره عن مصر ينطبق على كل البلاد الإسلامية تقريباً، فنسبة الأمية في البلاد الإسلامية تقريباً هي نفس النسبة التي في مصر، أكثر بقليل أقل بقليل، لكن في العموم نسبة الأمية في البلاد العربية مجتمعة (16%) لكن في مصر للأسف أعلى نسبة (29%)، ونسبة الأمية في العالم ككل في الإناث (14%)، لكن سنذكر نسبة الأمية عند الإناث في مصر من أجل أن أحمس أخواتي ليتحركن في هذا المجال، وهذا من أبلغ مجالات الدعوة إلى الله عز وجل، وهناك بعض الأخوات تهتم أن تعلم أختها حكماً فقهياً واحداً أو حكم تجويد واحد أو خبراً واحداً أو قصة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، أقول: لو تعلميها القراءة والكتابة تكونين قد فتحت لها أبواب العلم لتنهل منها ما تشاء، وستبدع بعد ذلك في كل المجالات، فلو علمتها كيف تقرأ وتكتب في ساعة أو ساعتين ستنطلق تقرأ هي عشر ساعات خمس ساعات، وسيفتح ربنا سبحانه وتعالى لها من أبواب رحمته.

    فنسبة الأمية في مصر عند الإناث (41%) بينما في كوبا (صفر) هذه أزمة خطيرة، وتحتاج إلى وقفة جادة منا، وتحتاج من أهل الخير أن ينفقوا في هذا المجال وبسخاء، يعني: لو كان ليس عندك القدرة على التعليم فأحضر شخصاً محترفاً في التعليم وأعطه مرتباً مجزياً وجيداً واجعله يعلم أهل الحي القراءة والكتابة، أليست هذه حسنات؟ هذه نقلة نوعية في حضارة هذه الأمة، يستطيع الفرد الأمي بعد تعلمه أن يقرأ قرآناً وحديثاً وديناً وشرعاً وغيرها من الأمور، ويعرف في نفس الوقت أحداث العالم ويعرف وضعه بالنسبة لغيره من الأمم، ويدرك المؤامرات التي تحاك ضد المسلمين، ويدرك الخير من الشر، والصالح من الفاسد.

    هذا أمر في غاية الأهمية نريد أن نفرغ له أوقاتاً وأموالاً وجهداً وفكراً.

    وفي إسرائيل نسبة الأمية في الإناث (4%) والذكور (1.5%) سأضرب مثالاً غريباً جداً على نسبة الأمية في بلد تستغربونه، كل هذا ليس من أجل أن تحبطوا، لا، لأجل أن تتحركوا، لا يقل أحد: ظروفنا صعبة، هذه الكلمة لا نريد أن نسمعها أبداً؛ لأن ربنا سبحانه وتعالى مطلع عليك ويعرف ظروفك جيداً، ولن يحاسبك إلا على إمكانياتك، فنسبة الأمية عندنا -كما قلنا- في الشباب (15%) إجمالاً رجالاً ونساء، من خمس عشرة سنة إلى أربع وعشرين سنة، فتعالوا انظروا إلى نسبة الأمية في فلسطين المحتلة في الضفة الغربية وغزة فنسبة الأمية هناك (1%) فظروفنا أم ظروفهم أصعب؟ يعني: مهما حاولت أن تأتي بالمبررات فلا توجد عندنا مبررات، المبرر الوحيد أن الصحوة الإسلامية هناك تحركت في مجال التعليم، وبدءوا يعلمون الناس حقيقة، فأنتجوا مع وجود القهر اليهودي، ومع وجود الحصار، ومع قلة الأموال، ومع قتل الشباب والرجال والنساء، فظروفهم صعبة في كل شيء، المباني المهدمة والأطفال يذاكرون تحت الشجر وفي الشارع، والمدرسة الواحدة تجمع بداخلها (200) و(300) طالب، وهم يعيشون بداخلها ويبيتون بداخلها؛ لأن بيوتهم تهدمت، ونسبة الأمية عندهم (1%) الله أكبر!

    إذاً: لماذا تكون عندنا (15%)؟! ولماذا الأمية في المغرب في الشباب (30%) ضعف مصر، ونسبة الأمية في الكبار (48%)؟! هذه كارثة.

    نحن نشاهد الشواطئ والمدن الفخمة في المغرب، لكن ادخل داخل البلد وشاهد وانظر إلى الوضع هناك، إنه وضع مأساوي، كذلك في اليمن، في السودان، في مصر، في باكستان، الوضع يحتاج إلى وقفة في منتهى الجدية من الأمة الإسلامية.

    إذاً: هذه المجالات أو المحاور مهمة جداً للنساء وللرجال، ونحن قلنا: محاور النساء؛ لأجل أن تعرف كل امرأة ما هو الدور الذي عليها، وترتيبها كالآتي:

    أولاً: الأولاد والزوج هذه مسئولية أولى على المرأة؛ لأن مسئولية العلم تختلف عن الأولاد والزوج، فعلم الكيمياء أو الطب أو غير ذلك من العلوم إذا لم تستطيعي أن تعطي فيها جهداً فقد تأتي غيرك وتجتهد فيها وتبدع، لكن زوجك لن تأتي زوجة الجيران لتستكشف أخباره هذا لا ينفع أليس كذلك؟ لا يجوز شرعاً.

    كذلك أولادك مسئولية في رقبتك لا تستطيعين أن توكلي بهذه المهمة إلى خادمة أو إلى جارة، أو إلى مدرسة.. أو إلى غير ذلك، وتنزعين عن نفسك هذه المهمة الهامة جداً، سوف تسأليني عليها أمام الله عز وجل يوم القيامة.

    ثانياً: قضية العلم كما ذكرنا.

    ثالثاً: قضية التوريث، يعني: أن أورث العلم لغيري، سواء كان علماً تخصصياً أو علماً شرعياً أو قراءة وكتابة.

    1.   

    دور طلاب وأساتذة وخريجي الكليات النظرية في النهوض العلمي للأمة

    سأل أحد الإخوة: ما هو دور الطلاب والأساتذة والخريجين في الكليات النظرية؟ يعني: كل ما ذكرناه من براءة اختراع وتصنيع وغير ذلك، فطالب يقول لي: أنا في الآداب فهل بإمكاني أن أنفع الأمة وأخوض في هذا العلم، أم أغير الكلية؟ أم ماذا أعمل؟

    فقلت له: أنت في أي قسم في الآداب؟ فقال: في قسم التاريخ، قلت له: أنت على ثغرة -لو تعرف قيمتها- من أهم الثغرات التي طعن فيها المسلمون أكثر من طعنة.

    التاريخ مزور تمام التزوير، وإن شاء الله في هذه المحاضرات سيكون لنا محاضرة بعنوان: روائع الحضارة الإسلامية العلمية، ستكتشفون أنا لم ندرس شيئاً عن تاريخنا، وأن كل الذي عرفناه عن تاريخنا مجرد صراعات وخلافات وانقلابات ومؤامرات وأمور من هذا القبيل، ومعظمها مزورة.

    فدور إخواننا في الكليات النظرية أن يبدعوا في هذه المجالات، كل في مجاله، فكلية الآداب فيها قسم تاريخ، وهذه ثغرة رهيبة؛ لأن هذه الكليات في العموم فيها الكثير من العلمانيين، فهناك رسالة ماجستير رفضت في إحدى الجامعات المصرية عن الرسول صلى الله عليه وسلم في السيرة النبوية؛ لأن مراجعها ومصادرها إسلامية ليست غربية، فعندما أتكلم على الرسول صلى الله عليه وسلم مطلوب مني أن آتي بمرجع فرنسي وألماني وإنجليزي ولا ينفع أن آتي بمراجع علماء المسلمين؛ لأن هذا تخلف، ورفضت فعلاً الرسالة إلى أن عدل المراجع وأتي بالمراجع الغربية والشرقية، فنحن بحاجة إلى أن نغزو هذه الأماكن ونغير من هذه العلوم، ونضع المعايير الشرعية الإسلامية لدراسة التاريخ وغيره من الفروع.

    أيضاً في كلية الآداب قسم لغات، وهذا قسم في غاية الأهمية، من يصل بالإسلام الصحيح وبالشرع الحنيف وبالتاريخ المنضبط إلى الروس وإلى اليهود وإلى الأسبان وإلى كذا وكذا من البلاد الأعجمية؟ من يصل إليهم إن قصر في ذلك أبناء الأمة الإسلامية، أو علماء الأمة الإسلامية.

    إذاً: أنت عليك أن تتعلم هذه اللغة وأن تتقنها كأهلها، كـزيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه فقد تعلم اللغة العبرية والسريانية وأتقنهما.

    ثم عليك أن تتحرك بالعلوم النافعة إليهم، وتعرفهم دين ربنا سبحانه وتعالى وتقيم حجة الله عز وجل على عباده، هذا دور في غاية الأهمية لإخواننا الطلاب في هذا القسم قسم اللغات.

    وقس على هذا علم النفس، تجد معظم العلماء في علم النفس إما يهود وإما علمانيون وإما ملحدون وإما غير ذلك، وهذا للأسف الشديد شيء خطير جداً، وأسس علم النفس على أيديهم وانتقل بعد ذلك إلى كل الأرض بما فيها أمة الإسلام، مع أن علم النفس له أسس في منتهى القوة والوضوح في كتاب ربنا، وفي سنة حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الصالحين من أبناء الأمة، وفي علماء المسلمين.

    كذلك علم الاجتماع، علم كذا، فالكلية كلها من أولها إلى آخرها تستطيع أن تكون فيها مبدعاً وعالماً من العلماء، ومخترع علم الاجتماع هو ابن خلدون رحمه الله فهو الذي ابتكره من الأساس، ونسب إلى الفرنسي ديكارت بعد ذلك ظلماً وعدواناً، لكن -كما قلنا- الذي اخترعه وابتكره وأول من كتب فيه هو ابن خلدون رحمه الله.

    وهذا سؤال آخر حساس من أحد طلبة كلية الحقوق يقول فيه: إنه يعرف شخصاً ترك الكلية؛ لأن الكلية تدرس أموراً مخالفة لشرع الله عز وجل، تدرس قوانين وضعية، فمن ثم ترك الكلية تأثماً أن يكون من الدارسين لها، ولو أكملت دراستي في الكلية فليس معقولاً أن أحضر دراسات في الكلية في العلوم التي هي قوانين وضعية مخالفة للشريعة؟

    أقول: إن كلية الحقوق تخرج لنا كل سنة (7000) طالب أو (10000) أو (20000)، والشيخ الذي يقول: إن على الطلبة الملتزمين ألا يدخلوا هذه الكلية وأشباهها، وهذا الكلام موجود يقوله بعض الناس، يقولون: ما دام الشخص التزم فعليه أن يترك الكلية، أقول: أنت عندما تحصل لك مشكلة في البلد: مشكلة قضائية مع جارك، أو مشكلة مع رئيسك في العمل، أو مشكلة في أي شيء ماذا ستعمل حينها؟ ستذهب إلى محام قد لا يتقي الله عز وجل، وقد يدلس ويكذب، وقد يفعل كذا وكذا وكذا، فهل نحن لسنا محتاجين لمن يراعي ربنا سبحانه وتعالى في هذا المكان، ويحافظ على حقوق المواطنين الذين يعيشون في هذا البلد؟! نعم نحن بحاجة إلى ماهر في هذه الوظيفة يدافع عن المظلومين، ألسنا نظلم بصفة عامة في هذه الحياة؟ مليون مرة يحصل الظلم، سواء على مستوى كبير أو صغير، أو مستوى جارك، أو مستوى حكومي أو فردي.

    إذاً: من الذي يرد لك هذا الحق؟ ما دام لا يوجد قانون شرعي (100%) كشرع الله عز وجل فهل أترك أرضي لمن يأخذها ولا أتكلم؟ ويأخذ فلان داري فلا أتكلم؟ ويصدمني آخر بسيارته فلا أتكلم؟ ويخرجني هذا من عملي فلا أتكلم؟ ويعتقلني شخص فلا أتكلم؟ هذا لا ينفع، لا بد أن تذهب إلى شخص يخرجك من هذه الأزمة ومن هذه المشكلة، فهذه ثغرة محتاجة لشخص عنده ضمير وعنده علم وتقوى لله عز وجل؛ لكي يسد هذه الثغرة.

    نعم قد يقول قائل: ليس في يدي أن أغير قوانين البلد، نقول: أنت في يديك أن تكشف الأوراق، فأنا لا أعرف كل بنود الدستور الوضعية، ومخالفة هذه البنود للشريعة، وقوة حجة الشريعة في مواجهة هذه القوانين، لكن المتخصص يعرف.

    وأذكر لكم كتاب (التشريع الجنائي الإسلامي) للشهيد عبد القادر عودة ، هذا من أروع ما كتب، وعبد القادر عودة رحمه الله أعدم في هذا البلد، وعبد القادر عودة كان من خريجي كلية الحقوق، وكان قاضياً، وكتب الكتاب الذي أثبت فيه بالأدلة والبراهين والحجج الدامغة أن شرع الله عز وجل لا يقارن بغيره من القوانين الوضعية، فأصبح الكتاب إضافة في منتهى القوة للمكتبة الإسلامية وللأمة الإسلامية بصفة عامة، ليس في مصر وحدها، ولكن في عموم العالم الإسلامي، وليس في زمانه فقط، بل وإلى يوم القيامة، والكتاب موجود ومحفوظ ونسأل الله أن يجعله في ميزان حسناته، وألف كتاب (الإسلام وأوضاعنا السياسية) و(الإسلام وأوضاعنا القانونية) و(هذا الدين بين كيد أعدائه وجهل أبنائه) فهو أضاف إضافات في منتهى القوة في تخصصه.

    لو عندنا عالم قانون في مجال الاقتصاد يستطيع أن يقيم الحجة الدامغة أن الربا مهلك، عالم واحد في الاقتصاد والقانون قرأ القوانين الدولية، وقرأ قانون الاقتصاد الموجود في بلادنا، والموجود في العالم، والموجود في التاريخ، والموجود في الواقع، ويعرف القانون الاقتصادي في الشريعة الإسلامية، ويقوم بعد ذلك بالدراسات المقارنة، فيقيم الحجة على عباد الله عز وجل، يقول كلمة حق في المدرج، بدل ما يصبح المدرج علمانياً يصبح المدرج إسلامياً، يقول لهم: والله عندكم في الدراسة كذا كذا كذا وهذا يخالف شرع الله، وهذا يتفق مع شرع الله، ألا نحتاج إلى واحد بهذه الصورة.

    إذاً: نتمنى أن تتحول كلية الحقوق بكاملها إلى كلية قوانين شرعية، نعم، لكن أنا أسدد وأقارب كما ذكرت.

    1.   

    تابع الأدلة الدالة على كون العلوم الحياتية علوماً أخروية شرعية

    ذكرنا في الدرس السابق أن العلوم الحياتية من العلوم الشرعية، وذكرنا خمسة أدلة:

    الأول: أن الله عز وجل خلق الإنسان على الأرض وأمره أن يعمرها وينشئها ويبدع فيها، قال عز وجل: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31]، وذكرنا هذه الأسماء وقلنا: هي علوم حياته: هذا جبل، وهذا سهل، وهذه شجرة، وهذا بحر، وما إلى ذلك.

    الدليل الثاني قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] يعني: قد اكتملت العلوم الشرعية، ولم تكتمل بعد العلوم الحياتية، والمسلمون يحتاجون إلى الخوض في هذا المجال والتعلم فيه، كما قال ربنا: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت:53].

    الدليل الثالث: أن الكثير من قضايا الفقه لا يمكن أبداً الإفتاء فيها بحق وبعلم إلا في حال وجود متخصص في المجال الحياتي، يعني: متخصص في العلوم الطبية، أو متخصص في العلوم الاقتصادية؛ لكي يعرف الفقيه أن يصدر حكماً صحيحاً لابد من أهل التخصص يشرح له القضية شرحاً وافياً.

    الدليل الرابع: ما البديل لفشل الأمة الإسلامية في العلوم الحياتية؟! هل البديل أن نعتمد على غيرنا فنستورد كل شيء؟! وهل تقوم أمة على أكتاف غيرها؟! بل هل تقوم أمة على أكتاف أعدائها؟! فمعظم الاستيراد يأتينا من بلاد محتلة لنا، هل هذا يعقل؟! هل هذا أمر مقبول شرعاً؟ هل هذا أمر شرعي أن أكون متخلفاً في التصنيع، لدرجة أنني أعتمد على عدوي في التصنيع، وأستورد منه هذه الأمور؟!

    انظر إلى هذه الإحصائية: الواردات في البلاد العربية: (37.7%) من ورادات العالم العربي من الآلات ومعدات النقل، وأكثر من (60%) من وارداتنا تصنيع، وستجد رقماً آخر غريباً جداً، فوارداتنا من المواد الخام (5%) يعني: بفضل الله بلادنا غنية جداً بالمواد الخام، فهي كثيرة جداً لدرجة أنني لا أحتاج أن أستورد من المواد الخام غير (5%) فقط، لكن نحن نستورد (60%) وأكثر من الأمور المصنعة، فنحن عندنا بقر فيها لبن، وعندنا أرض تخرج خيراً، لكن لا نستغل هذه الأشياء، فنجعل غيرنا يستغلها ثم يبيعها لنا بعد ذلك بعشرة أضعاف الثمن.

    ثم نأتي إلى صادرات العالم الإسلامي ستجد (69%) من صادرات العالم الإسلامي من البترول، ويستوردون (5%) من المواد الخام، يعني: حوالي (75%) من صادرات العالم الإسلامي من المواد الخام، فنحن نصدر المواد الخام ويصنعونها في الخارج ثم نعود لنستوردها مرة أخرى، هل يستقيم هذا الوضع؟ حتى البترول الذي نحن نصدره بكميات كبيرة من الذي يخرجه من غير تصنيع؟ شركات أمريكية، وشركات كندية، وشركات أوروبية ويأخذون نسباً رهيبة من البترول، وعقود احتكار تسعة وتسعين سنة، يعني: قصرها على نفسه وعلى أولاده وأحفاده وأحفاد أحفاده، تسعة وتسعون سنة عقود احتكار في شركات استخراج البترول من هنا وهناك من أطراف العالم العربي المختلفة.

    إذاً: هذه الأرقام تحتاج إلى وقفة من المسلمين.

    وتكلمنا عن السلاح، وقلنا: إننا نستورد السلاح في الغالب كله من الخارج، لا يصنع في بلاد المسلمين، قليل جداً من البلاد الإسلامية هي التي تصنع السلاح، ومعظم الدول الإسلامية تستورد السلاح من أمريكا وإنجلترا وفرنسا وروسيا، يعني: أمريكا وإنجلترا احتلتا أفغانستان والعراق ونستورد منهم سلاحاً، وروسيا احتلت الشيشان ونستورد منهم سلاحاً، هذا شيء لا يقبل.

    الدليل الخامس: أن علوم الحياة طريق لمعرفة الله عز وجل، كلما تقرأ في الكون أكثر تعرف ربنا سبحانه أكثر، وتستطيع أن تعبد الله عز وجل عبادة صحيحة، ولذلك يقول الله عز وجل: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67]، يأتي الإشراك عندما لا تقدر الله حق قدره، والتبحر في هذه العلوم يعطي لله عز وجل قدره، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:67]، عندما أقرأ في الطب وفي الفلك وفي الجيولوجيا وأرى هذه العلوم الواسعة، وأرى خلق الله عز وجل، وفي النبات وفي الحيوان وفي غيره أزداد تعظيماً لله عز وجل وعبادة له.

    العلوم الحياتية وسائل لفقه القرآن الكريم والسنة المطهرة

    الدليل السادس: أن العلوم الحياتية وسائل من وسائل فقه القرآن الكريم والسنة المطهرة، يعني: لكي أعرف أفسر القرآن الكريم تفسيراً صحيحاً أحتاج إلى معرفة العلوم الحياتية.

    يعني: أن علماءنا القدماء من السلف عندما قرءوا آيات في القرآن الكريم فهموها فهماً معيناً وفسروها على وجه معين، ولما تقدم العلم بالمسلمين فهمنا منها أشياء أخرى وظهرت وجوه جديدة، فمثلاً: قوله سبحانه وتعالى: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [النبأ:7] فبعد ظهور العلم الحديث وكلكم تسمعون للدكتور زغلول النجار بارك الله فيه، والدكتور أحمد شوقي إبراهيم وغيرهما ممن يتكلم في هذا المجال، فهؤلاء اكتشفوا أن الجبل الذي فوق الأرض إنما هو جزء يسير من حقيقة الجبل، وأن معظم الجبل داخل الأرض كالوتد، فإذا أضفت إلى ذلك أن مهمة هذه الجبال هي تثبيت الأرض كمهمة الوتد عندما يثبت الخيمة، فهذا متفق مع كلمة الوتد، وهذا يعني الكثير والكثير عندما يكتب في تفسير القرآن، أليس هذا مختلفاً عن مجرد القول بأن الجبال أوتاد يعني: قوية وراسخة وكبيرة؟ فلو فسرنا الآية بهذا التفسير العلمي فكم من الناس في الأرض إذا قرءوا هذا التفسير العلمي قد يسلمون؟!

    قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، أحد الإنجليز كان يشاهد برنامج في التلفاز عن أبحاث الفضاء، وكانت المذيعة تقول لعالم من علماء الفضاء: أنتم أنفقتم أموالاً ضخمة على الفضاء وكذا والناس تموت من الجوع ومحتاجة لهذه الأموال، فقال: نحن اكتشفنا تقنيات حديثة، ووسائل في العلاج، ووسائل في كذا..، واكتشفنا اكتشافات لم نكن نستطيع أبداً أن نكتشفها لو لم ننفق ما أنفقنا في رحلات الفضاء هذه، قالت له: مثل ماذا؟ قال لها: كانشقاق القمر، ثبت بما لا يدع مجالاً للشك -ونحن لا نفهم كيف- أن القمر قد انشق قبل زمن والتحم من جديد سبحان الله! هذا الإنجليزي كان يشاهد التلفاز وكان قد أهديت له نسخة من القرآن الكريم مترجمة، وقبل مشاهدة البرنامج كانت أول سورة فتحها: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، فقال: كيف انشق القمر؟! هذا كلام غير مقبول، فلما شاهد البرنامج أسلم من ساعته، وهو الآن من الدعاة إلى الله عز وجل، فهذه إضافة.

    فهل ستظل أمة الإسلام منتظرة لأمريكا أو إنجلترا أو أسبانيا أو ألمانيا حتى تكتشف اكتشافاً علمياً فتذهب لتسقطه على القرآن الكريم؟ هذا لا ينفع، على علماء المسلمين أن يكتشفوا العلم، ونحن نجد في كتاب ربنا سبحانه وتعالى هذه الأشياء، فيكون هذا حجة دامغة على العباد، وكتاب الله عز وجل لا تنقضي عجائبه، وسيظل هكذا إلى يوم القيامة، في كل سنة وفي كل قرن يخرج لنا منه شيء، لا تظنوا أن هذه هي آخر القصة، لا، سيأتي مستقبلاً ونرى أشياء أخرى وثالثة وعاشرة، وبعد عشرات السنين من الآن إن كان في عمر الأرض بقية سترون الكثير والكثير، وسيرى أحفادنا الكثير والكثير؛ لأن هذا الكتاب كتاب معجز.

    إذاً: العلوم الحياتية لو أخذتها بهذه النية ألا يكون هذا علماً شرعياً يساعدك على تفسير القرآن الكريم، ويساعدك على هداية الناس لرب العالمين، ويفتح قلوب العباد، فمنهم من يفتح القلوب بكلمات رقيقة، ومنهم من يفتحها بالأخلاق الحسنة، ومنهم من يفتحها مثل هذه العلوم، وهذا طريق من أهم الطرق.

    آثار التخلف العلمي عند الدعاة إلى الله عز وجل

    الدليل السابع: هل من مصلحة الدعوة أن يكون حاملوها من المتخلفين علمياً؟ عندما يأتي شخص من أي دولة غربية وهو نصراني أو يهودي أو ملحد عندما يسمع أنه يوجد بلاد اسمها إسلامية، فخرج ينظر ما هي البلاد الإسلامية فلو قرأ الإحصائيات التي ذكرناها فهل ممكن يفكر في الإسلام؟ صعب، لكن لو قرأ القرآن الكريم والسنة المطهرة فإنه سيجد حججاً قوية، لكن أنت عرضته على فتنة إقفال الباب من الأساس؛ بسبب إهمالك العلوم الحياتية.

    يقول الله عز وجل: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [يونس:85]، أليس كذلك؟ ما عليه المسلمون من التردي والضعف والتخلف يجعل الذي يراهم من غيرهم يقول: مستحيل أن يكون هؤلاء على الحق، فيفتن من رآهم ولا يبحث من الأساس، قل هذا في مجال العلم، وقل هذا في مجال الأخلاق وغيره.

    تحدثت معكم قبل شهور في هذا المسجد عن الرجل الذي أسلم، ثم زار بلاد المسلمين وقال: الحمد لله أنني أسلمت قبل أن أرى بلاد المسلمين، يعني: لو رأيتهم قبل أن أسلم فقد أسلم، فهو رأى هذا الوضع من التخلف في العلوم، ورأى الفساد في الأخلاقيات والرشوة والفساد والتسول في الطريق وأموراً كثيرة جداً، فكان من الممكن أنه ما يفكر أصلاً في الإسلام، لكن الحمد لله الإسلام دين قاهر قوي معجز، ليس فيه خلل لا من قريب ولا من بعيد: تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42].

    إذاً: هل من مصلحة الدعوة أننا نكون متخلفين علمياً؟!

    عندما أتفوق علمياً أوسع مجال دعوتي فعلاً، وأدعو إلى الله عز وجل بالقدوة الحسنة، ولما أقرأ لهم آيات العلم يجدونها متمثلة في، ولما أقرأ آيات الأخلاق فهي متمثلة في، آيات بر الوالدين متمثلة في، وهكذا الدعوة بالحركة، فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، لو تكلمت بعشرين كلمة في مدرج على أهمية العلم في الإسلام وأنت ساقط في مادتين فكلماتك عن العلم ليس لها معنى، والحمد لله نحن بدأنا العام الدراسي الجديد، فينبغي أن نقبل إقبالاً على العلم، لا تأتي عليك آخر السنة الدراسية وعليك مادة مثلاً أو بصعوبة تأتي بمقبول، أو يكون ترتيبك (150) على الكلية أو (200) أو (1000) أو لا يوجد ترتيب أصلاً كما يقول أخونا، هذا لا يستقيم.

    لكن لما تكون الأول على الدفعة وتتكلم كلمة إسلامية، فالناس ستسمع عندما ترى درجتك (100%)؛ لأن الأول يكون له بريق، وكذلك الثاني والثالث، من أعطى وبذل فلا بد أن يأخذ، فربنا سبحانه وتعالى عادل، فيا حبذا لو كان هذا الجهد في سبيل الله، فصاحبه سيأخذ دنيا وآخرة، ألا تشتاقون لهذا الوضع لنا ولأولادنا ولإخواننا ولأمتنا؟!

    ضرورة الإتقان في العلوم الحياتية وغيرها

    الدليل الثامن: ربنا سبحانه وتعالى أمر بالإتقان في كل شيء، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)، فكما أنك مأمور أن تتقن الذبح فمن المؤكد أنك مأمور أن تتقن العلم الذي أنت متخصص فيه، لا شك في ذلك، وكان صلى الله عليه وسلم يحترم الذين يتصفون بالعلم احتراماً قد لا نفهمه إلا بعد فهم قيمة العلم في الإسلام.

    فالرسول الله صلى الله عليه وسلم ولى عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه وهو حديث الإسلام على سرية فيها وجوه المهاجرين والأنصار، قد نستغرب ونقول: عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه أسلم من خمسة شهور يتولى على سرية فيها مائتان من وجوه المهاجرين والأنصار، بل أتبع هذه السرية بمدد فيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين فكانوا تحت إمرته، فاستغربت الناس هذه التولية وسألت الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: (إني لأولي الرجل وفي الجيش من هو خير منه؛ لأنه أبصر بالحرب) .

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (من تطبب وهو لا يعلم عن الطب فآذى نفساً أو ما دونها فهو ضامن)، يعني: لو أن شخصاً اشتغل بمهنة الطب وهو ليس بطبيب أو لم يكن ماهراً في هذا المجال الذي عمل به، كما -وللأسف الشديد- تجدون دكاترة في تخصص مختلف جداً يعالجون أمراضاً أخرى في تخصص آخر، فعندهم عيب في حقه لما يقول: لا أعلم، بل يعالج، فلو عالج غير متخصص مريضاً فآذاه في نفسه أو ما دون ذلك فهو ضامن، يعني: يدفع له دية الشيء الذي أخطأه، سواء كانت في النفس أو في العضو الذي أصيب بالعلاج الخطأ هذا.

    أما الطبيب الماهر فليس ضامناً، يعني: الطبيب الماهر إن حصل منه خطأ ولم يكن هذا الخطأ عن إهمال ليس ضامناً؛ لأنا لسنا مطالبين بأننا نعالج المرضى (100%)؛ لأن هناك أمراضاً لا يعلم شفاءها إلا الله عز وجل، وهناك أخطاء مقبولة في حق الأطباء علمياً وموجودة في الكتب، لكن الأخطاء من غير الماهر أو من غير الطبيب المتخصص غير مقبولة بالمرة، قيل هذا الكلام من أكثر من (1400) سنة.

    انظروا إلى الدقة! وانظروا إلى حياته صلى الله عليه وسلم كيف كانت ثرية بأسس العلم في كل الفروع!!

    عندما أصيب سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه من الذي عالجه؟ عالجته رفيدة رضي الله عنها وأرضاها وهذه امرأة، هذا الكلام لأخواتنا، هذه امرأة تعالج رجلاً وفي هذه البيئة، يعني: الآن قد نفهم الكلام قليلاً، لكن في الماضي صعب، فقد كانت هي الماهرة في هذا العلم، فقدم لها الرجل المريض لتعالجه رضي الله عنها وأرضاها؛ لأنها كانت متمكنة من العلاج للجرحى.

    كذلك قضية تأبير النخل فهي قضية في منتهى الأهمية، فالصحابة استشاروا الرسول عليه الصلاة والسلام في تأبير النخل فأشار برأي ليس من آرائه الشرعية، بل رأي غلب على ظنه أنه يصلح، فقال رأيه في هذه القضية، فامتثل الصحابة لكلامه وهو مخالف لعلومهم، لكن هم توقعوا أن رأي الرسول عليه الصلاة والسلام أفضل من رأيهم، فلم تنتج النخيل مثل ما كانت تنتج، وجاء التمر رديئاً، فذهبوا إليه فقال لهم كلمة رائعة صلى الله عليه وسلم -وكل كلامه رائع صلى الله عليه وسلم- قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، يعني: أنا أقول وأبلغ عن ربي العلوم الشرعية، أما العلوم الحياتية فأنتم أعلم بها، لا بد أن تبدعوا فيها، استشرتموني ولست متخصصاً فيها وقلت رأيي، وأنتم أعلم بها مني، مع أنه من الرسول صلى الله عليه وسلم.

    هذا الكلام يحتاج إلى فقه، وهذا الفقه تحتاج إليه الأمة؛ حتى تتحرك بهذه الحماسة في هذه العلوم الحياتية إلى جوار العلوم الشرعية.

    تحرير الإسلام للعقول واهتمامه بالحجة والبرهان والدليل

    الدليل التاسع: أن الإسلام دين يحرر العقل، ويهتم جداً بالحجة والبرهان والدليل، فهو يأمر المسلمين بالتدبر والتفكر في كل شيء، حتى إنه يناقش أموراً في غاية الحرج، يناقش أمور العقيدة، والعقيدة: أن تؤمن بالله عز وجل عن طريق الحجة والبرهان والدليل، لا يقول لك: هو كذا وانتهى، لا، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79]، هذا دليل عقلي على أن القادر على الإنشاء من لا شيء -من العدم- أقدر على الإعادة من شيء، هذا بالحجة العقلية: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا [يس:79-80] قد يقول قائل: كيف يجعل من الشجر الأخضر الذي بداخله ماء ناراً؟ نقول له: أليس الميت يخرج منه الحي؟!

    وقال في الأخير: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس:81] فهذه حجج عقلية تأتي واحدة بعد الأخرى في قضية واحدة، وهناك آيات أخرى كثيرة في نفس السياق يقيم سبحانه وتعالى الحجة على الخلق أنه هو الخالق، وأنه هو الذي يجب أن يعبد، مع ما جاء عن طريق حبيبه صلى الله عليه وسلم.

    فالإسلام دين يحرر العقل بالفكر والتدبر، وانظر إلى الكون من حولك، وأخرج الثورات التي في باطنه، وأبدع في هذا الخلق، فهذا أمر من رب العالمين سبحانه وتعالى، فهو أمر بالسير في ملكوته عز وجل، والأمر بالسير في الأرض والتفكر والتدبر كثير جداً في كتاب ربنا.

    ارتباط قوة الأمة الإسلامية بالتفوق في العلوم الشرعية والحياتية

    الدليل العاشر: آخر شيء نذكره في هذا المضمار: أنك إذا راجعت التاريخ الإسلامي ستجد دائماً أن عهود القوة مربوطة بالتفوق في العلوم الشرعية والحياتية، لا يوجد عندنا كما كان عند أوروبا من اضطهاد للعلماء، لماذا أوروبا الآن تنادي بالعلمانية؟ وعلمانية يعني: لا دينية، الإنسان العلماني يقول: لا دين، قضية الدين هذه قضية غير مقبولة، لماذا أوروبا كلها تنادي بالعلمانية؟ لأن الكنيسة الأوروبية الكاثوليكية كانت شديدة وقاسية على العلماء، فقد أوقفت حركة العلم في أوساط القرن السادس عشر عند أول ظهور الحركة العلمية والثورة العلمية، فبدأت الكنيسة تضاد وتحارب هذه الحركة العلمية بمنتهى القوة.

    وأنتم تعرفون محاكمات كوبرنيكوس ومحاكمات غاليليو ، كوبرنيوكوس هذا هو الذي اكتشف أن الأرض تدور حول نفسها وتدور حول الشمس، وأن الشمس هي مركز الكون وليست الأرض كما كان معتقداً قبل ذلك، وهذا الكلام كان مخالفاً للأفكار التي عند الكنيسة، فقالوا له: كيف تقول: إن الأرض تدور؟ يعني: أنا أستيقظ في الصبح وأجد محلي قد انتقل من مكان إلى آخر، هذا ليس من المعقول، أليس كل شيء ثابت حولنا؟ خالف فكرهم فاضطهدوه إلى درجة أنهم هددوه بالقتل فهرب من البلد، وحرقوا كل كتبه ومنعوا تدريسها في كل البلاد، ولم يكتشف أن علمه هذا صحيح إلا بعد عشرات بل مئات السنين من وفاته.

    و غاليليو حكم عليه بأنه يحبس في بيته إلى أن يموت، وغيرهم وغيرهم ما بين سنة (1481م) إلى (1499م) يعني: في غضون ثماني عشرة سنة قتل في أوروبا تسعون ألف عالم، من أجل هذا صاروا علمانيين؛ لأن الدين عندهم اضطهدوا العلماء، لكن نحن في ديننا -راجعوا التاريخ الإسلامي- ليس كذلك، نحن في تاريخنا علماء الحياة كعلماء الشرع، كانوا مقربين جداً من العامة ومن الحكام في الأغلب الأعم، نعم توجد هناك حالات شاذة كما تحصل في أي مجتمع، لكن الأغلب الأعم أن هؤلاء العلماء كانوا مقدمين ولهم مكانتهم، فعلى سبيل المثال: الخليفة العباسي المشهور المأمون كان إذا ترجم عالم من العلماء كتاباً من لغة غير عربية إلى اللغة العربية أعطاه وزن هذا الكتاب ذهباً، تترجم كتاب كيمياء روماني، أو تترجم كتاب طب مصري، الطب القديم للفراعنة، أو تترجم كتاباً هندياً أو كذا يوزن هذا الكتاب وتعطى ذهباً بوزن الكتاب الذي ترجمته.

    ماذا عن أخبار الترجمة عند البلاد الإسلامية؟

    ترجم اليهود مائة كتاب سنوياً لكل مائة ألف مواطن، أما العالم العربي كله فيترجم ثلاثة كتب لكل مائة ألف مواطن.

    انظروا إلى هذه المقارنات! اليهود تترجم مائة كتاب إلى اللغة العبرية لكل مائة ألف مواطن، وهم خمسة أو ستة ملايين، كل ذلك؛ من أجل أن ينقلوا لهم العلم الإنجليزي والفرنسي والصيني والياباني وغيره، بينما في العالم العربي كله، كل هذه الدول وهذه الأموال الرهيبة المكدسة لا يترجمون سوى ثلاثة كتب لكل مائة ألف مواطن، هذا قليل جداً، لكن المأمون كان يعطي المترجم وزن الكتاب ذهباً؛ من أجل نشاط حركة الترجمة، فنقلت إلينا علوماً هائلة، أين التشجيع على هذا الأمر؟ هذا في غاية الأهمية يا إخواني!

    وهذا أبو يعقوب يوسف المريني من هذا أبو يعقوب يوسف المريني ؟ الناس التي لم تسمع عن الأندلس لا تعرفه، أبو يعقوب يوسف المريني هذا كان زعيم دولة بني مرين كانت في المغرب، وكان رجلاً من عظماء قواد المسلمين في التاريخ -لعل الكثير لم يسمع عن أبي يعقوب يوسف المريني وكان قد أسر مجموعة من الصليبيين في إحدى المعارك فقام بمبادلات مع جيش الصليبيين، بادلهم الأسرى بكتب إسلامية كان الصليبيون قد أخذوها من مكتبة قرطبة لما دخلوها، وحفظ هذه الكتب التي كان فيها معظم علم الأندلس.

    انظروا إلى الفكر الذي كان عنده.

    أيضاً خلفاء المسلمين في الدولة العباسية يسقطون الجزية عن النصارى واليهود في البلد إذا قاموا بالترجمة، واشتغلوا بالعلوم، وكانوا يردون الأسرى إلى الصليبيين في القسطنطينية وفي غيرها، على أن يسمح لعلماء المسلمين أن يذهبوا إلى المكتبات هناك فيترجموا الكتب التي عندهم.

    هذا يدل على قيمة العلم في تاريخ الحضارة الإسلامية.

    رأينا محاكمة كوبرنيوكوس ومحاكمة غاليليو .

    انظروا إلى محاكمة عباس بن فرناس رحمه الله، عباس بن فرناس من علماء المسلمين الأفاضل المشهورين في الأندلس، كان عالماً في العلوم الحياتية، وكان مبتكراً ومبدعاً في أمور كثيرة، ليس فقط في محاولة الطيران، لكن كان عنده أكثر من اختراع، وكان مقرباً للخلفاء في زمانه، والخليفة الموجود في زمانه هو عبد الرحمن بن هشام الأموي وهذا العالم عباس بن فرناس كان له حساد، فذهبوا إلى الخليفة واتهموه بالسحر والشعوذة، وقالوا: يخرج من بيته دخان فهو يخلط أشياء بأشياء ويقول كلمات عجيبة وكذا، فأتوا به من أجل أن يحاكموه في هذه المحاكمة، فقيل له: أنت تخلط أشياء بأشياء، فقال: إذا خلطت الدقيق بالماء فصنعت منه عجيناً ثم وضعته فوق النار فصار خبزاً أحرام أن نأكله؟ قالوا: لا، ليس حراماً بل هو مما أخبرنا الله أنه حلال، فقال: هكذا أفعل، أنا أخلط مادة بمادة وأسخنها من أجل أن أخرج شيئاً ينفع المسلمين، فطلبوا منه شاهداً، من الشاهد؟ إنه الخليفة عبد الرحمن بن هشام فأتوا بالخليفة إلى المحكمة، فقعد يسمع المحاكمة ثم قام وقال: أشهد أنه يفعل كذا وكذا، وكل هذه الأمور لها أصول عنده، وما علمت عنه إلا التقوى والورع والعلم.

    انظروا خليفة المسلمين وقائد الدولة كلها أتوا به إلى المحكمة ليشهد فشهد لصالح هذا العالم، فحفظت له مكانته رحمه الله! هذه قيمة العلماء.

    إذاً: ليس هناك معنى لأن ينادي العلمانيون في بلادنا الإسلامية وفي غيرها من بلاد العالم أن يبتعد المسلمون عن دينهم؛ لينهضوا، أبداً لم يكن ديننا عقبة في سبيل النهوض العلمي بأنواعه، لكن العلمانيون الذين درسوا المناهج الأوروبية ورأوا ما فعلته الكنيسة الكاثوليكية بالعلماء الغربيين ظنوا أن كل دين يفعل هذا الأمر بالعلماء، لكن الدين الإسلامي حض على العلم من أول يوم وإلى الآن وإلى يوم القيامة.

    إذاً: هذه العلوم تتماشى مع الدين الإسلامي في كل فروعه، فقد حض على العلم بكل أنواع العلوم من علوم شرعية أو علوم حياتية.

    هذه هي الأدلة على كون العلوم الحياتية علوماً شرعية، فتلك عشرة كاملة، هذه عشرة أدلة كما قلنا، يتضح من خلالها أن العلوم الحياتية هي علوم أخروية، فينبغي الاهتمام بها، فالطالب الذي يذاكر هذه العلوم وغيرها فوقت المذاكرة في ميزان حسناته إن شاء الله، بشرط أن توجه هذه النية لله عز وجل، وكذلك تذاكر أو تحضر العلوم وتحاول أن تبدع في المجال الذي أنت فيه؛ لأجل رفعة أمتك ولأجل الثواب من رب العالمين سبحانه وتعالى، بهذه النية تؤجر على هذا العمل، وبهذه الروح تتقدم الأمة إن شاء الله إلى أعلى الدرجات.

    في المحاضرة القادمة إن شاء الله سنذكر بعض الأمور التي بها تكون عالماً إن شاء الله رب العالمين وبغيرها يستحيل أن تكون عالماً، فهي أمور معينة لا بد منها حتى تصير عالماً، وبغيرها لن ينفع أن نكون علماء، كيف نصبح علماء؟ هذا هو حديثنا إن شاء الله في المحاضرة القادمة.

    أسأل الله عز وجل أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44].

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017266591

    عدد مرات الحفظ

    724018618