إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [29-32]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أعرض أكثر الناس عن دعوته وبخاصة من كان منهم ذا سلطان ونفوذ، واعترضوا عليه باعتراضات لا تقبلها العقول السليمة ولا القلوب الصادقة، ومن ضمن ما اعترضوا به على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أن لو كانت الرسالة لرجل من أكابر مكة أو الطائف، وتناسوا خلال ذلك ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم من شرف ومكانة في نسبه وخلقه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين)

    قال الله سبحانه وتعالى: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف:29-30].

    قوله: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ [الزخرف:29] هذه الآية متعلقة بآيات سبقتها، وهي الآيات التي قص الله علينا فيها قصة قريش والعرب عندما دعاهم رسول الله إلى كتاب الله وإلى توحيد الله وإلى عبادته وحده وترك الأصنام والطواغيت فقالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22] كما قال من قبلهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23] وكان هؤلاء قد سبق أن تمنوا وطلبوا أن يكون لهم نبي ورسالة كبقية الأمم، فلما جاءهم الرسول وجاءتهم الرسالة أبوا إلا اتباع الآباء والأجداد عناداً وضلالاً، فأضرب الله عن قولهم وقال: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ [الزخرف:29].

    فالله جل جلاله أمهل هؤلاء العرب وأمهل آباءهم قبلهم ولم يرسل لهم نبياً ولا رسالة ولا ديناً، فكان قد متعهم بالحياة ومتعهم بالأرزاق ومتعهم بما يمتع به كل حي، فقوله: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ [الزخرف:29] أي: على كفرهم وعلى شركهم؛ لأن الله جل جلاله يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    وكان العرب لم ترسل لهم رسالة ولم يبعث لهم نبي قبل نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه.

    وقوله: حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ [الزخرف:29] وكان الحق الرسالة، وكان الحق القرآن الكريم، وكان الحق محمداً صلى الله عليه وعلى آله.

    قوله: وَرَسُولٌ مُبِينٌ [الزخرف:29] جاءهم الحق في شكل رسول مبين، وفي شكل كتاب واضح وحياً من الله جل جلاله؛ فقد جاء الحق الذي كانوا ينتظرون بحيث زهق الباطل قبله من أصنام وأوثان وشرك بالله، وجاء الرسول البين الرسالة والواضح الهداية، المؤكد أنه نبي حقاً بما أتى به من معجزات ودلائل واضحات لكل ذي عقل سديد؛ فهو بيّن الصدق وبيّن الرسالة وبيّن الكتاب الذي أرسل به.

    لكن هؤلاء قد أجابوا نبيهم بأنهم وجدوا آباءهم على دين وعلى أمة وطريقة، وأنهم لا يخرجون عن طريقتهم وأبوا إلا التقليد، كالتقليد في الكفر والشرك مع أن الله جل جلاله متعهم بالعقول السليمة وبأدوات العافية وبأدوات الحياة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر ...)

    وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ [الزخرف:30].

    جاءهم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، جاءتهم الرسالة البيّنة الواضحة الخاتمة، فقالوا: هذا سحر، وجاءهم صاحب الرسالة وهو من بينهم ومن أشرف أوساطهم، قد عايشهم أربعين سنة لم يعلموا عنه إلا صدقاً ولم يعلموا عنه إلا أمانة، عرفوا أباه وأمه وجده وعشيرته، ومع ذلك قالوا عنه ساحر، وقالوا: هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف:30]، فكفروا بالحق بعد أن سموه سحراً، وبعد أن جحدوه وأنكروه.

    فكان الكفر عناداً لا دليل عليه من المنطق ولا من نقل، إن هو إلا الجهل وضياع العقل، ومع ضياع العقل يضيع الدين وتضيع المروءة.

    ولم يكتفوا بذلك بل زادوا اعتراضاً على الله -خابوا وخسروا-: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31].

    أي: إن كان هذا النبي صادقاً فلم اختير هو وليس من عظمائنا ولا من كبرائنا، فهو لا يزال شاباً صغيراً، وهناك من سبقه بالرئاسة والسيادة، فهناك الوليد بن المغيرة من مكة المكرمة، وهناك عروة بن مسعود الثقفي من الطائف.

    فقوله: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ [الزخرف:31] أي: هلا نزِّل هذا القرآن على من هم أكبر منه سناً وأعظم منه زعامة؛ هذا مع اعترافهم أنه أشرفهم حسباً وأصدقهم نسباً وأنه ابن سيد العرب وكبيرهم عبد المطلب بن هاشم ، ولكنهم رأوا بعقولهم السخيفة وفهومهم المزيفة أن فلاناً وفلاناً أعظم شأناً.

    والكفر ملة واحدة، ولسانهم القديم والجديد واحد، كما نرى اليوم من قادة الكفر وزعماء الشرك إذا ظهر داعية لله بمثل فلان وفلان في بلاد العرب وغيرها قالوا: لم لم يدع إليه الفيلسوف الفلاني العظيم في أرض أوروبا وأمريكا؟ وما هؤلاء الأسماء التي سموا إلا أسماء قذرة لبعض الكفرة الذين عاثوا فساداً ودعوا إلى الفواحش ظاهرها وباطنها ولم يرعووا عن باطل قط، ولم يدعوا لحق قط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أهم يقسمون رحمة ربك...)

    قال تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] .

    أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ [الزخرف:32] أي: هل سلمهم الله جل جلاله رحمته ورسالته، وسلمهم أمره ونهيه ليقولوا: هذا عظيم وهذا صغير .. هذا يليق بالرسالة وهذا لا يليق لها! اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] وليسوا هم.

    وكيف يكون عظيماً من يعبد الأحجار والأصنام، ويدعو للفاحشة ويدع عبادة الله الذي خلقه فسواه ورزقه، فيعبد حجراً لا يضر ولا ينفع، هيهات هيهات.. ما هؤلاء الذين سموهم بعظماء إن هم إلا حشرات وأرذال ورموز للباطل هم ومن جاء بعدهم من كل كافر جاحد لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فهذا لا يعتبر إنساناً فضلاً عن عظيم، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل كما وصفهم الله جل جلاله.

    أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ [الزخرف:32] ما دخلهم في هذا؟ فالله أعلم حيث يجعل رسالته، فهو يجعلها في أعاظم الناس خلقاً، وأعاظم الناس إدراكاً وعقلاً، وأعاظم الناس مروءة وثباتاً وقياماً بالحق، فعلم أن محمداً ابن عبد المطلب هو أشرف وأصلح جميع أهل الأرض، فاختاره ليكون خاتم الأنبياء والرسل صلى الله عليه وعلى آله، فكان كما اختاره الله سيد البشر دعوة إلى الله وجهاداً في سبيله وقياماً بحقه.

    وما انتقل إلى الرفيق الأعلى حتى قام بهذه الرسالة أحسن قيام صلى الله عليه وسلم، كان إذا شبع يوماً شكر وإذا جاع يوماً صبر، ليله ونهاره وسفره وحضره لله وللدعوة إلى الله ولنصرة الحق ولإعلاء كلمة الله في كتابه ورسالته، من الوليد ؟ ومن عروة ؟ ومن شيبة بن ربيعة ؟ ومن تلك الأسماء القذرة وأشباهها من الأولين ومن يأتي من الآخرين.

    قوله جل جلاله: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:32]، أي: ربنا هو الذي قسم ما خلق لخلقه، وجعل هذا أميراً وهذا صعلوكاً، وهذا غنياً وهذا فقيراً، وإلا لما قام هذا العالم، ولا يقوم هذا العالم إلا بمال وعمل وإدارة، فجعل للإدارة قوماً، فإذا كان القوم صالحين اختار لهم الأصلح، وإذا كان القوم ضالين اختار لهم الأقبح ليكون عقاباً لهم.

    وجعل الغنى لمن يستخدمه فيعطي العمال، وكما تقول الأمثال: أنا أمير وأنت أمير، فمن يسوق الحمير؟ فلا يمكن أن يكون كل الناس ملوكاً، إذاً أين المملكة والرعية؟ ولا يمكن أن يكون كل الناس خدماً، فمن يسيرهم؟ وليس كل الناس صالحين ليحكموا هذا العالم، فلو كانوا كذلك فما الحاجة لحاكم وما الحاجة لراع وما الحاجة لموجه؟

    خلق الله الخلق هذا أعقل من هذا، وهذا أعلم من هذا، وهذا أعلى فكراً من هذا، وهذا أجود فهماً من هذا.. فهذا واقع الناس كما نراهم، ومن يزعم في الكلام الذي يكرره تكرار الببغاوات أن الطبقية والطبقيات يجب أن تزول، ويأتي بكلمات لا مدلول لها ولا معنى، ويجعل اليسارية -أي: الكفر والإلحاد والشيوعية والاشتراكية- لساناً للحياة؛ فكل ما يقوله كذب وهراء ويسخر به من ضعاف العقول ومن ضعاف الدين.

    فنحن نرى البلاد الشيوعية، فهل يعيش الكل في مستوى واحد من الغنى؟ هل الناس كلهم يسكنون قصر الكرملين؟ هل الناس كلهم ضباط يأمرون وينهون، نحن رأينا فيهم من يمد يده متسولاً، ومنهم من لا يجد مكاناً للنوم، ومنهم من لا يجد شبعاً لبطنه ولا رياً لعطشه، منهم من تجده عاملاً ذليلاً في المصنع، ومنهم من تجده يقودهم ويسوقهم سوق الحمير والدواب، فهم الذين جاءوا بالطبقات.

    أما الإسلام فلم يأت بهذا ولم يأخذ به، قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، فجعل الرابطة بالدين والتفاضل بالتقوى والصلاح، والتقوى عمل له علاقة بالله جل جلاله من عبادة وطاعة، وله علاقة بالبشر من إحسان إليهم وسعي لما يحسن إليهم وما ينقذهم، والناس يوماً تجدهم هكذا ويوماً تجدهم هكذا، فلا غنى يدوم ولا فقر يدوم، ولا ملك يدوم ولا صعلكة تدوم.

    أين أبناء الملوك السابقين؟ أين من كانوا ملوكاً في المشرق والمغرب؟ أين من كانوا يملكون مثل قارون ؟ تجدهم اليوم في ذل وهوان وحاجة، وهكذا الدنيا دول يوم لك ويوم عليك، بل من سنن الله في كونه أنه ما رفع شيئاً إلا وضعه وما وضعه إلا ورفعه.

    والذين يصفون أنفسهم بالتقدمية يكونون كذبة فجرة، إنما يكررون ويعيدون ما سبق أن قاله المشركون قبلهم ممن قص القرآن علينا قصصهم عرباً وعجماً .. مشرقاً ومغرباً .. قُدامى ومحدثين إلى عصر الرسول صلى الله عليه وعلى آله.

    نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:32] الله الذي يقسم بينهم المال، ويقسم الجاه، ويقسم العقل، ويقسم العلم، فهو أعلم بحاجات خلقه وبما ينفعهم، وكما يقول عليه الصلاة والسلام: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى ولو أفقرهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر ولو أغناهم لأفسدهم).

    ونحن نرى هذا في الأرض، فأكثر ما ترى الغنى في قوم لا يتخذون ذلك المال إلا لمعصية الله ومخالفة أمر رسول الله، وقليل منهم الصالحون، ونرى الأكثر من الفقراء هم أهل الصلاح وأهل الدين وأهل المروءة، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا) أي: وزّع مال الله الذي ائتمنه الله عليه للمحارم وللأقارب ولذوي الحاجة من الناس أقارب وأباعد.

    وهكذا قل عن الجاه وعن الرأي وعن العلم، وما أعطى الله إنساناً شيئاً إلا وسأله عنه يوم القيامة، فيسأله عن علمه إن أعطاه علماً: هل دعى إليه الناس؟ هل تمسك به؟ هل قام بحلاله وحرامه؟ وإن أعطاه مالاً سأله: هل أخذه من الحلال وابتعد عن الحرام؟ ومن رزقه جاهاً ورزقه سلطان ونقوداً سأله: هل كان ذلك لله وفي سبيل الله ولصلاح البشر، فلم يرق به دماً، ولم يأكل به مالاً حراماً، ولم يذل به نفساً مسلمة؟

    قوله: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الزخرف:32] فجعل من البشر رسلاً وأنبياء وهم أعلى درجات البشر، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، ولا نقول كما قال كفار مكة: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31].

    قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:32].

    أي: ليسخّر بعضهم بعضاً، فيستخدم الغني الفقير، والحاكم المحكوم، والزعيم بقية الشعب، ولو كانوا كلهم ملوكاً لما تم أمر، ولو كانوا كلهم صعاليك لما تم أمر، ولو كانوا كلهم أغنياء لثار بعضهم على بعض، ولو كانوا كلهم فقراء لماتوا جوعاً، على أن الدنيا زائلة، وإنما هي كما وصفها النبي عليه الصلاة والسلام كالمسافر استظل تحت ظل شجرة ثم قام وتركها، فهي ذاهبة لا يعتني بها ولا يسخر نفسه لها إلا مخذول.

    فالله رفع بعضهم فوق بعض درجات ليسخّر بعضهم بعضاً، وليشغّل بعضهم بعضاً، وليرأس بعضهم بعضاً، أي: يحكم بعضهم بعضاً؛ وإلا لخرب العالم.

    ولو لم يكن في الأسرة رب لها لضاعت الأسرة، ولو لم يكن في المدينة حاكم ولا أمير يحكمها لأكل القوي الضعيف ولسفكت الدماء، وقل مثل ذلك عن القطر كله، وعن الإقليم، وعن القارة، وبالتالي الدنيا كلها.

    ونحن نرى هذا قائماً في بلاد الإسلام كما هو قائم في بلاد الكفر، فهؤلاء الملاحدة المشركون من أرض مكة إلى أرض الصين كلهم كافر ضال كلهم أمراء وكلهم أقوياء وكلهم على درجة واحدة؛ قد يقولون هذا أحياناً باللسان، ولكنه عند الواقع يكون هراء ويكون خيالاً وسراباً ولا يتم أبداً، ولم يتم في يوم من الأيام.

    واللام في قوله: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:32] يقال لها لغة لام العاقبة، أي: عاقبة هؤلاء الذين فاوت الله بينهم في الأرزاق وفي العقول وفي الملك وفي الجاه وفي العلم أن يكون بعضهم لبعض قائداً أو منفقاً أو مستخدماً أو آمراً أو ناهياً.

    والعاقل يرى كل هذا المال الذي عند الملوك والذي عند الأغنياء والذي عند اللصوص كلها أموال للدنيا، والدنيا فانية زائلة غير دائمة، أين من سبق من ملوك ورؤساء وأغنياء؟ أين أموالهم؟ أين سلطانهم؟ أين جاههم؟ ذهبوا وتركوه؛ لأنهم جاءوا من التراب وآبوا إلى التراب ولم يأخذوا معهم قليلاً ولا كثيراً، وأخذت بعدهم زوجاتهم وأموالهم وملكهم وبلادهم وأقاليمهم، وما دام هذا الشيء لا يدوم فلم العناية به والاهتمام له؟

    قوله: وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32].

    أي: رحمة ربك بك وهدايته لك بأن جعلك مسلماً، وجعلك من أتباع خاتم المرسلين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووفقك لطاعته وعدم مخالفته خير من دنياهم.

    وهذه الرحمة إذا رحم الله بها إنساناً كان فقيراً فهي الغنى، أو كان صعلوكاً فهي الملك والرئاسة، وهذه الرحمة هي التي سيجدها يوم القيامة، بل وفي الدنيا عند موته وفي قبره سيجد راحتها، وسيعيش فيها دوماً يوم القيامة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046356072

    عدد مرات الحفظ

    735932029