إسلام ويب

تفسير سورة الأحقاف [7-9]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم للناس كافة وأمرهم باتباعه وتصديقه وبين لهم أنه ليس أول نبي وأن رسالته ليست أول رسالة بل سبقه إلى الدعوة إلى التوحيد الكثير من الأنبياء والرسل ولكنه كان آخرهم وخاتمهم وكانت رسالته ودعوته المهيمنة على رسالتهم ودعوتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ...)

    قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأحقاف:7]، أي: إذا أتت آيات الله، وإذا تليت وقرئت وقرعت آذان هؤلاء المشركين بما قال ربنا في كتابه، وبما بين نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، مما تأتي به الآيات البينات الواضحات المشروحات المفسرة الذي لا يغيب بيانها عن عقل عاقل، ولا إدراك مدرك، ولا طلب طالب، فالمؤمن يقول: سمعنا وأطعنا، والكافر يقول: هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ[الأحقاف:7]، فلما جاء هذا الحق البين، وهذه الآيات البينات بالدلائل القاطعات والبراهين الواضحات عجز الكافرون عن الاستدلال نقلاً أو عقلاً، فأخذوا بالبهتان والإفك.

    فقوله: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ[الأحقاف:7] الحق: القرآن الكريم، والحق: الرسول صلى الله عليه وسلم، والحق: الرسالة المحمدية كما الرسالات السابقة، فالكافرون قالوا عن القرآن: هذا سحر، وقالوا عن المعجزات النبوية: هذا سحر، وقالوا عن السيرة النبوية العطرة وما فيها من دلائل: هذا سحر، وكذبوا بالرسول صلى الله عليه وسلم مع أنهم عاشروه وساكنوه، وهو ولد من أولادهم، وعاش بينهم مدة أربعين عاماً، عرفوا أباه وأمه وعمه وجده، وعلموا صدقه وأمانته، حتى ما كان أحد يذكره إلا يقول: الصادق الأمين.

    فكيف بعد ذلك يصبح ساحراً، ويزعمون أن كلام الله سحر فهؤلاء القدامى كالمحدثين يحملون جهلاً مركباً يعصم الله عنه الحيوان، فالحيوان أعقل منهم، وأفهم للأمر منهم، فالحمار الذي نضرب به المثل في البلادة ترونه يلعب في الملاعب الحيوانية، فتجدونه يمتثل للحركة التي يأمره بها مربيه، فالحمر تعقل عنه وتسمع وتعي، ولكن هؤلاء البشر لا يكادون يعقلون ولا يدركون، فقدماؤهم كمحدثيهم، النعل بالنعل، والقذة بالقذة، وحق هذا المثل فيهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً ...)

    قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:38] أي: هل يوجد فيهم من يقول: إن هذه الرسالة افتراها محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا القرآن كتبه هو وأتى به من عند نفسه.

    ولقوة دليل القرآن وبراهينه يعيد قول الكافرين ليقضي عليه بالحجة والبرهان، وليزيف هذه الأقاويل، ويميز الحق من الباطل، وليعلم المؤمن أنه مؤمن عن دليل وبرهان، وعن حق ومنطق بما يقبله العقل أولاً، وليس إيمانه عن هراء أو استسلام لا دليل له ولا برهان، لم يكن ذلك أبداً، فكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملان المنطق الساطع، عقلاً ونقلاً وبياناً، ولا ينكر ذلك إلا أعمى البصيرة قبل أن يكون أعمى البصر.

    فأهل الكفر والإلحاد في الماضي والحاضر قالوا كل ذلك، قالوا: سحر، وقالوا: افتراه، وقالوا: أَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الفرقان:4]، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان:5] أي: صباحاً ومساءً.

    كل هذه الأضاليل التي نسمعها اليوم من كتبة العصر؛ شيوعيين وماسونيين واشتراكيين وقاديانيين وجميع ملل الكفر كلهم حمقى رضوا بهذا الكفر دون دليل ولا برهان، واستمسكوا به استمساك البليد الجاهل بلا علم ولا منطق، وكرروه صباحاً ومساءً، وهو وصف للضعاف من الشباب، والضعاف من الكهول الذاهبة عقولهم وأديانهم، قالوا: هذه أشياء تقدمية، وأشياء تجددية، ونحن لا نعيش في الماضي المتخلف الذي مضى عليه ألف وأربعمائة عام.

    نقول لهم: وبماذا أتيتم أنتم؟ أتيتم بكفر قوم نوح الذي مضى عليه آلاف السنين.

    من قلدتم واتبعتم؟ أي بصيرة سلكتم؟ أي نقل من الكتب السابقة اتبعتم؟ اتبعتم كفرة اليونان والروم والفرس، فيزيدون كفراً وعناداً.

    فقوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [الأحقاف:8]، افتراه: كذبه، قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [الأحقاف:8].

    أي: قل لهم يا محمد: إن أنا كذبته وافتريته على الله، فإنكم لا تملكون لي من الله شيئاً إن أراد تعذيبي وعقابي، وما بالكم أنتم أفأفتري على ربي من أجلكم؟ وهذا من الضلال البين، فإن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام تواترت واستفاضت أجيالاً بعدها أجيال، وقروناً بعدها قرون على أنها كانت بينة وواضحة، عرفت قبل النبوءة بأربعين عاماً بالصدق والأمانة واليقين والغيرة والشفقة والشجاعة، فهل الذي لا يكذب على مخلوق مدة أربعين عاماً يكذب على ربه أو يكذب عليكم بعد سن الأربعين؟!

    وأيضاً جاءكم بالكتاب المبين وبالأدلة عليه، وبالدلائل القاطعة والمعجزات التي لم يأت بها أحد قبله، ولن يأتي بها أحد بعده.

    أبعد كل هذا يأتي من يقول بعد ألف وأربعمائة عام: أن هذا القرآن صنعه محمد وأصحابه؟ وأكبر معجزة لنا نحن في هذا العصر ومن سبقنا ومن يأتي بعدنا: قول الله عن كتابه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، غيرت التوراة وهي كتاب الله، وحرفت الإنجيل وهي كتاب الله، وبدلت الزبور وهي كتاب الله، والقرآن على كثرة أعدائه في كل عصر وفي كل زمان ومن كل ملة ومن كل شعب لم يستطع أحد أن يزيد فيه آية أو ينقص آية، أو يغير تنظيماً لها أو ترتيباً، فهم أعجز من أن يفعلوا ذلك، وقد حاولوا أن يفعلوا ذلك في عصور مختلفة فما عادوا إلا بالخزي والذل والهوان، ومن يتأل على الله يقصمه الله.

    ويقول تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ [الأحقاف:8]، هو ربنا أعلم بما تخوضون فيه من الكذب والضلال والباطل والقول الغث، مما لا يقبله منطق، ولا يخضع له عقل، ومنه الإفاضة أي: أفاضوا واندفعوا.

    وهكذا هؤلاء اندفع بعضهم خلف بعض كاندفاع الحمر الشاردة، يقولون ما لا يعلمون، ويهرفون بما لا يعرفون، ويفيضون بالكذب، ويخوضون في الباطل، ويقولون: هذا افتراء، والرسالة كذب، والقرآن كذب، وحاشى الله من ذلك، وحاشى كتابه ونبيه.

    قال تعالى: كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الأحقاف:8].

    أي: يكفي إن لم تقبلوا أي شهادة على صدقي أن يكون الله شهيداً بيني وبينكم، يشهد كذبكم ويشهد فجوركم، ويحضر سماعه جل جلاله، وهو يشهد عليكم بما أنتم فيه من باطل، ويشهد بصدقي وأمانتي وبصدق رسالتي، وبصدق تبليغي لكتاب ربي.

    وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الأحقاف:8]، والله جل جلاله رحمةً بنا يخاطب أعداءه الجاحدين الكافرين والمبهتين لأنبيائه، يجرهم إليه، ويدعوهم إليه، ويطمعهم في مغفرته ورحمته، فهو الغفور إن تبتم عن هذه الأقاويل الكاذبة والأقاويل الباطلة، وهو الرحيم بكم إن تبتم فلا يعذبكم ولا يدخلكم النار، ولا يحاسبكم بما مضى من ذنوب قبل التوبة والإنابة، وهو الغفور للمؤمنين والرحيم بهم، وباب الإيمان مفتوح على مصراعيه، فكل من قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله فتحت له أبواب المغفرة والرحمة، فيدخل من أيها شاء، تعالى ربنا وجل سبقت رحمته غضبه، وأرسل نبيه رحمة للعالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ...)

    قال تعالى: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الأحقاف:9].

    قل يا محمد: ما كنت بدعاً من الرسل، لم هذا العجب؟ ولم هذه الضجة الكبيرة؟ ولم هذا الكذب الذي تفيضون فيه، تارة تقولون: سحر، وتارة ساحر، وتارة كذب، وتارة كاذب، وتارة مريض، وتارة يريد نساءً، يريد ويريد، لم كل هذا؟ فقوله: مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:9] أي: لست أول رسول جاء إلى الأرض، لم التعجب والاستغراب؟ كلكم سمعتم أن هناك أنبياء كثيرين سبقوني، قالوا ما قلت، ونزل عليهم ما نزل علي، ودعوا شعوبهم كما دعوتكم، ومع ذلك لم يقل الناس كلهم لهم: أنتم سحرة، أنتم كذبة، أنتم مفترون، بل آمن من آمن، وكفر من كفر، وما كانوا جميعاً على وتيرة واحدة.

    ولا تنسوا أن السورة مكية، ولا يزال المسلمون قلة مضطهدين، بين قتيل وشريد وطريد.

    فقوله: مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:9] البدع: الأول، والبدع: المبتدع، والشيء الذي لم يكن له سابقة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أول نبي في الأرض، بل هو آخر الأنبياء، سبقه ثلاثمائة وثلاثة عشر نبياً رسولاً، وسبقه الآلاف من أنبياء الله، ممن أوحي إليهم بشرع ولم يؤمروا بتبليغه، فلم العجب؟ ولم هذا الضجيج؟ ولم هذه الزوبعة في غير مكانها؟ لم يكن بينه وبين آخر من سبقه من الرسل أكثر من 630 عاماً.

    قال تعالى: وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف:9]، هذه الفقرة الكريمة من هذه الآية العظيمة ظل فيها أقوام، فقد زعم قوم من المفسرين أنه عندما قال النبي عليه الصلاة والسلام ذلك فرح لذلك الوثنيون وأهل الكتاب من اليهود فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل الذي يعترف بأنه لا يعلم ما سيجري له، فضلاً عن غيره، ويقول لنا: سيكون لكم ويكون لكم، وهنا يعترف بأنه لا يعلم ما سيجري له.

    وهذا النقل ليس بصحيح، إذ إن الآية ليست بهذا المعنى، والقرآن يفسر، ولكل علم أصول، وأصول القرآن أن تفسر الآية بالآية، فإن لم نجد فسرت الآية بالحديث الصحيح، فإن لم يوجد فبإجماع الصحابة، فإن لم يوجد إجماع فبما دلت عليه قواعد اللغة العربية نحواً ولغةً وبلاغةً وبياناً، ومن خرج عن هذه القواعد الأربع ضل وأضل، وأتى بالباطل والزور من القول، وكان تفسيره كما يفسر اليهود توراتهم والنصارى إنجيلهم فبدلوا وحرفوا وغيروا، ومن هؤلاء تقريباً جميع مفسري هذه العصور المتأخرة، إلا أفراداً معدودين، فمن الشيوعيين من زعموا أنهم أسلموا، فرأوا بهذه الطريقة أنهم يستطيعون التخريب، فنشروا الرسائل، وأذاعوا في الأجهزة المسموعة والمقروءة والمنظورة أفكاراً لا يقول بها حيوان، ويجدون أحياناً آذاناً صاغية وعقولاً واعية، ولكن الله لا يضل إلا من كتب عليه الضلالة يوم وضع جنيناً في بطن أمه.

    فمعنى قوله: وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف:9] المعنى بسيط وواضح، فمن الأنبياء من قتل، ومنهم من طرد، ومنهم من لم يؤمن به إلا الواحد والاثنان، وأممهم منهم من شردوا، ومنهم من أغرقوا، ومنهم من صعقوا، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، ومنهم من جعل الله أرضهم عاليها سافلها، وأنا الآن أدعوكم، وأحرص على هدايتكم وتبليغكم، وأنتم تحرصون على عصياني والكفر بي، ولا أدري النتيجة والنهاية، هل سأقتل؟ هل سأخرج من بلدي؟ هل سينزل الله عليكم صاعقة لا تذر كبيراً ولا صغيراً؟ فالكلام متعلق بهذا المعنى.

    ثم أيضاًً لو أعلمه الله -وقد أعلمه- فهو ليس علماً ذاتياً، فالنبي بذاته لا يعلم الغيب، ولا يعلم ما في الغد.

    ومن أدب النبي أن يقول ذلك، وما علمه النبي صلى الله عليه وسلم من الله لم يكن ذاتياً، بل هو من تعليم الله له ومن إكرام الله له، ولنستعرض حياة رسول الله، وما قاله رسول الله، وما قاله القرآن، فسنجد أن المعنى في هذه الفقرة لا يتجاوز هذه المعاني الدنيوية، هل سيقتل؟ هل سيخرج؟ وهذا ما قاله الحسن البصري رحمه الله.

    قال تعالى: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى [الأحقاف:9]، أي: لا أتبع إلا ما يوحى إلي، لست بدعاً من الرسل، ولا أضع رسالة ولا شرعاً، ولا آتي بقرآن، ولكن الذي أوحي إليَّ فأنا أشرعه ممتثلاً له، شأني شأن من سبقني من آبائي الأنبياء.

    قال تعالى: وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الأحقاف:9] أي: لست إلا نذيراً من قبل الله، مخوفاً للكافرين، مهدداً لهم، متوعداً إياهم على خلافهم وخروجهم عن أمر الله وطاعته.

    أقول يا قوم: آمنوا بالله، وإلا فالنار تنتظركم، وغضب الله قريب منكم، فخذوا العبرة من الأمم السابقة.

    الفوائد المستنبطة من قوله تعالى: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم)

    قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144]

    أخبر الله في كتابه النبي صلى الله عليه وسلم بنصره وتأييده، وأخبره بسخط أعدائه، قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الفتح:28]، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33] فالله وعد نبيه وذكره بأنه رسول للهدى، أرسله بالنور ليمحو بهداه الضلالة وبنوره الظلمة، وليظهره على الدين كله، وأرسله بدين الحق لا بالأديان الباطلة التي زعمها الأفاكون من المشركين والوثنيين الضالين المضلين؛ لتصبح الغلبة له على الدين كله، فالألف واللام ألف العموم، أي: جميع الأديان، وقد مضى محمد صلى الله عليه وسلم وعاش الإسلام قروناً، لم يكن يذكر في الأرض إلا الإسلام ودولته وقادته وأئمته وعلماؤه، وهذا عائد لا محالة، ونحن في بداية القرن الخامس عشر الذي يقول عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليرسل لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها)، فهو قد أخبرنا وبشرنا بأن تجديداً يحدث عند كل مائة عام، وسيحدث هذا بصورة أشمل وأعم أيام نزول عيسى بن مريم إلى الأرض، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويخرب الكنائس والبيع، ولا يقبل إلا الإسلام، ولا يدع يهودياً ولا نصرانياً إلا إذا أسلم وإلا قتله، وهكذا ستنتشر كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله عامةً شاملةً، كما سبق أن كانت، ولا يفعل عيسى ذلك إلا بأمر من النبي عليه الصلاة والسلام، فهي ليست رسالة مستقلة ولا وحياً انفرد به، ولكنه أمر من رسول الله بأن عيسى ينزل إلى الأرض وهو على دين الإسلام وعلى ملة محمد عليه الصلاة والسلام، ومن هنا ترجم له أعلامنا في كتب الصحابة؛ لأنه يتصف بصفة الصحابي، وقد اجتمع برسول الله حياً وآمن به، وسيموت على ذلك.

    في يوم من الأيام صلى عليه الصلاة والسلام الصبح في مسجده، ثم صعد المنبر، فبقي يخطب إلى أذان الظهر، ثم نزل فصلى الظهر، ثم صعد المنبر فلا زال يخطب حتى صلى العصر، ثم عاد إلى المنبر فبقي يخطب حتى أذن للمغرب فنزل فصلاها واكتفى بما صنع.

    وهذه الخطبة قد توزعت في كتب الفتن وأبوابها، وفي المعجزات النبوية في كتب الصحاح والسنن والمسانيد، وجميع أمهات كتب السنة، قال رواة الحديث: وهو من الأحاديث المتواترة التي توجد في الصحاح كلها، رواها أكثر من عشرة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ، وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين.

    قال هؤلاء الرواة: حدثنا بما كان وما سيكون إلى قيام الساعة، حتى إنه ما من صاحب فتنة ومعه رجل أو رجلان إلا وحدثنا صلى الله عليه وسلم عن اسمه ونسبه وعصره ومن معه، حتى ما من طائر يطير في السماء إلا وحدثنا عنه.

    وقال حذيفة : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان وما سيكون، فكان أعلمنا أحفظنا، ومجموع ما حفظوه كان خطبة كاملة، وجميع ما حدثنا عنه صلى الله عليه وسلم قد حدث بعد موته كما في الصحاح.

    فقد حدثنا عليه الصلاة والسلام بقتل عمر وعثمان وعلي والحسين .

    وحدثنا بقيام عائشة على علي ، وقال: (ويحكن أيتكن تنبحها كلاب الحوأب)، وحدثنا أن الخلافة بعده ثلاث وثلاثون سنة، ثم تصبح ملكاً عضوضاً، كما في إجماع المؤرخين والمفسرين والمحدثين والعلماء فقد ختمت الخلافة الراشدة الأولى بعده صلى الله عليه وسلم باستشهاد الحسن بن علي رضي الله عنهما، وأخبرنا عليه الصلاة والسلام عن شرائط الساعة الصغرى والكبرى، وعن تغلب المسيح عيسى على المسيح الدجال، وعن قتال اليهود، وعن تخلف المسلمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042656240

    عدد مرات الحفظ

    731566308