إسلام ويب

الشريعة الإسلاميةللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شريعة الإسلام عقيدة حقة في قلب كل مسلم، فلا حلال إلا ما أحل الله، ولا حرام إلا ما حرم الله، وأحكام شريعة الإسلام كلها عدل ورحمة، ومن زعم أن غير شريعة الإسلام من العلمانية وغيرها من نحل الضلال سبب في زرع الوئام بين الناس وتعايشهم فقد أخطأ.

    1.   

    خصائص ومميزات الشريعة الإسلامية

    الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ [سبأ:1-2]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وعظيمنا محمداً رسول الله الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها المسلمون عباد الله! فما زال كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, يعتقد عقيدة حقة في أن الله جل جلاله هو الحكم اللطيف الخبير، هو الذي له الخلق والأمر، هو الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، وأنه جل جلاله له الحكم الكوني القدري, َإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [البقرة:117]، وله كذلك الحكم الشرعي الديني، فلا حلال إلا ما أحله الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله، ما زال كل مسلم موحد يعتقد أن سلطة التحليل والتحريم بيد الله وحده جل جلاله، وأن البشر جميعاً حكاماً ومحكومين ليسوا إلا عبيداً مربوبين، وأن الله عز وجل هو الذي يأمر وينهى, فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12]، هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ [غافر:13]، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام:57] .

    المسلمون جميعاً يعتقدون أنهم مأمورون بأن يعتقدوا أن دين الله حق، وأن نعمة الله فيه تامة، وأن دين الله يشتمل على العقائد والشرائع والأخلاق والآداب، ويشتمل على الحلال والحرام، للدين سلطان على القلوب، وسلطان على الجوارح، وأن المسلم الحق لا يملك أن يتقصى ولا أن يتخلى عن شيء من هذا الدين؛ لأن الله تعالى ذم أناساً فقال: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85].

    فما زال المسلمون صغيرهم وكبيرهم، عالمهم وعاميهم يعتقدون أن دين الله كله حق، كله خير، كله صواب، كله مؤد إلى مصالح العباد في المعاش والمعاد، وكلهم يعلمون أن دين الله عز وجل قد اشتمل على أحكام في العبادات والمعاملات والجنايات، والأحوال الشخصية، والسياسة الشرعية، والعلاقات الدولية، وأن نصوص القرآن والسنة تسير هذه الأمور كلها.

    ولا يخفى على كثيرين بأن أحكام الإسلام على نوعين: منها ما هو قطعي لا يختلف ولا يتغير باختلاف الزمان والمكان؛ كأحكام العبادات، والأحكام القطعية في الحلال والحرام، وأحكام الزواج والطلاق والميراث ونحو ذلك، هذه كلها أحكام قطعية، لا يصير الحلال حراماً، ولا الحرام حلالاً، ولا الفضيلة رذيلة، ولا الرذيلة فضيلة، هذه دائرة الثوابت التي لا تتغير.

    ثم هناك أحكام تخضع للمبادئ الكلية، والقواعد الشرعية، التي يستنبط منها العلماء المجتهدون ما يناسب الزمان والمكان، كالقوانين الفقهية التي وضعها علماؤنا حين قالوا: الضرورات تبيح المحظورات، درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، الضرر يزال، والضرر لا يزال بالضرر، والعادة محكمة، والمشقة تجلب التيسير، ونحو ذلك من القواعد، من أين أخذوها؟ من القرآن والسنة.

    لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه العالم الجليل والإمام الفذ الذي كان أمة بين الناس أبا عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنه، لما بعثه إلى اليمن قال له عليه الصلاة والسلام: ( إن عرض لك قضاء بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلوا )، يعني: لا أقصر، ( فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي الله ورسوله ).

    1.   

    الدفاع عن الشريعة الإسلامية

    الرد على من يحلمون بإزالة الإسلام من حياة الناس محاكاة للثورة الأوروبية

    أيها المسلمون عباد الله! هذه الحقائق الواضحة والبينات الساطعة نحن بحاجة إلى أن نذكر الناس بها في هذه الأيام، فإن أناساً يريدون تنحية الإسلام عن الحكم، هؤلاء الذين يتحركون إما بجهل مطبق لا يعرفون الإسلام الذي يتحدثون عنه، أو الذي يهاجمونه، وإما أنهم تحركهم أيادٍ صليبية، وأحلام يهودية، وتوجهات إلحادية، يريدون أن يغمضوا أعينهم ثم يفتحوها فإذا حكم الإسلام قد زال عن حياة الناس، وإذا قناعات المسلمين قد تبدلت وتغيرت، هؤلاء المساكين يدعون إلى علمانية، تعني فصل الدين عن الحياة، أن ينحى الإسلام عن الحياة، أن يكون محصوراً في المسجد أو في إجراءات الزواج، ثم بعد ذلك سياسة الناس واقتصادهم، تعليمهم وثقافتهم، ما يحبون وما يبغضون، ما يأتون وما يذرون، هذا كله يكون خاضعاً لأهوائهم، وما تمليه عليه شهواتهم، هؤلاء يريدون أن يحاكوا تأريخاً أوروبياً قد مضى من زمان بعيد حين نحت أوروبا الدين عن الحياة.

    لكن السؤال أيها المسلمون عباد الله! أي دين نحته أوروبا؟ هل هو الدين الذي جاء به الأنبياء والمرسلون صلوات الله وسلامه عليهم؟ هل هو الدين القائم على التوحيد، وعلى تحرير العقل من الأوهام والخرافات؟ لا والله، وإنما هو دين محرف منتحل، دين قائم على أهواء الأحبار والرهبان، دين مشتمل على الألغاز والطلاسم، دين حاو للترهات والأباطيل، دين ليس فيه نظام للحياة.

    لو أن النصراني في أوروبا ترك الدين وراءه ظهرياً ما فقد شيئاً كثيراً؛ لأن النصرانية التي نحيت ليس بها نظام للسياسة ولا وللاقتصاد، ولا لتنظيم المعاملات بين الناس، وإنما هي عبارة عن أخلاق وأمثال ليس إلا, الأوروبي لا يشعر بأنه فقد شيئاً من دينه حين ينحيه عن حياته.

    لكن نحن المسلمين ماذا نصنع بأطول آية في كتاب الله الكريم، أطول آية في القرآن لا تتحدث عن الطهارة ولا عن الصلاة، ولا تتحدث عن عذاب القبر ونعيمه، وإنما تتحدث عن المال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، هذه أطول آية في القرآن الكريم، ماذا نحن صانعون بآيات الجهاد، بالآيات التي تأمرنا بأن نحكم بما أنزل الله، وأن نحل ما أحل الله، وأن نحرم ما حرم الله: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44].

    ثم ثانياً: أيها المسلمون عباد الله! هؤلاء الناعقون في بلادنا بالدعوة إلى العلمانية، وأنها هي التي ستقضي على مشاكل البلاد، وتفض نزاعات البلاد، وتضمن أن يعيشوا في سلام ووئام كما يتوهمون.

    نقول لهم: أنتم تقولون هذا الكلام تقليداً لبعض السادة من البيض في أوروبا، وهؤلاء السادة أنفسهم قد غيروا آراءهم، صار الدين هو الذي يسير سياستهم، هو الذي يحكم توجههم، بعدما تصالح رجال الدولة مع رجال الدين، حتى صار رجال الكنيسة ملوكاً غير متوجين، هم الذين يملون السياسات، وهم الذين يوجهون الأمور، وهم الذين يحركون الساسة من وراء ستار.

    أما سمعتم أن بلاداً أوروبية كثيرة تقوم فيها أحزاب باسم المسيحية، في ألمانيا في إسبانيا في إيطاليا نسمع عن الحزب الديمقراطي المسيحي، سواء كان في الحكم أو في المعارضة، في بلجيكا نسمع عن الحزب الاشتراكي المسيحي، بل إن ساسة أوروبا إذا تأملنا في تصريحاتهم كأن بعضهم يقوم في الناس واعظاً.

    تركيا البلد المسلمة التي أعلنت علمانيتها منذ قرابة مائة سنة، بعدما أسقطوا الخلافة العثمانية سنة أربع وعشرين في القرن الذي مضى، تركيا ما عاد لقوانينها صلة بالإسلام، بل أعلن قادتها على الإسلام حرباً شعواء، وإلى يوم الناس هذا، تركيا تناضل نضالاً مريراً من أجل أن تلتحق بالاتحاد الأوروبي، لكن ساسة أوروبا يمتنعون، ويقولون صراحة: بأن تركيا حضارتها إسلامية، معنى ذلك: أن حضارتنا نحن الأوربيين لا يناسبها أبداً أن يكون معها مسلمون، أو من ينتسبون إلى الإسلام ولو اسماً، بل إن بعض الأحزاب في أوروبا جعلت في بندها الأول: إقامة حضارة مسيحية.

    يا أيها الناعقون بتنحية الدين عن الحياة! أما علمتم أن دولة اليهود التي تسفك الدماء، وتقصف المنشآت، وتروع الآمنين، وهي الآن مرعية من تلك الدول النصرانية الكبيرة، دولة اليهود هذه لا تبالي بأن تعلن على الملأ أنها دولة يهودية، ويسمونها باسم نبي من الأنبياء إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام، ويعلنون أن دستورهم هو التلمود، وحاخامتهم هم الذين يوجهون السياسات، ما خجل النصارى من دينهم، ولا اليهود من دينهم، وبعض من ينتسبون إلى الإسلام يريدون لنا أن ننحي الدين عن الحياة، أن نطمس معالمه، من أجل زعموا أن يحل السلام والوئام، وأن تحفظ وحدة البلاد هكذا يروجون.

    الرد على من يزعم أن العلمانية سبب للوئام واستقرار الشعوب

    نقول لهم: متى كانت العلمانية حلاً؟ أين العلمانية في بلاد الهند؟ تحكم من زمان طويل، هل أدت إلى سلام ووئام؟ أين هي العلمانية في لبنان هل أدت إلى سلام ووئام؟ أما زالت الحروب تشتعل حيناً بعد حين؟ إن هؤلاء القوم واهمون، ويريدون أن يزرعوا الوهم في أذهاننا معشر المسلمين.

    الرد على القائلين بأن الشريعة الإسلامية قوامها العقوبات الجنائية وغير صالحة للحكم العام

    ألا فاعلموا أيها المسلمون عباد الله! أن أمة الإسلام ما تأخرت ولا تقهقرت إلا حين تخلت عن الدين، وحين نقول الدين أيها المسلمون عباد الله! لا نعني العقوبات الجنائية، كثير من الناس إذا سمع كلمة الشريعة فلا يخطر بباله إلا جلداً أو قطعاً أو رجماً أو قتلاً ونحو ذلك من العقوبات.

    العقوبات ليست إلا فرعاً من الشريعة، الشريعة الإسلامية توجه دفة الحكم، فلا استبداد، ولا فرعونية، ولا قهر، ولا ظلم، الشريعة الإسلامية تجعل الحكم شورى بين الناس، لا يصدر الناس عن فرعون، لا يري الناس إلا ما يرى، ويجعل من نفسه رباً معبوداً، الشريعة الإسلامية تحفظ المال العام، تعاقب اللص الكبير الذي يسرق الملايين، قبل أن تعاقب الصغير الذي يسرق دريهمات معدودات.

    الشريعة الإسلامية تؤدي الأمانات، تحفظ الحقوق، تنزل الناس منازلهم، تقيل ذوي الهيئات عثراتهم، الشريعة الإسلامية عدل يبسط, شورى تمارس، الشريعة الإسلامية مساواة بين الناس، بين الأسود والأحمر، بين العربي والعجمي، لا يتمايزون إلا بالتقوى والكفاءة.

    الشريعة الإسلامية ليست هي حكم رجال الدين، كما يصور أولئك المخدوعون المغرورون، بل الشريعة الإسلامية فيها علماء الدين، الذين يفتون بالحلال والحرام، فيها رجال السياسة والاقتصاد، فيها رجال العسكرية والقيادة، يحكم الناس أمثال خالد من القادة الأفذاذ، وأمثال عمر من الساسة المبرزين، وهكذا لكل مجاله, ولكل تخصصه.

    ليست دولة دينية كما يروجون، هذا مصطلح بغيض مستورد من أوروبا، لما كان رجال الدين هم الذين يعطون للناس قرارات الحرمان من الجنة، أو صكوك الغفران ونحو ذلك من الأباطيل، هذه هي الدولة الدينية عندهم ولا يعرفها المسلمون، ولا مرت بهم، ما عرف المسلمون دولة دينية.

    المسلمون يعتقدون أن الكل حكاماً ومحكومين يخضعون لإله واحد، وأن الحاكم بينه وبين الناس عقد، هذا العقد يكفل له حقوقاً ويملي عليه واجبات، كما أن الرعية كذلك لهم حقوق وعليهم واجبات، كل يؤدي ما عليه، ويطالب بما له وفق قواعد الدين وأحكام رب العالمين.

    هذا الذي ينبغي أن يفهم أيها المسلمون عباد الله! في هذه الأيام التي يختلط فيها الحابل والنابل، ويتكلم كل من يريد بما يريد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن بين يدي الساعة سنوات خداعات؛ يصدق فيها الكاذب، ويكذب الصادق، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، ويتحدث الرويبضة، قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتحدث في أمر العامة )، إنسان لا قيمة له، لا خلق ولا دين ولا علم ولا ضمير يسيره هواه، ثم بعد ذلك يخرج على الناس يقترح مقترحات، ويطلب أموراً، ويريد كما قال: أن تكون الرئاسة دورية، يعني مرة مسلم، ومرة كافر، مرة بر ومرة فاجر، وهكذا تختلط الأمور, ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    أيها المسلمون عباد الله! استمسكوا بدينكم, واعلموا أن الخطأ لا يبرر الخطأ، لو كان في التطبيق خطأ، أو في التصور خطأ، يصلح هذا الخطأ مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    بعض الصحابة أخطئوا في بعض الغزوات، بعض الصحابة أخطئوا في بعض الفهم، وما كان هذا مبرراً لترك الدين ولا الدعوة إلى نبذه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    أسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وتوبوا إلى الله واستغفروه.

    1.   

    الاحتفال برأس السنة الميلادية

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كل، وصحب كل أجمعين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

    أما بعد:

    أيها المسلمون عباد الله! ألا فاعلموا أننا معشر المسلمين ليس لنا إلا عيدان، يوم الفطر ويوم النحر، وكذلك يوم الجمعة، هذه هي أعيادنا معشر أهل الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا أهل الإسلام ).

    لا يحل لعبد يؤمن بالله واليوم والآخر أن يحتفل بما يسمى برأس السنة الميلادية، فإن هذا عيد ديني نصراني، النصارى فيه يتزاورون، ويهنئ بعضهم بعضاً، ويتبادلون الهدايا فيما بينهم، وأنت أيها المسلم ليس هذا عيداً لك، ولا هو موسماً من مواسمك، قال الله عز وجل: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ * وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الحج:67-69]، لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48].

    لكل قوم عيد، لكل أمة، لكل ملة، الصينيون لهم عيد، والهنود لهم أعيادهم، والنصارى واليهود وغير هؤلاء، حتى الذين يعبدون بوذا، من كانوا يعبدون البقر، لكن أنت أيها المسلم لك شخصيتك ولك دينك.

    جرت عادة السفهاء بأنهم يخرجون في مثل هذه الليلة القابلة، التي ستدخل علينا بعد ساعات، يخرجون إلى الشوارع في صخب وضجيج ولهو ومجون، يأتون بالأفعال التي يأنف منها الصبيان والمجانين، ويمارسون ما حرم الله عز وجل من الفساد والإتلاف والسعي في الأرض بما لا يحبه الله.

    أقول: إن واجباً على الآباء وعلى الأمهات أن ينهوا الأبناء والبنات عن مثل هذه الأفعال، وعن المشاركة في هذه الأعياد، وإن واجباً على من ولاه الله الأمر على من بسط الله يده أن يمنع مثل هذه المظاهر، وأن يحول بين هؤلاء السفهاء وبين ما يشتهون من التقليد الأعمى، هم أشبه بالقرود، يصنعون ما يصنع الناس من الكفار والفجار، دون أن يفكروا في حقيقة ما يفعلون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن ظلموا فلا تظلموا ).

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ولا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حقاً إلا أعلنته، ولا باطلاً إلا أزهقته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا داعياً إلى هداك إلا وفقته، ولا حاجة هي لك رضاً، ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها، ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك حرباً لأعدائك، نحب بحبك من أطاعك من خلقك، ونعادي بعداوتك من خالفك، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن بنى هذا المسجد المبارك ولمن عبد الله فيه، ولجيرانه من المسلمين والمسلمات.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718663

    عدد مرات الحفظ

    761233967