إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام [8]للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله الصلاة على المؤمنين كتاباً موقوتاً، ولكل صلاة وقت محدد شرعاً بعلامات كونية تسهل معرفتها، والصلاة في وقتها من أحب الأعمال إلى الله عز وجل، وهناك أوقات وحالات تكره الصلاة فيها، وقد بينها أهل العلم بأدلتها.

    1.   

    شرح حديث: (أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الصلاة على وقتها)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الصلاة، باب المواقيت.

    عن أبي عمرو الشيباني واسمه سعد بن إياس قال: حدثني صاحب هذه الدار، وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: (أي الأعمال أحب إلى الله عزوجل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني).

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمرطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس)].

    هذا مبدأ كتاب الصلاة وهو المقصد الأصلي، فإن ما تقدم من الطهارة، والوضوء، وإزالة النجاسة، والاغتسال، والتيمم، والطهارة من الحيض، وما أشبه ذلك، كل ذلك وسيلة إلى فعل الصلاة، فإنها هي العبادة المطلوبة، وإن كان العبد قد يثاب على الطهارة إذا احتسب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام فيما يمحو الله به الخطايا: (إسباغ الوضوء على المكاره)، فهو مما يكفر الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، ولكن الطهارة وسيلة إلى الصلاة وشرط من شروطها.

    فضل الصلاة

    الصلاة تطلق على الدعاء، قال الله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103] يعني: دعاءك، هكذا أصلها في اللغة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فيمن دعي إلى طعام: (إن كان مفطراً فليأكل، ومن كان صائماً فليصلِ) يعني: فليدعُ.

    وسميت هذه الصلاة عبادة لاشتمالها على الدعاء؛ لأن المصلي يدعو في صلاته إما دعاء عبادة وإما دعاء مسألة:

    دعاء المسألة أن يسأل ربه أن يغفر له وأن يدخله الجنة وأن ينجيه من عذابه ومن النار، ودعاء العبادة كونه يرغب في هذه العبادة؛ لأجل آثارها، فيركع لأجل الثواب، ويرفع لأجل الثواب، ويحضر ويقوم ويقعد وغير ذلك من الأفعال لأجل أن يثاب عليها، فلسان حاله داعٍ، فكأنه يقول: أتيت إلى مساجدك وإلى بيوتك -يارب- لترحمني، أنا أقوم لك وأقعد، وأركع لك وأسجد، وأخضع وأتواضع بين يديك؛ لأجل أن أحصل على ثوابك وأسلم من أليم عقابك، فهو في الحقيقة داعٍ حتى ولو لم يكن في صلاته سؤال، بل فيها ذكر وقراءة ونحو ذلك، فالصلاة كلها دعاء.

    شرعت هذه الصلاة لأجل إقامة ذكر الله، وذلك أن العبد كلما غفل قسا قلبه، فإذا ذكر ربه لان قلبه، ولا شك أن الصلاة تذكر بالله سبحانه فتلين بها القلوب القاسية، وكلما طالت الغفلة صعبت الطاعة، فإذا تخلل تلك الغفلة عبادة وذكر سهلت الطاعة.

    معلوم أن العبد الذي دائماً في غفلة مشتغل بدنياه .. مقبل على لهوه وسهوه .. مكب على شهوات بطنه وفرجه، لا يهمه إلا ما تهواه نفسه، ويقطع بذلك أكثر زمانه، فإذا دعي إلى طاعة رأى لها صعوبة، وإذا دعي إلى عبادة استثقلها، بخلاف العبد الذي قد عوّد نفسه الطاعة فإنه يجدها خفيفة .. يجدها سهلة، بل يتلذذ بها كما يتلذذ أهل الشهوات بشهواتهم، فهناك من يتلذذون بالتهجد الذي هو صلاة الليل كما يتلذذ الذين يسهرون ليلهم على خمورهم وعلى شهواتهم البهيمية المحرمة أو المباحة، ولا شك أن هذه لذة دينية.

    هذا من الحكمة في شرعية هذه الصلاة، وقد ذُكر لها مؤكدات كثيرة، وأسباب تدل على شرعيتها، حتى عدها بعضهم عشرة يطول بنا المقام لو فصلناها، وذُكرت لها حكم ومصالح تفوق العد، ولو ألفت فيها المؤلفات ما اتسعت لها.

    ونحن نتكلم على هذه الأحاديث التي ذكرت، ومن طلب التوسع فيها وجده.

    الحكمة في توقيت الصلوات

    من حكمة الله سبحانه أن فرق هذه الصلوات على اليوم والليلة، ولم يجعلها في ساعة واحدة، ولا متوالية في وقت من الأوقات، بل جعلها متفرقة: فبعضها أول الليل كالمغرب والعشاء، وبعضها أول النهار كالفجر، وبعضها وسط النهار كالظهر والعصر.

    والحكمة في ذلك: أن يكون العبد دائماً على صلة بالعبادة؛ فلا يبعد عهده بالعبادة، كلما اشتغل بشهواته وبدنياه في وقت من الأوقات، وأحس بشيء من القسوة دخل عليه وقت من هذه الأوقات فقام إلى عبادة من العبادات تصقل قلبه وتجلو همه وغمه، وتلين طبعه، وتذكره بربه، وتذكره بالوقوف بين يديه، فيحضر فيها قلبه ويخشع ويخضع ويتواضع، ويدعو ربه سراً وجهراً، ويذكره بعد تلك الغفلة، ويتلو كلامه ويخضع إليه، فينصرف منها وقد ازداد عبادة وقد تذكر الله وعظم قدر ربه في قلبه، هذه من الحكم.

    وأيضاً: فإن ذلك لأجل تخفيفها، فلو أمروا بأن يصلوا سبع عشرة ركعة متوالية في وقت لكان في ذلك شيء من الثقل، وحبس لهم عن قضاء حوائجهم، ولكن أمروا بأن يصلوا كل جزءٍِ منها في وقت، فأربع في وقت، وثلاث في وقت، وركعتان في وقت.. وهكذا.

    كما أمروا أن يتقربوا بجنس هذه الصلاة حسب استطاعتهم، كما يتقربون بجنس بقية العبادات.

    أدلة المواقيت من القرآن

    ومواقيت الصلوات الخمس قد ذكرت في السنة موضحة، ووردت أيضاً إشارة إليها في القرآن، استنبطت من مثل قوله تعالى: وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ [هود:114] فقالوا: الطرف الأول الفجر، والطرف الثاني: الظهر والعصر، أي: طرفي النهار،(وزلفاً من الليل) يعني: المغرب والعشاء، فإنهما في أول الليل.

    وأخذت من قوله تعالى: أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78] (دلوك الشمس): ميلها، ويدخل فيه الظهر والعصر، و( غسق الليل): ظلمة الليل، ويدخل فيه المغرب والعشاء،( قرآن الفجر) صلاة الفجر.

    وأخذت من قوله تعالى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:17-18] فقيل: (حين تمسون) صلاة المغرب والعشاء، (وتصبحون) صلاة الفجر، (وعشياً) صلاة العصر، ( وحين تظهرون) صلاة الظهر، فالأوقات وجدت أدلتها في القرآن.

    ولا شك أن إيقاعها في وقتها هو الأكمل والأفضل، وأن تأخيرها عن وقتها يعتبر ذنباً قد يسبب نقص أجرها، وقد يسبب العقوبة عليها، وقد فسر قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]

    بأنهم الذين يؤخرونها عن وقتها، يقول بعض السلف: أما إنهم لم يتركوها، ولو تركوها لكانوا كفاراً، ولكن أخروها عن وقتها؛ فتوعدهم الله تعالى بالويل، فدل على أن من شروطها إيقاعها في وقتها.

    فلا يجوز تقديمها قبل الوقت، ومن قدمها لم تجزئه، فمن صلى المغرب قبل غروب الشمس، أو صلى الفجر قبل طلوع الفجر، أو صلى الظهر قبل زوال الشمس لم تقبل منه، حيث إنه لم يجعلها في وقتها، ومن أخرها حتى خرج وقتها اعتبر مفرطاً، كالذي يصلي الفجر بعدما تطلع الشمس، أو يصلي الظهر في الليل أو ما أشبه ذلك، لا شك أن هذا قد فرط وفوت الوقت الذي شرعت فيه الصلاة.

    الصلاة على وقتها أفضل الأعمال

    في هذا الحديث: أن ابن مسعود سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ فأخبره بأن أفضلها الصلاة على وقتها، أي: إذا صليت في وقتها، وكملت شروطها وصفاتها فهي أفضل الأعمال، يعني: بالنسبة إلى من طولب بالأعمال الصالحة، فإن أداء هذه الصلاة خير الأعمال وأفضلها، سيما إذا كملت صفاتها وهيآتها، قال: أي الأعمال أفضل؟ قال: (الصلاة على وقتها).

    وورد في بعض الروايات: (الصلاة في أول وقتها) ومعناها تفضيل أول الوقت، ولكن أكثر الروايات على أن المراد الصلاة في وقتها، ومعلوم أن تقديمها في أول الوقت دليل على المحبة لها، ودليل على الهيبة، ودليل على الإقبال عليها؛ بحيث إنه لم يتوانَ ولم يتأخر، بل حينما أحس بدخول وقتها بادر وأتى بهذه الصلاة.

    واستثني من ذلك صلاة العشاء كما سيأتي، فالأفضل تأخيرها، وصلاة الظهر في شدة الحر، يعني: إذا كان هناك حر مزعج شديد، فيشرع تأخيرها إلى وقت الإبراد، أي: إلى أن تذهب تلك الشدة، ويخف الحر، وهذا أفضل حتى تحصل الطمأنينة، أما بقية الصلوات فتقديمها أفضل من تأخيرها.

    فضل بر الوالدين والجهاد في سبيل الله

    ابن مسعود سأل عن أفضل الأعمال، فدل على أنها الصلاة على وقتها أو في وقتها، ثم سأله عما يلي ذلك من الفضل فأخبره ببر الوالدين؛ وذلك لعظم حق الوالدين فهو قرين حق الله تعالى كما في قوله تعالى: أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14]؛ ولأن الوالدين لهما حق على ولديهما بإيجاده وبتربيته وبرعايته وحضانته ونحو ذلك، فعليه أن يبرهما ويؤدي حقهما.

    ثم سأل بعد ذلك عن العبادة الثالثة التي تلي بر الوالدين فدله على الجهاد في سبيل الله، يعني: قتال الكفار؛ وذلك لأنه ذروة سنام الإسلام؛ ولأنه سبب في إعلاء كلمة الله تعالى وإظهار دينه، وإعزاز المسلمين وإذلال المشركين، وفيه غير ذلك من المصالح.

    1.   

    شرح حديث: (كان رسول الله يصلي العشاء بغلس)

    الحديث الثاني يتعلق بصلاة الفجر، وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان يبكر لصلاة الفجر، بحيث إنه يشهد الصلاة معه نساء متلفعات بمرطهن، وينصرفن ما يعرفهن أحد من الغلس، والغلس: الظلمة، أي: اختلاط الظلمة بضياء ذلك الوقت الذي هو غلس، أي: بقية ظلمة، فهؤلاء نساء يحضرن إلى المسجد، ويصلين في طرف المسجد وهن متلففات.

    والمروط: جمع مرط، والمرط: الكساء والرداء التي ترتديه المرأة، وتغطي به جسدها كله، ولا يعرفها أحد حتى من تصلي إلى جنبها، يعني: تصلي اثنتان بعضهما إلى جنب بعض ولا تعرف إحداهما الأخرى؛ وذلك من الظلمة، لا يعرفها أحد لا رجل ولا امرأة وذلك لوجود الظلمة.

    وفي هذا الحديث دليل على جواز صلاة النساء في المسجد مع الجماعة، بشرط أن يكن متلففات ومستترات ومحتشمات لا يرى من أبدانهن شيء، ودليل على أن نساء الصحابة كن على غاية من الاحتشام، فكانت المرأة إذا خرجت في الظلمة أو في الليل خرجت في غاية من التحفظ، وكذلك في سائر الأوقات، لا يرى بدنها ولا يرى شيء من جسمها، بل تلتف بالمرط أو بالرداء أو بالكساء أو بالعباءة أو نحو ذلك من الأكسية التي تستر جميع بدنها، فلا يرى منها يد ولا قدم ولا وجه ولا رأس ولا غير ذلك؛ لأجل الاحتشام والحياء والتستر من الرجال الأجانب.

    وفيه دليل على التبكير لصلاة الفجر وهو الشاهد من الحديث، بحيث إنها أخبرت بأنه لا يعرفهن أحد من شدة الغلس، يعني: من شدة الظلمة التي هي بقية الليل، والتبكير لصلاة الفجر والتغليس بها هو الأفضل.

    1.   

    مواقيت الصلاة

    قال المصنف: [عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحياناً وأحياناً، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر، والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس، والهاجرة هي: شدة الحر بعد الزوال).

    وعن أبي المنهال سيار بن سلامة قال: (دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: حدثنا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة، فقال: كان يصلي الهجير -وهي التي تدعونها الأولى- حين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية- ونسيت ما قال في المغرب- وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ فيها بالستين والمائة)].

    ورد عن رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه كثير من الأحاديث في تحديد أوقات الصلوات الخمس، وقد ذكرنا أنه قد أشير إليها في القرآن كقوله تعالى: أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، ومن جملة ما ورد في هذا حديثان: حديث جابر وحديث أبي برزة الأسلمي .

    وقت الظهر

    قال جابر : كان صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، وفي حديث أبي برزة أنه كان يصليها حين تدحض الشمس، والهاجرة فسرت بأنها شدة الحر، ولكن ذلك مشروط بما إذا زالت الشمس، أي: بعد الزوال، فالهاجرة هي وسط النهار بعد الزوال، وسميت بذلك لأن الناس حينئذ يكتنون من شدة الحر في البيوت، فكأن بعضهم يهجر بعضاً، ويكتن كل منهم في بيته عند اشتداد الحر.

    كان يصلي بالهاجرة: أي إذا زالت الشمس، وكانوا إذا ابتدأ اشتداد الحر يقيلون، يعني: ينامون وسط النهار وقت القيلولة، فيستيقظون قرب الزوال إذا زالت الشمس، ويتوجهون لأداء هذه الصلاة.

    في حديث أبي برزة أنه كان يصليها حين تدحض الشمس، والدحض هو الدلوك: أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78]، فدحضها هو ميلها إلى جهة الغروب، ومعلوم أن الشمس إذا طلعت انتصب لكل شاخص ظلال، ولا يزال ذلك الظلال ينقص ويتقلص إلى أن يتناهى قصره، فإذا تناهى قصره فذلك وقت قيام الشمس ووقوفها، فإذا ابتدأ الظل بالزيادة فذلك وقت دحوضها ووقت الزوال إذا دحضت يعني: زالت، وذلك وقت الظهر.

    وقد استثني من ذلك ما إذا كان هناك حر شديد، فقد كان عليه الصلاة والسلام يبرد بالظهر، ويقول: (أبردوا بالظهر)، وفي الحديث الآخر: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم) فكان يأمرهم أن يبردوا؛ وذلك لأن شدة الحر قد تقلق الراحة وقد تشوش على المصلي، وقد لا يقبل على صلاته ولا يحفظ ما يقول فيها، فإذا أبرد وذهبت شدة وقوة الحر صلوها عند ذلك حتى يطمئنوا فيها.

    وفي هذه الأزمنة لا يوجد ذلك الحر والحمد لله؛ وذلك لوجود المكيفات والمراوح الكهربائية التي تخفف من شدة الحر، فلا يحس الناس بذلك الحر الشديد المزعج الذي يتصبب منه العرق، والذي تبتل منه الثياب فلا يطمئن المصلي في صلاته؛ فلأجل ذلك لم يروا داعياً إلى الإبراد في شدة الحر، لكن لو كان هناك بلاد ليس فيها هذه المكيفات ونحوها، فإن الإبراد مستحب في حقهم، وما ذاك إلا أن الحكم يدور مع علته، فمتى وجدت العلة وجد الحكم، أما في سائر السنة التي ليس فيها حر فإن وقت الصلاة إذا زالت الشمس، فإذا ابتدأت زيادة الظل في جهة الشرق فذلك وقت الظهر.

    يمتد وقت الظهر إلى دخول وقت العصر، ويقدر بأن يزيد حتى يصير ظل كل شيء مثله، ثم يدخل وقت العصر.

    وقت العصر

    في حديث جابر أنه كان يصلي العصر والشمس نقية، يعني: لم تبدأ في الاصفرار، فالشمس إذا كانت نقية لا يمكن للناظر أن ينظر إليها لقوة شعاعها، أما إذا بردت فإنه يستطيع أن ينظر إليها، ولا يكون فيها شعاع قوي، فيقول: إنه كان يصلي والشمس نقية، لم يبدأ تغيرها واصفرارها، وهذا يدل على التبكير بها، وقد وردت أدلة في التبكير بالعصر حتى قال في الحديث: (بكروا بالعصر، فإن من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) (وتر) يعني: سلب أهله وماله، وسيأتينا بعض الأدلة في أهميتها.

    وذكر في حديث أبي برزة كان يصلي العصر فيذهب أحدهم إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية، أي: لم تغب، وأقصى المدينة يبعد مسيرة ساعتين على الأقدام بالسير المعتاد، يعني: أنه يقطع تلك المسافة التي هي مسيرة ساعتين بعد العصر، ويصل إلى أهله والشمس حية لم تغب مما يدل على أنه يبكر بها، أي: بين فراغه من صلاة العصر وغروب الشمس أكثر من ساعتين، هذا في النهار المعتدل وقد ينقص أحياناً إذا نقص النهار، وقد يزيد إلى ساعتين ونصف، أي: بين الفراغ من العصر وبين غروب الشمس، وذلك يختلف باختلاف طول النهار وقصره، ولكن الغالب وهو الوسط أنه يكون ساعتين ونحوها.

    أقصى المدينة يقال له: العوالي، وكانت تبعد هذه المسافة، وهي لا تزال موجودة وراء قباء بنحو اثنين أو ثلاثة كيلو؛ فيدل على أن المسافة طويلة.

    فالحاصل: أنه كان يصلي العصر مبكراً، والشمس نقية لم يدخلها شيء من التغير، ويقطعون تلك المسافة في وقت النهار يعني: في بقية النهار.

    وقت المغرب

    أما صلاة المغرب فذكر في حديث جابر أنه كان يصليها إذا وجبت، ولم يذكر شيئاً في حديث أبي برزة ، وقال: نسيت ما قال في المغرب، ولكن المشهور أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب، فإذا غربت عن الأعين دخل وقت المغرب.

    قد ذكرنا أنه يستدل على وقتها بقوله تعالى: وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ [هود:114] وبقوله تعالى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم:17] فيدخل في (حين تمسون) صلاة المغرب، فإنها تبدأ حين دخول المساء، وفي هذا الحديث أنه كان يصليها إذا وجبت أي: غربت، يقال: وجبت الشمس أي: سقطت في المغيب، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [الحج:36]، ويعبر عنه أيضاً بالتواري كقوله تعالى: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:32] يعني: احتجبت عن الأعين.

    كان يصليها مبكراً، فإذا تحقق من الغروب صلاها، وكان ينصرف منها والرجل يرى مواضع نبله، والنبل هي السهام التي يرمون بها، فكانوا ينصرفون من صلاة المغرب وإذا رمى أحدهم بالسهم الذي يبلغ مائتي ذراع أو نحوه يرى السهم إذا وقع في الأرض، هذا معنى (يرى مواقع نبله)، يعني: لا يزال هناك ضياء ولم تستحكم الظلمة، مما يدل على أنه كان يبكر بها.

    والتبكير في صلاة المغرب يكون في أول وقتها بحيث يبقى ضوء من النهار، ولم تستحكم الظلمة، هذا هو السنة.

    وقال بعضهم: إنه ليس لها امتداد، ولكن الصحيح أن وقتها يمتد إلى دخول وقت العشاء، وهو وقت غروب الشفق، وهي الحمرة التي في الأفق، فهذه الحمرة إذا غربت دخل وقت العشاء، وما دامت باقية فوقت المغرب باق، ولكن السنة المبادرة والإتيان بها في أول الوقت.

    وقت العشاء

    أما صلاة العشاء فذكر في حديث جابر أنه أحياناً يبكر بها وأحياناً يؤخرها، فإذا رأى الصحابة اجتمعوا بالمسجد عجل وصلى بهم لينصرفوا، وإذا رآهم تأخروا في بعض الأشغال أو نحوها أخرها حتى يجتمعوا ويصلي بهم، وسيأتينا أنه كان يستحب أن يؤخرها إلى نصف الليل أو إلى ثلث الليل، يعني: أن الوقت المختار التأخير لها، وأن التبكير إنما هو لأجل إزالة مشقة السهر.

    وذكر في حديث أبي برزة أنه كان يستحب أن يؤخرها، ويستحب تأخيرها حتى يتحقق دخول الوقت وحتى يقرب من الوقت المختار الذي هو ثلث الليل أو نصفه، فيستحب ذلك لولا أن ذلك يشق على الصبيان والنساء ونحوهم.

    ذكر في حديث أبي برزة أنه كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، فالنوم قبلها مدعاة إلى الكسل؛ لأنه إذا نام قبلها فقد يستغرق في النوم فتفوته الصلاة، وقد لا يصلي إلا بعد خروج الوقت أو خروج الوقت المختار، وإذا أوقظ في الوقت فقد يصلي ومعه الكسل والنعاس والسنة والغفلة وعدم الإقبال على الصلاة، وأهم شيء أنه غالباً قد تفوته الصلاة إذا نام قبل أذان العشاء.

    أما الحديث بعدها فكان عليه الصلاة والسلام ينام مبكراً أي: ساعة ما يفرغ من صلاة العشاء، وهكذا صحابته كانوا ينامون بعد صلاة العشاء مباشرة، ولا يسهرون أول الليل، واتخذوا ذلك عادة لأنهم يتحرون قيام الليل، فكانوا يقومون إذا بقي ثلث الليل الآخر أو نصف الليل الآخر للتهجد، فيعرفون أن السهر أول الليل يحول بينهم وبين قيام آخر الليل، أو على الأقل قد يؤخرهم إلى قبيل طلوع الفجر، وقد يسبب سهر الليل فوات صلاة الفجر؛ لأجل هذا كان عليه الصلاة والسلام يكره أن يتحدث أو يسهر بعد صلاة العشاء حتى لا يحبسه هذا السهر عن قيام آخر الليل.

    هذا سبب كراهته للتحدث بعدها، ومعناه التحدث في أمور الدنيا، وقد أباح العلماء الحديث إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك، مثاله: إذا كان التحدث مع ضيف نزل به، أو إذا كان الحديث في بحث علمي، وفي فوائد علمية يستفيد منها الإنسان، ولا يحصل عليها إلا بذلك، فأبيح له ولو كان سبباً في حرمان قيام آخر الليل؛ لأنه حصل على خير أول الليل.

    وقد ذكر عن عمر رضي الله عنه أنه تمنى أن تكون صلاة التراويح في رمضان آخر الليل، فلما مر على الصحابة وهم يصلون التراويح أول الليل، قال: (التي ينامون عنها خير من التي يقومون لها) يعني: التي ينامون عنها هي صلاة آخر الليل، لكن قيام أول الليل يسهل على العامة، فليس كل واحد يتيسر له قيام آخر الليل، وبكل حال من طمع أن يقوم آخر الليل فلينم مبكراً؛ حتى يتيسر له ويقوم بسهولة؛ فينام مبكراً بعد العشاء مباشرة أو بعدها بقليل؛ ليكون ذلك عوناً له في أن يقوم في آخر الليل ويصلي ما كتب له، ويتأسى بنبيه صلى الله عليه وسلم وبسلف الأمة، وبأهل الخير.

    وقت الفجر

    أما صلاة الفجر ففي حديث جابر أنه كان يصليها بغلس، وتقدم أن الغلس هو بقية الظلمة؛ لقول عائشة رضي الله عنها في الحديث المتقدم: (كان يشهد معه نساء متلفعات بمرطهن، فينصرفن لا يعرفهن أحد من الغلس) فالغلس بقية ظلمة الليل، وفي حديث جابر أنه كان يصليها بغلس، يعني: في ظلمة، وهذا دليل على أنه كان يبكر بها.

    وقال أبو برزة في حديثه: (كان ينصرف حين يعرف الرجل جليسه) كانوا يصلون في مكان مظلم، ليس عندهم سرج ولا ضياء، بحيث إذا انصرف كان قد طلع شيء من ضياء الصبح فيعرف أحدهم به من إلى جنبه ولا يعرف البعيد عنه، فكان ينصرف حين يعرف الرجل من عن يمينه أو عن يساره، هذا أقل ما فيه.

    إطالة القراءة في الفجر

    هذا الحديث دليل على أنه كان يبكر بها، وفي حديث أبي برزة أنه كان يطيل القراءة فيها، فيقرأ ما بين الستين إلى المائة، أي: ستين آية إلى مائة آية، وذلك لا شك أنه إطالة بالنسبة إلى ما يفعل في هذه الأزمنة، وسيأتينا أنه عليه الصلاة والسلام كان يطيل في قراءة هذه الصلاة.

    والمراد ستين آية أو مائة آية من الآيات المتوسطة، مثل آيات سورة البقرة لاسيما الجزء الأول، آيات متوسطة ليست طويلة، ومثل آيات سورة الأحزاب مثلاً، لا قصيرة كآيات سورة الشعراء، بل آيات متوسطة، وأغلب آيات القرآن متوسطة، ونقول: سورة: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1] تعتبر أقل من المائة، فهي من جنس ما يقرأ في صلاة الفجر، وكذلك سورة الفرقان أقل من المائة، وكذلك أكثر سور القرآن ما عدا سورة الكهف مائة وإحدى عشرة، وكذلك سورة الإسراء أكثر من المائة بقليل لكن ما بعدهما من السورة أقل من المائة وإن زادت فتلك الزيادة لأجل قصر الآيات كسورة طه.

    فالحاصل: أنه يقرأ مثل سورة (( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ [الأنبياء:1] الأنبياء، وسورة النور، وسورة المؤمنون، والفرقان، والنمل، والعنكبوت، وهكذا سور (آل حم) كلها.

    ويحتمل أنه يقرأ في الركعة الواحدة ستين أو مائة، ويحتمل أنه يقرأ في الركعتين معاً هذا المقدار ولعله الأقرب؛ يعني: أنه يقرأ في الركعتين مائة آية أو ستين آية على الأقل، ولا شك أن قراءته صلى الله عليه وسلم كانت متوسطة لا يطيل فيها ولا يسرع، بل يقرأ قراءة مجودة تفهم من غير أن يكون فيها إطالة شديدة، وبذلك نعرف أنه عليه الصلاة والسلام كان يبتدئ بصلاة الفجر مبكراً، ويطيل فيها القراءة، وتبعه أيضاً صحابته رضي الله عنهم، فقد ثبت أن أبا بكر رضي الله عنه صلى بهم مرة الفجر وقرأ سورة البقرة حتى أتمها، فلما انصرف قال له بعض الصحابة: كادت الشمس أن تطلع. فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين، يعني: أننا مشتغلون بعبادة.

    وثبت أيضاً أن عمر كان إذا كبر في صلاة الفجر ابتدأ بالسور الكبار كسورة يوسف أو سورة النحل يقرؤها كلها في الصلاة، وهكذا أشباهها من السور، وذلك دليل على أنهم اعتادوا على أن صلاة الفجر لها أهمية في إطالة القراءة، وسبب ذلك أنها قلت ركعاتها فزيد مقدارها، وقد سميت قرآناً في قوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78] يعني: صلاة الفجر، فسميت باسم قرآن لأنها تطول فيها القراءة، ولأنها أيضاً لا تقصر في السفر، فهذه الأسباب جعلته يطيلها، وفيه أن الأفضل أن يبكر بها في أول وقتها.

    وأما الحديث المشهور عن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)، فقد استدل به من يؤخرها كالحنفية، ولكن لا دلالة فيه على التأخير الشديد الذي يفعل في كثير من البلاد، إنما فيه دلالة على أنه لا يصلي إلا بعدما يتحقق من طلوع الفجر، وأنه يطيلها حتى ينصرف وقد أسفر الفجر، يعني: قد أضاء الصبح، فبذلك يكون أعظم للأجر، فمعنى: (أسفروا بالفجر): أطيلوا القراءة حتى تنصرفوا وقد أسفر الصبح، والإسفار معناه ظهور الضياء، قال تعالى: وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ [المدثر:34] يعني: ظهر الضياء، فهذا بيان ما جاء في الحديثين في مواقيت الصلاة.

    1.   

    شرح حديث: (إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء)

    قال المصنف: [وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء)، وعن ابن عمر نحوه.

    ولـمسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان).

    عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب).

    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب)].

    حديث تقديم الطعام على الصلاة إذا حضر، المراد به -والله أعلم-إذا كانت النفس متعلقة بالطعام ومشتاقة إليه، وكان ذلك في وقت شدة جوع وجهد وفي الطعام قلة، والناس في حاجة إليه، فإن النفس تبقى مشغولة بذلك الطعام، وإذا ذهب إلى الصلاة ونفسه متعلقة بذلك الأكل لم يقبل على صلاته، ولم يطمئن فيها، وخاف ألا يبقى له طعام يكسر شوكة الجوع وحدته وشدته، فلا يقبل على صلاته؛ وذلك لأن المطلوب في الصلاة الإقبال عليها بقلب متفرغ حتى يحصل فيها الخشوع، وتحصل فيها الطمأنينة، ويحصل فيها التعقل والتأمل لما يقرؤه ويفعله، وتخشع فيها جوارحه، ويحضر قلبه ولبه في صلاته، ويتأمل الحكم التي تمر عليه، وبذلك يستفيد من صلاته، أما إذا صلى وقلبه منشغل بغيرها فإنه لا يدري ما يقول، ولا يدري ما يفعل، فينصرف من الصلاة وهو لم يدر ماذا قال، ولا بماذا قرأ ولا ماذا حصل له، فلا يستفيد من الصلاة الفائدة المطلوبة، والمطلوب في الصلاة -كما قلنا- الإقبال عليها بالقلب والقالب، فكل شيء يشغل اللب ويوجب حديث النفس ويسبب الصدود عن الإقبال عليها فإنه لا يفعله ولا يأتيه.

    ولأجل ذلك ينهى عن الصلاة في شدة برد مزعج لا يطمئن معه في صلاته أو في شدة حر، ويؤمر إذا اشتد الحر أن يبردوا بالصلاة حتى تنكسر شوكة الحر، وكذلك: إذا كان هناك شغل شاغل يشوش على المصلي في صلاته فإنه يباح له أن يؤخر الصلاة إلى أن يقبل على صلاته ويزيل عنه ذلك الشغل الذي يشوش عليه فكره، ويشتت عليه أمره.

    فالمطلوب في الصلاة أن يأتي إليها المسلم بقلب فارغ، والمطلوب من المصلي إذا أتى إلى المسجد أن يخلف الدنيا خلف ظهره، وأن يأتي إليها وقد أقبل على عبادة ربه، وجعلها شغله الشاغل وحديث نفسه حتى لا يفكر في شيء من أموره الخاصة ولا العامة، وبهذا يستفيد من صلاته الفائدة المرجوة منها.

    ضوابط تقديم الطعام على الصلاة

    موضوع تقديم الطعام على الصلاة ذكر العلماء أن الأولين كانوا في وقت قلة من الطعام، وإذا حضر الإفطار والنفس مشتاقة إلى الأكل، وكان في الأكل والأزواد قلة فيما بينهم؛ فإذا أفطروا قدموا عشاءهم، فإذا قدموه وأقيمت الصلاة قام بعضهم ونفسه متعلقة بذلك الطعام حتى لا تفوته الصلاة، فإذا قام لأجل المحافظة على الصلاة رجع وقد أكل الطعام، ولم يبق له ما يسد جوعته، فيبقى مشوش الفكر، أولاً: لأنه صلى وقلبه متعلق بالطعام. ثانياً: لأنه لما رجع لم يجد ما يسد جوعه، فبقي كأنه متكره لتلك الصلاة التي حالت بينه وبين أن يساهم في الأكل؛ فلأجل ذلك أصبح عذراً في تأخير الصلاة.

    ولا شك أن هذا يعتبر عذراً مع شدة الحاجة إلى الطعام، ومع القلة في الأزواد، ومع خوف فناء الأكل، وبقاء الصائم جائعاً بلا أكل، ولذلك روي عن ابن عمر أنه كان يتعشى وهو يسمع الإقامة إذا كان صائماً؛ وذلك لأجل أن يقبل على صلاته بقلب متفرغ ولا يكون قلبه مشتغلاً بالطعام.

    ثم معلوم أن طعامهم وعشاءهم لم يكن مثل أطعمة الناس في هذه الأزمنة، إنما يأكلون العلقة من الطعام كما قالت عائشة : (إنما كن النساء يأكلن العلقة من الطعام)، ويمتثلون قوله عليه الصلاة والسلام: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه)، هذا أكلهم، إنما يأكلون ما يسد الرمق ويسد الجوعة، أما أنهم يستغرقون في أنواع الأطعمة فإن في هذا شيئاً من الإسراف، ثم فيه أيضاً كثير من الانشغال، فإذا كانت النفس متعلقة بالطعام فلا يقوم إلى الصلاة إلا بعدما يعطي نفسه ما يسد جوعته، وما يخفف حاجته إلى ذلك الأكل، دون إفراط وإسراف في الأكل، ودون تأخير زائد للصلاة.

    وكذلك أيضاً لا ينبغي أن يجعل الناس مواقيت الأكل هي مواقيت الصلاة، بحيث يعتذر أحدهم بأنه جاءه وقت الصلاة وهو يأكل وقد حضر الأكل؛ لأن للأكل مواقيت معروفة، كان الأكل فيما مضى أول النهار بعد الصبح غداء وأول الليل عشاء، بعد المغرب، هذا هو الوقت المعتاد، أما أنهم يتحرون وقت الفجر أو وقت المغرب أو وقت العصر للأكل ويعتذرون بأنهم أخروا الصلاة اشتغالاً بالأكل، ويجعلون ذلك عادة متبعة؛ فإن هذا لا يسوغ ولا يجوز، أعني: تعمد جعل وقت الطعام هو وقت الصلاة مع إمكان تقديمه أو تأخيره.

    وكذلك نعرف أن القصد أن ذلك في حالة قلة الأزواد والحاجة الشديدة إلى الطعام وتعلق النفس به.

    النهي عن الصلاة وهو يدافعه الأخبثان

    وأما قوله: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان) الأخبثان: البول والغائط، والمراد: أن الصلاة في حالة كونه حاقناً يعني: حاصر البول، أو محتاجاً إلى التبرز (للغائط) فإنه في تلك الحالة لا يقبل على صلاته، ولا يطمئن فيها؛ لكون ذلك الأمر مما يشوش عليه فكره، ومما يكدر عليه حالته، فلا يقبل على العبادة، فأمر والحالة هذه بأن يتخلى حتى ولو فاتته الجماعة، حتى يقبل على الصلاة فارغ القلب، حتى رفع إلى بعض العلماء سؤال: إذا كان الإنسان في حاجة إلى التخلي-يعني: إما حاقناً وإما حاقباً- وليس عنده ماء يتوضأ به إذا تخلى، فهل يصلي حاقناً وهو على طهر أو يتبرز ويصلي متيمماً؟

    فرجح أن عليه أن يتخلى ولو لم يجد ماء، ويصلي بالتيمم بعد فراغه، ومع سعة باله، ومع بعده عما يشوش عليه فكره.

    لا شك أن الذي يحس باحتقان البول وحرقه والحاجة إلى التخلي يبقى متشوشاً، وأن ذلك يذهب طمأنينته وإقباله على الصلاة، وقد عرفنا أن روح الصلاة ولبها هو الخشوع، وأنه لا يتصور الخشوع مع هذه الحال التي هي كونه حاقناً أو حاقباً، يعني: محتاجاً إلى إخراج البراز ونحوه، وكذلك كونه متعلقاً بأكل وبحاجة إليه أو بشراب كمن كان شديد الظمأ أو شديد الجوع أو ما أشبه ذلك.

    والأصل من هذه الأحاديث: أن المصلي مأمور بأن يأتي إليها وهو فارغ القلب؛ حتى يستفيد من صلاته، وينصرف وقد تأثر بالعبادة.

    1.   

    شرح حديث: (نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)

    الحديثان الآتيان يتعلقان بأوقات النهي الأول: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع)، وفي الحديث الآخر: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس) وذكر أنه روي عن جملة من الصحابة، وعد منهم كما سمعنا أربعة عشر صحابياً، ومنهم أحد التابعين وهو الصنابحي ، ومنهم الاثنان اللذان رويا الحديث فيكونون ستة عشر.

    هذه الأحاديث وإن لم تكن في الصحيح ولكنها مروية، وكثير منها ثابت ومروي بأسنايد، وقد ذكر بعضهم أنها جاءت عن أربعة وعشرين صحابياً، كلهم رووا هذه الأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة في هذين الوقتين، وابن عباس كما سمعنا نقله عن رجال لا عن رجل قال: (حدثني رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر)، وعمر رضي الله عنه هو أحد الخلفاء الراشدين، فهو أوثقهم وأشهرهم فلا جرم، فذكر أنه من جملة من روى حديث النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس.

    والمراد بالصلاة هنا: الصلاة المطلقة التي هي تطوع، ولعل الحكمة في ذلك أن هذا وقت يصلي فيه المشركون، أو أن المصلي عندما يصلي قد يستقبل الشمس عند طلوعها، أو يستقبلها عند غروبها، فيتشبه بمن يصلي لها، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على المنافقين تأخير صلاة العصر في قوله في صفة المنافق: (تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا صارت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) وذكر أن الشمس تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها المشركون، فإذا كانت تشرق وتغرب بين قرني شيطان فإن الصلاة قد تكون مشابهة لمن يسجد لها من المشركين أو لمن يعبد الشياطين ويعظم الشياطين، والصلاة يجب أن تكون لله تعالى، والمصلي يسجد لربه لا لغير الله.

    وهذه الأوقات ذكروا أن فيها ما هو موسع، وفيها ما هو مضيق، فالوقت الموسع هو بعد العصر إلى أن يبقى على غروب الشمس نحو ثلث ساعة أو نصف ساعة، وما بعد ذلك فهو المضيق.

    وكذلك بعد الفجر موسع إلى أن تبدأ الشمس في الطلوع فيكون ذلك مضيقاً حتى ترتفع بعد إشراقها بربع ساعة أو نحو ذلك، فذلك المضيق، وهناك وقت ثالث من المضيقات وهو إذا استقلت الشمس ووقفت، وهو حين يقوم قائم الظهيرة، وقد ثبت في حديث عقبة أنه قال: (ثلاث ساعات كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وحين تتضيف للغروب، وحين يقوم قائم الظهيرة)، فهذه ثلاثة أوقات أكد فيها النهي، ودل على أن الوقتين الآخرين وقتان موسعان.

    وقد ذكر العلماء أنه يجوز في الأوقات الموسعة بعض الصلوات، فيجوز فيها قضاء الفوائت، فإذا ذكر صلاة نسيها فإنه يصليها في هذه الأوقات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك)، فإذا نام عن صلاة الفجر واستيقظ عند الطلوع أو قرب الطلوع صلى ساعة ما يستيقظ، وإذا نام عن صلاة العصر واستيقظ قرب الغروب صلاها ساعة ما يستيقظ؛ وذلك لأنه لم يصل، وكذلك لو تذكر مثلاً صلاة فائتة، كأن تذكر بعد العصر أن عليه صلاة ظهر أو صلاة عشاء، فليصليها ساعة ما يتذكرها ولو بعد العصر ولو بعد الفجر.

    أما صلاة الجنائز فتصلى في الوقتين الموسعين بعد العصر حتى يقرب الغروب وبعد الفجر حتى يقرب الشروق.

    أما سجود التلاوة فاختلف هل هو صلاة أم لا؟ وإذا قلنا إنه صلاة فإنه يجوز فعله في أوقات النهي لأنه من ذوات الأسباب، إذاً: يجوز فيها كلها.

    الخلاف في صلاة ذوات الأسباب في أوقات الكراهة

    اختلف في بعض الصلوات التي لها سبب، فمنها: ركعتا الطواف، وهما الركعتان اللتان يصليهما إذا طاف بالبيت، فذهب أكثر العلماء إلى أنه يصليها في أوقات النهي، وروي أن عمر رضي الله عنه طاف مرة بعد الفجر، وفرغ من الطواف والشمس لم تطلع، فلم يصل الركعتين وركب بعيره وذهب حتى وضع رحله بذي طوى، وهي مسافة طويلة، وكانت الطريق من الحجون، فسار حتى وصل إلى ذي طوى، ولما وصل والشمس قد طلعت صلاهما في مكانه، وهذا دليل على أنه فهم أن صلاة ركعتي الطواف لا تصح في أوقات النهي.

    وروي عن بعض الصحابة أنهم كانوا يكرهون الطواف في أوقات النهي، ولكن الجمهور على أنها تصلى فيها، وأنها من ذوات الأسباب، والاحتياط في الأوقات الضيقة أنه يؤخرها، فإذا فرغ من الطواف قرب الطلوع أخرها إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح ربع ساعة أو نحوها، وإذا فرغ من الطواف قرب الغروب أخرها حتى يتم غروب الشمس، وهكذا في الأوقات الضيقة.

    وكذلك اختلفوا في سنة الوضوء التي وردت في حديث بلال أنه كان إذا توضأ صلى ركعتين، فذهب بعض العلماء إلى أن من توضأ فإنه يسن له أن يصلي، ولكن الصحيح أن سنة الوضوء ليست من ذوات الأسباب؛ لأنها لم تروَ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر عن بلال أنه كان يتوضأ في أوقات النهي، ولم يذكر أنه كان يصلي هاتين الركعتين في أوقات النهي، ولم يذكر أنه كان يصليهما ساعة ما يتوضأ، إنما ذكر أنه إذا توضأ صلى بذلك الوضوء فريضة أو نافلة.

    واختلف أيضاً في تحية المسجد، وهي أكثر ما ورد فيه الاختلاف، فإذا دخل الإنسان المسجد بعد الفجر أو بعد العصر، هل يجلس أو يصلي؟ قولان للعلماء، والاختيار والأقرب أنه يجوز له أن يصلي وأن يجلس ولا إنكار على من فعل أحدهما، ولكن الأفضل إذا دخل قرب الغروب أن يجلس ولا يصلي، وكذلك قرب الشروق لا يصلي حتى يخرج وقت النهي.

    أما بقية النوافل التي لا أسباب لها فلا خلاف أنه يمنع منها لكثرة الأحاديث، فقوله: (لا صلاة) نفي يدل على المنع، يعني: لا تجوز ولا تفعل أية صلاة في مثل هذه الأوقات حتى تزول، وقد عرفنا أن السبب في ذلك النهي عن مشابهة المشركين، وكل شيء فيه مشابهة لهم ينهى عنه المسلم، بل يبتعد عن الأشياء التي يشترك فيها مع المشركين؛ ليتميز المسلمون من الكفار، ولما كان المشركون يسجدون في هذه الأوقات أو يصلون في هذه الأوقات أو نحو ذلك نهي المسلم عن أن يفعل أفعالهم، وكذلك بقية خصائصهم، وبقية عباداتهم.

    1.   

    شرح حديث: صلاة النبي عليه الصلاة والسلام العصر يوم الخندق بعد الغروب

    قال المؤلف رحمه الله:[عن جابر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش وقال: (يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما صليتها، قال: فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب)].

    هذه الحديث يتعلق بقضاء الفوائت، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العصر بعدما دخل وقت المغرب، أي: بعدما غربت الشمس، ويعتبر هذا قضاء حيث قد خرج وقتها، وقد تقدم الحديث الذي فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (ملأ الله قبورهم أو بيوتهم ناراً، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس) ، وكان ذلك في غزوة الخندق عندما جاء المشركون وحاصروا النبي صلى الله عليه وسلم وأهل المدينة، وكانوا قد حفروا حولهم خندقاً، وهو متسع لا يستطيع المشركون أن يتجاوزوه بخيولهم ولا برجالهم، وإنما يتناولونهم بالسلاح من بعيد برمي أو نحوه، وكان الذي أشار عليهم بهذا الخندق هو سلمان الفارسي ، وسميت الوقعة أو الغزوة غزوة الخندق أو يوم الخندق.

    وفي هذا أنهم أخروا الصلاة لاشتغالهم بالقتال، وكان ذلك قبل أن يؤذن لهم في صلاة الخوف، ويمكن أن يكونوا لم يتفرغوا للصلاة واعتقدوا أن القتال سيتوقف قبل خروج الوقت، واستمروا في القتال، وإلا فقد رخص الله لهم في أن يصلوا صلاة الخوف في قوله تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ.. [النساء:102] إلى آخر الآية، وسيأتي بعض صفاتها.

    ورخص لهم الصلاة رجالاً وركباناً كما قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً [البقرة:239] يعني: صلوا على أرجلكم أو صلوا على مراكبكم تومئون إيماء بالركوع وبالسجود، ولكن قد لا يتمكنون فينشغلون انشغالاً كلياً ويؤملون أن القتال ينفصل.

    وفي هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه أخروا صلاة العصر حتى غربت الشمس، أما عمر رضي الله عنه فإنه صلاها قبيل الغروب؛ فلهذا جعل يسب المشركين ويقول في سبب سبهم: إنا انشغلنا بهم فلم أصل العصر إلا بعدما كادت الشمس أن تغرب، أي: قرب الغروب، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقسم أنه ما صلاها، قال: (والله ما صليتها) يعني: إلى الآن، فتوضأ الصحابة في موضع يقال له بطحان من المدينة، وتوضأ معهم، وصلى العصر بعد الغروب أربع ركعات صلاة عادية، وصلى المغرب بعدها، وفي هذا دليل على تقديم الفائتة على الحاضرة إذا كان الوقت متسعاً.

    يقول العلماء: يجب الترتيب إلا إذا خشي فوت الوقت الحاضر، إما إذا كان الوقت واسعاً فإنها تقدم الفائتة، فمثلاً: لو فاتتك صلاة العشاء وصلاة الفجر، وقمت قبل طلوع الشمس، وبقي على طلوع الشمس قدر صلاة ركعتين، فهل تقدم صلاة العشاء أو صلاة الفجر؟

    تقدم الفجر؛ لأنك إذا اشتغلت بصلاة العشاء طلعت الشمس، فقدم صلاة الفجر؛ لأن الوقت هو وقتها، ثم صل العشاء التي قد خرج وقتها بعد الطلوع؛ لأنها تعتبر قضاء، وسواء صليتها قبل طلوع الشمس أو بعدها فهي مقضية، أما إذا كان في الإمكان أن تصلي الثنتين قبل الطلوع فصلّ العشاء؛ لأنها أقدم.

    ومثل ذلك: لو فاتتك الفجر والظهر والعصر، وانتبهت لها قبيل غروب الشمس، فإذا صليت الثلاث غربت الشمس قبل أن تكملها، فقدم صلاتي الجمع: الظهر والعصر وصلهما، والفجر قد فات وقته، فتصليه قضاء.

    أما في هذه الحالة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم العصر؛ لأن الوقت متسع، ثم صلى بعدها المغرب؛ لأنها لا تفوت، فرتب وجعل ذلك من باب التعليم لأمته في كيفية قضاء الصلاة إذا فاتت، وكان الوقت يتسع للمقضية وللحاضرة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315046

    عدد مرات الحفظ

    723498667