إسلام ويب

شرح أخصر المختصرات [8]للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة عمود الدين، وتعظيمها من صفات المؤمنين، وللصلاة أركان وواجبات وشروط يجب على المسلم معرفتها والعمل بها. والصلاة من خير الأعمال، فمن استطاع أن يستكثر من نوافلها فليفعل؛ فهي نور له في الدنيا وفي قبره وفي آخرته، وقد بين العلماء أحكام صلاة التطوع وأفضلها وأوقات النهي عنها وغير ذلك مما يتعلق بها.

    1.   

    أركان الصلاة

    قرأنا فيما مضى وجوب اجتناب النجاسة في الثوب والبدن والبقعة مع القدرة، وكذلك حكم من جبر عظمه بنجس، وحكم الصلاة في المقبرة ومن علل بأنها مظنة النجاسة وترجيح أن العلة خوف الغلو في القبور، وحكم الصلاة في أسطحت هذه المنهيات: الحمام والخلاء، ومعاطن الإبل، والمجزرة، والمزبلة، وأن الصحيح أنه لا مانع من الصلاة في أسطحها.

    كذلك ذكرنا حكم استقبال القبلة وأنه فرض إلا لعاجز ومتنفل في سفر، وكذلك العلامات التي يعمل بها في معرفة تحديد القبلة، وحكم من اشتبهت عليه في السفر، وحكم من صلى بلا اجتهاد ولا تقليد من يعرف.

    كذلك من شروط الصلاة: النية، وسبب اهتمام الفقهاء بها وذكرهم أنها تقارن التحريمة، والصحيح أنها ملازمة للمصلي في جميع صلاته، وكذلك نية الإمامة ونية الائتمام وما أشبه ذلك.

    وذكرنا أيضاً صفة الصلاة وما ذكر من أنه يخرج إليها بسكينة ووقار ودليل ذلك، ومتى يقوم إلى الصلاة عند الإقامة، وحكم تكبيرة الإحرام، وأنه لا يصح غيرها بدلها، وحكم رفع اليدين عند استفتاح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه، وأين يضع يديه بعد قبضهما، والترجيح أنه يضعهما على صدره، وحكم الاستفتاحات، وسبب اختيار الإمام أحمد لما اختاره من الاستفتاح، وحكم قراءة الفاتحة ووجوب ترتيبها وتواليها، والتلفظ بشداتها، وكذلك التأمين في الجهرية، وجهر الإمام بالقراءة في الصلوات الجهرية، وحكم الجهر للمأموم والمنفرد، واستحباب أن يقرأ بعد الفاتحة سورة كاملة، وأنه أفضل من قراءة أول سورة أو آخر سورة؛ لأنه الوارد، ولأن السور الكاملة منفصلة لها معنى متكامل.

    وكذلك ذكرنا حكم الركوع، وأين يضع يديه ومقدار المجزئ من التسبيح في الركوع والكمال، والرفع من الركوع، وأن التسميع خاص بالإمام والمنفرد، فالمأموم لا يسمّع فلا يقول: سمع الله لمن حمده، والسجود على الأعضاء السبعة، والترجيح لأن يضع ركبتيه ثم يديه، وأن تقديم اليدين على الركبتين إنما يكون في حق العاجز كالكبير والمريض ونحو ذلك، وأن الأدلة صريحة على ذلك، وكذلك كونه يسجد على أطراف أصابعه، وصفة السجود الكامل وما يقول فيه، وصفة الجلسة بين السجدتين وما يقول فيها، ونهوضه إلى الركعة الثانية مكبراً، وأن جلسة الاستراحة لم تثبت مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله وإنما رويت عن مالك بن الحويرث خارج الصحيح، وأنها تجوز للعاجز ونحوه.

    وذكرنا بعد ذلك الجلوس بين السجدتين مفترشاً، وصفة قبض أصابعه في التشهد الأول، وسبب اختيار تشهد ابن مسعود ، والنهوض إلى الركعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، والفرق بينها وبين الركعة الثانية، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخرها، والتعوذ بالله من أربع واستحباب ختمها بالدعاء والسلام، وأن زيادة: (وبركاته) رواية في السنن وفيها شذوذ، وأن الاقتصار على (ورحمة الله) هو المتبع الكثير، والمرأة كالرجل في صلاتها وحكم الالتفات في الصلاة بلا حاجة، وكذلك الإقعاء وافتراش الذراعين والعبث والتخصر إلى آخرها.

    فهذه الأفعال التي وردت في صفة الصلاة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل:

    وجملة أركانها أربعة عشر: القيام، والتحريمة، والفاتحة، والركوع، والاعتدال عنه، والسجود، والاعتدال عنه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة، والتشهد الأخير، وجلسته، والصلاة على النبي عليه السلام، والتسليمتان، والترتيب.

    وواجباتها ثمانية: التكبير غير التحريمة، والتسميع، والتحميد، وتسبيح ركوع، وسجود، وقول: رب اغفر لي. مرة مرة، والتشهد الأول، وجلسته، وما عدا ذلك والشروط سنةٌ.

    فالركن والشرط لا يسقطان سهواً وجهلاً، ويسقط الواجب بهما.

    فصل: ويشرع سجود السهو لزيادة ونقص وشك، لا في عمد، وهو واجب لما تبطل بتعمده، وسنة لإتيان بقول مشروع في غير محله سهواً، ولا تبطل بتعمده، ومباح لترك سنة.

    ومحله قبل السلام ندباً إلا إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر فبعده ندباً، وإن سلم قبل إتمامها عمداً بطلت، وسهواً فإن ذكر قريباً أتمها وسجد.

    وإن أحدث أو قهقه بطلت كفعلهما في صلبها، وإن نفخ أو انتحب لا من خشية الله، أو تنحنح بلا حاجة فبان حرفان؛ بطلت، ومن ترك ركناً غير التحريمة فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت المتروك منها، وصارت التي شرع في قراءتها مكانها، وقبله يعود فيأتي به وبما بعده، وبعد سلام فكترك ركعة.

    وإن نهض عن تشهد أول ناسياً لزم رجوعه، وكره إن استتم قائماً، وحرم وبطلت إن شرع في القراءة لا إن نسي أو جهل، ويتبع مأموم، ويجب السجود لذلك مطلقاً.

    ويبني على اليقين -وهو الأقل- من شك في ركن أو عدد.

    فصل: آكد صلاة تطوع: كسوف، فاستسقاء، فتراويح، فوتر، ووقته من صلاة العشاء إلى الفجر، وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة: مثنى مثنى، ويوتر بواحدة، وأدنى الكمال ثلاث بسلامين، ويقنت بعد الركوع ندباً، فيقول: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤمن مأموم، ويجمع إمام الضمير، ويمسح الداعي وجهه بيديه مطلقاً.

    والتراويح عشرون ركعة برمضان تسن، والوتر معها جماعة، ووقتها بين سنة عشاء ووتر.

    ثم الراتبة ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وهما آكدها، وتسن صلاة الليل بتأكد، وهي أفضل من صلاة النهار.

    وسجود تلاوة لقارئ ومستمع، ويكبر إذا سجد وإذا رفع، ويجلس ويسلم، وكره لإمام قراءتها في سرية

    وسجوده لها، وعلى مأموم متابعته في غيرها.

    وسجود شكر عند تجدد نعم، واندفاع نقم، وتبطل به صلاة غير جاهل وناس، وهو كسجود تلاوة.

    وأوقات النهي خمسة: من طلوع فجر ثان إلى طلوع الشمس، ومن صلاة العصر إلى الغروب، وعند طلوعها إلى ارتفاعها قدر رمح، وعند قيامها حتى تزول، وعند غروبها حتى يتم.

    فيحرم ابتداء نفل فيها مطلقاً، لا قضاء فرض، وفعل ركعتي طواف، وسنة فجر أداء قبلها، وصلاة جنازة بعد فجر وعصر].

    تعريف الركن لغة وشرعاً

    تقدم أن للصلاة شروطاً تسعة، ويأتي بها المصلي قبل أن يشرع في الصلاة، وللصلاة أركان وواجبات وسنن، ذكر المؤلف أن عدد أركانها أربعة عشر ركناً.

    وركن الشيء: هو جزء ماهيته، يعني: الأجزاء التي إذا تكاملت كملت الماهية، كما يقال مثلاً: رأس الإنسان ركن منه، ويده ركن، ورجله ركن، وظهره ركن، وصدره ركن، والمجموع يتكون منه إنسان، وكما نقول مثلاً: هذا الجدار ركن من هذا المسجد، وهذا العمود ركن، وهذا السقف ركن، فأركان الشيء أجزاؤه التي يتركب ويتكون منها.

    وقيل: ركن الشيء جانبه الأقوى، أي: أحد جوانبه التي يعتمد عليها كأركان البيت، وهي جوانبه القوية التي تكون هي عمدته، ويقال مثلاً: حيطان المسجد أركانه؛ لأنها جوانبه القوية، وكذلك أعمدته أركانه، وكذلك سقفه ركنه، فركن الشيء جانبه الأقوى، ولكن يقال: إن أركان الصلاة هي الأجزاء التي إذا تكاملت كملت الصلاة، وإذا لم تتكامل لم تقبل ولم تكمل.

    بعض الأركان المتفق عليها

    وعددها في المشهور أربعة عشر ركناً، ولكن في بعضها خلاف، ولا خلاف أن القيام ركن إلا على الذي يعجز عنه فيصلي قاعداً، والقيام خاص بالفريضة، ولا خلاف عندنا أن التحريمة ركن، وكذلك قراءة الفاتحة في حق الإمام والمنفرد، وكذلك الركوع ركن، والاعتدال منه، يعني: الرفع منه حتى يعتدل ويستتم قائماً، والسجود ركن، ويراد به السجدتان، كل واحدة منهما ركن، فإن السجدتين تسميان ركناً واحداً.

    وقوله: (والسجود والاعتدال عنه، والجلوس بين السجدتين) قد يقال: إن هذا تكرار؛ لأنه ذكر الاعتدال عنه والجلوس بين السجدتين، وبعد الركوع ما ذكر إلا الاعتدال عنه وهو القيام، فبعد السجود كان يكفي أن يذكر الاعتدال عنه، أو يذكر الجلوس بين السجدتين، وكأنهم نصوا على الاعتدال من السجود حتى يفصل بين السجدتين، فإن الجلوس بين السجدتين شيء زائد عن الفصل، فلا بد أن يرفع حتى يفصل، ولا بد أن يجلس بين السجدتين، فلذلك عدوهما ركنين، والظاهر أنهما ركن واحد: الاعتدال عن السجود والجلوس بين السجدتين.

    بعض الأركان المختلف فيها

    الطمأنينة: يراد بها الثبات في كل ركن من الأركان، أي: الركود، فإذا ركع فلا يرفع حتى يطمئن ويثبت بقدر قول: سبحان ربي العظيم، كذلك الطمأنينة في الرفع، فلابد أن يستتم قائماًً بقدر ما يقول: ربنا ولك الحمد، قبل أن يهوي للسجود. وكذلك يطمئن إذا سجد ووضع جبهته على الأرض، فلا بد من الطمأنينة عند الركود على الأرض، بقدر قوله: سبحان ربي الأعلى، ولو مرة، وأدنى الكمال ثلاث كما تقدم.

    كذلك لا بد أن يجلس بين السجدتين جلسة مطمئناً فيها بقدر ما يقول: رب اغفر لي. وهذه الطمأنينة دل عليها حديث المسيء صلاته، فإن فيه: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً) فذكَّره بهذا الركن في هذه الأركان؛ وذلك لأنه رآه يخفف في صلاته، فأنكر عليه وقال: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، فذكره بأنه لا بد من الطمأنينة في كل ركن.

    وخالف في ذلك الأحناف، وتشاهدون الذين يأتون من الباكستان أو من الهند وهم على مذهب أبي حنيفة يخففون الأركان، وبالأخص الرفع، فترى أحدهم عندما يرفع رأسه من الركوع لا يستتم قائماً، بل ينحط للسجود، وساعة ما يرفع رأسه من السجدة الأولى لا يستتم جالساً، بل يسجد السجدة الثانية ولا يطمئن، ويقولون: إن أبا حنيفة لم ير الطمأنينة واجبة، وإنه يرى أنه يحصل مسمى الركن بمجرد الانحناء، وبمجرد الرفع، وبمجرد سجوده ومس جبهته الأرض.

    ولكن قال في الحديث: (حتى تطمئن راكعاً)، وأيضاً ثبت أنه صلى الله عليه وسلم (نهى عن نقر كنقر الغراب)، وهو الذي ساعة ما ينحني يرفع، فالغراب إذا نقر ينقر بسرعة، فنهى عن نقر كنقر الغراب، كما نهى عن أشياء في الصلاة تشبه فعل البهائم، ونظمها الحافظ بقوله:

    إذا نحن قمنا إلى الصلاة فإننا نهينا عن إتيانها بستة

    بروك بعير والتفات كثعلب ونقر غراب في سجود الفريضة

    وإقعاء كلب أو كبسط ذراعه وأذناب خيل عند فعل التحية

    ومن جملتها النهي عن نقر كنقر الغراب، وهذا لم ينتبه له الحنفية، وأبو حنيفة معذور لأنه ما بلغه النهي، ولا بلغه الدليل، وأتباعه الذين بلغهم الدليل يجب عليهم أن يقولوا به ولا يتركوه.

    ومن الأركان التشهد الأخير الذي يعقب بالسلام، وجلسته، أي: لا يتشهد وهو قائم، بل لا بد من الجلوس، وكذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها خلاف، بعضهم يراها من الواجبات التي تجبر بسجود السهو، كما مشى على ذلك صاحب الكافي وغيره، والمشهور أنها من الأركان، وتقدم أن لفظها: اللهم صل على محمد.. إلى آخره.

    وهذا يدل على أن الإمام أحمد رحمه الله يؤكد أمر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويشدد في تركها، وكذلك أتباعه، ومنهم أئمة الدعوة، فإنهم يؤكدون أمر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اشتهر عند أعداء هذه الدعوة نبزهم وعيبهم بأنهم ينهون عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويمنعونها، فرد عليهم أئمة الدعوة فقالوا: كيف نمنعها ونحن نقول: إنها ركن في الصلاة؟!

    إنما ينهون عنها في بدع لا زالت متجددة في بعض البلاد، مثل إذا كان الخطيب يخطب فصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال الجالسون كلهم: اللهم صل على محمد، بصوت واحد، فيرتج المسجد، فنهى العلماء عن ذلك، وقالوا: هذا من البدع، وكذلك كان المؤذنون إذا أذنوا، فعندما يرفع صوته بشهادة أن محمداً رسول الله يرفع صوته بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما ورد، إنما ورد الأمر بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم سراً.

    ومن الأركان التسليمتان، والمشهور أن الركن هو التسليمة الأولى، والتسليمة الثانية تعتبر سنة؛ لأنه يحصل بالأولى الخروج لقوله: (وتحريمها التسليم).

    ومن الأركان الترتيب، ومعناه: أن يرتب الصلاة كما هي، فلا يجعل السجود قبل الركوع، ولا يأتي بالرفع من السجود قبل السجدة الأولى، فلو جلس من القيام وقال: هذه الجلسة التي بين السجدتين أجعلها قبل السجدتين، فإنه يعتبر قد خالف ترتيب الصلاة.

    1.   

    واجبات الصلاة

    الواجبات ثمانية: الأول: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، فقد تقدم أنها ركن، وهذا في حق الإمام والمنفرد، وأما المأموم فإنها ركن في حقه إلا تكبيرة الركوع، وذلك إذا أدرك الإمام راكعاً فكبر ناوياً التحريمة سقطت عنه تكبيرة الركوع.

    الثاني: التسميع واجب وهو قول: سمع الله لمن حمده في حق الإمام والمنفرد دون المأموم.

    الثالث: التحميد -وهو قول: ربنا ولك الحمد- واجب في حق المصلين كلهم.

    الرابع: قول: سبحان ربي العظيم في الركوع.

    الخامس: قول: سبحان ربي الأعلى في السجود.

    السادس: قول: رب اغفر لي بين السجدتين.

    السابع: التشهد الأول.

    الثامن: جلسة التشهد الأول، والدليل على أنه واجب سقوطه سهواً.

    1.   

    سنن الصلاة

    ما عدا الأركان والواجبات والشروط فإنه سنة، فالسنن بقية الأفعال، فمنها: رفع اليدين، وكذلك وضعهما على الصدر، ورفعهما أيضاً عند الركوع، ووضعهما على الركبتين، وكذلك أيضاً وضعهما حيال المنكبين أو حيال الرأس إذا سجد، وكذلك جمع أصابعه عند الرفع، وتفريقها عند الركوع، واستقبال القبلة بها في السجود، والمجافاة.

    ومن السنن: الاستفتاح، والاستعاذة، والبسملة على القول الصحيح خلافاً للشافعية، والتأمين، وهو قول: آمين، وكذلك ما زاد عن واحدة في تسبيح الركوع والسجود وسؤال المغفرة.

    كذلك من السنن أيضاً: الجهر في الجهرية، والإسرار في السرية.

    والأركان والشروط لا تسقط سهواً ولا جهلاً، والواجب يسقط سهواً وجهلاً، ولكن يجبر بالسجود.

    1.   

    سجود السهو

    ذكر المؤلف سجود السهو، فمتى يشرع؟

    يشرع في ثلاث حالات: إذا زاد في الصلاة أو نقص أو شك، فإنه يسجد للسهو، فمثال الزيادة لو ركع ركوعين كصلاة الكسوف، يعني: ركع ثم رفع وظن أنه ما ركع، ثم ركع، فيسجد السهو، كذلك لو سجد ثلاث سجدات في ركعة واحدة فيعتبر أنه زاد، وكذلك لو صلى خمساً في الظهر أو أربعاً في المغرب أو ثلاثاً في الفجر فيعتبر أنه زاد فيسجد للسهو.

    وكذا إذا زاد حركة من جنس حركات الصلاة إذا كانت من الحركات الواجبة، كأن كرر الرفع أو كرر الجلسة بين السجدتين، أما إذا زاد في الركن سهواً فإنه لا يعد زيادة، فلو جلس بين السجدتين، وظن أنه في التشهد، فأتى بالتشهد إلى قبيل آخره، ثم تذكر أنه في الجلسة بين السجدتين، فقال: رب اغفر لي، ثم سجد، فهل يسجد للسهو في هذه الحال؟

    الصحيح أنه لا يسجد؛ لأنه ما أتى بشيء زائد، وإنما أتى بالتشهد في غير محله ثم تلافاه، وكذلك لو رفع من الركوع وقرأ الفاتحة وظن أنه في القيام، ثم تذكر وقال: ربنا ولك الحمد فهل يسجد؟

    الصحيح أنه لا يسجد؛ لأن هذه زيادة في غير محلها، ثم تلافاها.

    والنقص: إذا لم يسجد إلا سجدة في ركعة من الركعات أو لم يرفع بعد الركوع، بأن ركع فلما قال: سبحان ربي العظيم خر ساجداً، وترك ركناً هو الرفع.

    وكذلك إذا نقص من الصلوات بأن صلى الظهر ثلاثاً، أو المغرب اثنتين، أو الفجر واحدة، فإنه يسجد.

    كذلك إذا شك في ركن، كما إذا شك في الفاتحة ثم قرأها، فيحتمل أنه قرأها مرتين فيسجد، أو شك مثلاً في السجود هل سجد سجدة أو سجدتين، فعدها سجدة ثم أتى بسجدة، أو شك في واجب كأن يشك هل جلس في التشهد الأول أم لا؟ فعليه سجود السهو، أو شك هل قال: سبحان ربي العظيم أم لا؟ فيسجد للسهو.

    أما العمد فإنه يبطل الصلاة، فإذا تعمد مثلاً زيادة ركعة أو نقص ركن أو تعمد القيام في حالة قعود أو تعمد قعوداً في حالة قيام، أو تعمد الإتيان بشيء في غير محله، كأن يتعمد أن يقول: رب اغفر لي وهو رافع، أو تعمد قول: سبحان ربي العظيم في السجود أو سبحان ربي الأعلى في الركوع، أو ربنا ولك الحمد بين السجدتين، أو التحيات لله بين السجدتين، فإن العمد يبطل الصلاة، أما إذا حصل السهو بزيادة أو نقص أو شك وجب عليه السجود.

    وسجود السهو واجب لكل شيء يبطل عمده الصلاة، ومعلوم أنه إذا ترك التشهد الأول عمداً بطلت الصلاة، وإذا ترك قول سبحان ربي الأعلى موضع السجود عمداً بطلت صلاته، وإذا ترك قول التحيات لله عمداً بطلت صلاته، فإذا تركها سهواً وجب عليه السجود.

    أما إذا أتى بقول مشروع في غير محله سهواً فإنها لا تبطل، ولكن عليه سجود السهو، فإذا قرأ وهو جالس أو تشهد وهو قائم، أو قال: رب اغفر لي وهو قائم، أو قال: ربنا ولك الحمد وهو جالس أو قال: سبحان ربي الأعلى وهو راكع، أو سبحان ربي العظيم وهو ساجد، أي أنه أتى بسنة في غير محلها مع أنها مشروعة، فإنه يسن له السجود ولا يجب؛ لأن هذا من جملة أذكار الصلاة، وهي لا تبطل بتعمده.

    واستثنوا من ذلك السلام، فإن تعمده يبطل الصلاة، وتركه سهواً يوجب سجود السهو.

    يقول: (ومباح) يعني: سجود السهو مباح لترك سنة.

    عرفنا أنه واجب وسنة ومباح، فيكون واجباً إذا كان المتروك يبطل الصلاة عمداً، ويكون سنة إذا قال قولاً مشروعاً في غير محله، ولا يبطل عمده الصلاة، ويكون مباحاً إذا كان ترك سنة من السنن سهواً كأن ترك رفع اليدين سهواً، فيباح له أن يسجد، أو ترك قراءة السورة في الظهر بعد الفاتحة واقتصر على الفاتحة، أو ترك وضع اليدين على صدره فيباح له السجود ولا يجب.

    محل سجود السهو

    متى يسجد للسهو؟

    يقول المؤلف: (محله قبل السلام ندباً) أي: الأفضل أن يكون قبل السلام؛ لأنه جزء من الصلاة، ومتمم لها، ولأنه يحصل به الخروج من الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)فلذلك يسجد للسهو قبل أن يسلم.

    وذكر العلماء أنه يجوز فيه الحالتان: أن يكون السجود كله قبل السلام أو يكون السجود كله بعد السلام، وأكثره قبل السلام، والمشهور عند الإمام أحمد أنه كله قبل السلام إلا في ثلاث حالات ذكرها صاحب عمدة الفقه:

    الأولى: إذا سلم عن نقص.

    الثانية: إذا بنى الإمام على غالب ظنه.

    الثالثة: إذا ذكره بعد السلام.

    واعتمد في ذلك على الأدلة، وهنا ما ذكر إلا واحدة، منها وهي: إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر فبعد السلام ندباً لا وجوباً، يقول: فلو صلى الظهر ثلاثاً ثم سلم، ثم ذكر، فإنه إذا أتى بالركعة الرابعة سلم ثم سجد ثم سلم ندباً، فإن جعل السجود بعد السلام جاز، وإن جعله قبل السلام جاز، والأفضل أن يجعله بعد السلام.

    وكذلك إذا بنى الإمام على غالب ظنه، فمثلاً: كان في آخر صلاته وشك هل صلى أربعاً أو ثلاثاً، وغلب على ظنه أنها أربع فإنه يسلم، ثم يسجد للسهو ثم يسلم، وأما بقية الحالات فإنه يسجد لها كلها قبل السلام؛ لأن السجود جزء من الصلاة، والذين قالوا: إنه إذا كان السجود لزيادة فبعد السلام، ليس عندهم دليل، فهم يقولون: إذا زاد في الصلاة ركعة أو زاد فيها جلوساً أو زاد قياماً أو زاد فيها قراءة يكون السجود بعد السلام، لكن لم يوجد دليل يعتمدونه، فالصحيح أن الأدلة تدل على أن السجود بعد السلام في حالتين كما في حديث ذي اليدين وحديث أبي سعيد .

    من سلم قبل إتمام الصلاة عمداًبطلت صلاته؛ لأنه متلاعب، وإذا سلم قبل إتمامها سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد يعني: سلم بعد ثلاث ركعات وانصرف، ثم تذكر فعاد وأتم الركعة التي بقيت، فيتمها ويسجد للسهو، ويكون السجود بعد السلام.

    وأما إذا طالت المدة أو أحدث أو قهقه فإنها تبطل، والقهقهة: هي المبالغة في الضحك.

    إذا لم يتذكر أنه صلى الظهر ثلاث ركعات إلا بعد نصف ساعة أو بعد ساعة فإنه يعيد الصلاة كلها، وكذلك إذا لم يتذكر إلا بعد السلام بدقيقة أو نصف دقيقة وقد أحدث أو ضحك ضحكاً مبالغاً فيه، سواء الإمام أو أحد المأمومين، ففي هذه الحال تبطل الصلاة، لأن القهقهة والحدث في صلب الصلاة يبطلها.

    حكم التنحنح والنفخ في الصلاة

    قوله: إذا نفخ في الصلاة فبان حرفان بطلت الصلاة، يعني: كرر النفخ، وكذلك إذا انتحب من غير خشية الله يعني: بكى بكاء لم يحمله عليه خشية الله والرقة والخوف، ولكن بسبب عارض ففي هذه الحال إذا بان منه حرفان بطلت، وكذلك إذا تنحنح من غير حاجة وبان منه حرفان، أما إذا تنحنح لحاجة فلا بأس ولا حرج.

    إذا ترك ركناً ولم يذكره إلا بعد الشروع في آخر

    يقول المؤلف: (ومن ترك ركناً غير التحريمة فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت المتروك منها، وصارت التي شرع في قراءتها مكانها)، مثاله: إذا قرأ في الركعة الأولى، ثم بعد فراغه من القراءة خر ساجداً وترك ركنين، ترك الركوع والرفع منه، ثم سجد سجدتين، ثم قام للركعة الثانية وشرع في قراءتها فتذكر أنه ما ركع في الركعة الأولى، فماذا يفعل؟

    الصحيح والمشهور أنه يلغي الأولى ويجعل هذه الثانية مكانها، وقيل: إنه يركع، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين تكملة للأولى، أي: يأتي بالركن الذي تركه وبما بعده، وسواء فعل هذا أو هذا فإنه يجوز.

    أما إذا ترك سجدة واحدة ثم قام فتذكر أنه ما سجد إلا سجدة واحدة بعدما شرع في القراءة فماذا يفعل؟

    الصحيح أنه يجلس ثم يقول: رب اغفر لي، ثم يسجد السجدة الثانية ويكون بذلك قد كمل الركعة الأولى، ثم يقوم للثانية، وقيل: إنه يلغي الأولى إذا شرع في قراءة الثانية، والأرجح هنا أنه يكمل الأولى، أما إذا وصل إلى الركن المتروك من الركعة الأولى في الثانية فإنه لا يعيد، ومثاله: إذا نسي الركوع من الركعة الأولى ثم سجد سجدتين بينهما جلسة، وقام للركعة الثانية وقرأ، ثم ركع، وفي الركوع تذكر أنه ما ركع في الأولى، فإن هذا الركوع يكون بدل الركوع في الركعة الأولى، فيلغي الركوع الثاني، ويكون هذا تكميلاً للأولى أو يلغي الركعة الأولى وتكون الركعة الثانية هي الأولى.

    قوله: (وقبله يعود فيأتي به وبما بعده) يعني: قبل الشروع في القراءة يرجع فيأتي بالركن المتروك وبما بعده، فمثلاً: إذا قام ثم تذكر أنه ما ركع فإنه يركع، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين، فيكون بهذا مكملاً للركعة الأولى، ولا يقول: أركع وتكون كاملة من غير أن يأتي بما بعده، بل يأتي بالركوع مع الرفع، ثم السجدتان والجلسة بينهما.

    أما إذا تذكر بعدما سلم أنه ترك ركوع ركعة فإنه لا يعيده، فقد بطلت الركعة ويأتي بركعة ثانية كاملة.

    سجود السهو لترك التشهد الأول

    إذا ترك التشهد الأول ناسياً فله ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يذكره قبل أن يستتم قائماً فيلزمه الرجوع، ويأتي به وعليه سجود سهو.

    الحالة الثانية: أن يذكره بعد ما استتم قائماً، وقبل أن يشرع في القراءة، فيكره له الرجوع، بل يستمر في ركعته، ويكمل صلاته، ويسجد للسهو، فإن رجع جاز ذلك، ومع ذلك لا يسقط عنه سجود السهو.

    الحالة الثالثة: ألا يذكره إلا بعدما يشرع في القراءة، ففي هذه الحالة يحرم عليه الرجوع، بل يستمر في القراءة ويكملها بالسجود؛ لأنه ترك واجبين: التشهد الأول والجلوس الأول.

    فإن رجع بعد ما شرع في القراءة بطلت صلاته إلا إذا كان ناسياً أو جاهلاً.

    قوله: (ويتبع مأموم) أي: المأموم يتبع إمامه، فيسبح له، ولكن إذا استتم قائماً فلا حاجة إلى التسبيح إلا من باب التذكير، وكذلك إذا شرع في القراءة فلا يسبحون له، ويسجدون معه ويتبعونه في القيام، ولا يجوز أن يخالفوه إذا قام إلى الركعة الثالثة ولم يجلس للتشهد، فلا يجوز أن تجلس أنت للتشهد، بل عليك أن تقوم وتتابع إمامك إذا لم يقبل التسبيح.

    الحاصل: أن السجود للسهو يجب في هذه الحالات الثلاث مطلقاً، ويبني المصلي على اليقين وهو الأقل، فمن شك في عدد الركعات، فم يدر هل صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ فاليقين أنها ثلاث، والرابعة مشكوك فيها، فيبني على أنها ثلاث، كذلك: من شك هل سجد سجدتين أم سجدة واحدة، فالواحدة يقين، والثانية مشكوك فيها، فيبني على اليقين ويأتي بها، فهذه أحكام سجود السهو على وجه الاختصار.

    1.   

    صلاة التطوع

    ثم بدأ في صلاة التطوع.

    وآكد التطوع من حيث الإطلاق الجهاد في سبيل الله؛ لأنه قد يكون جنسه فرضاً، ولكن الأصل أنه غالباً تطوع، ثم بعده النفقة في الجهاد، ثم ما يتبعه من التطوعات كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    آكد النوافل

    آكد نوافل الصلوات صلاة الكسوف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة) فأمرهم أن يبادروا للصلاة ولا يتأخروا، وذلك دليل على أهميتها.

    ثم بعدها صلاة الاستسقاء؛ لأن سببها القحط، والناس مأمورون بأن يدعوا ربهم، فهي سنة مؤكدة.

    ثم بعدها صلاة التراويح، والمحافظة عليها سنة مؤكدة، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وحث عليها، وفعلها بعده الصحابة.

    صلاة الوتر ودعاء القنوت

    ورد في صلاة الوتر ما يدل على تأكدها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أوتروا يا أهل القرآن)، وقال: (من لم يوتر فليس منا) ، وقال: (الوتر حق، من شاء أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن شاء أن يوتر بواحدة فليفعل، ومن شاء أن يوتر بخمس فليفعل) فهذا يدل على أنها مؤكدة وليست واجبة، خلافاً للحنفية فإنهم يرون أنها فرض كالصلوات الخمس.

    والصحيح أنها نافلة مؤكدة؛ وذلك لقوله عليه الصلاة السلام: (إن الله افترض عليهم خمس صلوات) ولم يذكر غيرهن، فدل على أن ما زاد فهو نفل.

    والوتر من آكد السنن، وسببه قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى وتر يحب الوتر) ، ختمت صلاة النهار بوتر وهي المغرب، وكذلك صلاة الليل.

    ووقت الوتر ما بين العشاء والفجر، تقول عائشة (من كل الليل قد أوتر النبي صلى الله عليه وسلم، وانتهى وتره إلى السحر).

    وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، أي: وما زاد عليها يعتبر تهجداً، فإذا أراد أن يتهجد فينوي إحدى عشرة ركعة وتراً كما سيأتي، والزائد الذي قبلها يعتبره تهجداً، فيصليها مثنى مثنى، فإن الوتر يسلم فيه من كل ركعتين على الصحيح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة توتر له ما قد صلى) .

    وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين، ركعتين بسلام، وركعة بسلام، هذا أدنى الكمال، والواحدة مجزئة.

    والقنوت في الوتر مستحب، ولكن لا يستحب المداومة عليه؛ لأنه لم يكن عليه السلام يداوم عليه، ولكنه علم الحسن ، وعلمعلياً رضي الله عنهما، الدعاء بقوله: (اللهم اهدنا فيمن هديت..) هذا من رواية الحسن ، والدعاء بقوله: (اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك..) إلى آخره هذا من رواية علي ، فقد علمه صلى الله عليه وسلم أن يقول: (اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك..) .

    ثم بعده يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف في الزيادة على هذا المقدار، والصحيح أنه يجوز في المناسبات كالليالي التي ترجى كليلة القدر، وكذلك أيضاً الليالي الشهيرة كليلة الجمعة ونحوها، فيستحب أن يكثر من الدعاء؛ لأنه مندوب، والله تعالى يحب من عباده أن يبالغوا في دعائه، وفي الحديث: (من لم يسأل الله يغضب عليه) ، والله تعالى يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، فيجوز أن يزيد مثل قوله: (اللهم اقسم لنا من خشيتك..) إلى آخره، وغير ذلك من الأدعية ولو لم تكن مأثورة إذا كانت مشتملة على فضل وخير.

    وبعد ذلك يختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ورد في الحديث: (الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم) .

    والمأمومون يؤمنون بعد كل جملة يقف عليها الإمام، يقولون: آمين، والإمام يجمع الضمير فيقول: اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وإذا كان منفرداً يقول: اللهم اهدني.. إلى آخره.

    قوله: ويمسح الداعي وجهه بيديه مطلقاً أي: كل من دعا بدعاء ورفع يديه فإن يمسح بيديه وجهه.

    ومن أسباب إجابة الدعاء رفع اليدين، وفيه أحاديث كثيرة، قيل: إنها بلغت سبعين حديثاً، وفيها تأليف للمنذري ، وجمع منها السيوطي اثنين وأربعين حديثاً عن جماعة من الصحابة، ورسالة السيوطي اسمها: فضل الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء، وهي محققة ومطبوعة، وتدل مجموعها على أن رفع اليدين متأكد في الدعاء، وأنه سبب من أسباب الإجابة، ومنها حديث سلمان : (إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً).

    وأما حديث أنس : (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إلا في الاستسقاء) فيريد المبالغة، فإنه كان إذا استسقى على المنبر رفع يديه حتى تكون على رأسه مبالغة في ذلك، فأما في حال الدعاء مطلقاً فإنه يرفعهما إلى صدره، وقد ورد ذلك في حديث: (أنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفعها أكثر من الصدر).

    أما مسح الوجه باليدين فورد فيه أحاديث، وذكر الحافظ منها حديثاً له شواهد في آخر بلوغ المرام، وذكر أنه بإسناد حسن، وبالتتبع بلغت سبعة أحاديث عن سبعة من الصحابة، كان يرفع يديه ويمسح وجهه بيديه بعد الدعاء، والذين أنكروه كأنهم لم يتتبعوا طرق الأحاديث.

    أيضاً ورد مسح الوجه عن كثير من الصحابة من فعلهم، فقد كانوا يمسحون وجوههم بأيديهم بعد الدعاء، وذكر الحكمة صاحب سبل السلام فقال: إنه إذا رفع يديه فلا بد أن يكون بهما خير ورحمة وغفران، فأولى أعضائه بهذه الرحمة وجهه، فيمسح وجهه حتى يبيض وجهه يوم تبيض وجوه.

    صلاة التراويح

    ذكر المؤلف أن التراويح عشرون ركعة، وتسن الوتر معها جماعة، ووقتها بين سنة العشاء والوتر، هذا هو الصحيح، ولم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم فيها عدداً، ولكنه كان يأمرهم بقيام رمضان، ويحثهم على القيام ويرغبهم فيه، ثم صلى بهم ثلاث ليال، وخشي أن يفترض عليهم قيام الليل، ثم أمرهم أن يصلوا لأنفسهم، وفي عهد عمر رضي الله عنه رآهم يصلون أوزاعاً، ورأى أن بعضهم لا يحسن القراءة؛ فجمعهم على إمام ورأى أن ذلك أفضل من صلاتهم متفرقين، والصحابة قد صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة صلاة التراويح، فهي سنة نبوية تركها صلى الله عليه وسلم خشية أن تفترض، وأمر عمر بفعلها بعد موته عليه الصلاة والسلام، وبعد الأمن من أن تفترض، فأصبحت سنة مؤكدة.

    سميت تراويح؛ لأنهم كانوا يطيلون فيها القراءة، كانوا يقرءون مثلاً سورة البقرة في ثمان ركعات، وإذا قرءوها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أن ذلك تخفيفاً، فكانوا يقرءون مثلاً في الليلة الأولى سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء، وفي الليلة الثانية يقرءون من المائدة إلى آخر التوبة، وفي الليلة الثالثة من أول يونس إلى آخر النحل، وفي الرابعة من أول الإسراء إلى آخر الفرقان، وفي الخامسة من الشعراء إلى آخر يس، وفي السادسة من الصافات إلى آخر الحجرات، ويختمون في السابعة، وهذا يسمى تحزيب القرآن، فكانوا يطيلون صلاة التراويح، ويصلونها كل ركعتين بسلام، فإذا صلوا أربع ركعات استغرقت مثلاً ساعة؛ فيستريحون بعدها، ثم يصلون أربعاً تستغرق ساعة فيستريحون بعدها، وهكذا إلى أن يتموا العشرين؛ فسموها تراويح بسبب الاستراحات التي بعد كل أربع ركعات.

    يقول: (والوتر معها) فتكون مع الوتر ثلاثاً وعشرين، وفي هذه الأزمنة غلب الكسل على أكثر الناس فصاروا يقتصرون على ثلاث عشرة، ثم غلب الكسل فصاروا يقتصرون على إحدى عشرة إلا في الحرمين فلا يزالون يصلون عشرين ركعة مع الوتر، ولكنهم يخففون ويقتصرون على قراءة جزء واحد نظراً لكثرة المصلين.

    1.   

    السنن الرواتب

    ذكر المؤلف الرواتب، ويراد بها السنن التي قبل الفرائض أو بعدها، وهي في حديث ابن عمر عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وورد في بعض الروايات أربع ركعات قبل الظهر؛ فتكون اثنتي عشرة ركعة، كان يواظب عليها لأنها متعلقة بهذه الفرائض، ولأنها شرعت لتكملة الفرائض، وقد ورد في حديث: (أول ما ينظر من عمل العبد صلاته، فإن لم يكملها قال الله: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فتكمل به الفريضة)، وورد أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم ندب إلى أربع قبل الظهر وأربع بعدها، وندب أيضاً إلى أربع قبل العصر، فقال: (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً).

    وذكر بعض المشايخ أن كثيراً من الصالحين وطلبة العلم يحافظون على عشرين ركعة زائدة على الرواتب، فالرواتب عشر ويزيدون معها عشرين، فيصلون قبل الظهر ستاً، وبعدها ستاً، وقبل العصر أربعاً، فهذه ستة عشر، وبعد المغرب ستاً، وبعد العشاء ستاً، وقبل الفجر اثنتين، فهذه ثلاثون ركعة.

    وورد أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم عمم الصلاة بقوله: (بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء)لئلا يعتقد أنها واجبة، وفي حديث آخر أنه قال: (صلوا قبل المغرب، وكرر ذلك ثلاثاً، ثم قال: لمن شاء) فإذا كان كذلك فإنه بين كل أذانين صلاة يعني: بين أذان المغرب وإقامتها صلاة، وبين أذان العشاء وإقامتها صلاة، وبين أذان العصر وإقامتها صلاة، فتكون هذه كلها من النوافل التي يرغب فيها.

    آكد الرواتب: ركعتا الفجر، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها سفراً وحضراً، وفي حديث أنه قال: (صلوها وإن طردتكم الخيل)، وقال في فضلها: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) وهذا دليل على آكديتها، وقد رأيت كتاباً مطبوعاً اسمه (كلام أهل العصر في أحكام ركعتي الفجر) وهو مجلد لطيف، كله في الكلام على أحكام سنة الفجر من حيث آكديتها، ومن حيث قضاؤها، ووقتها، وما أشبه ذلك.

    1.   

    صلاة قيام الليل

    ذكر المؤلف حكم صلاة الليل زيادة على الوتر، يقول: (تسن صلاة الليل بتأكد، وهي أفضل من صلاة النهار)، يعني: أنها مؤكدة، وقد كانت مفروضة على النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:2]، ولقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [الإسراء:79]يعني: زائدة في حقك، أو أنها تعتبر نافلة ولكنها مؤكدة، وقد كثرت الأدلة عليها، وصنفت فيها المؤلفات، منها كتاب لبعض المتأخرين طبع في مجلدين عنوانه (رهبان الليل) أطال الكلام في فضل التهجد، والأدلة فيه، وصفته، وما إلى ذلك.

    وليس لصلاة الليل حد محدود؛ لأن الله تعالى أطلق في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:64]، ولم يحدد لهم عدداً، فيجوز لهم أن يتنقلوا من قيام إلى ركوع إلى سجود إلى قراءة سجداً وقياماً، وقال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا [الزمر:9]آناء الليل: يعني ساعات الليل، ووصف الله نبيه وأصحابه بقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ [المزمل:20]يعني: قريباً من ثلثي الليل وَنِصْفَهُ [المزمل:20]أي: وتقوم نصفه وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ [المزمل:20]أخبر أن هذا هو حالهم، ووصف الصحابة رضي الله عنهم بذلك الشاعر في قوله:

    بالليل رهبان وعند جهادهم لعدوهم من أشجع الأبطال

    أي: أنهم في الليل يصلون ويتهجدون ويدعون ربهم ويتضرعون إليه، ويكثرون من العبادة.

    ليس لقيام الليل عدد محدود

    ليس لصلاة الليل حد، فلا تقتصر على عدد، وأما ما ذكرت عائشة من أنه صلى الله عليه وسلم ما زاد على إحدى عشرة ركعة فهذا في الغالب، فكان في الغالب لا يزيد، ولكن قد ورد أنه زاد في حديث آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس).

    فأثبتت عائشة الزيادة، وكذلك أثبتها ابن عباس في حديث مبيته عند خالته فقال: (فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر) أي: صلى ثلاث عشرة ركعة مع أن صلاته استغرقت نصف الليل؛ لأنه يقول.

    فلما كان نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل قام، فذكر أنه استمر يصلي الليل كله ثلاث عشرة ركعة، أي: استغرقت تقريباً ست ساعات إذا كان الليل اثنتي عشرة ساعة، أو أربع ساعات ونصف إذا كان الليل تسع ساعات، ولا شك أن هذا دليل على أنه كان يطيل في أركانها.

    والأصل أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد النوم، فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يتحدث بعد العشاء، بل ينام بعدها مباشرة، ثم يقوم آخر الليل، وبذلك فسر قوله تعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ [المزمل:6] وهي: القيام بعد النوم، هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6].

    وعلى كلٍ فصلاة الليل أفضل من صلاة النهار، صلاة النهار مثل التطوع في الضحى، وهي مندوبة، ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة)، وفيه أحاديث تجدونها في زاد المعاد وغيره.

    وسبب شرعيتها أن ساعة الضحى ينشغل الناس بحرفهم وبتجاراتهم، فالذي يتطوع في ذلك الوقت يكون متفرغاً لعبادة لا يشركه فيها إلا قليل كالذي يتهجد في آخر الليل وقت نوم الناس، فيصلي بالليل والناس نيام.

    1.   

    سجود التلاوة

    سجود التلاوة مشروع، ويسن للقارئ والمستمع دون السامع، ومن أتى به يكبر إذا سجد وإذا رفع، ثم يجلس ويسلم، ولم يذكر أنه يتشهد.

    وكره للإمام قراءة سجدة في سرية كالظهر وسجوده لها، ولو سجد في الجهرية فإن على المأمومين متابعته إلا إذا سجد في سرية كالظهر، فإذا سجد في الجهرية من المغرب والعشاء والفجر والجمعة والعيد والتراويح وما أشبه يتابع.

    سجود التلاوة المشهور عندنا أنه في أربعة عشر موضعاً، وهي: الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والحج فيها سجدتان، والفرقان، والنمل، والسجدة، وفصلت، والنجم، والانشقاق، والعلق، واختلف في سجدة ص، والراجح أنها سجدة شكر، إن سجدها القارئ وإلا فلا بأس لا حرج، ورد في حديث: (سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكراً) ومحل السجود مذكور في المصاحف، يذكر بعد الآية علامة على محل السجود، وإذا كان المحل في آخر السورة فإنه يسجد إذا أتمها كآخر سورة الأعراف وآخر سورة النجم وآخر سورة العلق، فيسجد إذا كمل الآية التي فيها سجود التلاوة.

    1.   

    سجود الشكر

    قال: (يسن سجود الشكر عند تجدد نعم واندفاع نقم): إذا تجددت على إنسان نعمة سجد لله شكراً، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه أمر يسره خر ساجداً، سواء كان ذلك الأمر اندفاع نقمة كموت عدو أو نحوه، أو إذا حصل فتح ونصر للمسلمين فإنه يسن سجود الشكر، وفيه كلام طويل، وقد أفرده بعضهم بالتأليف.

    ولا يجوز أن يسجد في الصلاة سجود الشكر، وإن سجده عالماً بطلت صلاته، أما إذا كان جاهلاً أو ناسياً فلا تبطل.

    سجود الشكر سجدة واحدة مثل سجود التلاوة، وهل تشترط له شروط الصلاة؟ اختلف فيه، واختار كثير من العلماء أنه لا بد أن يكون على طهارة، وأن يستقبل القبلة، وأن يكون ساتر العورة.. إلى آخر شروط الصلاة، ورجح شيخ الإسلام أنه لا يشترط ذلك، وأنه يجوز أن يسجد وهو محدث، وأن يسجد لغير القبلة، وأن يسجد وإن لم يستر عورته، وإن كان ستر العورة واجباً في كل الحالات خارج الصلاة وداخلها.

    يقول شيخ الإسلام : أقل ما روي أن اسمه صلاة فيها تحريم وتسليم ركعة، فأما سجدة واحدة فلا تسمى صلاة، فعلى هذا فسجود التلاوة وسجود الشكر لا يسمى صلاة، ومع ذلك يستحب أن يكبر ويسلم؛ لأن هناك من يجعله صلاة.

    اشتهر عند كثير من الفقهاء أن سجود التلاوة صلاة، وقالوا: لا بد أن يكبر، وروي في ذلك حديث أنه عليه السلام لما سجد كبر لما خر ساجداً وكبر لما رفع، ولعل ذلك كان في الصلاة؛ وذلك لأنه يشرع في الصلاة أن يكبر عند كل خفض ورفع.

    واختلف فيما إذا سجد للتلاوة في الصلاة ثم قام قبل إتمام القراءة، هل يكبر أو يكتفي بالقراءة، كان مشايخنا الأولون إذا رفع من السجدة ويريد مواصلة القراءة في التراويح أو في صلاة فجر يوم الجمعة يكتفي بقراءة الآية التي بعدها، ويجهر بها، والمأمومون يتبعونه، واستحب آخرون أن يكبر، وأخذوا ذلك من عموم قوله: (كان يكبر في كل خفض ورفع)، ولكلٍ اجتهاده.

    1.   

    أوقات النهي عن الصلاة

    أوقات النهي خمسة: اثنان موسعان، وثلاثة مضيقة، الموسع من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى أن تتهيأ الشمس للغروب، والمضيق من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قدر رمح، ومن تهيئها للغروب إلى أن يتم غروبها، وعند قيامها حتى تزول، فالمضيقة وقتها قصير، فبعد أن ترتفع الشمس ويطلع حاجبها يتوقف عن الصلاة حتى ترتفع قيد رمح، ويمكن أن يقدر ذلك بخمس دقائق أو عشر على الأكثر، وإذا تهيأت الشمس للغروب يكون ذلك قبل أن تغرب بعشر دقائق تقريباً، وهو وقت المضيف حتى يتم غروبها، وكذلك عند الزوال إذا وقف الظل عن الزيادة إلى أن تزول الشمس، ويقدر هذا بنحو خمس أو عشر دقائق، هذه هي الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا عن الصلاة فيها، وأن ندفن فيها موتانا: حين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تطلع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وحين تضيف للغروب).

    والأحاديث التي فيها كثيرة، تروى عن أكثر من عشرين صحابياً، وذكر في بلوغ المرام عدة منها، وفي عمدة الأحكام ذكر حديثاً أو حديثين ثم قال: ورواه فلان وفلان وفلان حتى عد أكثر من عشرة، والترمذي لما روى الحديث الذي في الباب قال: وفي الباب عن فلان وفلان وفلان حتى عد عشرين من الصحابة، كلهم رووا أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس، فتكون الأحاديث فيها متواترة، يقول ابن عباس رضي الله عنه: (حدثني رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع) فهذان الوقتان هما الوقتان الموسعان إلا أنه إذا تهيأت الشمس للغروب دخل الوقت المضيق.

    وإذا كانت الأحاديث بهذه الكثرة عرف بذلك تأكد النهي عنها.

    الصلوات التي تجوز وقت النهي

    يحرم ابتداء النفل في أوقات النهي، أما إذا كان يصلي فدخل وقت النهي فلا بأس، مثلاً كان يصلي الضحى وامتدت صلاته حتى استوت الشمس فإنه يكمل، والنوافل كلها لا تجوز في أوقات النهي إلا الفرائض إذا فاتت، فلو طلعت الشمس وهو يصلي الفجر فإنه يتمها، أو طلعت قبل أن يصلي فإنه يصلي ساعة ما يستيقظ لقوله صلى الله عليه وسلم: (وقت النائم إذا استيقظ، ووقت الناسي إذا ذكر).

    واختلف في ركعتي الطواف فـعمر رضي الله عنه طاف بعد الفجر، ولم يصل ركعتي الطواف، ركب راحلته وصلاها بذي طوى بعدما طلعت الشمس، فكأنه كان يرى أنها لا تصح في وقت النهي، وكان ابن الزبير يطوف بعد العصر ثم يدخل بيته ولا يصليها عند المقام، وكثير من الصحابة كانوا لا يصلونها، وآخرون رأوا أنها من ذوات الأسباب التي يباح فعلها في هذه الأوقات.

    وأما سنة الفجر إذا فاتت فهل يصليها بعد الفجر؟

    في حديث قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه يصلي ركعتين بعد الفجر فقال: (ما هذه الصلاة يا قيس ؟ فقال: الركعتان قبل الفجر لم أدركهما، فسكت) وسكوته دليل على الإقرار، ولكن كأنه يكره مثل هذا.

    واختلف في صلاة الجنازة في هذين الوقتين، والصحيح أنها جائزة؛ لأنه لا ركوع فيها ولا سجود، وبعض العلماء رأى أنه لا يصلى على الجنازة في أوقات النهي، فمثلاً الخرقي الذي شرحه الزركشي وشرحه ابن قدامة في المغني يقول: إذا جيء بالجنازة وقت العصر صلوا عليها قبل صلاة العصر، وكذلك إذا جيء بها وقت الفجر قدموا الصلاة عليها قبل صلاتهم للصبح، حتى لا يؤخرونها بعد الصلاة فتكون في وقت نهي، فكأن الخرقي فهم أنها لا تصلى في أوقات النهي، والأكثرون على أنها من ذوات الأسباب.

    واختلف في تحية المسجد، فكثير من العلماء يقولون: لا تدخلوا المسجد في أوقات النهي؛ لأنكم إن صليتم خالفتم حديث أربعة وعشرين صحابياً روايتهم مرفوعة، وإن تركتموها خالفتم حديث أبي قتادة : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فكونكم تخالفون حديثاً أو أحاديث هذا عمل يخالف الشرع والأدلة.

    وبعضهم يدخلون المسجد ولا يصلونها ويقولون: كوننا نخالف أربعة وعشرين حديثاً أشد من مخالفتنا حديثاً أو حديثين، فإن صلاة تحية المسجد ورد فيها حديثان أو ثلاثة، وبكل حال لكلٍ اجتهاده، والله أعلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016571528

    عدد مرات الحفظ

    723826832