إسلام ويب

مقدمات في العلوم الشرعية [46]للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من مسائل علم السلوك والتصوف كيفية مجاهدة الإنسان نفسه للوصول بها إلى مقام الإحسان من خلال استشعار مراقبة الله عز وجل ثم مقام المشاهدة وعبادة الله كأنك تراه، ونظر الإنسان إلى مكانه في الكون والتفكر في الآيات المنظورة. وقد زل كثير من المتصوفة في هذا الجانب فلهم ضلالات ومزالق وقعوا فيها منها عقيدة الحلول والاتحاد وانحرافهم في عقيدة التصرف والتفضيل وفي مجال النبوات وما يسمونه بالقطب والأوتاد والأبدال.

    1.   

    مجاهدة الإنسان نفسه للوصول إلى مقام الإحسان

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما مسائل هذا العلم فكما ذكرنا منها ما هو صحيح طيب، ومنها ما هو خبيث مردود، أما الصحيح الطيب فهو ما يتعلق بتزكية النفوس.

    قد ذكرنا في الدرس الماضي أن التزكية تنقسم إلى قسمين: إلى تخلية وتحلية، فالتخلية هي معالجة أمراض القلوب وإزالتها، والتحلية هي الاتصاف بصفات المؤمنين في مقابل صفات المنافقين، وهذه لا غنى للمؤمن عنها، بل قد أقسم الله في كتابه أحد عشر قسماً على فلاح من زكى نفسه، وخيبة من أهملها.

    وقد ذكرنا أن الإنسان مضطر لذلك؛ لأنه لا يخلو من قدر من الطغيان يزداد وينقص، فيزداد باستغنائه وشعوره بذلك الاستغناء، وينقص إذا أحس بافتقار وحاجة، وكذلك بالعلاج والتزكية.

    كذلك من الجوانب المحمودة فيه محاولة الإنسان للإحسان أي: مجاهدته لنفسه حتى يصل إلى مقام الإحسان الذي هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ومقام الإحسان ينقسم إلى درجتين كبريين: إحداهما تسمى بالمراقبة، والأخرى تسمى بالمشاهدة.

    مقام استشعار مراقبة الله

    أما المراقبة فهي إن لم تكن تراه فإنه يراك، على أن تستشعر أن الله يراقبك، فتستشعر أن أعمالك كلها لا تخفى عليه منها خافية: نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12]، وهذا الاستشعار ليس حالاً فقط كما يحصل لعوام المسلمين عند حال الخشوع، إذا خشع أحدهم تذكر هذه الرقابة، وتعتريه في بعض الأحيان إذا أقبل على الحرام، فقبيل انقطاع شهوته ولذته يتذكر حال الرقابة فينكسر، فهذه الرقابة ليست هي الإحسان؛ بل إنما تكون إحساناً إذا حالت دون المعصية وجلبت إلى الطاعة، إذا حالت دون المعصية وجلبت الطاعة فهذه هي المراقبة الجيدة.

    مقام المشاهدة

    أما المقام الأسمى من المراقبة فهو المشاهدة وهو مقام أن تعبد الله كأنك تراه، بدل أن تقتصر على مجرد العلم أنه يراك، تتطلع أنت إلى الأنس به سبحانه وتعالى وخدمته وعبادته، والتقرب إليه بأنواع التقرب حتى لا تنطلق فقط من خشية المراقبة، بل تزيد على الخشية والمراقبة بالمحبة والإحساس بلذة التقريب والأنس، وهذا المقام هو الذي أشار إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذكره لـصهيب الرومي رضي الله عنه عندما قال: ( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه )، فالخوف دافع لعدم المعصية، لكن الطمع أيضاً والمحبة تدفع إلى عدم المعصية، فكثير من الناس يحول بينهم وبين المعصية الخوف فقط، وهذا المقام أسمى منه وأعلى أن يحول بينك وبين المعصية الخوف والرجاء معاً والمحبة أيضاً، أن تحبه حباً شديداً، فتكره كل ما هو معصية له، فالفرق هنا واضح، فما كان من الخشية أصله من الخوف أو من المراقبة تتركه وأنت مشته له ونفسك متعلقة به، وما كان من باب المحبة فإنك تكرهه أصلاً ولا تتعلق نفسك به.

    فالمقام الأول: هو مقام المراقبة، يقتضي أن تترك المعصية وأنت محب لها متعلق بها، لكنك تركتها لوجه الله ولخوفه.

    المقام الثاني: وهو مقام المشاهدة يقتضي أن تكره المعصية أصلاً، ولا تحبها ولا تتعلق بها بوجه من الوجوه، فهذا الفرق بينهما.

    نظر الإنسان إلى مكانه في الكون

    كذلك من المسائل المهمة فيه التي يحتاج إليها الناس نظر الإنسان إلى مكانه في هذا الكون، فإن الإنسان نكتة العالم كله: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، وهو خليفة الله في الأرض، فلابد أن يحقق هذا الاستخلاف وأن يسعى له، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا إذا نظر إلى حال هذا الكون وتدبر فيه وأبصر، وبذلك يستاق الكون كله ليكون آية من آيات وحدانية الله، وآية من آيات صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

    وهذا المقام الذي تتآزر فيه الآيات المسطورة والآيات المنظورة، والآيات المسطورة آيات القرآن، والآيات المنظورة آيات الكون، وقد قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53]، وهذا التآزر لابد أيضاً فيه مثل سابقه من التوسط وعدم الغلو، فإن بعض الناس يغلو في هذا المقام، وفي نظره إلى الكون يبالغ في النظرة حتى يرى أن الكون معدوم، وأنه ليس بالوجود شيء، وأن الله سبحانه وتعالى وحده هو الموجود وما سواه عدم، ويقصد بذلك الوجود المطلق الدائم الباقي، لكن بعضهم قد يبالغ في هذا فيخرج عن مقتضى المعقول، ويصل إلى مقام يسمى مقام وحدة الشهود، بل ربما تعداه إلى ما هو أنذل منه وأخس وهو مقام وحدة الوجود، الذي يستشعر فيه الإنسان أنه هو غير موجود وبالتالي غير مكلف، وبالتالي لا تعتريه الأحكام، وهذا غاية في الضلال والابتعاد.

    شرح الغزالي لمقام وحدة الشهود

    والغزالي رحمه الله شرح مقام وحدة الشهود بشرح يقتضي أن يكون مقبولاً شرعاً، فقال: وحدة الشهود تقتضي منك ألا تخاف إلا الله، وألا تطمع إلا في الله، وألا تحب إلا الله أو له، فلو أحسن إليك بأي إحسان لم تره من الأسباب ولم تتعلق بالأسباب، بل عرفت أن الإحسان من قبله هو مباشرة، ولو أثنى عليك أي مخلوق لم تنظر إلى ذلك الثناء على أنه صادر من مخلوق لعلمك أن المخلوق مسير وفق قدر الله، ولذلك فألسنة الخلق أقلام الحق.

    وكذلك لو هجاك أي مخلوق أو شتمك أو اعتدى عليك تعلم أن ذلك بذنوبك وأنه عقوبة من عند الله وتنبيه من عنده، أو ابتلاء وامتحان من عنده، وفعلاً هذا مقام لكن يصعب على الإنسان الاستقرار فيه، أنت يمكن أن تعرف أن الإنسان إذا أخطأ عليك فإن ذلك بذنوبك أو تنبيه لك من عند الله سبحانه وتعالى، وامتحان لك في صبرك وحلمك، لكن مع هذا علق الشارع عليه أحكاماً لابد من الأخذ بها، فلا تتعدى مقام الأخذ بالأحكام، ولو زادت عندك هذه القناعة واستمرت، لكن لا تتعدى مقام الأخذ بالأحكام، وهذا التفسير الذي فسر به الغزالي وحده الشهود، يجعلها معتدلة مقبولة.

    أما وحدة الوجود فلا يمكن أن تقبل بحال من الأحوال؛ لأنها تقتضي ما قال ابن عربي الحاتمي وهو صاحب النظرية أصلاً؛ لأنه كان يقول:

    وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه

    فعلى هذا إذا هجيت بكلام فهو يجعله من كلام الله، والسب والشتم نسأل الله السلامة والعافية يجعل ذلك من سنن الله وهذا -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- غاية في الضلال والفساد.

    كذلك في المقام السابق وهو مقام المشاهدة، أيضاً مصطلحات كثيرة محيرة ليس المقصود بالمشاهدة مشاهدة العين: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103]، بل المقصود بالمشاهدة مشاهدة البصيرة، مشاهدة البصيرة هي أن تأنس بالله سبحانه وتعالى وتتعلق به وتحبه، وتشعر باللذة والسعادة عندما تعمل طاعة له، وتشعر بالخجل والحزن والأسى عندما تقع في معصية له، وهذا الذي عرفة النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن )، إذا وصلت إلى هذا المقام تسرك حسنتك غاية السرور، وتسعد بها سعادة عجيبة، مثلما يتلذذ أصحاب الدنيا بمناصبها وملذاتها، وتسوؤك سيئتك غاية المساءة، مثلما يستاء أهل الدنيا بمصائبها، هذا المقام إذا وصلت إليه هو مقام المشاهدة المطلوب.

    أما تعدي ذلك بالبحث وراء تخييلات الشيطان، والبحث عن العيان الحسي فهذا مستحيل، وإنما يدعيه أصحاب الحلول أو أصحاب الاتحاد، وهم جميعاً نقلو ذلك عن النصارى الذين ألحدوا في الله عز وجل، ولذلك قال المختار بن بونا رحمه الله:

    وبعض أهل الباطن من أهل سوء ظاهر وباطن

    يزعم أن قد حل بالأجساد منهم تعالى بارئ العباد

    ويقول السيوطي رحمه الله في الكوكب أيضاً:

    ونص في إحيائه الغزالي من قال هذا فاسد الخيال

    فقد نص الغزالي على من قال هذا: فاسد الخيال، قد فسد عقله ثم فسد تصوره وخياله بالإضافة إلى فساد العقل، وهذان موضعان من المواضع المذمومة أدركناهما هنا مع المواضع المحمودة، وهما: الغلو في مجال المشاهدة، والذي يقتضي القول بالحلول أو الاتحاد، والغلو في وحدة الشهود الذي يقتضي وحدة الوجود، فكل ذلك من التصوف المذموم، هنا نصل إلى بعض مزالق التصوف، أو المواقع المذمومة فيه.

    1.   

    موقف الأئمة المعتبرين من المذاهب الضالة في التصوف

    وهنا سؤال عن هذه المذاهب الضالة في التصوف، هل قال بها أحد من الأئمة المعتبرين أصحاب المذاهب أو أتباعهم المعروفين؟

    والجواب: لا، فهنا يلزم التفريق فالمذاهب الفقهية تتعلق بالفقه والعبادات الظاهرة، ولا علاقة لها بالسلوك، فللسلوك مجتهدون في هذا المجال تخصصوا فيه، وقد نشأ التخصص من ذلك الوقت في هذا المجال، لهم مذهب فقهي فالواحد يمكن أن ينتسب إلى مذهب فقهي في الواقع، ولكن إذا انشغل بهذا العلم سيكون من أئمة هذا العلم وسيكون من الأتباع ولا يكون من الأئمة في المجال الفقهي، لذلك المعروفون من أئمة الفقهاء ليس أحد منهم مشتغلاً بهذا المقام ولا له فيه قدم راسخة، نعم يذكر بعض النوادر الذين جمعوا مثل الغزالي رحمه الله فقد كان إماماً في علوم شتى، وجمع بين تخصصات كثيرة، ولكن ذلك رجع إلى فترات من حياته تخلص فيها في كل فترة لعلم من العلوم، فقد بدأ في البداية بالعلم الظاهر علم الشرع وبرز فيه وأتقن مذهب الشافعي، وألف فيه التآليف المفيدة، والتصانيف النادرة، ثم اشتغل بأصول الفقه فبرز فيه على الأقران وفاقهم، ثم رجع إلى العمل فاشتغل بمذهب علم الكلام فوصل إلى مرتبة من الاعتزال والضلال البعيدة، ثم تركه وذهب إلى التشيع فدخل في الباطنية، وبالغ فيها أيضاً ومكث فيها سنوات يشتغل بالعلوم الباطنية، حتى وصل فيها إلى مستوى راقٍ، ولكن راق إلى الأسفل، ثم ترك هذه ومزق كتبه فيها، واشتغل بالفلسفة، وبرز فيها كثيراً، ثم رجع عنها ورد على الفلاسفة وكتب كتابه تهافت الفلاسفة، ثم رجع إلى التصوف وانقطع عن الناس، ومكث تسع سنين لا يتصل بأحدٍ من البشر، لا يقبل تدريساً ولا إفتاء ولا قضاء، اشتغل بالعبادة والانقطاع للتعبد تسع سنين، وفي هذه الفترة كان يجهد في أن يعمل من كسب يده حتى يأكل من حلال، وكان إذا رأى الناس يقبلون عليه يفر منهم، وانقطع وسكن في الجبال وفي المناطق النائية، ثم رجع في آخر عمره إلى السنة، واشتغل بحفظ السنة والتأليف فيها ومات على ذلك.

    في كل مرحلة كان فيها إماماً في مجال محدد، وهذا النوع نادر جداً، فالذين برزوا في الفقه يندر منهم من يكون له ذلك البروز على نفس المستوى في الأصول أو في الحديث، والذين برزوا في السلوك أيضاً لا يمكن أن يوجد منهم في الغالب من لديه بروز في علوم أخرى وهكذا، لابد أن يغلب على الإنسان بعض هذه التخصصات.

    وقد ذكر السيوطي رحمه الله أن هذا ميزة واضحة في المفسرين، فمن كان من المفسرين ذا قدم راسخة في الفقه غلب على تفسيره الفقه، ومن كان ذا قدم راسخة في اللغة غلب على تفسيره اشتغاله باللغويات، ومن كان ذا قدم راسخة في علم الكلام غلب على تفسيره ذلك، ومن كان ذا قدم راسخة في علم السلوك غلب على تفسيره ذلك وهكذا.

    1.   

    مزالق المتصوفة وبيان ضلالتهم

    القول بوحدة الوجود

    بالنسبة للذين اشتهروا بمذهب وحدة الوجود ليسوا بفقهاء، فأقدمهم الحلاج ولم يكن مشتهراً بالاشتغال بالفقه ولا بالعلوم الشرعية، إلا أنه اشتغل بالحديث فترة وضعف لدى أهل الحديث، واشتغاله إنما كان بعلم السلوك، ولذلك حصل الإشكال في كلامه؛ لأنه لم يتضح مذهبه بعد هل هو وحدة الوجود أو الاتحاد أو الحلول؛ لأنه كان يقول: معبودكم تحت قدمي، وكان يقول: ما في الجبة إلا الله، وهذا الكلام لا خلاف في أنه باطل مردود على صاحبه مهما كان، لكن اختلف في إحسان الظن به هو، هل كان إن ذاك مغلوباً على عقله في حال الشطح، كما يؤول له بعضهم، أو قاله وهو ممتع بعقله بسبب قناعته هذه، وغلوه حتى وصل إلى القول بوحدة الوجود أو الحلول والاتحاد.

    وبعض الناس يبحث له عن تأويلات خاصة مثل قولهم: (إنه وضع درهماً تحت قدمه) وقال: معبودكم تحت قدمي، يقصد أن الناس يعبدون الدينار والدرهم، لكن الواقع أنه حوكم وحكم عليه بالزندقة وقتل.

    ثم بعده ابن عربي الحاتمي، وقد ألف كتباً كثيرة، وترسخت عنده هذه الفكرة وظهرت وهي فكرة وحدة الوجود، بحيث كان يمتنع عن علوم الشرع الظاهرة، ويقول: أنتم أخذتم علمكم عن الأموات، ونحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت، وكان يقول: (حدثني قلبي عن ربي) بالمباشرة.

    وكتبه طافحة بمثل هذا النوع، لكنه كان له كثير من المفتونين به، وكان الشام في زمانه يكثر فيه فساد السلاطين فحموه، ولم يصل إلى ما وصل إليه الحلاج من المحاكمة والقتل، ومع ذلك فقد رد عليه عدد من المؤلفين منهم البقاعي، الذي ألف كتاب "تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي" وألف كتاباً آخر في الرد عليه أيضاً، وكلاهما مطبوع.

    كذلك ابن سبعين أيضاً كان يقول بوحدة الوجود، وكذلك يمكن أن يؤخذ هذا القول من بعض أقوال ابن الفارض الشاعر، وبالأخص بعض الأبيات في تائية السلوك له، فإن فيها ما يوهم اعتماده هذا القول، ثم أصبح كل من أراد أن يتقول أو أن يتزيد في مجال التصوف يدعي ويقول أقوالاً في هذا المجال، إما أن يقول: إنه قال ذلك في حال الشطح أو أن يدرجه في كتبه فعلاً ويتكلم به، وكثر هذا في المتأخرين من المنتسبين إلى التصوف، وأنا أظن أن الذي حملهم على ذلك هو التزيد، وحبهم لأن يذكروا ويظنوا أنهم وصلوا إلى مقام بهذا، مثل ما كان بعضهم يزدري الجنة ونعيمها، ويقول: إن ما هو فيه خير مما فيه أهل الجنة.

    تأثر المتصوفة بالنصارى في عقيدة الحلول والاتحاد

    وقد حصل لبعض المتصوفة أيضاً أن تأثروا ببعض ما كان لدى النصارى؛ فإن النصارى كانوا أهل جهل لكن كانوا أهل عبادة، هذا الفرق بينهم وبين اليهود، اليهود أغرقوا في الجانب النظري، والنصارى أغرقوا في الجانب التطبيقي؛ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا [الحديد:27]، فالنصارى ضلوا بسبب جهلهم، واليهود غضب عليهم بسبب عدم عملهم بعلمهم؛ فاليهود لم يؤتوا عن جهل، بل قد فضلوا على أساس العلم؛ كما قال الله تعالى: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان:32]، وأما النصارى فهم أهل جهل وقد أوغلوا في العبادات حتى ضعفت عقولهم وأبدانهم، وقويت أرواحهم في المقابل، ولم يحجزها عقل ولا علم فانطلقت في الخيالات التي لا نهاية لها.

    والنصارى هم أول من قال بالحلول، فزعموا أن الألوهية معنى وأنها تحل في الأجساد، وأنها حلت في عيسى عليه السلام، ثم بعد ذلك هم الذين زعموا الاتحاد، أي: اتحاد اللاهوت بالناسوت، والفرق بين الحلول والاتحاد أن الحلول أصحابه يزعمون أن الألوهية معنى، وأن الإله غير ذات أصلاً، إنما هو معنىً فقط، فيتجلى ويحل فيما رأوا من الأجساد نسأل الله السلامة والعافية.

    وأما أصحاب الاتحاد فإنهم يرون أن الإله له ذات، وله صفات لكن يرون أنه لا مانع من اتحاد ذات بذات أخرى، وهذا ينكره العقل في كل شيء حتى في المخلوقات المتجانسة، الماء لا يمكن أن يتحد بالماء إذا زيد عليه؛ لأن الزيادة تقتضي زيادة في الحجم وارتفاعاً في القدر، وكذلك الحلول لا يمكن أن يتصور بين الذوات أصلاً، إنما يتصور بين المعاني والذوات.

    فإذاً: هذه من الأقوال الباطلة التي انتشرت وكثرت لدى متأخرين.

    ضلال المتصوفة في عقيدة التصرف

    من المشكلات كذلك التي ظل فيها كثير من المتصوفة بالإضافة إلى هذا الجانب في الإلهية جانب آخر يتعلق بالتصرف؛ فإن كثيراً منهم أصبح الانقطاع والعبادة والعمل عنده مطلباً أو وسيلة للوصول إلى التصرف في الكون، ويظنون أنهم إذا وصلوا إلى مقام معين مكن لهم في الكون فأصبحوا يتصرفون فيه فيعطون من شاءوا ما شاءوا، وهذا التخيل بني على أساسه كثير من العقائد الفاسدة مثل عقيدة القطب، وهو الغوث الوحيد في الأرض والأوتاد السبعة الذين يمسكونها ثم الأبدال الثمانون الذين هم وزراؤهم، وعقائد أخرى تتعلق بالتصرف والتجاذب في التصرف بين الأولياء، وهذا كله غاية في الفساد؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13-14]، وبني على هذه العقائد الفاسدة عقيدة الاستغاثة بالمخلوق ودعائه من دون الله، وهي لا شك أنها من الشرك الأكبر، لكن قد يعذر صاحبها إذا كان جاهلاً أو لم تقم عليه الحجة، لكن هي شرك أكبر مخرج من الملة في حق من أدركها وعرفها.

    وهذه العقيدة سرت في كثير من المتصوفة حتى أصبح بعضهم يرى أن المريد في حال إرادته لا ينبغي أن يستغيث بالله بل لابد أن يستغيث بالشيخ فقط؛ فيقول: أنا أعرف الله فأنا أدعوه، وأنت تعرفني فادعني، وهذا غاية في الزيغ والفساد، وكذلك التقسيمات التي لديهم في الفرق بين المريد والمتوجه والواصل؛ فقد فرقوا بين هؤلاء الثلاثة في الطريق فرأوا أن المريد ذكره لا إله إلا الله، والمتوجه ذكره لا إله إلا أنت، والواصل ذكره لا إله إلا أنا، نسأل الله السلامة والعافية! بنوا هذا على هذا المذهب.

    ضلال المتصوفة في عقيدة التفضيل

    كذلك مما يشبه عقيدة التصرف التي لديهم عقيدة أخرى تسمى عقيدة التفضيل؛ فقد يكاشف بعضهم ببعض الأذكار أو الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم يبالغون فيها فيرون أنها أفضل من كذا وكذا، ويترتب عليها كذا وكذا من الأجور، فهذا يدخل في عقيدة التصرف السابقة؛ لأنهم يرون أن الإنسان إذا قصد الشيخ وتوجه إليه بأول نظرة قلبية أو أول التفاتة قلبية غفر له ولسبعة من آبائه وسبع من أمهاته، بل بعضهم يبالغ فيدخل الكفرة في ذلك، من مات كافراً يدخله في المغفرة بسبب توجه أحد أولاده في هذا الاتجاه، هذا لا شك أنه غير مقبول عقلاً ولا شرعاً، ولا فطرةً أيضاً.

    كذلك في هذا المقام أيضاً، وهو مقام عقيدة التصرف أن بعضهم يزعم أن بعض الصلوات أو بعض الأذكار التي لديهم هي أفضل من القرآن، فبعض مشايخهم يقول: إن صلاة الفاتح وهي: اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم، أو وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم، يرون أن هذه الصلاة أفضل من ستة آلاف ختمة للقرآن، قد صرح بذلك الشيخ التيجاني فيما نقل عنه علي حرازم في شرح الهمزية.

    وكذلك يرون أن جوهرة الكمال مثلاً وهي صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفيها ألفاظ أعجمية، وفيها ألفاظ لا تفهم، لا يجوز للمريد أن يظفر بها إلا إذا كان على طهارة مائية، القرآن يمكن أن تقرأه على غير طهارة، لكن هذه لا تقرأ إلا بالطهارة؛ فكل هذا من المبالغات وهو من باب عقيدة التصرف.

    ضلال المتصوفة في مجال النبوات والأولياء

    كذلك من المشكلات الكبيرة في هذا المجال العلاقة بالنبي صلى الله عليه وسلم والاعتقاد في مجال النبوات، أول ذلك أولاً أين مقام النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المقامات التي لديهم وهذا الهيكل الذي نصبوه؟ وأين أصحابه وأين أئمة الدين؟ فهم عندهم دوائر هي دوائر التصرف، وكل دائرة يسوسها ويقودها القطب الأكبر، ودونه السبعة الأوتاد وهم أعوانه ثم الثمانون الأبدال.

    فلذلك وقع الإشكال في الأنبياء؛ فهم يرون أنهم جميعاً أحياء لم يمت أحد منهم، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم حياً يجيء ويمشي كيف يسوغ لأحد منهم أن يدعي مقاماً أعلى من مقامه في الولاية؟! فهم يدعون أنه يحضر حلقاتهم ويحضر موتاهم ويجيئهم، وأن كل شيخ ولو كان قد مات يحضر تلامذته عند الموت ويجيبوا ملائكة السؤال عنه.

    وفي هذا المقام حصل لديهم ارتباك كبير جعل ابن عربي يقول:

    مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي

    فجعل مقام الولي أعلى من مقام النبوة ومقام النبوة أعلى من مقام الرسالة؛ ولذلك فإن ابن عربي نفسه رأى أن مقام فرعون عندما قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، خير من مقام موسى عندما قال: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، قال: هذا قد وصل وهذا ما زال في الطريق، نعوذ بالله!

    ولذلك فهو ابن عربي نفسه يقول:

    بذكر الله تزداد الذنوب وتسود البصائر والقلوب

    فيرى أن الذكر الذي هو سبب كل خير يؤدي إلى أمور عكسية، نسأل الله السلامة والعافية!

    وهنا فلهم اعتقادات عجيبة جداً في النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض الأنبياء الآخرين، ففي الخضر مثلاً يعتقدون أنه يأتيهم في كل الأوقات ويلقاه أئمتهم ويأخذون عنه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، ويعتقدون في بعض الصحابة دون بعض، فيذكرون علياً رضي الله عنه وأهل الصفة، ويذكرون عدداً من التابعين أيضاً كـأويس القرني، والحسن البصري، ويذكرون عدداً من أتباع التابعين كـالسري السقطي وسليمان التيمي، في الحال الذي لا تجد لديهم ذكراً لـأبي بكر وعمر، وغيرهما من كبار الصحابة، ولا لعدد من كبار أئمة التابعين وأتباعهم فلا يذكرون مثلاً أئمة المذاهب ولا يعدونهم شيئاً.

    كذلك فإن كثيراً منهم يغلو في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ويرى أنه يكلمه كفاحاً ويأتيه عياناً، وقد ألف السيوطي في إثبات ذلك رسالة سماها "تنوير الحلك في جواز رؤية النبي والملك" ولكن الواقع ما ذكرنا من قبل أن هذا يمكن أن يقع عن طريق أحلام اليقظة، إذا روض الإنسان نفسه رياضة محددة تغلب على جوارحه فأصبحت روحه أقوى من بدنه وعقله؛ فيمكن أن يرى في اليقظة ما يراه في المنام لكن رؤياه في اليقظة أضعف وأدنى مستوى من رؤيا النائم.

    وقد تعدوا مقام دعوى حياة الأنبياء في قبورهم إلى مقام دعوى حياة الأولياء أيضاً في قبورهم وأنهم يخرجون منها ويجتمعون كل ليلة جمعة عند بير زمزم، وأن أرواح الأشقياء كذلك تجتمع عند بئر في اليمن تسمى بئر برهوت، ونسجوا في ذلك قصصاً كثيرة وحكايات عظيمة، ومن ذلك أن الرفاعي لما أتى المدينة وقف في المواجهة النبوية وقال:

    في عالم البعد روحي كنت أرسلها تقبل الترب عني وهي نائبتي

    وهذه دولة الأشباح قد حضرت فابسط يمينك كي تحظى بها شفتي

    فخرجت إليه يد من القبر النبوي الشريف فقبلها، ولكن الواقع أن هذا من عمل الشياطين وليس له مصداقية شرعية.

    كذلك فمن المزالق العظيمة في هذا الباب أنهم يزعمون أن الشيخ إذا وصل إلى مقام معين لابد أن يستسلم له مريده استسلاماً مطلقاً فيكون بين يديه كالميت بين يدي غاسله فلا تصرف له في أي شيء دونه، وبالتالي يسلمه زمام نفسه في كل أمر، وكذلك أهله وماله فلا يمكن أن يغار عليه في أي أمر، ولا أن يعارضه في أية مسألة؛ ولذلك فإن كثيراً من الفجرة الذين يلبسون لباس التصوف كثيراً ما ابتزوا الناس وسلبوهم واعتدوا على أهليهم وأموالهم بهذه الدعوى الباطلة.

    وهذا السلب والنهب اشتهر لدى المتأخرين؛ فإنهم يجعلون هذا اللباس سلعة ومصيدة يصطادون بها الجهلاء ليخدعوهم عن أموالهم وأملاكهم وأهليهم، ويشتركون في هذا الباب مع الشيعة؛ فإنهم أيضاً يجعلون أن لوليهم الحق في أن يدخل بكل زوجة قبل أن يدخل بها زوجها، وله الحق في أخذ ما شاء من الأموال وصفيها، ولا يعترض عليه أحد، وإذا رآه الإنسان على معصية أو على كفر لا يمكن أن ينكر عليه، وهذا ما يعتقدونه أيضاً في أشياخهم فهذا الباب يتفق فيه المتصوفة المتأخرون والشيعة، فيرون أن المنطلق هو من التسليم المطلق للشيخ، فلا تعترض عليه بأي شيء واحذر من أن تبغض أو تعترض عليه، فلو رأيته على الكفر أو الفجور أو المعصية لا يمكن أن تنكر عليه ولو بقلبك.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047738040

    عدد مرات الحفظ

    738513117