إسلام ويب

مقدمات في العلوم الشرعية [6]للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم علوم القرآن، هو تجميع لعلوم شتى، بعضها راجع إلى اللفظ وبعضها راجع إلى المعنى، ومن هذه العلوم ما يتعلق بتاريخ القرآن، وأسباب النزول، وما يتعلق بمناسبات السور بعضها لبعض ومناسبات الآيات بعضها لبعض ومناسبات الكلمات بعضها لبعض، وما يتعلق بغريب القرآن وهو من أهم علوم القرآن، والمكي والمدني والشتوي والصيفي.

    1.   

    علم أسباب النزول

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فبعدما أتينا على ما أردنا قوله فيما يتعلق بعلم القراءات، نضيف إليه علم علوم القرآن، وهذا العلم في الواقع هو تجميع لعلوم شتى ليس واحد منها كبيراً وإنما هو علم يجمع علوماً متفاوتة، هذه العلوم بعضها راجع إلى اللفظ وبعضها راجع إلى المعنى وبعضها تاريخي أي: يرجع إلى تاريخ القرآن، فمما يرجع إلى المعنى منها أسباب النزول، وهذا باب من أبواب علوم القرآن لكنه قد أفرد وألف فيه بعض الكتب أشهرها كتاب الواحدي النيسابوري ثم كتاب السيوطي كلاهما مسمى بأسباب النزول، وقد اهتم أهل التفسير كثيراً بأسباب النزول لما ذكرنا من قبل من أنها تعين على فهم الآيات.

    1.   

    علم مناسبات القرآن

    ثم مما يتعلق بالمعنى كذلك مناسبات القرآن مثل مناسبات السور بعضها لبعض ومناسبات الآيات بعضها لبعض ومناسبات الكلمات بعضها لبعض؛ فالقرآن معجز في ترتيبه وتنسيقه ولهذا فالترتيب فيه إعجاز عجيب فقد بدأ بعد الفاتحة، الفاتحة ملخص للقرآن بكامله فكل معاني القرآن مجتمعة في الفاتحة جمعت كل ما تناوله القرآن من معاني سواءً كان ذلك في التوحيد والثناء على الله وذكر اليوم الآخر أو كان في الأحكام والعبادات والمعاملات أو كان في ما يتعلق بحاجات بني آدم واحتياطاتهم وما يصلح أمور دينهم ودنياهم فقد بدأت الفاتحة أولا بالثناء على الله وتوحيده وتمجيده: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[الفاتحة:2-3]، ثم ذكر فيها اليوم الآخر وما اشتمل عليه من البعث وفي ما بعده في قوله: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:4]، ثم بعد ذلك ذكرت العبادات كلها في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ[الفاتحة:5]، وذكرت المعاملات كلها في قوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة:5]، وذكر كذلك احتياجات بني آدم كلها في الدنيا والآخرة في قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ[الفاتحة:6-7]، وذكر كذلك القصص وأخبار السالفين وأيام الله وإهلاكه للأمم في قوله: غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ[الفاتحة:7]؛ فجمعت الفاتحة ملخصاً شاملاً للقرآن كله، كل الموضوعات التي تناولها القرآن موجودة في الفاتحة، بعدها جاءت طوال السور التي تتناول كثيراً من المعاني والأحكام وكلما ذهبت مع القرآن كلما قصرت السور حتى تصل إلى نهايته والتناسب بينها واضح كذلك التناسب في الأحكام وفي الأسلوب اللغوي وفي القصص واضح جداً، وكذلك التناسب بين الآيات فترتيب الآيات كذلك معجز وهذا التناسب بعضه راجع إلى الفواصل، والفواصل أيضاً علم من علوم القرآن المستقلة والمقصود به رؤوس الآي التي يوقف عليها لأن الفاصلة في القرآن مثل السجعة في السجع ومثل القافية في النظم، فالقرآن نوع من الكلام مستقل ليس مثل السجع ولا مثل النظم ففيه فواصل يقابلها في الشعر القوافي ويقابلها في السجع السجعات، وهذه الفواصل إنما كانت تعرف بوقف النبي صلى الله عليه وسلم وبعده للآيات فقد كان يعد الآيات لأصحابه كما ثبت: (أن أبياً سأل ابن مسعود فقال: كأين تقرؤون سورة الأحزاب آية؟ فقال: ثلاثاً وسبعين فقال: قط..) أي: ما كانت كذا قط، فقد كانت مثل سورة البقرة ثم نسخ منها الكثير وكان مما نسخ منها آية الرجم نسخ لفظها وبقي حكمها.

    والفواصل قد وضع لها أهل العلم قواعد تعرف بها من أهمها قضية التناسب، فإذا كانت الفاصلة على حرف معين إذا وجدت حرف معين يمكن الوقف عليه وقبله فاصلة فيها نفس الحرف وبعده فاصلة فيها نفس الحرف فاعلم أن ذلك رأس آية واعلم أنه فاصلة من فواصل القرآن؛ ومن هنا فمثلاً سورة الإسراء فيها مائتا فاصلة كلها على الألف التي هي حرف مد إلا الآية الأولى منها فالفاصلة فيها على حرف الراء الساكنة فقط الساكنة في الوقف سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[الإسراء:1]؛ فهذه الراء وحدها هي التي ليس بعدها ألف في فواصل السورة كلها ما بعد ذلك كله بالألف وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا[الإسراء:2-3].. وهكذا بالألف كلها إلى نهاية السورة.

    وفي بعض الأحيان تقع المناسبة بين الأحرف التي تقع عليها الفواصل من جهة تشابهها في المخرج أو من جهة تشابهها في الصفة كالنون والميم ونحو ذلك، وهذا كثير في القرآن، والفواصل أيضاً قد أفردت بالتأليف وأهم المؤلفات المفردة في علم الفواصل "ناظمة الزهر" وهي قصيدة للإمام الشاطبي وهي مشروحة مطبوعة وألف فيها عدد من الأئمة بعد الشاطبي فزادوا زيادات على الشاطبي في مواضع الخلاف لأن العد متباين باختلاف القراءات، عد الآي مختلف باختلاف القراءات فقد ذكرنا من قبل أن لأهل المدينة عدين، يسمى العد المدني الأول وهو العد الذي يوافق قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع والعد المدني الثاني وهو العد الذي يوافق قراءة نافع، والعد المكي واحد وهو موافق لقراءة ابن كثير والعد الكوفي واحد وهو موافق للقراءات الكوفية الثلاثة، والعد البصري واحد، والعد الشامي واحد؛ فهذه أعداد للآيات وهي متباينة بحسب الاعتبارات فمثلا الفاتحة في العد المكي: بِسْمِ اللهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ[الفاتحة:1] آية منها، واهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ[الفاتحة:6-7]، آية واحدة؛ لأن الفاتحة صرح بأنها سبع آيات، فإذا عددت البسملة آية منها فلابد أن تجعل آخرها آية واحدة حتى يتم العدد، ومثل ذلك الفواتح فواتح السور في بعض القراءات تعد آية مستقلة فيقال: (الـم) آية (الـمص) آية (الــر) آية (الـمر) آية وهكذا (ق) آية (ن) آية، وبعضهم يصلها بما بعدها فيعد ذلك آية واحدة ومن هنا اختلفوا في سورة البقرة على ثلاثة أقوال في عد آياتها؛ فالمشهور أنها مائتان وستة وثمانون آية وبعضهم يجعلها خمس وثمانون آية وبعضهم يجعلها أربع وثمانون آية على هذه الاعتبارات السابقة؛ ولذلك فالعد عد آي القرآن كله على العد الكوفي ستة آلاف ومائتان وأربع وثلاثون آية، وعلى العد المدني الثاني - وهو قراءة نافع - ستة آلاف ومائتان وأربعة عشرة آية على هذا الخلاف الذي سبق، وقد بينا عناية الناس بالعد في هذا حتى عد النقاط ذكرنا أن النقاط التي وضعها أبو الأسود الدؤلي في القرآن مليون وخمسة وعشرين ألف وستة وثلاثين نقطة في القرآن كله.

    وقد اعتنوا بعد الحروف التي اختلف فيها القراء كذلك، فالقراء اختلفوا في إثبات الحروف كما ذكرنا في: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:4]و (ملك يوم الدين) يُخَادِعُونَ[البقرة:9]، و(يخدعون) المد المتصل بميم الجمع في قوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ[الفاتحة:7]، (عليهُمْ) (عليهِمِ) (عليهُمُ) وهكذا فهذا المد حرف فإذا عددته ازداد عدد الحروف ومن هنا اختلفوا في تجزئة القرآن الخلاف المشهور فيما يتعلق بالتحزيب والتثمين والتربيع وغير ذلك كله راجع إلى عد الحروف باختلاف القراءات؛ فتجدون بعض الأجزاء مختلفة في بدأها فمثلاً الحزب الأول من القرآن مختلف في نهايته هل بداية الحزب الثاني قوله تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا[البقرة:76]، أو قوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ[البقرة:75]، محل خلاف تجدونه في المصاحف ومثل ذلك قوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[آل عمران:92]، مختلف هل هذا بداية الحزب أو قوله: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ[آل عمران:93]، بجعل الآيتين تبعاً للحزب السابق محل خلاف، وهكذا في كل القرآن، ونظير هذا في انتصاف القرآن وتربيعه أي أرباعه فالنصف مختلف فيه هل ينتهي عند وَلْيَتَلَطَّفْ[الكهف:19]، عند هذه الكلمة نصف الحروف قيل ينتهي عند اللام من (وليتلطف) وقيل عند الفاء منها وأغرب بعض الناس فجعله ينتهي في سورة الحج؛ لأن الكلمات هي التي تنقسم في سورة الحج فذهب بعضهم إلى أن الحروف أيضاً تنقسم في سورة الحج عند قوله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ[الحج:36]، قال أحد مشايخنا - اسمه محمد أحيد، له ثلاثة وسبعون نظماً في علوم القرآن كلها ما ترك علماً من علوم القرآن إلا ونظم فيه نظماً-:

    والبدن بين لامها والألف تناصفت حروف هذا المصحف

    فالذي يبدو لي أن الجزم بأن (والبدن) هي التي حصل التناصف بين حروفها أن هذا غلط لأن الذي ينتصف في الحج الكلمات لا الحروف، الحروف لا خلاف في ما أعلم أنها تنتصف في سورة الكهف هي نصف القرآن الحقيقي الواقعي في سورة الكهف؛ ولذلك فإن المصاحف أعدلت إلى نهاية سورة الكهف وجعلت الانتصاف عند بداية سورة مريم وكذلك الأرباع الربع الأول عند نهاية الأنعام على الراجح وبعده النصف عند سورة الكهف ثم الربع الآخر نهايته عند نهاية سورة فاطر بداية ياسين وقيل عند نهاية سورة الصافات وبداية (ص) على خلاف هذا الخلاف فقط في سورتين في سورة ياسين وسورة الصافات هل هما من الربع الثالث أو من الربع الرابع ولا خلاف أن سورة (ص) من الربع الرابع..

    والتسبيع ليس راجعاً إلى هذا لأن التسبيع إنما هو راجع إلى أوراد الناس في ما يقرؤونه يومياً من القرآن، فقد روي عن بعض الصحابة هذا التسبيع على التجزئة المعروفة للأسباع بالسور، وطبعاً هذه الأسباع غير متفقة من ناحية العدد بعضها أطول من بعض؛ ولذلك ليس راجع إلى عدد الحروف ولا عدد الكلمات، التسبيع خارج عما نحن فيه نتكلم هنا عن ما يتعلق بالتربيع والتثمين والتحزيب ونحو ذلك.

    1.   

    علم غريب القرآن

    كذلك مما يتعلق بالألفاظ من علوم القرآن ما يتعلق بغريب القرآن وهو علم مستقل وقد ألف فيه عدد من المؤلفات وأول معجم ألف في الإسلام هو معجم الراغب الأصفهاني الذي سماه "المفردات" أي مفردات القرآن رتبه على الترتيب المعجمي ويمكن أن يكون بذلك تأثر بأهل الحديث فتابع البخاري وهو أول من ألف على المعاجم أول من ألف على ترتيب المعجم في كتابه "التاريخ" الذي حين عرضه على إسحاق بن راهويه قال: ما هذا إلا السحر! لأن فيه ترتيب ما كان العرب يعرفونه، رتب الأسماء ترتيباً حاصراً على الحروف هو أول من عمل ذلك وبعده تتابعت المعاجم، وأول من ألف معجماً في اللغة على هذه الطريقة هو الراغب الأصفهاني وكتابه في مفردات القرآن وهو مشهور مطبوع عدة طبعات، كذلك ألف الإمام مكي بن أبي طالب "غريب القرآن" وألف أبو عبيد القاسم بن السلام كتابه "غريب القرآن" وألف أبو عبيدة معمر بن المثنى كتاب "الغريبين" غريب القرآن وغريب الحديث، وألف الشافعي رحمه الله كذلك "غريب القرآن" وعدد كبير من أهل العلم ألفوا في هذا الباب مثل أبو هلال العسكري وغيره، ولا شك أن الغرابة متفاوتة ولهذا فالغريب في زماننا هذا يدخل فيه كثير من الكلمات التي لم تكن غريبة لدى السلف لأننا ابتعدنا عن العربية وكلما ابتعدنا ازداد عدد الغريب، كثير من الألفاظ لم تكن غريبة في الزمان الأول وأصبحت غريبة اليوم لندرة استعمالها في كلام الناس المعتاد لأن الناس لا يتكلمون في ما بينهم في العادة بالعربية الفصحى؛ فلذلك يصبح كثير من ألفاظها غريباً في التداول.

    وعلم الغريب من أهم علوم القرآن لأن به فهم كثير من الألفاظ التي هي وعاء المعاني هي مندرجة فيها ومن لم يكن من أهل الغريب قال أهل العلم: لا يحل له التفسير أصلاً لأنه سيقدم على القول في الكتاب بغير علم، وهذا الذي امتنع منه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ولذلك نجد اليوم بعض الذين يتجاسرون على دروس التفسير يجلس في درس يفسر سورة يوسف فلما بلغ قول الله تعالى: فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ[يوسف:63] قال: نكتل اسم أخي يوسف! فهذا النوع من الجهل بمفردات القرآن يؤدي إلى القول على الله بغير علم.

    1.   

    علم التناسب بين السور والآيات

    كذلك من علوم القرآن المتعلقة بالألفاظ ما يتعلق بالتناسب كما ذكرنا، التناسب بين السور والتناسب بين الآيات وكذلك التناسب بين الكلمات هو نوع آخر من أنواع التناسب، وهذا التناسب بين الكلمات معجز وله كثير من الأمثلة في القرآن مثل قول الله تعالى: إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا[الأحزاب:35]، فجاء ترتيبها ترتيباً لفظياً عجيباً في ما يتعلق بالتشابه بين الحروف في المخارج والصفات قوله: إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ[الأحزاب:35]؛ فهذا يشترك في الميم التي بدأ بها وتوسطته، فالكلمات الأربعة كلها مبدوءة بالميم وتوسطت الميم فيها المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ[الأحزاب:35]، كذلك قوله: وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ[الأحزاب:35] تجتمع في القاف كذلك فالقاف في الكلمات الأربع، وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ[الأحزاب:35]كذلك مع وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ[الأحزاب:35] تشترك معها في العين التي هي حلقية.. الكلمة التي قبلها: وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ[الأحزاب:35]، نعم، (الصادقين والصادقات) وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ[الأحزاب:35]؛ فالدال والشين مخرجهما واحد من شجر الفم فيشتركان في ذلك، وكذلك قوله: وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ[الأحزاب:35]؛ فالدال كذلك فيها مناسبة للشين التي قبلها وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ[الأحزاب:35]، ووَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ[الأحزاب:35] مناسبة لـ: وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ[الأحزاب:35] بالاشتراك في الصاد كذلك ووَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ[الأحزاب:35]؛ فالاستعلاء الذي في الصاد كذلك نظيره في الظاء، (الحافظين فروجهم والحافظات) ووَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ[الأحزاب:35]؛ فالذال أيضاً والظاء صفتهما مشتركة فكان هذا تناسباً عجيباً وفيه تدرج أيضاً من ناحية المعنى لكن نحن نقصد هنا من ناحية اللفظ.

    ومثل ذلك من ناحية اللفظ في التناسب قول الله تعالى: هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ[محمد:38]؛ فقد اجتمع في هذه الآية أنواع الفعل المضارع كلها الفعل المضارع المجزوم بالسكون والمجزوم بالحذف والمعل والمجزوم بحذف النون كلها مجتمعة في هذه الآية الواحدة، والتناسب في ذلك واضح، وكذلك اجتماع أحكام النون وأحكام الميم في آية واحدة وهي الآية السادسة من سورة الأنعام قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ[الأنعام:6]، هذه آية واحدة جمعت جميع أحكام النون والتنوين وجميع أحكام الميم كذلك، كلها اجتمعت في آية واحدة من كتاب الله وهي التي سبق الإلغاز بها في البيت السابق:

    خبروني عن آية جاء فيها كل حكم قد كان للنونات

    واللغز قاصر لأنه لم يذكر الميمات كذلك فالآية فيها أحكام النونات وأحكام الميمات كلها، فيها الإدغام الخالص والإدغام بالغنة والإخفاء والإقلاب والإظهار كلها مجتمعة في ما يتعلق بالنون، وفيها كذلك فيما يتعلق بالميم الإدغام الشفوي والفك والإخفاء كلها مجتمعة.

    1.   

    علم المكي والمدني

    كذلك من الأحكام المتعلقة بالتاريخ من علوم القرآن المكي والمدني والشتوي والصيفي ونحو ذلك؛ فهذا راجع إلى التاريخ وبه يعرف الترتب فيما يتعلق بالنسخ والتقييد والإطلاق فليست معرفة التاريخ شرطاً في النسخ فقط كما يتوهمه من درس التفسير أو درس الأصول بل إذا عرفنا المتأخر عرفنا كيف جاء التدرج في تشريع الأحكام مثل قول الله تعالى: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا[النحل:67]، هذه أول ما نزل فيه ذكر الخمر امتن الله بها على أنها من الرزق لكنه أفردها على الرزق الحسن فجعلها ليست رزقاً حسناً لأنه عطف عليها قوله: وَرِزْقًا حَسَنًا[النحل:67]، والعطف يقتضي المغايرة فدل هذا على أن الخمر وإن كان رزقاً ليس رزقاً حسناً، ثم جاء بعدها: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ[النساء:43]؛ فحرمت الخمر في وقت الصلاة فقط، ثم بعد ذلك أرشد إلى تركها وبينت مضارها دون أن يجزم في ذلك كقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا[البقرة:219]، ثم جاء التحريم البات في قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ[المائدة:91]؛ فحرمها تحريما جازما وهذا أبلغ في التحريم مما لو قال: (فانتهوا) لأنه قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ[المائدة:91] تهديداً ولذلك يقال: إن عيينة بن حصن شرب الخمر فقيل له: ألم يحرمها الله؟ فقال: لا، إنما قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ[المائدة:91] وسكت وسكتنا، فما قلنا: نعم ولا قلنا: لا.

    لكنه أسلم بعد ذلك، فيعتبر من الصحابة لأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ثم رجع للإسلام بعد ردته.

    1.   

    علم الإعجاز البلاغي

    كذلك من علوم القرآن ما يتعلق بالمعنى وهو كثير جداً، منه ما يتعلق بالإعجاز البلاغي فيه، وبلاغة القرآن اعتنى بها عدد من المفسرين قد سبقت الإشارة إلى ذلك كـالزمخشري ومحمد الطاهر بن عاشور ومن المتأخرين الصابوني، فهؤلاء الذين اعتنوا بأوجه البلاغة، وكذلك هذا الذي ألف كتاب الجدول في إعراب القرآن وبيانه بما يتعلق بالبيان، وكذلك أحد المشايخ الموريتانيين ألف كتاباً سماه "البيان والتعريف بما في القرآن من أحكام التصريف" هذا في التصريف فقط ليس في البلاغة، "البيان والتعريف بما في القرآن من أحكام التصريف" وهو مطبوع في مجلدين.

    1.   

    علم أسرار التكرار

    كذلك من هذه العلوم المتعلقة بالمعاني في القرآن ما يتعلق بأسرار التكرار؛ لأنه يقع التكرار في القرآن سواءً في القصص أو في الأخبار أو غير ذلك، وهذا التكرار قطعاً له سر بلاغي أو سر حكمي، فاستنباط ذلك من المهمات، فقد يكون هذا على وجه الإلغاز مثل ما جاء في قول الله تعالى: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ[يوسف:76]، فهنا ما السر في التكرار؟ لأن الأسلوب المناسب في الأصل أن يقول: (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها منه) أو (من وعائه) وهكذا، لكن الجواب عن هذا أن هذا حصل فيه إلغاز ألغز فيه أحد العلماء الشناقطة بقصيدة يقول فيها:

    سؤال غريب دون شنقيط أرضه من البعد تيه يتصلن بتيه

    إذا شبه الهادي بها وجه مرشد تشابه في عينيه وجه متيه

    وأرسلها إلى المغاربة فلم يجيبوه، لم يهتدوا إلى جوابه؛ فأجابه أحد العلماء الشناقطة بقصيدة على نفس الروي يقول فيها:

    سؤال قد أعيا أهل فاس وغيرهم فكنا بحمد الله مفتتحيه

    وهذه يقول فيها: إن السر العجيب فيها أنه لو قال: (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها منه) لكان هذا مما تأنف عنه الأنفس لأنه كأنه استخرجها من أخيه، ولو قال: (ثم استخرجها من وعائه) لأوهم هذا أنه استخرجها من وعاء نفسه، من وعاء يوسف وليس ذلك مقصوداً فلا يمكن أن نتخلص من هذا إلا بالتصريح بالاسم الظاهر، وقد ألف الكرماني في أسرار التكرار وهو كتاب مطبوع، أسرار التكرار في القرآن، وألف غيره كذلك، لكن كتاب الكرماني تناول كثيراً من الآيات التي فيها هذا النوع من التكرار مع أن هذه الآية لم يذكرها، سبحان الله! ما علق عليها.

    1.   

    علم تاريخ نزول القرآن

    كذلك من علوم القرآن ما يتعلق بنزوله، تاريخ نزوله؛ كنزوله منجماً ومثل التفريق بين مكيه ومدنيه، فالمدني عشرون سورة والمكي اثنتان وثمانون سورة، واثنتا عشرة سورة مختلف فيها، هل هي مكية أو مدنية أو مما تكرر نزوله؟ فالمدني عشرون سورة هي: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة والنور والأحزاب ومحمد والفتح، سورة الفتح وإن كانت لم تنزل بالمدينة إلا أنها نزلت بعد الهجرة، وهذا ضابط المدني، والحجرات والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والجمعة والمنافقون والتغابن والتحريم والنصر؛ فهذه عشرون متفق على أنها مدنية، واختلف في اثنتي عشرة سورة منها الفاتحة والمجموعة التي معها هل هي مدنية أو مكية أو مما تكرر نزوله؟ ومنها المعوذتان كذلك، وأما اثنتان وثمانون سورة فمتفق على أنها مكية، قد كنت نظمت هذا في الصغر وما أحفظه لكن فيه:

    المدني من كتاب الله عشرون سورة بلا اشتباه

    أولها بقرة فالآل ثم النسا المائدة الأنفال

    فتوبة فالنور فالأحزاب محمد فالفتح لا كذاب

    فالحجرات فالحديد فالجدال فتح امتحان جمعة نفاق تال

    والباق مكي وذا ثنتان مع الثمانين بلا بهتان

    فمعرفة هذا مما يعين الإنسان على تفهم القرآن والتدبر فيه والتفريق بين الأساليب المتنوعة فيه.

    1.   

    الكتب المؤلفة في علوم القرآن

    والكتب التي تجمع علوم القرآن المتنوعة من أعظمها كتاب الزركشي المسمى بـ(البرهان في علوم القرآن) وكتاب السيوطي المسمى بـ(الإتقان في علوم القرآن) كذلك، ومن كتب المعاصرين في هذا الباب كتاب الزرقاني المسمى "مناهل العرفان" وهو جيد لخصه من كتاب السيوطي تقريباً وأضاف إليه بعض ما يتعلق بترجمة القرآن وغير ذلك من الأبحاث النافعة.

    ثم من الكتب المتعلقة بعلوم القرآن للمحدثين كذلك كتاب الشيخ مناع القطان رحمة الله عليه، واسمه "مباحث في علوم القرآن" وكذلك كتاب صبحي صالح رحمة الله عليه، المسمى أيضاً "مباحث في علوم القرآن" والذي يريد تدريس علوم القرآن الأفضل له أن يتقيد بكتاب محدد من هذه الكتب، وألا يتجاوز ذلك لأنه بتجاوزه سيضطر للتداخل بين علم علوم القرآن وعلم التفسير، سيقع في التداخل، وبالأخص الموضوعات المدروسة في الجانبين مثل الحروف السبعة وما يتعلق بها، هذا في مقدمات التفسير يدرسه المفسرون كـابن جرير الطبري الذي أتى به في المقدمة والقرطبي الذي أتى به في المقدمة وابن جزي الذي أتى به في المقدمة، ويدرسه أهل علوم القرآن كذلك، ومثل هذا ما يتعلق بأسباب النزول فهو المشترك كذلك، من المباحث المشتركة بين علوم القرآن وعلم التفسير، ومثل ذلك..

    1.   

    علم الوحي

    أما ما يتعلق بظاهرة الوحي فإنه مما يشترك فيه علم علوم القرآن مع علوم الحديث؛ لأن ظاهرة الوحي يشرحها أهل الحديث ويعقدون لها الأبواب والبخاري رحمه الله بدأ صحيحه بباب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ[النساء:163]، وأورد فيه الأحاديث المتعلقة ببدء الوحي، فهذا مما يدرسه أهل علوم القرآن كذلك لأن الوحي جاء على أوجه متعددة أوصلها بعضهم إلى اثني عشر وجهاً بجمع النصوص الواردة بذلك، ومعظمها ترجع إلى ثلاث هي المذكورة في قول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا[الشورى:51] أي: في رؤيا النوم، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ[الشورى:51]، بالكلام مثل ما حصل لموسى وللنبي صلى الله عليه وسلم، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ[الشورى:51]، وهذا هو الأكثر تنزيل الرسالة عن طريق الملائكة، فأكثر الوحي راجع إلى هذه الثلاثة، لكن هذه لها أنواع متعددة مثل الحديث الذي هو ثاني حديث في الصحيح يقول فيه البخاري: (حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ قال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي عنه ما يقول )، قالت عائشة: ( ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً ) ) فهذا ذكر نوعين من أنواع نزول الوحي، ولا شك أن كل واحد منهما له صور؛ لأن الرجل الذي يأتيه يأتي تارة في صورة دحية الكلبي وتارة يأتي في صورة رجل مجهول، شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، وكذلك يأتي مثل صلصلة الجرس تارة يأتي بشدة هائلة مثل ما حدث زيد بن ثابت: ( أنه كان جالساً إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسند رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبته إلى فخذه فنزل عليه الوحي فارفضت فخذي )، كادت فخذه تتكسر من شدة ما غشيه من هول الوحي، وهذا النوع كان إذا نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكب راحلته لا يقوى له شيء أي دابة يركبها تمس الأرض إلا القصوى وحدها فكان إذا نزل عليها هذا النوع من الوحي ضربت بأخفافها الأرض ووقفت حتى ينقطع، لا تتحرك حتى ينقطع، ومنه ما دون هذا؛ ولهذا يتفاوت الناس فكان عمر إذا كان بمجلس النبي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه هذا النوع من الوحي يسمع مثل أزيز النحل، النبي صلى الله عليه وسلم يسمع مثل صلصلة الجرس الشديد، مثل السلسلة الضخمة من الحديد التي تجر في الجبل الصلب، صوت شديد جداً وعمر يسمعه مثل أزيز النحل فقط، كل وقدرته بحسب ذلك، ومن دون عمر لا يسمع شيئاً أصلاً.

    فإذاً على الباحث أو المدرس الذي يريد تدريس هذا العلم الذي هو علوم القرآن أن يعلم أنه ملفق من عدة علوم وأنه الأفضل له أن يرتبط بكتاب محدد يدرسه وألا يجعله كما سبق في تدريس التفسير لا يرتبط فيه الإنسان بكتاب معين، في إحدى الطريقتين اللتين ذكرنا، وإذا ارتبط بالكتاب فليس معنى ذلك أن يتابع الكتاب في كل ما فيه بل عليه أن يضيف ويزيد وأن يوضح ويبين وأن يحاول كذلك تلخيص ما تشعب ونظم ما انتثر والتمثيل لما أغفل والاعتراض على ما يمكن الاعتراض عليه والإجابة عن الاعتراضات؛ فهذا من أوجه التفهيم المهمة جداً في كل العلوم.

    وبهذا نكمل ما نريد بيانه عن علوم القرآن

    1.   

    الأسئلة

    الالتباس فيما يتعلق برموز الشاطبية والدرة

    السؤال: يحصل عندما يحفظ الإنسان الشاطبية والدرة في الالتباس بالألف والباء والجيم والدال ونحو ذلك من الرموز المشتركة، كيف يتخلص منه الإنسان؟

    الجواب: إنما يتخلص منه بإتقان حفظ القصيدتين، أن يحفظ كل واحدة منهما حفظا محكماً بحيث لا تلتبس عليه بالأخرى؛ لأن الالتباس إنما يقع عند عدم إتقان الحفظ، إذا حفظت هذه وحفظت هذه وكان حفظك غير محكم تتداخل عليك وتلتبس؛ ولذلك كثير من الذين يحفظون الشاطبية والدرة اليوم إذا امتحنتهم بالمفاجأة فسألتهم عن بيت هل هو من الشاطبية أو من الدرة؟ التبس عليهم الأمر، وهذا الذي يقتضي الوقوع في خطأ مثل هذا.

    ويمكن التخلص من ذلك أيضاً بإتقان القراءة نفسها فمن كان متقناً للسبع أو لإحداها عرف ما كان من الدرة مما كان من الشاطبية؛ لأن ما كان من الدرة ليس فيه ذكر للسبع أصلاً وبالأخص أن القراءات الثلاث تابعة يمكن أن نتجوز فنقول مثل يقوله أهل العلوم الطبيعية، يسمون النبات سلالات معينة يقصدون مجموعات متشابهة، فكذلك القراءات بعضها بنت بعض؛ فقد سبق خلف وهو أحد القراء العشرة راو كذلك في القراءات السبع كما سبق.

    أسلوب تقسيم المعاصرين في تفسير القرآن

    السؤال: هذا السؤال الثاني: هل التقسيم الذي سلكه بعض المعاصرين في التفسير بحيث يبدأ بالمفردات، ثم بالإعراب، ثم بالكلام على أسباب النزول، ثم الناسخ والمنسوخ، ثم بالأحكام، ثم النكات البلاغية، هل هذا التقسيم مناسب أو غيره أحسن منه؟

    الجواب: أن لكل إنسان أسلوبه الخاص فيما يتعلق بالترتيب، وقد ذكرنا من قبل أن الأحسن أن يسير الإنسان على منهج واحد سواءً اختار أي ترتيب معين، ينبغي إذا اختار ترتيباً أن يسلكه ويستمر عليه ليكون ذلك منضبطاً.

    وبالنسبة للقرآن لا يمكن أن يطبق عليه منهج واحد في كل آياته؛ لأن كثيراً من الآيات تجد فيها تبويبا غير موجود لديك في الآيات السابقة، مثلاً بعض الآيات لا يكون فيها مفردات غريبة أصلاً، وبعض الآيات فيها اختلاف للقراء واضح فتدرج فيها القراءات، وبعض الآيات لها أسباب نزول مروية وبعضها ليس لها أسباب نزول أصلاً، بعض الآيات كذلك تتكلم عما يتصل بواقعنا نحن، وأنت تبحث فيها وتستنبط لعل الله يكتب لك ويفتح لك بما يختصك به بأن تكون من السابقين إلى فهم بعض ما أرجئ من كتابه لأهل هذا العصر، وبعض الآيات ليست كذلك لا تتعلق بأحكام ونحو هذا وهكذا؛ فإذاً لا يمكن أن يسير الإنسان على ترتيب مثل هذا في كل القرآن، بل ربما كان هذا أغلبياً فقط .

    الجمع بين القراءات في الصلاة

    السؤال: [ما حكم الجمع بين القراءات في الصلاة؟]

    الجواب: لأن القراءات أصلاً الشاذة لا توجد في التسجيلات ولا في الإذاعات ولا يعتني أحد بقراءتها ولا تجوز قراءة القرآن بها تعبداً لذاتها إنما تجوز القراءة بها في التعليم ونحو ذلك، أما القراءات المتواترة فهي التي حصلت لها تسجيلات وإن كانت يسيرة وما طبع منها في المصاحف إلا أربعة مصاحف إلى الآن، طبعت رواية حفص عن عاصم، وهذه انتشرت وكثرت مصاحفها، وطبعت كذلك رواية ورش عن نافع وانتشرت وكثرت مصاحفها، وطبعت رواية قالون عن نافع طبعتين فقط، الطبعة التونسية والطبعة الليبية، وطبعت كذلك رواية حفص الدوري عن أبي عمرو بن العلاء طبعة واحدة هي الطبعة السودانية، فهذه أربع مصاحف فقط هي الموجودة اليوم في العلم كله أما المصاحف الأخرى فهي خطية وقد جاءت محاولتان الآن في السوق لاستيعاب القراءات في مصحفين، ويبدو أن الأخير منهما الذي طلع هذه السنة أدق من سابقه؛ لأن السابق كان يتكل في القواعد على ما سبق من المقدمات، وإنما يذكر الفرش فتجده يذكر في الأسفل الإمالات وزوائد الياءات ياءات الإضافة نحو هذا فقط ولا يتعرض لغير ذلك من الأمور التي تتعلق بالتسهيل وترقيق الراءات وميم الجمع ونحو هذا، والجديد أظنه أدق من سابقه وما ختمته إلى الآن، لكن أظن أنه يمكن أن يكون أدق من سابقه فقد قرأت بعض الأمور التي فيه فيها إتقان، فالأول طبع بالقراءات العشر المتواترة باسم "القراءات العشر المتواتر" والثاني ما أذكر اسمه لأنه جديد طبع هذه السنة، لكن عموماً أظن أن صاحبه أكثر دقة ويمكن أن يكون استفاد من تجربة السابق، وهذا كما ذكرنا مفضول لأن الأفضل الفرق، أن تطبع المصاحف مفرقة كل رواية تطبع وحدها هذا الأولى والأجدى.

    أما الجمع بين القراءات فإن كان ذلك في كلمة واحدة لم يجز كأن يقول الإنسان: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى[الأعلى:17]، فـ(الآخرة) جمع فيها الإنسان بين نقل الهمزة وبين تفخيم الراء، ولا أحد يجمع بين هذين في كلمة واحدة، لا أحد من القراء يجمع بين هذين، فالذي ينقل الهمزة هو ورش، وورش يرقق الراء: (والآخرة خير وأبقى) فالذي يقرأ: (والآخرة) هذا قطعاً فعل محرماً لأنه جمع بين وجهين في كلمة واحدة لم يجمع بينهما قارئ فيها.

    أما الجمع بين القراءتين في الآية الواحدة فهو مكروه كراهة شديدة لأنه يوقع في الإلباس وربما أدى إلى اختلاف المعنى، أما الجمع بين القراءتين في الآيات المختلفة، أن يقرأ هذه بقراءة وهذه بأخرى فهذا لا حرج فيه، لكنه في مقام التعليم لا ينبغي لأنه يشوش أذهان الطلبة؛ فلذلك يقال: خلاف الأولى فقط، ويلجأ إليه المعلمون في القراءات عندما يسمى بوقف الاختبار، لأنه من علوم القرءان علم الوقف والابتداء، وهذا علم مهم يهمله الناس اليوم مع الحاجة الشديدة إليه، فقد سمعت قارئاً قرأ في سورة الأعلى في الصلاة فقرأ قول الله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا[الأعلى:16]،قال: (بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة) ثم استأنف فقال: خَيْرٌ وَأَبْقَى[الأعلى:17]، فيفسد المعنى تماماً بوقفه وابتدائه، ونظير هذا كثير، لكن قليل من ينتبه له لأن كثيراً من أوجه الوقف لا يتقنها إلا من كان ماهراً بالقرآن يعرف ما يؤدي إلى الاختيارات في الوقف والابتداء، ولا تكاد تصلي مع إمام إلا أخطأ فيما يتعلق بالوقف والابتداء.

    والأسلم في ذلك والأحوط هو من يلتزم فواصل الآيات، هذا أحسن شيء؛ لأنه أولاً يعينه على عد الآيات وضبطها، وعدم تجاوز أي شيء منها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، وأيضاً فيه مهارة جديدة لأنه يقتضي من الإنسان أن يطيل نفسه حتى يتم الآية، والآية إعجاز من إعجاز القرآن، والله سبحانه وتعالى جعل وحدة القرآن آية، فالمحافظة على وحدات القرآن مهم جداً، إذا لم يستطع الإنسان ذلك على الأقل لابد أن يتقن مبادئ الوقف والابتداء، ولذلك فالوقف عند القراء ينقسم إلى أربعة أقسام:

    إلى وقف تام، ووقف كاف، ووقف حسن، ووقف قبيح، هذه أربعة أقسام لابد من التمييز بينها، فالوقف التام هو الذي يقع عند تمام المعنى، بحيث تنتهي التعلقات تتم العمدة وتتم الفضلة وتتم متعلقات الفعل، ولا يبقى منصوب ولا مجرور متعلقاً بما سبق، فيتم المعنى كاملاً، فهذا يسمى الوقف التام.

    الوقف الثاني، هو: الوقف الكافي، وهو الوقف المعتبر شرعاً حتى لو لم يتم المعنى، وهو الوقف عند رؤوس الآي، حتى لو تعلق بالآية مما بعدها مجرور أو نحو ذلك كقول الله تعالى في سورة البقرة: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ[البقرة:219-220]، فلو وقفت على قوله: (لعلكم تتفكرون) فلا حرج لأن الوقف هنا كاف، لأنه عند رأس الآية، لكن في الابتداء لابد أن ترجع لما قبله، ولا تبتدئ بقوله: (في الدنيا والآخرة) كما يفعله بعض الناس؛ فكثيراً ما نصلي خلف الأئمة في بعض البلدان فيفتتحون بمثل هذا النوع من الابتداءات، إمام في تركيا -الله يهديه- يفتتح قراءته دائماً من وسط الكلام افتتح قراءته في صلاة الصبح قال: بعد الفاتحة آمين، (ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان) وعدة مرات هكذا يفتتح دائماً القراءة من موضع عجيب، ولا تدري كيف اهتدى لمثل هذا! فمن كان يفهم لا يستطيع أصلاً أن يفتتح من هذا المكان حفظه لا يساعده على ذلك.

    كذلك الوقف الحسن، وهو أن يكمل الإنسان الجملة فيأتي بما يحسن السكوت عليه على الأقل، تكمل العمدة ويبقى بعض الفضلات وما يتعلق بالفعل من منصوباته ونحو ذلك قد يقف الإنسان دونه، لكن عمدة الكلام قد انتهى.

    الوقف الرابع الوقف القبيح، وهو الوقف بين المبتدأ والخبر أو المضاف والمضاف إليه أو بين الفاعل والفعل، أو نحو ذلك بينما تعلقه عضوي داخل الجملة، وهذا الوقف يجب فيه الرجوع، ولا يحل تعمده إلا عند انقطاع النفس، لا يحل تعمد الوقف القبيح إلا عند انقطاع النفس؛ ولذلك سمعت قارئاً يقرأ: (وقال) ثم قال: (الله) وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ[النحل:51]، فقال: (قال) (الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد) وهذا لا يحل قطعاً، وفيه إفساد للمعنى وتقطيع له، فهؤلاء جعلوا القرآن عضين كما فعل المستهزئون من قبلهم؛ ولهذا لابد من إتقان الابتداء مثل ما تتقن الوقف.

    والرجوع إلى ما سبق في الوقف القبيح محل خلاف، فقالت طائفة من أهل العلم: يكفيه أن يرجع إلى كلمة واحدة، لأن الربط يحصل بها، كأنه ما وقف، وقالت طائفة: بل لابد أن يرجع لبداية كلامه؛ لأن هذا ابتداء والابتداء لا بد منه، وهذا الخلاف هو الذي أشار إليه السيوطي رحمه الله بقوله:

    الوقف بالتمام وتمام والكاف في تعلق الكلام

    ويقف المضطر في القبيح والبدء من قبل على الصحيح

    أي: أن الصحيح أنه يبدأ من بداية مقطع ولا يبدأ بكلمة فقط، إذا رجع في الوقف القبيح يرجع مما يمكن الابتداء به، سواءً ابتدأ بفعل أو مبتدأ لكن المهم أن يبدأ بجملة.

    من المؤلفات المتعلقة بالتناسب فقد ألف فيه كثير من الكتب المهمة ومن أعظمها كتاب "تناسق الدرر في تناسب الآيات السور" للإمام البقاعي وهو كتاب ضخم كبير، وكذلك كتاب السيوطي في تناسب الآيات والسور، "تناثر الدرر في تناسب الآيات والسور"..

    البقاعي مطبوع، والسيوطي كذلك مطبوع.

    المعنى العام الذي تدور حوله السور في القرآن

    السؤال: هل لكل سورة معنىً عام تدور حوله؟

    الجواب: هذا السؤال من أسئلة التفسير، وليس من أسئلة القراءات ولا من علوم القرآن، ونحن الليلة في القراءات وعلوم القرآن وقد سبق أن بينا أن الذين يشتغلون بالتفسير الموضوعي استطاعوا أن يستنبطوا محور كل سورة أن يجعلوا لها محوراً، وليس معناه أنها لا تتناول سوى ذلك المحور للتداخل الواضح في الأساليب وهو معجز، لكن المهم أن تلك السورة تنزل بشيء معين لأمر معين، فيغلب عليها ذلك فيكون محور السورة؛ ولهذا فالمقدمات التي وضعها سيد قطب رحمه الله في كتابه "في ظلال القرآن" تبين المحور الأساسي لكل سورة من السور، وعلى هذا يقوم التفسير الموضوعي كله.

    كيفية الوقف والابتداء والاستعاذة والبسملة

    السؤال: [ما هي طرق الوقف والابتداء؟]

    الجواب: بالنسبة للوقف الكافي لا إشكال فيه لأنه من السنة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله لكن المشكلة هل الابتداء الذي بعده هل هو دائماً برأس الآية أو بالرجوع؟ فالوقف على: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ[البقرة:219] لا إشكال فيه قطعا لكن هل يجوز الابتداء بقوله: فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ[البقرة:220] أو لا يجوز ذلك إلا بالرجوع؟ هذا محل خلاف والأفضل أن يرجع الإنسان، وألا يبتدئ بذلك؛ فالوقف لا إشكال فيه لكن الإشكال في الابتداء.

    بالنسبة لما يتعلق بالاستعاذة والبسملة أو بوصلهما بما بعدهما أو الوقف أو السكوت هذا مما يدرسه أهل القراءات ويبدءون به، فإن الافتتاح في بداية السور لا خلاف في أنه يكون بالبسملة ما عدا سورة براءة، والافتتاح بالأجزاء، معناه بما دون السور لا خلاف كذلك في أنه يفتتح فيها بالتعوذ، والتعوذ مختلف في هيئته هل هو على ما ورد في سورة النحل: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[النحل:98]، على هذا اللفظ (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أو يزاد على ذلك التعوذ من جهنم ومن الشيطان الرجيم، أو يزاد الثناء فيقال: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) فكل ذلك لا حرج فيه وقد حقق فيه المهدوي أن هذه الزيادات مطلوبة كلها، وقد وردت فيها أحاديث لا يصح شيء منها، أما وصل ذلك بما بعده فوصل البسملة إن كان الإنسان يقرأ بين سورتين فلا يجوز وصلها بآخر السورة السابقة والافتتاح بأول الثانية قطعا لا يجوز أن يقول: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ[الكافرون:6] بسم الله الرحمن الرحيم، ويقف، ثم يقول: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ[النصر:1]؛ لأن البسملة بداية سورة قطعاً، ولذلك ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم نهاية السورة حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم، فلا يجوز وصلها بأواخر السور، ولك فيها وجهان جائزان: إما أن تقف قبل البسملة وبعدها، وإما أن تقف قبلها فقط وتصلها بما بعدها، لا حرج في هذا إلا في أربع سور هي محل خلاف، هي سورتان مفتتحتان بـ(ويل) وسورتان مفتتحتان بـ(لا) فــ:لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ[القيامة:1]و: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ[البلد:1]، و: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ[المطففين:1]، و: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ[الهمزة:1]، هذه السور الأربع اختلف العلماء في حكم وصلها بالبسملة، فذهب بعضهم إلى كراهة ذلك للجمع بين النفي والإثبات واسم الله والويل حينئذ فاستحبوا السكوت أو الوقف بين البسملة وبين بداية السورة حينئذ، أما التعوذ فإن افتتح الإنسان بما فيه ضمير غائب فإن الأفضل أن يقف أيضاً وألا يصل، مثل ما لو افتتح فقال: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ثم قال: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ[فصلت:47]، أو: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ[فاطر:10]، أو نحو ذلك مما فيه ضمير غائب؛ لأنه يوهم أن الشيطان هو الذي إليه يصعد الكلم الطيب، أو هو الذي إليه يرد علم الساعة وليس ذلك صحيحاً، بل ينبغي أن يقف الإنسان، أن يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ويقف، ثم يبتدئ فيقول: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ[فصلت:47]، أو: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ[فاطر:10]، أو نحو ذلك، وإذا وقف انقطع هذا الإيهام قطعاً، لذلك قال ابن بري في كتابه الدرر اللوامع، يقول:

    وبعضهم بسمل عن ضرورة في الأربع المعلومة المشهورة

    للفرق بين النفي والإثبات

    إلى أن يقول:

    ... واسم الله والويلات.

    أسماء السور توقيفية

    السؤال: [هل أسماء السور توقيفية؟ ]

    الجواب: بالنسبة لأسماء السور هي توقيفية على الراجح، لكن مع ذلك فقد كره ابن عمر بعض التسميات التي اشتهرت في زمانه، كره أن يقال: سورة البقرة أو سورة بني إسرائيل، فكان يقول: السورة التي تذكر فيها البقرة والسورة التي يذكر فيها بنو إسرائيل وذلك تحرجاً من أن ينسب بعض القرآن إلى البقرة أو إلى بني إسرائيل ونحو هذا، وهذا تورع منه رضي الله عنه لكن هذه الأسماء ثابتة لهذه السور، فسورة بني إسرائيل هي سورة الإسراء، وسورة البقرة هي سورة البقرة المعروفة، وأسماء السور يدرسها كذلك أهل التفسير ويعتنون بها، ومن أفضل من اعتنى بها محمد بن يعقوب الفيروزآبادي في كتابه "بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز" فقد اعتنى بأسماء السور وهذبها، وكذلك يعتني بها أبو حيان في "البحر" وابن عطية في "المحرر الوجيز" والقرطبي كذلك في تفسيره.

    المقارنة بين علم القراءات وعلم التفسير

    السؤال: [هل هناك مقارنة بين علم القراءات وعلم التفسير]

    الجواب: بالنسبة للمقارنة بين الاشتغال بعلم القراءات وعلم التفسير لا شك أنه من ناحية الفائدة في التفهم والتطبيق أن علم التفسير أولى وأشرف؛ ولذلك فإن كثيراً من أهل العلم يقول: هو أشرف العلوم على الإطلاق؛ لأنه يتعلق بفهم كتاب الله تعالى، ويتناول غيره من العلوم كلها، فالعلوم كلها مندرجة فيه، فيدخل فيه التوحيد، ويدخل فيه الحديث، ويدخل فيه الأحكام، ويدخل فيه التعبدات كلها، كل شيء في هذا العلم والقصص والمواعظ والعبر والأخلاق والآداب كلها داخلة في علم التفسير.

    أما الاشتغال بعلم القراءات فهو من مساعدات التفسير، لا ينبغي للإنسان أن يقتصر على القراءات وينشغل بها عن غيرها من العلوم، بل هذا علم مساعد للمفسر ومعين له ومن لم يكن متقناً له يصعب عليه في الواقع إتقان التفسير، بل الذي يقرأ دائما بقراءة واحدة قد أثمه بعض أهل العلم إذا كان قادراً على أن يتعلم غيرها فإن الله تعالى يقول: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ[المزمل:20]، وقد تيسر له أن يقرأ غيرها في الغالب؛ ولذلك قال السيوطي: (ما تيسر منه: القراءات العشر برواياتها العشرين) قال: متيسرة في زمانه.

    بالنسبة لترتيب السور توقيفي في العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقد عرضه بهذا الترتيب الذي لدينا، ولذلك ثبت عن أبي وزيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهما أن يؤخرا سورة كذا ويضعانها في مكان كذا فهذا يدل على هذا الترتيب، وأما ما أخرجه أبو بكر بن أبي داود في كتاب "المصاحف" من أن ابن عباس قال لـعثمان: (ما بالكم أخذتم سورة الأنفال فجعلتموها في المئين؟ فاعتذر إليه عثمان بما يدل على أن ذلك اجتهاد منه) فهذا لا ينافي ما ذكر بل هو إنما يحمل على أن ابن عباس لم يبلغه الترتيب فيما يتعلق بسورة الأنفال فقط وبلغه فيما سواها؛ لأن الترتيب جاء على أطوار؛ ففي الترتيب الأول كانت سورة النساء قبل سورة آل عمران، ثم جعلت سورة آل عمران مما يلي سورة البقرة قبل النساء، وذلك في حديث حذيفة وابن مسعود .

    ومن هنا فأنبه إلى أن كتاب "المصاحف" المطبوع اليوم قد طبع بعناية مستشرق وقد دس فيه كثيراً وحرف فيه كثيراً من النصوص، وقد اطلعت على مخطوطة فيه فوجدت فيها كثيراً من التحريف الواضح ويحققها أحد الإخوة من أهل المدينة في جامعة اسكتلندا في إدنبرة، يحقق الكتاب وقد أجبروه على ألا يسب هذا المستشرق الذي حرف الكتاب، هو يشرف عليه مستشرق تلميذ لذلك ومتأثر به، فيقول: هذا لا تمكن مخالفته، ومخالفته خطأ علمي، مخالفة المستشرق هذا خطأ علمي! تحسم عليه درجة.

    مخالفة ترتيب السور في الصلاة

    السؤال: [هل يجوز التنكيس في القراءة في الصلاة؟]

    الجواب: بالنسبة لمخالفة الترتيب في الصلاة مختلف فيها فقيل: تكره لأن الله اختار له هذا الترتيب، وتعمد مخالفته مكروه، وقيل: لا يكره التنكيس، ومثل ذلك ما يتعلق بالتكرير فإن النبي صلى الله عليه وسلم كرر سورة الزلزلة في الصلاة قرأ بها في الركعتين معاً، فقيل: كان متعمداً وقيل: إنما فعل ذلك من باب السهو؛ ولذلك اختلف في التكرير والراجح كراهته في غير سورة الزلزلة إذا فعلها الإنسان تسنناً مرة فلا حرج، لكن يكره في غيرها، وهذا ما أشار إليه أحد العلماء بقوله:

    لا يكره التنكيس في الشهير وشهروا كراهة التكرير

    بيت واحد جمع المسألتين.

    مراتب علم التجويد

    السؤال: [ما هي مراتب علم التجويد؟]

    الجواب: بالنسبة للسؤال عما يتعلق بالتجويد قد أشرنا من قبل إلى مراتبه فذكرنا أنه ليس منزلة واحدة من ناحية الحكم الشرعي؛ فمنه ما يجب وهو ما يستقيم به الكلام ويفهم به؛ فهذا واجب لا خلاف فيه، وخلافه لحن واللحن في القرآن محرم قطعاً، ومن تعمد اللحن فيه جمهور العلماء يكفرونه:

    روى عياض أنه من غيرا حرفا من القرآن عمدا كفرا

    إن تعمد ذلك؛ لأنه بهذا يستهزئ بكتاب الله ما يتعمد ذلك إلا مستهزئ.

    والدرجة الثانية هي ما يكون إتقاناً وإحساناً مثل إتقان المد ومخارج الحروف وصفاتها فهذا سنة مؤكدة ولكنه لا يجب، هو سنة مؤكدة، ومنه مراعاة الشدات والإدغام والفك ونحو ذلك، وعند الحنابلة يجب ذلك في الفاتحة فإذا نقص إحدى الشدات في الفاتحة فإن ذلك مبطل لصلاته في الرواية المشهورة عند الحنابلة..

    وشدات الفاتحة هي: شدة (لله) هذه شدة واحدة، الْحَمْدُ للهِ[الفاتحة:2]، و(رب) رَبِّ الْعَالَمِينَ[الفاتحة:2]، شدة أخرى، (الرحمن) شدة (الرحيم) شدة أخرى، (الدين) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:4]، الشدة الخامسة، (إياك) الشدة السادسة، إِيَّاكَ نَعْبُدُ[الفاتحة:5]، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة:5] الشدة السابعة، اهْدِنَا الصِّرَاطَ[الفاتحة:6] الشدة الثامنة، صِرَاطَ الَّذِينَ[الفاتحة:7] الشدة التاسعة، أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ[الفاتحة:7] الشدة العاشرة في الضاد، (الضالين) فيها شدتان: شدة الضاد واللام.

    فهذه إحدى عشرة شدة من نقص منها واحدة بطلت صلاته عندهم لأنه لم يأت بالفاتحة التي أمر بها الشارع في كل ركعة.

    لكن الذي يبدو أن محل هذا عند التعمد، التعمد أصلاً كفر عند الجمهور كما ذكرنا من قبل، ومع ذلك فقد قرئ في الشواذ: (صراط لذين أنعمت عليهم) وهذه لغة من لغات العرب، (لذين) بدل (الذين) و(لذي) بدل (الذي) لغة معروفة من لغات العرب، وقرئ بها في الشواذ فقط، ولم يقرأ بها في المتواتر.

    وكذلك القسم الثالث هو ما يندب من التجويد وهو تحسين الصوت بالقرآن وإتقانه فهذا مندوب، يزيد الأجر وفيه فليتنافس المتنافسون، الناس فيه متفاوتون حسب ملكاتهم وقدراتهم.

    والرابع: ما يكره وهو ما يؤدي إلى تمطيط زائد، أو مبالغة في القلقلة حتى إن بعض القراء يحرك القلقلة، يجعلها حرفاً محركاً، فيختلفون هل القلقلة مكسورة أو مضمومة، فإذا قرأ يقول: (قل هو الله أحد) يكسر.. يجعل الدال دالين، يقول: (الله الصمد) يبالغ، نعم، (قدِ أفلح) هذه مبالغة في القلقلة حتى تكسر دالا أخرى غير الدال الساكنة، والقلقة هي مجرد ارتجاف الحرف في المخرج، أن يرتجف في المخرج فقط؛ فهذا النوع من المبالغات مكروه لأنه يغير المعنى.

    والخامس هو المحرم وهو ما كان فيه من تقطيعه على هيئة أنغام وأناشيد مما يخرجه عن أصله الذي أنزل له من التدبر والسكينة والوقار فهذا محرم، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الأعراب مخارج الحروف وصفاتها ونحو ذلك من الأمداد لأن هذه من لغتهم في الأصل، ولا يحتاجون إلى تعلمها؛ فهم يعرفونها بفطرتهم وأصلهم، ( لكن ابن مسعود عندما قرأ عنده: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ[التوبة:60] قال: إنما الصدقات للفقرآء والمساكين ) فعلمه المد، علمه طريقة ذلك؛ ومن هنا يعلم أن هذا النوع من الأمداد التي قد يستعجل عنها الإنسان فلا يلقي لها بالاً في بعض الأحيان ينبغي أن يرجع إليها ويتقنها.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315049

    عدد مرات الحفظ

    723568121