إسلام ويب

شرح لامية الأفعال [8]للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشاذ من (فعَل) بفتح المضاعف على نوعين: الأول شاذ من اللازم بالضم، وشاذ من المتعدي، أما الأول فمن أمثلته، (امرر به) (مرّ، يمرّ)، و(جلّ عن مكانه) بمعنى ارتحل، و(هبّت الريح هبًّا) معناه بدأت حركتها، و(هبّ النائم) استيقظ، و(هبّ السائر هباباً) بالكسر، أي أسرع. أما الشاذ من المتعدي فينقسم إلى قسمين: شاذ بالكسر فقط، ومن أمثلته (حبَّه)، يُحببكم ويَحببكم. والقسم الثاني: الشاذ الذي فيه الكسر الشاذ ومعه الضم القياسي، ومن أمثلته: (هرّ) يهِرّ، ويهُرّ، و(شدّ) يشِدّ، ويشُدّ.

    1.   

    الشاذ من (فعَل) بفتح المضاعف

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فقد ذكر ابن مالك الشاذ بنوعيه مرتباً، ومثله إضافة الحضرمي، الشاذ من (فَعَل) بفتح المضاعف بنوعيه؛ أي: الشاذ من اللازم بالضم، والشاذ من المتعدي بالكسر، وقد بدأ بالشاذ من المتعدي، فقال:

    الشاذ بالكسر من المتعدي

    فذو التعدي بكسر حبه وع ذا وجهين هر وشد عله عللا

    (فذو التعدي بكسر حبه): الشاذ من المتعدي ينقسم إلى قسمين: إلى شاذ بالكسر فقط، وإلى شاذ بالوجهين، الشاذ: الذي ليس فيه إلا الكسر الشاذ، والشاذ الذي فيه الكسر الشاذ، ومعه الضم القياسي، فالنوع الأول: لم يسمع منه إلا كلمة واحدة، وهي (حبه)، قال: فذو التعدي نوعان، أحدهما: بكسر فقط، لم يسمع فيه الضم القياسي، وهو (حبه) فقط، هذه الكلمة وحدها، وبه قرئ قول الله تعالى: (يَحببكم الله) (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يَحببكم الله) من الثلاثي، أما (يُحببكم) فمن الرباعي، من (أحب)، وأما (يَحببكم) فمن (حب).

    الشاذ ذو وجهين من المتعدي

    والنوع الثاني، فهذه من الأفعال التي لا نظير لها؛ ولذلك ذكرها الحسن في المجموعة السابقة: (يحب يخصم، مضارع خصم، غلب في الخصام أنه وصم... إلى آخره)، (والثاني) معناه: والنوع الثاني من المتعدي الشاذ: هو ما فيه وجهان، وهو قوله: (وعِ ذا وجهين)، (وعِ) معناه: احفظ، من (وعى، يعي): هي فعل أمر، ولم يبقَ منه غير العين؛ لأن مضارع (وعى) تحذف فيه الواو، ومثلها الأمر، (فأمر أو مضارع من كـ(وعد) احذف)، ولامه أيضاً تحذف للجزم في المضارع، والأمر على صيغة المضارع المجزوم، فتحذف؛ فلم يبق منه إلا العين وحدها، وإذا سئلت عن وزن (عِ) فماذا تقول؟ ليس لها وزن إلا (عِ)؛ لأن العين هي العين، هي عين الفعل أيضاً؛ ولذلك يقول جدي الددو رحمه الله:

    قل للذي علم اللغة من طبعه ما وزن أسطاع وأهراق عه

    فهذه الثلاثة تحتاج إلى أن تبين وزنها، (أهراق) و(أسطاع)، (أهراق): اجتمع فيها العوض والمعوض منه؛ لأن الهاء عوض عن الهمزة، أصلها: أراق، فاستثقلت الهمزة وقلبت هاء، فقيل: هراق، ثم أعيدت الهمزة، فقيل: (أهراق) كما قال امرؤ القيس:

    (وإن شفائي عبرة مهراقة): أصل الكلمة (مراقة) فقط، فـ(أهراق) إذا أردت وزنها، فتقول: فاعل والهاء زائدة، تقول: (أهراق): أهفعل، أهفل، الهمزة تقابلها بالهمزة؛ لأنها زائدة، أصلاً هي أفعل، والهاء تقابلها بنفسها أيضاً؛ لأنها زائدة، ولم يبق من الحروف الأصلية التي هي في الأصل (رَوَقَ) إلا الراء والقاف، فتقول: أهفل، نعم، وتحذف العين منها، فوزنها: أهفل، ومثل: (أسطاع)، فأصلها (استطاع) استفعل.

    (أفعل) هي الوزن الأصلي، نحن نريد الوزن الحالي، تقول في وزنها الحالي: أهفعل، وكذلك (اسطاع)، وكذلك (عِ)؛ فوزنها (عِ) فقط.

    (وعِ ذَا وجهين هر وشد عله عللا): فمن المضاعف المتعدي من (فَعَل) بالفتح الذي سمع في مضارعه وجهان، أحدهما: الضم على القياس، والثاني: الكسر الشاذ: (هر)، (هره) بمعنى: كرهه، ومنه قول عنترة :

    حلفنا لهم والخيل تردي بنا معاً نزايلكم حتى تهروا العواليا

    عوالي زرقاً من رماح ردينة هرير الكلاب يتقين الأفاعيا

    فهنا قال:

    حلفنا لهم والخيل تردي بنا معاً نزايلكم

    معناه: لا نزايلكم، معناه: لا نفارقكم، وحذف (لا) بعد القسم، ويكثر هذا، (نزايلكم حتى تهُروا العواليا أو حتى تُهِروا العواليا) معناه: حتى تكرهوا عوالي الرماح، جمع عالية، وهي: صدر قناة الرمح، فتقول فيها: (تهُروا) على القياس، و(تهِروا) على الشذوذ، لا (هر الكلب)، فلا شذوذ، (هر الكلب) بمعنى: عوى أول عوائه الذي هو دون النباح، أول صوت الكلب يسمى هريراً، ومنه: ليلة الهرير، وهي ليلة صفين، فهذا من (هر، يهرِ) فقط، وليس فيه (يهُر)؛ لأنها من اللازم، و(شد) كذلك من (فَعَل) بالفتح المضاعف المتعدي، الذي مضارعه فيه وجهان: الضم القياسي، والكسر الشاذ، (شده، يشده) معناه: أوثقه، فتقول فيه: (يشُده) على القياس، و(يشِده) على الشذوذ، لا بمعنى: اشتد فلازم، شد فلان، معناه: اشتد، فهذه من اللازم الذي مضارعه (يشِد) فقط، وليس فيها شذوذ، ولا بمعنى: عدا فسيأتي، كذلك شد الرجل بمعنى: عدا؛ أي: جرى، أسرع، فهذه ستأتينا -إن شاء الله- من المضاعف اللازم الذي مضارعه فيه شذوذ كما سنذكره.

    كذلك (عله، عللا)، (عله): فهي مضاعف متعد من (فَعَل) بالفتح، ومضارعه (يعُلُّ) على القياس، و(يعِلُّ) على الشذوذ، (عله علَلاً، وعلاً) مصدر آخر: سقاه بعد نهل، سقاه شرباً بعد شربه الأول، شرب أولاً، ثم شرب مرة أخرى، (لا علت الأرض): كثر ماؤها، فهي عالة، فهذا من اللازم، تقول فيه: (تعِلُّ) فقط، بالكسر.

    وقد استدرك الحضرمي هنا كلمات على ابن مالك لم يأت بها، فأتى بها الحضرمي، ونظراً لأن ابن مالك عندما أتى ببقية الأفعال جعل ذلك في أثناء بيت، فقال: (و بت قطعاً و نم): وانتهى من المضاعف المتعدي، قال:

    وبتّ قطعاً ونم واضممن مع الـ لزوم في امرر به وجلّ مثل جلا

    (واضممن مع اللزوم): بدأ في المضاعف اللازم، فكان ذلك في أثناء بيت، فلم يستطع الحضرمي إلا أن يأتي به هنا، فقال:

    ومثل هرّ ينثُّ شجه وكذا كأضّه رمّه أي أصلح العملا

    قال: (ومثل هرّ ينث) يقصد: أن نث الحديث، معناه: أفشاه (ينُثه وينِثه)، (فَعَل) بالفتح، مضاعف متعد، مضارعه فيه الوجهان: الضم المقيس، والكسر الشاذ، والمقصود بذلك: (نث الحديث) معناه: إفشاؤه، ومنه قول الشاعر:

    إذا جاوز الإثنين سر فإنه بنث وتكثير الوشاة قمين

    وكذلك (شجه): إذا جرحه في الرأس، أو في الوجه، الشجة لا تكون إلا في الوجه أو في الرأس، فهي (فَعَل) بالفتح مضاعف متعد، مضارعه فيه الوجهان: الضم المقيس، والكسر الشاذ، تقول فيه: (يشُجه) و(يشِجه)، (يشُجه) على القياس، و(يشِجه) على الشذوذ، نعم، وكذاك (أضه)، (أضه) (فَعَل) بفتح مضاعف متعد، مضارعه فيه الوجهان الضم المقيس والكسر الشاذ، ومعناه: ألجأه، (أضه إلى كذا) معناه: ألجأه إليه، والإضاض بالكسر: الملجأ، وكذلك (رمه)، أيضاً (فَعَل) بالفتح مضاعف متعد، مضارعه فيه الوجهان: الضم المقيس، والكسر الشاذ، و(رمه، يرمه ويرمه، رماً ومرمة) معناه: أصلح العمل.

    (وبت قطعاً): كذلك من (فَعَل) بفتح المضعف المتعدي الذي مضارعه فيه الوجهان: الضم المقيس، والكسر الشاذ: (بت الحبل): إذا قطعه؛ ولهذا أكده بقوله: (قطعاً)، (بته)؛ أي: قطعه، لا (بت الحبل) بمعنى: انبت، (بت الحبل) معناه: انبت في نفسه فانقطع؛ فهذا لازم، فمضارعه فيه الكسر المقيس فقط، فتقول فيه: (يبِت)؛ ولهذا أكده بقوله: (قطعاً).

    (ونم): كذلك من (فَعَل) بالفتح المضعف المتعدي، الذي مضارعه فيه وجهان: الضم المقيس، والكسر الشاذ: (نم الحديث) بمعنى: حمله وأفشاه على وجه الفساد، (نماً): هي المصدر، فهو (نموم): هذا الوصف منها، و(نمام) وزن مبالغة، و(مِنَمٌّ) ك(مِجَنٍّ): وصف مبالغة أيضاً، ومنه قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، وهو أصح أسانيد ابن عباس ما رواه عنه عبيد الله بن عبد الله، يقول:

    ونم عليك الكاشحون وقبلهم عليك الهوى قد نم لو ينفع النم

    في قصيده له يقول فيها، مطلع القصيدة:

    كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم ولامك أقوام ولومهم ظلم

    ونم عليك الكاشحون وقبلهم عليك الهوى قد نم لو ينفع النم

    وزادك إغراءً بها طول بخلها عليك وأفنى لحم أعظمك الهم

    وأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة على إثر هند أو كمن سقي السم

    السُم أو السَم سيان.

    تجنبت إتيان الحبيب تأثماً ألا إن هجران الحبيب هو الإثم

    فيا من لنفس لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعم

    وللقصيدة قصة، وله معها أشعار أخرى في نفس القصة، حصل بينه وبين زوجته خلاف، وتدخل فيه عروة بن الزبير، و القاسم بن محمد، نعم، لكن هو أقر بأنه هو المخطئ.

    فقوله:

    ونم عليك الكاشحون وقبلهم عليك الهوى قد نم لو ينفع النم

    (نم عليك الكاشحون) معناه: نقل كلامك الكاشحون، وهم: الحاسدون، فـ(نموا) معناه: نقلوا الحديث على وجه الفساد، (وقبلهم عليك الهوى قد نم لو ينفع النم): فأمارات الهوى أيضاً نمت عليك، معناه: أظهرت ما كنت تكتمه، حتى كأنها نقلت عنك كلاماً غير صحيح. والاسم: النميمة، الاسم (اسم المصدر): النميمة، نسأل الله السلامة منها!

    إذاً؛ هذه الأفعال الشاذة من (فَعَل) بالفتح المضعف المتعدي، فهي قليلة، الذي شذ بالكسر فقط هو: (حبه) فقط، والذي شذ بالوجهين هو: (هر) و(شد) و(عل) و(نث) و(شج) و(أض) و(رم) و(بت) و(نم)، فهذه تسعة أفعال مع (حب)، عشرة أفعال هي التي شذت من المضاعف المتعدي، وأما المضاعف اللازم، فقد شذ منه كثير، ستة وأربعون فعلاً منه جاءت بالضم، وعدد آخر جاء بالوجهين.

    الشاذ بالضم من اللازم

    وبت قطعاً ونم واضممن مع الـ لزوم في امرر به وجلّ مثل جلا

    قال: (واضممن مع اللزوم في امرر به وجل مثل جلا)، (واضممن مع اللزوم)؛ أي: إن المضارع من (فَعَل) بالفتح المضعف اللازم قد جاء مضموماً شذوذاً في ستة وأربعين فعلاً؛ لذلك قال الحسن: (واضممن مع اللزوم في ستة وأربعين فعلاً، فصلها الشيخان) يقصد ابن مالك و الحضرمي، فذكر الناظم منها ثمانية وعشرين، أولها قوله: (امرر به)، (مر به، يمر): فهي مضعف لازم من (فَعَل) بالفتح، قياس مضارعه الكسر، ولم يسمع فيه، وإنما سمع فيه الضم، قالوا: يمرُّ.

    وكذلك (جَلَّ عن مكانه) معناه: ارتحل عنه، فهي (فَعَل) بالفتح، مضاعف لازم، ومضارعه قياسه الكسر، ولم يسمع فيه إلا الضم الشاذ.

    فـ(جلَّ عن المكان) معناه: ارتحل عنه، فهي (فَعَل) بالفتح، مضاعف لازم، مضارعه قياسه الكسر، ولم يسمع فيه، وإنما سمع فيه الضم، سمع فيه (يَجُلُّ عن مكانه)، وفسرها بقوله: (مثل جلا)؛ أي: (جَلَّ) التي هي مثل: (جلا عن مكانه)، (جلا عنه) معناه: ارتحل، (والجلاء أخو الموت)، (الجلاء) معناه: الغربة، الانتقال من بلد الإنسان، (أخو الموت): كأن الإنسان مات إذا انتقل عن مكانه، (لا مثل عظُم): لا (جَلَّ) التي بمعنى: (عَظُمَ)، قد سبق أنها (فَعَل) بالفتح نائبة عن (فعُل) بالضم، وأن مضارعها (يَجِلُّ) بالكسر.

    فقد ذكرنا أنها (ويَجي مُغنٍ لزوماً) اللزوم، ذكرنا عندها أن هذه مما نابت فيه (فَعَل) عن (فَعُل).

    قال:

    هبت وذرت وأج كر هم به وعم زم وسح مل أي ذملا

    (هَبَّتْ): كذلك من (فعَل) بالفتح المضاعف اللازم الذي مضارعه قياسه بالكسر، ولم يسمع فيه، وإنما سمع فيه الضم: (هَبَّت الريح هَبًّا، وهبيباً، وهُبوباً) معناه: أنشأت، بدأت حركتها، و(هَبَّ النائم من نومه، هباً)، معناه: استيقظ، و(هَبَّ السائر هِباباً) بالكسر، معناه: أسرع، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته:

    ولها هِبَاب في الزمام كأنها صهباء خَفَّ مع الجنوب جَهَامُها

    يصف هذه الناقة يقول: (لها هباب)، معناه: إسراع في السير، (في الزمام) معناه: عندما تُزَمُّ للركوب، (كأنها صهباء)؛ أي: مزنة صهباء، (خف مع الجنوب جهامها)، الجهام: هو ما بقي من المزنة لا ماء فيه، وهذا خفيف جداً ينتقل بسرعة، فمحل الاستشهاد من البيت قوله: (هِباب)، فهي مصدر (هَبَّ السائرُ) معناه: أسرع.

    وكذلك من (فَعَل) بالفتح المضاعف اللازم، الذي مضارعه قياسه الكسر، ولم يسمع فيه، وإنما سمع فيه الضم شذوذاً: (ذرت الشمس) معناه: فاض شعاعها، كثرت ذرات شعاعها، والذي في القاموس والصحاح: (ذَرَّ النبتُ والشمس): طلع، (ذرت الشمس)، بمعنى: طلعت، و(ذَرَّ النبت) بمعنى: طلع، و(ذَرَّ الرجل) معناه: شاب مُقَدَّم رأسه، يَذَرُّ فيه بالفتح الشاذ، هذه وحدها فيها الفتح الشاذ في المضارع. وليس فيها الضم.

    وإنما عَدَّ (ذرت) بالتاء للمؤنث، يقصد بذلك: الشمس أو الشجرة (النبات)، لكن (ذر الرجل) بمعنى: شاب مقدم رأسه ليست من هذا الباب، بل مضارعها بالفتح على الشذوذ (يَذَرُّ) بالفتح، وينبغي أن تكون مما لا نظير له، إلا إذا كانت على وزن (فَعِلَ) في الأصل، إذا كانت (ذَرَّ الرجل) على وزن (فَعِلَ) بالكسر؛ لأنها من العيوب، مثل: (شَابَ)؛ فحينئذ تكون من الأعراض، ويكون مضارعها (يَذَرُّ) على القياس، أو تكون من باب التداخل.

    كذلك من (فَعَلَ) بالفتح المضاعف اللازم الذي مضارعه قياسه الكسر، ولم يسمع فيه، وإنما سمع فيه الضم الشاذ: (أَجَّ الظليمُ) معناه: أسرع، و(أَجَّتِ النار والريح) معناه: سمع دويهما، فتقول في الجميع: (يَؤُجُّ)، وكذلك (كَرَّ عنه) بمعنى: رجع، و(كَرَّ عليه) بمعنى: عطف عليه، كرّاً وكروراً وتكراراً، هذه كلها مصادر، فهو كَرَّار، هذا الوصف، ومِكَرٌّ كذلك وصف آخر، (يَكُرُّ) بالضم الشاذ، وكذلك (هَمَّ به) بمعنى: اهتم، فتقول فيه: (يَهُمُّ) بالضم شاذاً، وكذلك (عَمَّ النبتُ) بمعنى: طال، عَمَماً هي المصدر، ومنه: نخلة عَمِيمَة، قالوا: هذه النخلة عَمِيمَة، جمعه: عُم: (أو العُم من نخل ابن بوس ) كما قال محمد بن طلبة، (أو العُمِّ) معناه: الطوال، (من نخل ابن بوس ): اسم مزارع، وكذلك (زَمَّ بأنفه) معناه: تكبر، رفع أنفه كِبْراً، فتقول فيه: (يَزُمُّ) على الشذوذ، وأما (زَمَّ البعير يزُمُّه): فهذه مشتقة من الزمام، فهي متعدية؛ وعلى هذا فضم مضارعها على القياس، وكذلك (سَحَّ المطر يَسُحُّ) بالضم على الشذوذ: نزل بكثرة، لكن قد تُعَدَّى هذه، ومن تعديها قول امرئ القيس:

    فأضحى يَسُحُّ الماء عن كل فيقة يَكُبَّ على الأذقان دوح الكنهبل

    لكن جاء في بعض الروايات:

    فأضحى يَسُحُّ الماءُ عن كل فيقة يكب على الأذقان دوح الكنهبل

    (فأضحى)؛ أي: أضحى هذا المطرُ بعد أن بات، أضحى أيضاً: وَصَلَ الضحى، (يَسُحُّ الماء)؛ أي: يصب الماء بكثرة، (عن كل فِيقَة) معناه: في كل فترة من فترات المطر التي يتوقف فيها، (يَكُبُّ على الأذقان دَوْحَ الكنهبل)؛ أي: يُسقِط الشجرَ الكبيرَ، (الدوح): الشجر الكبير، من النوع الذي اسمه: الكنهبل، يكبه على الأذقان؛ أي: يسقطه على الأرض، فكأنما وقع لذقنه مثلما يقع الإنسان إذا سقط.

    (ملَّ أي ذمَلا): كذلك من هذه الأفعال التي هي (فَعَل) بالفتح مضاعف ولازم، مضارعها قياسه الكسر، وشذ فيها الضم: (مَلَّ فلان)، (مَلَّ السائر) بمعنى: أسرع؛ ولذلك فسرها بقوله: (أي ذَمَلا)، والذَّمِيل: ضَرْب من السير، كـ(امْتَلَّ) و(تَملَّلَ) كلها بهذا المعنى، فتقول فيها: يمل بالضم الشاذ، (لا مَلَّ الخُبْزَة) بمعنى: شواها في المَلَّة، (فمعدى): هذه من المتعدي، فمضارعها بالضم على القياس، (ولا مَلَّه مَلَلاً) كما تقدم؛ لأننا ذكرناها من (فَعِلَ) بالكسر.

    قال:

    وألّ لمعاً وصرخاً شك أب وشدد أي عدا شقّ خشّ غلّ أي دخلا

    (وأل لَمعاً وصرخاً): كذلك من هذه الأفعال التي هي على وزن (فَعَل) بالفتح، مضاعف لازم، وأصل مضارعها الكسر، ولم يسمع، إنما سمع فيها الضم الشاذ، (وألَّ السيف) بمعنى: لمع؛ ولذلك فسره بقوله: (لمعاً)، و(ألَّ العليلُ) معناها: المريض، بمعنى: صرخ؛ ولذلك فسرها بقوله: (وصَرْخاً)، فمضارعها: (يَؤُلُّ) بالضم الشاذ، وفي القاموس أن اللمع بالوجهين، والصرخ بالكسر فقط، فخالف في أمرين، ذكر في القاموس أن: (أَلَّ السيف)، فيها: يَؤُل ويَئِلُّ، وأن: (ألَّ المريض، يئل بالكسر)، فخالف في الأمرين؛ حيث أثبت لـ(ألَّ السيف) فيها: يَؤُل ويَئِلُّ، وأن: (أَلَّ المريض، يَئِلُّ بالكسر)، فخالف في أمرين؛ حيث أثبت لـ(أَلَّ) التي بمعنى (لَمَع) وجهاً ثانياً لم يذكره ابن مالك، وأما (أَلَّ) التي بمعنى صرخ، فقد خالف فيها في الأمرين معاً، خالف فيها في الضم، فنفى وجود الضم، وأثبت لها الكسر الذي لم يذكره ابن مالك أصلاً، نفى الضم الذي أثبته ابن مالك، وأثبت الكسر الذي لم يثبته، طبعاً و ابن مالك مقدم على صاحب القاموس، لكن صاحب القاموس إذا أضاف زيادةً على ابن مالك تُقْبَلُ؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، إذا أضاف الزيادة فهي من زيادة الثقات، لكن إذا نفى شيئاً أثبته ابن مالك، فإن ابن مالك مقدم عليه.

    (شَكَّ): كذلك من هذه الأفعال التي هي (فَعَل) بالفتح مضاعف لازم، مضارعه أصله الكسر، ولم يسمع فيه، وإنما سمع فيه الضم الشاذ: (شك في الأمر) معناه: ارتاب فيه وتحير، فتقول فيه: يَشُكُّ بالضم، تقول: لا أَشُكُّ في كذا، (لا شك الفريصةَ): أنفذها (فمعدى)، أما (شك الفريصة): وهي ما يكون تحت الإبط من اللحم هذه يسمى: الفريصة، و(شَكَّهَا بالرمح)، معناه: طعنها حتى أنفذها، ومثله: ما يفعله الأُبَيْطِر وهو: مداوي الحيوان إذا كان الجمل يشكو من تقطع العضلات، فإنه يطعن في هذه الفريصة حتى تشتد؛ ولذلك قال النابغة الذبياني:

    شكَّ الفريصة بالمِدْرى فأنفذها طعن المُبَيْطر إذ يشفي من العضد

    نعم، يصف هذا الثور - ثور الوحش- عندما انطلق، وخرجت الكلاب تشتد في أثره، فلما علم أنها لا بد أن تدركه رجع عليها فطعنها بقرونه، (شك الفريصة) معناه: طعنها، (بالمدرى): بقرنه، (فأنفذها): خرج منها، (طعن المبيطر إذ يشفي من العضد): مثلما يفعل المبيطر وهو طبيب الحيوانات، البيطرة: هي علاج الحيوانات، (طعن المبيطر إذ يشفي من العضد)، والعضد: هو تقطع العضلات، فهذه (شك الفريصة) معداة، فمضارعها بالضم على القياس، فلا تدخل معنا هنا.

    كذلك (أبَّ) بمعنى: تهيأ للسفر، تقول فيها: (أَبَّ، يَؤُبُّ) بالضم الشاذ؛ لأنها لازمة، ومنه قول الشاعر:

    صرمتم ولم أصرمكم وكصارم أخ قد طوى كشحاً وأب ليذهبا

    (صَرَمتُم) معناها: قطعتم وصالي، (ولم أصرمكمُ) معناه: ولم أقطعكم، (وكصارم أخ قد طوى كَشْحاً وأَبَّ ليذهبا): أنتم وإن كنتم لم تصرموا بالكلية، لكنه بمثابة الصارم مَن طوى كشحاً، فأعرض بجانبه، و(أَبَّ) معناه: تهيأ ليذهب، وكذلك (شَدَّ)؛ أي: عدى، (شد الرجل): خرج يشتد، معناه: أسرع في عدوه، فهذه (فَعَلَ) بالفتح مضاعف لازم، مضارعه قياسه الكسر، ولم يسمع، وإنما سمع فيه الضم الشاذ، ومنه قول الشاعر:

    إذا جاهدته الشد جد وإن ونت تساقَطَ لا وانٍ ولا متخاذل

    يقول: إذا نازعته الشد جد، هو يصف حمارَ وحش مع أُتُن له، يقول: إذا نازعته الشد: الجري (جَدَّ) في سيره، (وإن وَنَتْ): تعبت من الإسراع، (تساقط) معناه: نقص إسراعه بالتدريج، (لا وان ولا متخاذل): لا هو متعب، ولا يخونه شيء من قواه.

    كذلك من هذه الأفعال: (شَقَّ) عليه الأمرُ شَقاً ويُكسر، شق عليه يشق بالضم الشاذ، (شَقاً): هذا المصدر بالفتح، ويكسر، يقال: شِقاً أيضاً، ومشقةً مصدر آخر، أو بالفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم، قالت طائفة من أهل العلم: شَقاً: هي المصدر، وشقاً: اسم مصدر، فالمصدر بالفتح، واسم المصدر بالكسر، هذا قول لبعضهم.

    وكذلك (خَشَّ) و(غَلَّ) بمعنى: دخل، (خَشَّ في الشيء) و(غل فيه) بمعنى: دخله، فكلتاهما (فَعَل) بالفتح مضاعف لازم، مضارعه قياسه الكسر ولم يسمع فيه، وإنما سمع فيه الضم الشاذ، فقوله: (أي دخلا) تفسير لهما؛ أي: لـ(خَشَّ وغَلَّ)، فتقول فيهما: (يَخُشُّ) و(يَغُلُّ)، نعم، (لا غَلَّ المتاع غُلولاً): سرقه، فمعدى، (لا غل المتاع): هذه مضاعفة، ولكنه متعد، فقياسه بالضم؛ ولذلك قرئ: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161]، قرئت (أن يُغَلَّ)، وقرئت (أن يَغُلَّ)، وكلتاهما سبعية.

    وقش قومٌ عليه الليل جن ورشش المزن طش وثل أصله ثللا

    و(قَشَّ قوم)، كذلك من هذه الأفعال التي هي من (فَعَل) بالفتح المضاعف اللازم الذي قياسه الكسر، ولم يسمع فيه، إنما سمع فيه الضم الشاذ: (قَشَّ قوم، قشوشاً) معناه: حسنت حالهم بعد بؤس، و(قش الرجلُ في الأكل) معناه: لم يتأدب بأدب الأكل، فأكل من هاهنا وهاهنا، فتقول فيه: (يَقُشُّ بالضم)، وتقول: (هم يقشون).

    (عليه الليل جن)، كذلك جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام:76] بمعنى: أظلم، تقول فيه: (يَجُنُّ) بالضم الشاذ.

    وكذلك (رَشَّ المُزْنُ) معناه: أمطر ضعيفاً، (كأَرَشَّ)؛ أي: فيها (أفعل) أيضاً، فتقول فيها: (يَرُشُّ) بالضم الشاذ.

    وكذلك (طَشَّ المزنُ) أيضاً، معناه: أمطر خفيفاً، فتقول فيها: (يَطُشُّ) بالضم، وفي القاموس أنه بوجهين، في القاموس أن: (طَشَّ، يَطُشُّ ويَطِشُّ) (يَطِشُّ)، على القياس، و(يَطُشُّ) على الشذوذ؛ وعلى هذا تكون من القسم الذي سيأتي.

    أي راث طل دمٌ خبّ الحصان ونبتٌ كم نخلٌ وعست ناقة بخلا

    و(ثَلَّ أصله ثللا أي راث)، كذلك (ثَلَّ الحصان أو الحمار) بمعنى: راث، فتقول فيه: (ثَلَّ يَثُلُّ)، وقال: هو أصله (ثَلَلَ) ينبهك على أنه وزن (فَعَل) بالفتح؛ لأن هذا من الأعراض، فأول ما تفهم إذا سمعت (ثَلَّ) أنه على وزن (فَعِلَ)، لكن أجابك عن ذلك بقوله: (أصله ثَلَلا؛ أي: راث) هذا تفسيره، (ثَلَّ) أصله: ثَلَلا، (ثَلَلا): فعل ماض، لكن مدغم، يجب إدغامه لتماثل الحرفين، لكن نبهك فقط على أنه من المفتوح لا من المكسور؛ لأن (ثَلَّ) لا يتبين هل هي: من المفتوح أو من المكسور، هل هي: ثَلِلَ أو ثَلَلَ؟ فَكَّ الإدغام لينبهك على أنها على وزن (فَعَلَ) بالفتح، وليست على وزن (فَعِلَ) بالكسر، قال: (أصله ثللا).

    (أي راث): هذا تفسير، (لا ثَلَّ التراب): صبه، فهذا من المتعدي، وقياسه بالضم.

    (طل دمٌ) بمعنى: بطل، لم يؤخذ فيه بقصاص ولا دية، فتقول: (طَلَّ الدمُ يَطُلُّ) بالضم الشاذ، وقياسه الكسر، والأكثر بناؤه للمجهول، الأكثر في الاستعمال أن يقال: (طُلَّ الدَّمُ)؛ ولذلك قال ابن المرحل:

    ودم زيد طُلَّ أي لم يقتل قاتلُه ولا أودي بجمل

    (ودم زيد): مجهول، فهو مطلول.

    (خب الحصان ونبت): كذلك من هذه الأفعال التي هي على وزن فعل بالفتح، مضاعف لازم، مضارعه أصله الكسر، ولم يسمع، وإنما سمع فيه الضم الشاذ، (خَبَّ الحصان) و(خب النبت) بمعنى: أسرع، وإسراع كل بحسبه، فإسراع الحصان: عدوه، وإسراع النبات: سرعة تناميه وطوله، (لا بمعنى خدع): فقد تقدم، أما (خَبَّ فلان) بمعنى: خدع، فهي (فَعِلَ) بالكسر، وقد سبقت، نعم، يذكرها الحسن هنا، (خَبَّ الحصان ونبت) معنى ذلك: أسرع، مصدرها: خَبّاً، ثلاً أيضاً.

    (كَمَّ نخل): كذلك (كَمَّ النخل) بمعنى: أخرج أكمامه، أو: خرجت أكمامه، وهي: وعاء الطَّلْع، ما يكون فيه الطلع يسمى: أكماماً، والطلع: هو أول مرتبة من مراتب ثمرات النخل، ثمر النخل له سبع مراتب، يجمعها قولهم: (طاب زبرت)، فالطاء للطلع، والألف للإغريض، والباء للبُسْر، والزاي للزهو، والباء للبلح، والراء للرطب، والتاء للتمر، فإذا خرجت أكمام النخل يقال فيه: (كَمَّ)، فهو (فَعَلَ) بالفتح مضاعف لازم، مضارعه قياسه الكسر، ولم يسمع، وإنما سمع فيه الضم الشاذ، فتقول فيه: (يَكُمُّ): خرجت أكمامه، وهي جمع (كِمٍّ) بالكسر، وهو: وعاء الطلع، وأما الكُمُّ بالضم، فهو: مدخل اليد في الثوب، والذي في القاموس: (أَكَمَّ قميصَه): جعل له كُمَّيْن، والنخلة: أخرجت أكمامها، (كممت)، الذي في القاموس أنه جعلها على (أَفْعَلَ) ولم يجعلها من الثلاثي، قال فيها: (أَكَمَّ قميصه) معناه: جعل له كُمَّيْن، و(أَكَمَّت النخلة) معناه: أخرجت أكمامَها، (تكممت) معناها فيها (فَعَّل) أيضاً، ولم يذكر الثلاثي، لكن من حفظ حجة على من لم يحفظ.

    (وعَسَّت ناقة بخلا): كذلك من هذه الأفعال (عَسَّتِ الناقة بخلا من الأرض): إذا رعت وحدها؛ ولذلك قال: (بَخِلا)؛ أي: ليس معها غيرها، فتقول فيها: (تَعُسُّ) بالضم الشاذ، وحصل للحضرمي هنا ما حصل له من قبل، حيث أكمل ابن مالك نظم هذه الأفعال في وسط بيت فقال: (قست كذا).

    ثم انتقل إلى ما فيه وجهان، فقال: (وعِ وجهي صد): فلم يستطع الحضرمي أن يدخل هذه الأبيات الثلاثة التي نظم بها زيادات على ابن مالك في وسط البيت، فأتى بها هنا في أثناء الكلام، فقال:

    ومع ثمانية عشر كمت به يمت ثجّ وسجّ أحّ أي سعلا

    (ومع ثمانية عشر): هذا عطف على قوله في الماضي: (واضممن مع اللزوم في امرر به وجل مثل جلا)، (واضممن مع اللزوم): أيضاً في ثمانية مع عشر، نعم، ثمانية عشر فعلاً، ومع ثمانية عشر، معناه: (واضممن مع اللزوم في عشر مع ثمانية): هذا يسمى: فصل العاطف بالجار والمجرور، نعم، معناه: وَعَشْر مع ثمانية، بالجر عطف على (امرر)؛ لأنه قال: (واضممن مع اللزوم في امرر به وفي عشر مع ثمانية): فَفَصَل العاطفَ بالظرف، فصل العاطف، وهو الواو والمعطوف بالظرف، وهو قوله: (مع ثمانية)، معناه: واضممن مع اللزوم في عشر مع ثمانية، وهي هذه الأفعال التي ذكرها في الأبيات الثلاثة، أولها: (مَتَّ به) بمعنى: توسل، فهي (فَعَلَ) بالفتح مضاعف لازم، مضارعه قياسه الكسر، ولم يسمع، وإنما سمع فيه الضم الشاذ، فتقول فيه: (يَمُتُّ)، ومنه قول الشاعر:

    يَمُتُّ بقربى الزينبين كليهما إليك وقُرْبى خالدٍ وسعيد

    (يَمُتُّ) معناه: يتقرب، (بقربى الزينبين): تثنية زينب، (كليهما) معناه: كلتيهما، (إليك وقربى خالد وسعيد): وكذلك ثَجَّ الماء ثَجًّا هي المصدر، فهو ثَجَّاج وثَجِيجُ، ومنه قول الشاعر:

    سقى أمَّ عمرو كل آخر ليلة حَنَاتِمُ سود ماؤهن ثَجيجُ

    والبيت من شعر الهذليين، قصيدة صخر الغي الجيمية المشهورة، (سقى أم عمرو كل آخر ليلة حناتم سود)، هن: المزن السوداء كل آخر ليلة، (حناتم سود ماؤهن ثجيج)؛ أي: كثير الثج، وكذلك (سَجَّ) بطنه، معناه: رقَّ الخارج منه، فتقول فيه: (يَسُجُّ) بالضم.

    وكذلك (أَحَّ) بمعنى: سَعَلَ؛ ولذلك شرحه بقوله: (أي سَعَلا)، فتقول فيه: (يَؤُحُّ) بالضم الشاذ، كـ(أحَّ) فتقول: أَحَّ فلان، وأحَّى فلان، (أحَّ) أصله: أحَّحَ، ولكنه عندما اجتمع فيه ثلاثةُ أمثال - وهي الحاء ثلاث مرات- قلبت الحاء الثالثة ياءً، وهذه القاعدة مطردة.

    لذلك قال ابن مالك في الكافية:

    وثالثَ الأمثال أبدلن بيا نحو تظن خالداً تظنَّى

    قال المختار بن بونة في زيادة الألفية في الاحمرار: وثالث الأمثال ياءً أبدلا، فأبْدِل ياءً هنا، فتقول: (تظَنَّى) بمعنى: تظننن، و(أَحَّ) بمعنى: أححح.

    سخت وأد وحد عر حص ولط طت ناقة كف شق طرفه فعلا

    كذلك من هذه الأفعال (سَخَّت الجرادة بذنبها) معناه: غرزته لتبيض، فتقول فيها: (تَسُخُّ) بالضم.

    وكذلك (أَدَّ البعير) بمعنى: ردد الحنين في جوفه، فتقول فيه: (يَؤُدُّ) بالضم الشاذ، وكذلك (حَدَّ عليه) بمعنى: غضب حَداً وحِدَّةً، فتقول فيه: (يَحُدُّ) بالضم الشاذ؛ لأنها (فَعَلَ) بالفتح مضاعف لازم قياسه الكسر، (لا حَدَّه بمعنى: منعه، فمعدى) هذه على القياس، ضمها مقيس؛ لأنها متعدية، (ولا حَدَّت المرأة، بمعنى: اعْتَدَّت فسيأتي): هذا سنذكره هنا في وجهين.

    وكذلك (عَرَّ الظليم عُرَاراً) معناه: صَاحَ، فتقول فيه: (يَعُرُّ) بالضم.

    قال: (لا حده بمعنى: منعه، فمعدى، ولا حدت المرأة فسيأتي): الحضرمي ما ذكره بالنص، لكن الحسن احترز منه فقط في الشرح.

    وكذلك (عَرَّ الظليم) بمعنى: صاح، فتقول فيه: (يَعُرُّ) بالضم الشاذ.

    (لا الإبل فسيأتي): لا عرت الإبل، بمعنى: تقوبت، نبت بجلدها القوباء، فهذه ستأتي إن شاء الله كذلك في وجهين.

    كذلك (حَصَّ الحمار بذنبه)، (حَصَّ الحمار حُصَاصاً بالضم) فتقول فيه: (يَحُصُّ) بالضم الشاذ، وفسره بهذه الأفعال المتتالية، (ضرط، وضم أذنيه، وعدا، ومَصَعَ بذنبه)، كل هذه تفسير لـ(حَصَّ الحمار).

    وكذلك (لطَّتِ الناقة بذنبها) معناه: ألصَقَته بين فخذيها؛ لئلا يمسك به، فتقول فيه: (تَلُطُّ) بالضم الشاذ، ومنه قول الربيع بن أبي الحقيق النضري، وهو من بني النضير من اليهود، وكان زوجاً لـصفية بنت حيي رضي الله عنها أم المؤمنين، وهو شاعر مشهور، وهو أخو أبي رافع بن أبي الحقيق التاجر الذي اغتاله الأنصار، الربيع هذا يقول:

    إنا إذا مالت دواعي الهوى وأنصت السامع للقائل

    واصطرع القوم بألبابهم نقضي بحكم عادل فاصل

    لا نجعل الباطل حقاً ولا نَلُطُّ دون الحق بالباطل

    نخاف أن تَسْفَهَ أحلامنا فنخْمُلُ الدهر مع الخامل

    هنا قال: (ولا نلط دون الحق بالباطل): فجاء به بالضم.

    (كَفَّ): كذلك (كَفَّ بصرُه) بمعنى: عَمِيَ، فتقول فيه: (يَكُفُّ) بالضم، (وفيه كُفَّ بالضم) معناه: فيه البناء للمجهول، فهو مكفوف، وهو كفيف أيضاً، ومنه قول الشاعر:

    عجبت عَمْرَة من نعتي لها هل يجيد النعت مكفوف البصر

    هو مكفوف، ولكنه كان ذكياً جداً، فينعت الشيء ويصفه كما هو، فقد وصف هذه المرأة فأبلغ في وصفها، فتعجبت من ذلك، فنظم هو تعجبها، فقال:

    عجبت عمرة من نعتي لها هل يجيد النعت مكفوف البصر؟

    وهذا ما حصل لـبشار بن برد مع الخليفة عندما دخل على إحدى جواريه وهي تغتسل، فرأى منظراً وأراد أن ينظمه، فقال: أبصرت عيني لحَيْني أو لحِيني، ولم يكمل، فقال لـبشار: أجِز، دخل عليه مجموعة من الشعراء، فقال: أجز، فقال: منظراً وافق شيني، وأكمل الأبيات، حتى كأنه كان معه، فقال: قاتلك الله ما أنت إلا ساحر، يعني: وافق شيئاً لا يحصل، حيث قال:

    سترته إذ رأتني تحت طي العكنتين

    فبدت منه فضول سترتها باليدين

    إلى آخر الأبيات، لكن المهم أنه كأنه يصف المشهد تماماً، فقال: ما أنت إلا ساحر، كأنه ساحر.

    لذلك قال الفرزدق عندما رأى الشيب قد بدا في عنفقته سترها، وقال: لكأني بابن المراغة يقول: في عنفقة الفرزدق حين شاب، فجاءته قصيدة من جرير فيها نفس البيت.

    (شَقَّ طرفُه فعلا): (شق طرفه) معناه: نظر إلى روحه عندما تُنزع منه، (شق البصر) معناه: إذا تبع الروح عند نزعها، (فَعَلا) معناه: ارتفع نحو روحه، فتقول فيه: (يَشُقُّ) بالضم؛ أي: نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه، وفيه تكرار، الحسن هنا لاحظ على الحضرمي أنه أتى بـ (شَقَّ)، وعدها من الثمانية عشر التي أضافها على ابن مالك، مع أن ابن مالك ذكر من قبل، قال:

    وألَّ لمعاً وصرخاً شك أب وشد أي عدا شق

    فـ(شَقَّ) تشمل (شَقَّ عليه الأمر)، وتشمل (شَقَّ بصره)، فكان اللازم أن يشرحها الحضرمي بالأمرين، وأن يضيف (شَقَّ) مرةً أخرى كأنه أضاف إضافةً على ابن مالك، و ابن مالك لم يتعين في لفظه أنه قصد واحدةً منهما، قيدها الحضرمي هنا، لكن ابن مالك ما قيدها من قبل، ابن مالك قال:

    أي عدا شق خش غل أي دخلا

    وبقّ فكّ وعكّ اليوم غمّ وأم مت أمُّنا حنّ عنه معرضاً كملا

    و(بق)، كذلك من هذه الأفعال التي أضافها الحضرمي على ابن مالك: (بَقَّ)، بمعنى: كثر كلامه، بَقًّا وبُقَاقاً بالضم، معناه: أكثر الكلام، ومنه قول الشاعر:

    وقد أقود بالدوى المزمل أخرس في السفر بقاق المنزل

    (أخرس في السفر): إذا كان في وقت السفر يكون كالأخرس لا يتكلم، وإذا نزلوا أكثر الكلام جداً بقاق المنزل.

    تقول فيه: (يَبُقُّ) بالضم، وكذلك (فَكَّ الشيخ) بمعنى: هَرِمَ، فتقول فيه: (يَفُكُّ) بالضم، معناه: ذهب عقلُه من الهَرم، (لا بمعنى خلص، فمعدىً): لا فَكَّ العقدة أو فك الأسير، بمعنى: خلصه، فهذه من المُعَدَّى، ومضارعها بالضم على القياس، (ولا حمق، فقد مضى): ولا فك بمعنى: حَمُقَ، فهي (فَعُلَ) بالضم، وقد ذكرناها في قوله: (تضعيف ثان).

    و(عَكَّ اليومُ): كذلك من هذه الأفعال: (عَكَّ اليومُ عَكًّا) معناه: اشتد حره، فهو عَكٌّ، الوصف منها: (عَكٌّ، يَعُكُّ)، بالضم الشاذ، ومنه: ذهب العِكَاك بالكسر، يقصد من هذا المثل المشهور:

    إذا طلع السِّمَاك، ذهب العِكَاك، وقَلَّ على الماء اللِّكاك، وكثر في النوام نهاراً الضُّنَاك.

    الضناك: الزكام، (إذا طلع السماك): السماك يطلع في آخر الليل في وقت البرد، (إذا طلع السِّماك): يطلع في الأيام القابل، نعم ذنبه في برد، يقال: (إذا طلع السماك، ذهب العكاك)؛ أي: ذهب الحر، (وقل على الماء اللكاك)، (اللكاك): الازدحام، قل ازدحام أهل المواشي على المياه؛ لأنها تصبر عنه (وكثر في النوُّام نهاراً الضناك): كثر في الذين ينامون نهاراً الزكام، وهو كـ(غَمَّ)، (غم النهار) أيضاً تفسير لـ (عَكَّ)، (عَكَّ اليوم): غم.

    (وأَمَّت أُمُّنَا): (غَمَّ اليوم، يغُمُّ): (فَعَلَ) بالفتح مضاعف لازم، مضارعه قياسه الكسر، ولم يسمع، وإنما سمع فيه الضم الشاذ، فهو مثال آخر، ومعناهما واحد، و(أَمَّتِ المرأة) معناه: أصبحت أماً، (أَمَّت أمنا) معناه: صارت أماً، فتقول فيها: تَؤُمُّ بالضم الشاذ.

    (حَنَّ عنه مُعْرِضاً): حَنَّ عنه، معناه: أعرض؛ ولذا أكده بقوله: معرضاً، فتقول فيه: (يَحُنُّ) بالضم، بخلاف (حَنَّ إليه) بمعنى: اشتاق، فهذه هي التي سبقت في مثال ابن مالك قوله: (حَنَّ طَلا)، كمل ما ذكره الحضرمي من المضاعف اللازم الشاذ بالضم.

    قسّت كذا وع وجهي صدّ أتّ وخرر الصلد حدت وثرّت جدّ من عملا

    (قَسَّتْ كذا)، يقول ابن مالك: قَسَّتْ كذا، معناه: من هذه الأفعال: (قَسَّتْ)، فهي كـ(عَسَّتْ) وزناً ومعنىً، فهذا البيت متصل بقوله: (وعَسَّتْ ناقة بِخَلا قَسَّتْ كذا)؛ أي: كـ(عَسَّتْ) وزناً ومعنىً، فهي مثلها، كلتاهما (فَعَلَ) بالفتح مضاعف لازم، قياس مصدره الكسر، ولم يسمع، وإنما سمع فيه الضم الشاذ، فتقول فيه: (تَقُسُّ).

    1.   

    الأفعال التي فيها الكسر القياسي والضم الشاذ من صيغة فَعَل

    ذكرنا من قبل أن التضعيف مع اللزوم جالب لكسر عين المضارع من (فَعَلَ) بالفتح، وذكرنا أنه قد شذّ منه ستة وأربعون فِعْلاً بالضم فقط، وهذه هي خمسة وعشرون فعلاً، فيها الكسر القياسي، وفيها الضم الشاذ، بدأها بقوله: (وعِ وجهي صد)، (وعِ) معناه: واحفظ، (وجْهَي)؛ أي: الكسر المقيس، والضم الشاذ، وهما وجهان في المضارع، كلاهما مروي في هذه الأفعال، (صَدَّ): هذا الأول من هذه الأفعال (صَدَّ عنه صُدُوداً) بمعنى: أعرض، ومنه قول الله تعالى: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء:61].

    و(صَدَّ منه) معناه: ضجر، ومنه قول الله تعالى: إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف:57]، وقد قرئت في السبع بالوجهين: (يصُدون)، و (يصِدون)، (يصدون) بالكسر قراءة الكوفيين، و(يصدُّون) قراءة نافع و ابن كثير و ابن عامر .

    (لا كمنع فمعدى): لا صَدَّه يَصُدُّه، (صده عن كذا، يَصُدُّه عنه): فهذه من المعدى الآتي على القياس، فلا تدخل معنا في هذا الباب؛ لأننا نتكلم في المضاعف اللازم، ومن هذه قول الله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:37]، (يصدونهم): هذه معداة، فلا تدخل معنا هنا، إنما تدخل معنا: (صد عنه، أو صد منه).

    وكذلك (أَثَّ الشعر) معناه: كَثُرَ، فهو أثِيث، هذا الوصف منها، ومنه قول امرئ القيس:

    أثِيث كقِنْو النخلة المتعثكل

    فالأثيث معناه: رأس الأثيث، بمعنى: الكثير الشعر، وكذلك هذه تقول فيها: (يَؤُثُّ) على الشذوذ، و(يَئِثُّ) على القياس.

    (خَرَّ الصَّلْدُ) أو الإنسان، ونحو ذلك، بمعنى: سَقَطَ، فتقول فيه: (خَرَّ، يَخِرُّ ويَخُرُّ)، والكسر أفصح؛ ولذلك أجمع عليه القراء في قول الله تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:109]، (يَخِرُّون): فلم تقرأ بالضم، فـ(خَرَّ) أيضاً مضاعف لازم، مضارعه فيه الوجهان: الكسر المقيس، والضم الشاذ، والكسر أفصح، وبه القراءة، (خَرَّ) بمعنى: سقط من عُلو، ومنه قول الله تعالى: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14]، أما خر، (فلما خَرَّ) معناه: لما سقط، قد كان سليمان يطيل القيام جداً.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042119711

    عدد مرات الحفظ

    731313748