إسلام ويب

من خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلمللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا منة علينا لأحد -بعد الله- مثل ما لهذا النبي الكريم، إذ هدانا الله به إلى الصراط المستقيم، ووقانا من حر نار الجحيم، وقد خصه الله بخصائص عظيمة، ومناقب كبيرة، منها أنه صاحب المقام المحمود الذي يحمده عليه جميع الخلائق حتى الأنبياء.

    1.   

    الشفاعة في الآخرة

    قال الشيخ:

    كذا من الذي اصطفي به الشفاعة لأهل الموقف

    قد اصطفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف بعدة أمور عمن سواه، منها الشفاعة العظمى، وقد جاء فيها عدد من الأحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (أوتيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي)، وفي الحديث الآخر: (وأوتيت ستاً لم يعطهن نبي قبلي)، فذكر منهن:

    أنه كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث إلى الناس عامة.

    وأنه جعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل.

    وأنه أحلت له الغنائم ولم تكن مباحة لمن سبقه.

    ومنها الحوض المشهود الذي يرده الناس، فهو مختص به صلى الله عليه وسلم.

    ومنها الشفاعة الكبرى، فهي من خصائصه صلى الله عليه وسلم.

    فهذه بعض الميزات التي اختص الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أعظمها الشفاعة.

    قال: (كذا) معناه: مثل ما سبق من اختصاصه بعموم الرسالة المترتب على أن معجزته الوحي الذي أوحاه الله إليه؛ كذلك مما (اصطفي به) أي: شرف به على غيره من الرسل؛ (الشفاعة)، والشفاعة مصدر شفع يشفع إذا طلب الإذن أو الصفح عن غيره، أو قضاء حاجة، فهذا هو الذي يسمى شفاعة.

    والشفاعة تزاد بها منزلة صاحبها؛ لأنها وجاهة له ومنزلة، ويزاد بها أجره أيضاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء)، وقال: (إني لأرجئ الأمر وأنا أريد أن أفعله رجاء أن يشفع فيه أحدكم)، فهذا مما يزيد منزلة الشخص.

    والشفاعة عند الله سبحانه وتعالى يشترط لها -بالإضافة إلى وجاهة الشافع- الرضا عن المشفوع له، فمن ليس مرضياً عند الله لا يمكن أن يشفع له أحد، لذلك قال الله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ[الأنبياء:28] ، وكما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ[البقرة:255] ، فلا يشفع عنده إلا لمن أذن في الشفاعة له.

    والشفاعات ثمانية أقسام اختص الله رسوله صلى الله عليه وسلم بثلاث منها هي:

    1- الشفاعة العظمى.

    2- والشفاعة الصغرى.

    3- والشفاعة الوسطى.

    وهذه الثلاث من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.

    الشفاعة العظمى

    الشفاعة العظمى هي: الشفاعة في أهل المحشر جميعاً بعد أن يطول بهم الموقف، وهذه الشفاعة صح بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد من الأحاديث، منها قوله: (إن الناس إذا جمعوا في الساهرة يلجمهم العرق إلجاماً، وتدنو الشمس حتى تكون كالميل، ويطول بهم الموقف، فيذهبون إلى العلماء فيقولون: كنا نرجع إليكم في أمورنا في الدنيا، فيقولون: ليس اليوم لنا إنما هو للأنبياء، فيذهبون إلى آدم فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيمينه، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول آدم: نفسي نفسي، ربي! لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد عصيت الله وأكلت من الشجرة، ولكن اذهبوا إلى نوح.

    فيأتونه فيقولون: يا نوح! أنت أبو البشر بعد آدم فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار -وفي رواية أنهم يقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض- فيقول: نفسي نفسي، ربي! لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني سألت الله ما لم يأذن لي به, ولكن اذهبوا إلى إبراهيم.

    فيأتونه فيقولون: يا إبراهيم! قد اصطفاك الله لخلته، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول: نفسي نفسي، ربي! لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كذبت ثلاث كذبات، ولكن اذهبوا إلى موسى.

    فيأتونه فيقولون: يا موسى! قد اصطفاك الله برسالاته وبكلامه فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول موسى: نفسي نفسي، ربي! لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم يؤذن لي بقتلها، ولكن اذهبوا إلى عيسى.

    فيأتونه فيقولون: يا عيسى! أنت روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول عيسى: نفسي نفسي، ربي! لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني عبدت من دون الله -لا يجد شيئاً يذكره إلا هذا- ولكن اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

    فيأتونه فيقولون: يا محمد! أنت خاتم الرسل، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول محمد صلى الله عليه وسلم: أنا لها، فيخر ساجداً تحت العرش، ويلهمه الله ثناء عليه لم يلهمه أحداً قبله، فيناديه: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعط. فيشفع للناس، فيخرجون من هول الموقف).

    وهذه هي الشفاعة الكبرى التي تشمل آدم ومن دونه، فكل الخلائق يدخلون فيها.

    الشفاعة الصغرى

    الشفاعة الثانية: الشفاعة الصغرى، وهي أخص الشفاعة، وهي الشفاعة لرجل من أهل النار قد أوجب، فيشفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخفيف العذاب عنه، فيقف على ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، وفي رواية (تجعل جمرتان تحت أخمصيه يغلي منهما دماغه)، والراجح أنه أبو طالب ، لا يمسه شيء من عذاب النار إلا جمرتان تحت أخمصيه يغلي منهما دماغه، وهذا بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولا تحل الشفاعة لأي كافر سواه، وهذه من خصائصه لأن الله قال لإبراهيم عليه السلام: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ[التوبة:114] ، وأخبرنا أنه جعل لنا أسوة حسنة في إبراهيم إلا قول إبراهيم لأبيه: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ[الممتحنة:4] ، هذا ليس لنا أسوة فيه.

    الشفاعة الوسطى

    الشفاعة الثالثة: الشفاعة الوسطى: وهي الشفاعة في دخول الجنة، وهي أيضاً من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أول من يحرك حلقة الباب، فيشفع لأهل الجنة في دخول الجنة بعد مجاوزة الصراط.

    فهذه ثلاث شفاعات مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ذكر أنواع الشفاعة الأخرى

    بعد هذه الشفاعات تأتي شفاعة مختصة برب العالمين، وهي أنه إذا انتهت شفاعة الشافعين، ومكث أهل النار فيها ما مكثوا، فإن الله تعالى يقول: انتهت شفاعات الشافعين، وبقيت شفاعة أرحم الراحمين، فيؤمر بأقوام قد اسودوا وامتحشوا فيخرجون من النار، وهؤلاء هم الذين قالوا: لا إله إلا الله، ثم الذين في قلوبهم مثقال ذرة من إيمان، أو الذين في قلوبهم مثقال خردلة من إيمان... إلى آخره، وهؤلاء يتفاوتون بحسب ذلك، فأول من يأمر الله بإخراجهم من النار بعد نهاية شفاعة الشافعين من قال: لا إله إلا الله، ثم بعد ذلك من كان في قلبه شيء من إيمان، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ثم مثقال ذرة من إيمان، وهكذا.

    وهذه الشفاعات ليست التي فيها الحثيات، بل هؤلاء يخرجون من النار بشفاعة أرحم الراحمين.

    ثم بعد هذه تأتي الشفاعات الأخرى ومنها:

    الشفاعة الخامسة: الشفاعة في إخراج المذنبين من الموحدين من النار، فإن أهل التوحيد من كل الأمم يدخلون النار بمعصيتهم، ويخرجون منها بإيمانهم، من شاء الله له منهم ذلك، ومن شاء الله عفا عنه ولم يعذبه أصلاً، ومن شاء عذبه في البرزخ عذاب القبر ويذهب عنه به عذاب النار؛ لأن عذاب القبر من مكفرات الذنوب، ومن شاء عذبه بناره لكنه لا يخلد فيها، فمن كان من أهل الإيمان لا يخلد في النار، وهؤلاء يخرجون منها بالشفاعات، شفاعة الرسل والأنبياء والصالحين والملائكة، فهذه الشفاعة عامة شاملة من ناحية الشافع، خاصة من ناحية المشفوع، فهي مختصة بالذين في النار من أهل الإيمان.

    ثم الشفاعة السادسة: وهي الشفاعة في الحقوق، فإن بعض الناس يأتي وله حقوق على غيره، فيجازيهم الله عنها بالشفاعة، ويقول: (يا عبدي! لك على فلان كذا وكذا، أيرضيك أن أعطيك كذا فتسامحه؟).

    ثم بعد هذا الشفاعة السابعة: وهي الشفاعة في تخفيف العذاب عن بعض المجرمين من المؤمنين، وهؤلاء لا يصلون إلى درجة الخروج من النار، ولكنهم يخفف عنهم العذاب بشفاعة الشافعين كنقص المدة ونقص أنواع العقاب، نسأل الله السلامة والعافية!

    ثم الشفاعة الأخيرة: الشفاعة لأهل الجنة في إعلاء منزلة بعضهم، وجمعه بأهله وأقاربه، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ[الطور:21] ، وفي القراءة الأخرى (ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء).

    فهؤلاء تلحق بهم ذرياتهم، وتجمع معهم، والذرية تطلق على الآباء والأبناء، فمن إطلاقها على الآباء قول الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ[يس:41] ، فذريتهم التي حملت في الفلك المشحون معناها: آباؤهم الذين حملوا مع نوح.

    وإطلاقها على العقب مثل قوله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ ...[الأنعام:84] ، الآية.

    فهذه هي الشفاعات الأخروية.

    الكلام على الشفاعة في الدنيا

    الشفاعة في الدنيا هي الشفاعة عند الله تعالى في الوصول إلى الحقوق؛ وهي باستجابة الدعاء، وهذا لكل الرسل وللصالحين من عباد الله تعالى، وللملائكة المقربين فإنهم يشفعون للمؤمنين، وقد جاءت في ذلك آيتان إحداهما مطلقة والأخرى مقيدة.

    فالمطلقة قول الله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ[الشورى:5].

    والمقيدة في قوله تعالى في سور المؤمن: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[غافر:7-9].

    فدعاء الملائكة لأهل الأرض مختص بالذين آمنوا واتبعوا.

    كذلك الشفاعة بالدعاء للمطر ونحو ذلك، وقد كان الناس يلجئون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، فيدعو لهم فينزل المطر، ولذلك سره صلى الله عليه وسلم حين أتاه رجل وهو على المنبر كما في حديث أنس فقال: يا رسول الله! هلكت البهائم وانقطعت السبل، فادع الله لنا أن يسقينا، فاستسقى وما في السماء قزعة فرأوا غمامة من قبل سلع، وجاء المطر واستمر أسبوعاً ثم جاء الرجل وهو على المنبر في الجمعة الأخرى يستصحي، فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (من يحفظ قول أبي طالب؟) فأنشده أبو بكر رضي الله عنه قول أبي طالب :

    وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

    يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل

    ومن هذا النوع استسقاء عمر بدعاء العباس ، كما أخرج البخاري ذلك تعليقاً في الصحيح، فهذا الاستشفاع بدعاء الناس في الدنيا من قبيل الشفاعة؛ لكن من قبيل الشفاعة الدنيوية فقط، وإنما يختار له من يدعو ممن يظن به الخير ممن يعرف بذلك، ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب إذا أتاه أويس القرني أن يسأله أن يستغفر له.

    والشفاعة العامة هي أعظم الشفاعات، وهي المقام المحمود الذي وعد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا[الإسراء:79] ، المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون هو مقام الشفاعة، وهي المنزلة الرفيعة التي ادخرها الله لعبد عنده، وقد رجا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون هو، فحقق الله له ذلك، وهذه الشفاعة هي مقصود الشيخ في قوله:

    كذا من الذي اصطفي به الشفاعة لأهل الموقف

    وأهل الموقف هم أهل المحشر، وسمي موقفاً لوقوف الناس أجمعين؛ لأن الناس حينئذ يقومون لرب العالمين، ولا يجلس أحد منهم من هول الموقف، ويطول بهم الوقوف حتى يذهب عرقهم في الأرض كثيراً، وحتى يلجمهم العرق ويتفاوت الناس في ذلك بحسب أعمالهم، منهم من يصل العرق إلى ثدييه، ومنهم من يصل إلى ترقوتيه، ومنهم من يلجمه إلجاماً.

    1.   

    وجوب الإيمان بالسنة والعمل بها

    فآمنوا به وما أتى به فاقفوا وإن لم يأت في كتابه

    أي: فآمنوا به صلى الله عليه وسلم، فإن الإيمان به هو شهادة أن محمداً رسول الله، وهو مكمل لشهادة أن لا إله إلا الله، لا يمكن أن تقبل شهادة أن لا إله إلا الله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلا ممن شهد أن محمداً رسول الله، لذلك قال: (فآمنوا به).

    والله تعالى أمر بذلك في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ[النساء:136] .

    ما أتى في السنة فقد أمر القرآن باتباعه

    فآمنوا به وما أتى به فاقفوا وإن لم يأت في كتابه

    فمن تمام الإيمان به صلى الله عليه وسلم أن يصدق في كل ما أخبر به، وأن يطاع في كل ما أمر به، وألا يعبد الله إلا بما شرع، وهو ما بين النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قوله: (وما أتى به فاقفوا).

    أي: كل ما جاء به من عند الله تعالى فيجب اقتفاؤه أمراً كان أو نهياً، فالأمر اقتفاؤه بعمله، والنهي اقتفاؤه باجتنابه، ولهذا قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[الحشر:7].

    (وإن لم يأت في كتابه)، أي: في القرآن، (فإنه أوتي مثله معه)، وهذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة منها حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (.. يوشك أن يأتي رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله)، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه).

    فعلى هذا فإن كل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من التشريع سواء جاء في القرآن أو في السنة يجب اتباعه واقتفاؤه، ولذلك صح عن ابن مسعود أن امرأة أتته فقالت: (يا أبا عبد الرحمن سمعت أنك تلعنني، فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله، وكانت هذه المرأة واشمة تشم النساء، فقالت: لقد قرأت المصحف من الجلدة إلى الجلدة وما وجدت فيه ذلك، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما وجدت قول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[الحشر:7]، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن الواشمات والمستوشمات).

    علاقة السنة بالقرآن

    وعند قوله: (وإن لم يأت في كتابه) تأتي علاقة السنة بالقرآن، وقد ذكر العلماء ستة أوجه في علاقة السنة بالقرآن:

    الوجه الأول: أن تكون السنة مفسرة للقرآن، أي: شارحة له، وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حفصة : (ألا إن الورود العبور)، وذلك تفسير لقول الله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا[مريم:71] ، فبين أن الورود المقصود به العبور على الصراط.

    ومثل قوله: (المغضوب عليهم اليهود، والضالون النصارى).

    الوجه الثاني: أن تكون مخصصة لعام القرآن، وذلك مثل قول الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا[المائدة:38] ، فهذا عام؛ لأن (أل) في السارق حسية تشمل كل سارق، وكذلك السارقة، وقد خصص ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق النصاب، وبين أنه ليس فيما دون ثلاثة دراهم قطع، وأنه من أخذ بفيه غير متخذ خبنة فلا قطع عليه، فهذا كله تخصيص للعام.

    الوجه الثالث: أن تكون السنة مقيدة لمطلق القرآن، مثل قول الله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ[البقرة:196] ، فإن الله أطلق الصيام والصدقة والنسك، ولكن قيد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث كعب بن عجرة فقيد الصيام بثلاثة أيام، والإطعام بستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك بشاة.

    الوجه الرابع: أن تكون السنة ناسخة للقرآن، وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، كما في حديث عبادة بن الصامت .

    وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث).

    فالحديث الأول ناسخ لآية النساء وهي قول الله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا[النساء:15] , فبين ذلك السبيل السنة.

    والحديث الثاني ناسخ لقول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ[البقرة:180] .

    وهذه وإن كانت محل خلاف لكن الراجح أنها منسوخة بالسنة فقط وليست بالكتاب؛ لأن السنة هي التي بينت أنه لا وصية لوارث، أما الكتاب فليس فيه تصريح أنه لا وصية لوارث.

    الوجه الخامس: أن تكون السنة منسوخة بالكتاب، وذلك مثل صلاته صلى الله عليه وسلم سبعة عشر شهراً إلى الشام بالمدينة فنسخ ذلك بقوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ[البقرة:144] ، فنسخت السنة بالكتاب.

    الوجه السادس: أن تكون مضيفة حكماً ليس في الكتاب، وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (كل ذي مخلب من الطير فأكله حرام، وكل ذي ناب من السباع فأكله حرام).

    ومثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها).

    ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، فهذه إضافة أحكام ليست في القرآن، لكن الحكم الأخير وهو تحريم نشر الحرمة بالرضاع، أصله في القرآن وهو قوله تعالى: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ[النساء:23] ، لكن لم يذكر الخالات من الرضاعة ولا العمات من الرضاعة ونحو ذلك، وقد ذكر ذلك في هذا الحديث.

    أما الحديثان الأولان حديث النهي عن كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، وحديث النهي عن أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، فهذا قطعاً فيه إضافة حكم ليس في القرآن.

    معاني السنة لغة واصطلاحاً

    قال:

    فإنه أوتي مثله معه من حكمة وسنة متبعة

    بين أن ما أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم يسمى سنة ويسمى حكمة، والسنة في اللغة: الطريقة خيراً كانت أو شراً. فمن إطلاقها على طريقة الخير قول الله تعالى: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا[الإسراء:77] ، ومن إطلاقها على الشر قول الله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ[آل عمران:137] .

    وتطلق كذلك على الصميم من كل شيء كقول غيلان:

    تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب

    وتطلق على الطريقة في الجبل.

    واصطلاحاً: يختلف إطلاقها باختلاف العلم الذي هي فيه، ففي علم العقائد تطلق السنة على مقابل البدعة.

    وقد تطلق على ما يقابل الشيعة بالخصوص فيكون ذلك إطلاقاً جزئياً يقال: أهل السنة والشيعة، تكون هنا غير مقابلة لكل بدعة، بل مقابلة لبدعة الشيعة فقط.

    والسنة في اصطلاح أهل الحديث هي: ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، أو وصف خلقي أو خلقي، سواء صلح دليلاً لحكم شرعي أو لم يصلح.

    وعند الأصوليين هي: ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح دليلاً لحكم الشرع.

    وعند الفقهاء هي: صفة المأمور به أمراً غير جازم.

    وفي اصطلاح آخر لبعض الفقهاء أنها: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأظهره في ملأ وواظب عليه ودل الدليل على عدم وجوبه، وهذا عند الذين يفرقون بين السنة والندب.

    والسنة تسمى حكمة، والحكمة في الأصل جعل الشيء في موضعه، وتمام العقل وإتقان كل شيء، فهي من (أحكمه)، أي: أتقنه، والسنة تسمى حكمة، ولذلك عطفت على القرآن في عدد من الآيات كقول الله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ[الأحزاب:34] ، وكقوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ[آل عمران:164] ، وكقوله تعالى في سورة الجمعة: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ[الجمعة:2] .

    فالحكمة التي يعلمها والتي تتلى هي السنة، وهي بيان للقرآن، ولذلك قال: (من حكمة وسنة متبعه).

    قوله: (متبعة) هذا تقييد للسنة، وهو تقييد مهم؛ لأن العمل مهم في مجال الاستنان؛ لأن الحديث إذا روي قولاً دون عمل، أي: لم يعمل به الصحابة ولم يعرف تطبيقه فإنه لا يكون العمل به سنة، وكذلك السنة الفعلية إذا لم يصحبها عمل فذلك دليل على نسخها، وأبلغ دليل في هذا الباب أن كثيراً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لم تصل إلينا ولم تنقل، والكتب التي ذهبت ولم تنقل قد استغنت عنها الأمة بما نقل، فهو كاف، والله تعالى تعهد بحفظ الدين، والدين نصفه في السنة، فما بلغنا من السنن ونقلته الأمة وعملت به فهو الدين المحفوظ، وما سواه فهو الأمور الشاذة التي هي من المتشابهات التي لا ينبغي اتباعها.

    ولهذا حذر عدد من أئمة السلف من الذي يأخذ الغرائب ويتتبعها ويشذ عن جمهور الأمة ويخالفها، ولهذا فإن كثيراً من الشواذ يبحثون عن أي حديث فإذا وجدوه حتى لو لم يفهموا معناه أو كان محتملاً لعدة أوجه؛ حملوه على المعنى الشاذ الغريب وعملوا به، وأرادوا بذلك إظهار الفتنة والفوضى بين الناس، وهذا مخالف للمقصود الشرعي، ولذلك قال: (وسنة متبعة).

    وقد نص عدد من الأئمة على هذا الشرط، منهم ابن عون وهو من أئمة التابعين، و سفيان بن عيينة ، وكذلك الثوري وفي كلام الزهري تصريح بذلك حيث قال: آية محكمة أو سنة متبعة.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718663

    عدد مرات الحفظ

    759927738