إسلام ويب

أركان الإيمانللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أوجب الله عز وجل على عباده أركان الإيمان الظاهرة والباطنة، ولا يقبل من العبد الإسلام بدون العمل بالإيمان وأركانه كما بينها الله سبحانه وتعالى في كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته، فيجب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فتلازمه مع مراتب الدين الأخرى عظيم، وأثره كبير في قلب المؤمن وجوارحه وحياته كلها.

    1.   

    تعريف الإيمان

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين, وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين, وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن موضوعنا عن الإيمان الذي شرطه الله تعالى على عباده، وأرسل الرسل من أجله، فقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ[البينة:5] , ومن أجله يعرف الله عز وجل، وتعرف كتبه ورسله، ومن أجله يؤمن الشخص بقضاء الله وقدره النافذ، ومن أجله يؤمن باليوم الآخر والبعث بعد الموت.

    تعريف الإيمان لغة

    إن الإيمان في اللغة يطلق على إطلاقين:

    أحدهما: معدى بالباء.

    والآخر: معدى باللام.

    أما المعدى بالباء فمعناه: التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك والذي يحض على العمل. فالتصديق غير الجازم لا يسمى إيماناً، والتصديق الجازم الذي يقبل الشك لا يسمى إيماناً، والتصديق الجازم الذي لا يقبل الشك إذا لم يترتب عليه عمل لا يسمى إيماناً.

    الإطلاق الثاني: المعدى باللام، وهو التصديق الجازم، فالتصديق الجازم فقط يقال له: الإيمان لكذا. وأما التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك ويقتضي العمل فهو الذي يعدى بالباء فيقال: الإيمان بكذا.

    فمن الأول قول الله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ[البقرة:285] , فالرسول صلى الله عليه وسلم آمن بما أنزل إليه من ربه، فصدق تصديقاً جازماً لا يقبل الشك، ويحض على العمل بما أنزل إليه من ربه؛ لأنه لا يمكنه أن يتردد لحظة في صدق ما جاءه؛ لأن الوحي ليس كالخبر وليس كالمشاهدة، فقد يشاهد الإنسان أمراً بعينه ثم يشك فيه بعد ذلك للتقادم، أو لطول الزمن، أو لقصور في النظر، أو لوجود عدد كبير من الناس يخبر بخلاف ما رأى فيتراجع عما رآه ببصره، وكذلك قد يسمع الشيء بأذنه ويجزم به في وقت معين، ثم يتزلزل ذلك الجزم بسبب طول الزمان، أو بسبب النسيان، أو بسبب مناقشة أدت به إلى أن يقلد الآخرين ويقدم سماعهم على سماع نفسه.

    وسبب ذلك القصور في الجوارح، فالبصر جارحة من جوارح ابن آدم الحادث المخلوق، وهي جارحة قاصرة، ومن أجل هذا القصور فإنك ترى الشيء القريب منك في حجم معين، وكلما ابتعد صغر عنك، ترى الإنسان القادم من بعيد وهو صغير في حجمه، وكلما اقترب ازداد حجمه حتى يصل إلى مستواه الذي يجزم به البصر، وإن كان هذا المستوى غير مقطوع به، فيدك هذه إذا اقتربت من عينك غطت عن الرؤية، وإذا ابتعدت صغرت، وكلما ابتعدت ازدادت في الصغر، وهذا يقتضي منك الشك في المرئيات؛ لأنك لا يمكن أن تجزم جزماً حقيقياً بأن الحجم الحقيقي للأشياء هو ما تراه لحصول التذبذب حسب المسافة.

    ومن هنا فنحن نرى الشمس قرصاً صغيراً يتصور الإنسان أنه بالإمكان أن يضعها في يده، والواقع أن الأرض كلها أقل من ربع مساحة الشمس، وكذلك نرى الكواكب السيارة الكبيرة في هذا الحجم الصغير في حجم شعلة النار أو في حجم المقباس، والواقع أن حجمها أضعاف حجم الأرض، فكل هذا يدلنا أن المرئيات المحسوسة بعلم الحادث كلها قابلة للشك، فلا يمكن أن يقول الإنسان: آمنت بأن فلاناً جالس بين يدي؛ لأن الإيمان لا بد أن يكون يقيناً لا يقبل الشك ولا يتزلزل، وينبنني عليه عمل.

    وكذلك الحقائق العلمية لا يمكن أن يؤمن بها الإنسان، بمعنى: أن يجزم بها جزماً لا يقتضي الشك، بإمكان التذبذب فيها والزوال، لا يمكن أن يقول الإنسان الآن: آمنت بكروية الأرض -مثلاً-؛ لأن هذا لم ينزل به الوحي، وإنما هو راجع إلى مشاهدات قد تكون خطأً وقد تكون صواباً، فلذلك تقيد الإيمان المعدى بالباء بهذا اليقين.

    الوحي ليس مأخوذاً عن طريق السماع ولا عن طريق البصر، وإنما: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ[الشعراء:193-195] , فلا يمكن أن يتشكك الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يوحى إليه من ربه، فأنت يمكن أن تشك فيما حدثك به إنسان أو رأيته أو سمعته، لكن ما نزل به الوحي لا يمكن أن يقع فيه الشك، ومن هنا قال: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ[البقرة:285] .

    أما الإطلاق الثاني -وهو تعدية الإيمان بالله باللام بمعنى التصديق الجازم الذي يقبل الشك- فمنه قول الله تعالى: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ[يوسف:17] , فإخوة يوسف عليه السلام وعليهم عندما قدموا بالمكيدة إلى أبيهم يعقوب عليه السلام وأتوه بدم كذب وزعموا أن الذئب قد أكل يوسف عليه السلام قالوا: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ[يوسف:17] , فلو كنت تجزم بصدقها فإنك لا تصدقنا بذلك، ومعنى الإيمان هنا التصديق الجازم الذي يقبل الشك؛ لأنه عدي باللام ولم يعد بالباء، فلم يقولوا: وما أنت بمؤمن بنا ولو كنا صادقين. بل قالوا: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ[يوسف:17] .

    ومثل هذا قول الله تعالى: وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ[التوبة:61] , فـ(يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) هذا التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك ويقتضي العمل، (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) معناه: يصدقهم فيما يقولون. وهذا هو التصديق الجازم، لكنه مع ذلك يقبل الشك؛ لأن شهادة العدل -مثلاً- الأصل فيها أنها تفيد علماً، ولكن هذا العلم غير يقيني، ومن هنا اختلف أهل الحديث في الحديث الصحيح الذي رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه دون انقطاع ولا شذوذ ولا علة، هل هو يقتضي اليقين الجازم أو لا يقتضيه؟

    فجمهورهم على أنه لا يقتضي القطع، وهذا الذي عليه أهل المصطلح وجمهور أهل الحديث، وخالف في ذلك بعض الأصوليين فزعموا أن ما صح إسناده لزم الجزم به، سواءٌ أكان من أخبار الآحاد أو كان من المستفيض المشهور.

    تعريف الإيمان في الاصطلاح الشرعي

    ومن هنا نصل إلى تحديد مفهوم الإيمان في الاصطلاح بعد أن حددناه في اللغة، فنقول: إن الإيمان في اصطلاح المتشرعين من المسلمين يطلق على إطلاقين:

    فيطلق على الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى الذي ينجي صاحبه من عذاب النار، ويكون وسيلة لدخول الجنة، هذا هو تعريف الإيمان بمعناه العام الذي يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، ويمكن أن نعرفه تعريفاً إحصائياً فنقول: هو التصديق بالجنان، والنطق باللسان، والعمل بالأركان، الذي يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان.

    فـ(التصديق بالجنان) معناه: بالقلب. و(النطق باللسان) أي: بالشهادتين، و(العمل بالأركان) معناه: بالجوارح، وهو الصلاة والزكاة والصوم والحج.

    (الذي يزيد بالطاعات) فالإيمان يزيد بالطاعات، فكلما ازدادت طاعته ازداد الإيمان، (وينقص بالعصيان)، فكلما وقع الشخص في معصية نقص إيمانه بقسط تلك المعصية، وهذا التعريف هو الذي عليه جمهور سلف هذه الأمة.

    وقد خالف فيه بعض التابعين من أهل العراق، منهم حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة رحمهم الله، وكذلك أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي ، وكذلك عدد من الذين يلونهم، ومنهم: أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل رحمه الله، وكذلك منهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله، فكل هؤلاء يرون أن الإيمان إنما يطلق على عمل الجنان فقط، على الاعتقاد بالقلب فقط، وأن الأعمال لا تدخل في مسماه، وهذا هو الإطلاق الثاني للإيمان.

    1.   

    حقيقة الخلاف في دخول العلم في مسمى الإيمان وما ينبني عليها

    واختلف هل هذا الخلاف حقيقي أو صوري؟ على قولين لأهل العلم:

    القول الأول: أنه خلاف حقيقي؛ لأنه ينبني عليه مسائل عقدية، منها قضية الإرجاء، فمن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولكنه لم يصل ولم يزك وباشر الفواحش فما مصيره؟ هل هو إلى جنة أو إلى نار؟

    فمذهب جمهور أهل العلم أنه صائر إلى الجنة بإيمانه؛ لأن كل من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله فمصيره الجنة، سواءٌ عذب في القبر أو دخل النار، فإن مكث ملايين السنين في النار لا بد أن يخرج منها بإيمانه ويدخل الجنة، فالله تعالى يدخل النار من شاء بسبب معصيته، ويخرجه منها بإيمانه، لكن من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله لا يخلد في النار أبداً، وهنا يعلم أن الأعمال مكملة لهذا الإيمان وزائدة في مفهومه، ومرسخة له.

    كذلك من المسائل المبنية على هذا الخلاف مسألة زيادة الإيمان ونقصه، وقد اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: الإيمان يزيد وينقص مطلقاً. وهذا المذهب هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو الذي عقد له البخاري كتاب الإيمان في صحيحه، فذكر أنه يزيد وينقص، واستدل لذلك بالآيات الواردة في زيادة الإيمان في القرآن، مثل قول الله تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ[التوبة:124] , وكذلك قول الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ[محمد:17] , وكذلك قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي[البقرة:260] , وكذلك قوله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ[الفتح:4] , وغيرها من الآيات التي فيها التصريح بزيادة الإيمان، وزيادته تقتضي نقصه؛ لأن الشيء الذي يزيد معناه أنه يقبل النقص أيضاً.

    القول الثاني: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وهذا القول يقول به طائفة من الفقهاء يسمون (مرجئة الفقهاء)، وهو مخالف لما عليه جمهور أهل السنة والجماعة من لدن التابعين إلى زماننا هذا، فهؤلاء يرون أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وإنما هو الجزم بالقلب، فما كان يقبل الزيادة والنقصان فإنه متذبذب لم يصل إلى حد الثبات المطلوب في الإيمان، وهؤلاء الطائفة يؤولون هذه الآيات التي فيها زيادة الإيمان فيقولون: المقصود بها زيادة ما يؤمن الإنسان به، فعندما أنزلت سورة العلق مثلاً: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[العلق:1-5] أول ما نزل من القرآن هذه الآيات من سورة العلق، ففي وقتها لم يكن يشترط على أهل الأرض إلا الإيمان بهذه الآيات فقط، فما لم ينزل من القرآن لا يجب عليهم الإيمان به، وكلما ازدادت سورة ونزلت سورة جديدة تزداد أفراد ما يلزم الإيمان به، حتى اكتمل القرآن فاكتمل الإيمان به، واكتملت السنة فاكتمل الإيمان بها، وهكذا.

    ومن هنا فإن الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الإيمان وماتوا قبل أن تكتمل الواجبات، كـخديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فهي أول من صدق برسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء ومن الناس عموماً، ومع ذلك ماتت قبل فرض الصلاة، فلم تصل ولم تصم ولم تزك، هذه الفرائض تجددت بعدها، لكن لا يقتضي هذا نقصاً في إيمانها؛ لأن الإيمان الموجود هو ما قامت به، والذي كان موجوداً قد حققته وأتمته على أكمل الوجوه.

    وكذلك الذين ماتوا بالمدينة قبل الهجرة ودفنوا إلى غير القبلة، فبعد الهجرة بسبعة عشر شهراً ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى الشام، هؤلاء الذين ماتوا إذ ذاك دفنوا إلى غير جهة القبلة؛ لأنهم دفنوا إلى الشام، فلذلك تشكك الناس فيهم كما في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في الصحيحين، لكن الواقع أنهم ماتوا على الإيمان وقد استكملوا ما نزل من الإيمان إذ ذاك، وما تجدد منه لم يكن تكليفاً لهم؛ لأنهم قد ماتوا قبل أن ينزل. فهذا قول هذه الطائفة.

    ولهم قول آخر في تأويل زيادة الإيمان المذكورة في الآيات، فقالوا: المقصود بزيادة الإيمان زيادة لازم الإيمان لا زيادته. ولازمه هو شرطه وهو العمل، فالعمل شرط في الإيمان وليس شطراً فيه عندهم، لكن هذه التأويلات لا يحتاج إليها، فالأصل أن تبقى الآيات على فهمها الصحيح، وأن هذه الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنه يزيد وينقص.

    القول الثالث في زيادة الإيمان ونقصه قول مروي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، وهو أن الإيمان يزيد ولا ينقص، قول بالتفصيل، ونحن ذكرنا القول الأول أن الإيمان يزيد وينقص.

    وهذا القول يرى قائله أن الإيمان يزيد ولا ينقص, وسبب هذا القول أن الله تعالى ذكر في القرآن زيادة الإيمان ولم يذكر فيه نقصه، فلم يرد في القرآن ذكر لنقص الإيمان، وجاء فيه التصريح بزيادة الإيمان في عدد من الآيات، ومبنى الاعتقاد على التسليم المطلق، اعتقاد لا يرجع فيه إلى العقول المحضة؛ لما ذكرناه من أن الإيمان لا بد أن يكون جازماً لا يقبل الشك، وما أخذ عن طريق الجوارح يقبل الشك، فلذلك قال مالك رحمه الله: إن زيادة الإيمان ثابتة بالنص، ونقص الإيمان مفهوم بالعقل، وما كان وارداً بالنص فهو الاعتقاد، وما كان مأخوذاً بالعقل لا يجعل عقيدة يلزم بها الناس، فهذه رواية عنه، وإن كانت الرواية التي اشتهرت عن الإمام مالك رحمه الله موافقة لمذهب جمهور العلماء من أن الإيمان يزيد وينقص، وهي الراجح إن شاء الله تعالى.

    والقول الراجح من هذه الأقوال الثلاثة هو أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن الزيادة مقتضية للنقص.

    1.   

    الإيمان بالله

    أما أركان هذا الإيمان فهي ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لجبريل حين سأله فقال: (أخبرني عن الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)، وفي رواية: (بالله، ولقائه، وكتابه، والبعث بعد الموت)، ولقاؤه هو الموت، والبعث بعد الموت من اليوم الآخر، لكن لقاؤه والبعث بعد الموت كلاهما داخل في مسمى اليوم الآخر؛ لأن الموت من أمور الآخرة وليس من أمور الدنيا؛ لأنه انتقال من حال إلى حال، وتحول من دار إلى دار: (وإذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته).

    وكذلك لقاء الله، وهو العرض عليه الذي بينه الله تعالى في كثير من الآيات، ومنها قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا[الأنعام:30] , وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ[الحاقة:18] , فهذا العرض داخل في اليوم الآخر.

    فهذه الأركان الستة تقتضي منا تفصيلاً، وهو ما سنحاول الإلمام بما تيسر منه فيما يأتي.

    الركن الأول من أركان الإيمان: الإيمان بالله.

    والإيمان بالله هو الذي يسمى توحيداً، والتوحيد يغلط فيه كثير من الناس، فيظنون أنه من التفعيل بمعنى: التصيير؛ لأن (فَعَّل) ترد في اللغة بمعنى: (صَيَّر)، مثل: (كَبَّرتََ الشيء) أي: جعلته كبيراً. و(ضَخَّمتهُ) معناه: جعلته ضخماً. و(صَغَّرته) معناه: جعلته صغيراً. و(صَغَّرتْ هذا الاسم) معناه: نطقت به على هيئة تصغير، ولكن التوحيد مخالف لهذا، فمعناه: اعتقاد أنه واحد. وليس معناه تصييره واحداً، فهو واحد، والتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    توحيد لله في ربوبيته.

    وتوحيد له في إلاهيته.

    وتوحيد له في أسمائه وصفاته، فهذه ثلاثة أقسام هي معنى الإيمان بالله.

    توحيد الله في ربوبيته

    توحيد الله في ربوبيته معناه: الجزم بأنه هو الواحد الأحد الذي خلق هذا العالم، وليس للعالم رب سواه، وهذا التوحيد هو أصل الإيمان؛ لأنه ينبني عليه كل ما بعده، فما بعده كله تابع له، فمن اعتقد تعدد الآلهة أو أن للعالم خالقاً غير الله لا ينفعه أي توحيد آخر بعد هذا.

    ولهذا فإن المشركين الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كثير منهم يؤمن بتوحيد الربوبية، فكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك. أنت تملكه وما ملك. وكذلك فإن الله تعالى أثبت عليهم هذا التوحيد في القرآن في كثير من الآيات، كما في قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[لقمان:25] ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87] ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[العنكبوت:63] , فلم يكونوا يخالفون في هذا التوحيد إلا نادراً.

    والذين يخالفون في هذا التوحيد أجناس، منهم الدهرية، والطبيعيون الذين نسميهم في زماننا هذا بالشيوعيين، الذين ينكرون وجود إله أصلاً، ويزعمون أن هذه الحياة مادة، وأن طبيعة العالم تفرز الطفرات، وأن الطفرة الكبيرة التي اقتضت الانقسام بين السماء والأرض، واقتضت توزع الكائنات هي منشأ هذا العالم، ومنها تغيرت الأمور وكانت بطبيعتها تتولد وتحتك، والاحتكاك الدائم الذي فيها يقتضي حصول تنوع شديد، وهذا الذي قالوه رد الله عز وجل عليه في كتابه بآية هي أبلغ دليل على هذا، وأبلغ دليل على إنكار تأثير الطبيعة هي قول الله سبحانه وتعالى: وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ [الرعد:4] .

    لو كانت الطبيعة مؤثرة فما الفرق بين هذه البقعة في هذا المتر الواحد يخرج فيه أجناس من النبات متفاوتة متباينة الألوان، ومتباينة الطعوم، ومتباينة الرائحة، وقد نبتت في تربة واحدة، وسقيت بماء واحد؟! وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ [الرعد:4] طعمها مختلف، فالمكان الواحد تخرج فيه نخلة، وتخرج علقمة، وتخرج وردة، وتخرج ثمرة أخرى مباينة لها، فتجد الشبر الواحد من الأرض فيه ألوان متلونة، فلو كانت الطبيعة هي التي أثرت فيها لجاءت جميعاً على شكل واحد وطعم واحد وفائدة واحدة، فعلم أن هذا بإرادة الله وتقديره، وأنه لا يمكن أن تقع طفرة دون مؤثر؛ لأن كل فعل لا يقبل العقل حصوله دون تأثير ودون مؤثر، وهذا المؤثر لا يمكن أن يكون جاهلاً به؛ إذ لو كان جاهلاً به لاختلطت الأشياء واختل نظامها.

    ولا يمكن أن يكون قد خفي عليه، لتمام تناسقه وانسجامه، فعلم بطلان اعتقاد الطبائعيين، علم بطلانه عقلاً بهذه الآية، وعلم بطلانه لما يترتب عليه من فساد العالم كله، فلو كانت الطفرة التي يزعمونها صحيحة فلماذا تأخرت ولم تقع طفرة أخرى في آلاف السنين التي تأتي؟ ومن الذي حدد وقت تلك الطفرة؟

    وما هي العوامل التي عملت على وقت تلك الطفرة ولم تعمل على ذلك في زماننا هذا؟

    لماذا لا يقع انفجار كبير كما يزعمون في آلاف السنين التي جاءت بعد ذلك؟

    إن هذا رد واضح وصريح على هذه الطائفة التي تنكر الإلهية؛ وطائفة الدهرية نسبةً إلى الدهر، وهذه من النسبة الشاذة، ولغة العرب فيها شواذ النسب، مثل الدهريين، ومثل الطبعيين، ومثل الخرفيين، وغيرها من النسب الشاذة.

    كذلك من الذين ينكرون توحيد الربوبية الذين يزعمون أن لهذا العالم خالقين وهما: النور، والظلمة.

    وهؤلاء يسمون بالمانوية ، وهم يزعمون أن النور هو إله الخير، وأن الظلمة هي إله الشر، وأنه لا خالق لهذا العالم سوى هذين الإلهين، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

    وجوابهم العقلي أن يقال: زعمتم أمرين موجودين في هذا العالم مؤثرين فيه، فمن خلقهما؟ هل خلقا أنفسهما أو خلقهما إله ثالث؟

    وهنا لا بد أن نصل بهم إلى الدور أو التسلسل، فالدور أن يرجعوا من حيث بدؤوا، فيقال: النور خلقته الظلمة والظلمة خلقها النور. فيأتي الدور المستحيل؛ لأنه يتوقف كل واحد منهما على وجود الآخر فينعدمان ولا يكونان أبداً.

    أو نذهب إلى التسلسل، فيقولون: النور والظلمة خلقهما إله ثالث، وذلك الإله الثالث خلقه إله آخر، وهكذا حتى يصلوا إلى حوادث لا أول لها، وهذا يمنعه العقل.

    ولذلك يقول أبو الطيب المتنبي :

    وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب

    فظلام الليل استفاد منه كثيراً في مغامراته وهروبه، فقال: إن ظلام الليل يخبر أن المانوية تكذب، فليس هو إله الشر؛ لأنه أتى بالخير.

    كذلك الذين يزعمون أن هذا الكون إلهه فرعون -مثلاً- من عباده، حيث زعم هو أنه لا إله لهم سواه، وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وقد كذب نفسه؛ لأنه حكم على نفسه بجهله بالسماوات وما فوقها بقوله: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ[غافر:36-37] , فكيف تخلقها وأنت تجهلها وتجهل ما فوقها؟ فقد رد على نفسه.

    إذاً: فالمخالفون في توحيد الربوبية قلة، والموجود منهم في زماننا هذا هم الشيوعيون وبعض عبدة الأوثان في الديانات الهندية فقط.

    توحيد الله في إلاهيته

    أما توحيد الإلهية فمعناه: توحيد الله بالعبادة بحيث لا يعبد إلا هو، ولا يدعى إلا هو، ولا تعلق الحوائج إلا به، ولا يشرع إلا هو، وهذا التوحيد يخطئ فيه أكثر الناس، فلذلك احتاج إلى بيانه أكثر مما سواه.

    فمثلاً: في مجال العبادة لا يمكن أن يستحق العبادة إلا الخالق الرازق المدبر الحي القيوم الدائم الذي لا تخفى عليه طرفة عين، ولا يغفل، ولا تأخذه سنة ولا نوم، فهو وحده المستحق للعبادة، ولا يمكن أن يعبد من سواه أبداً.

    ويدخل في العبادة السجود له، ولا يخالفه في ذلك إلا الذين يعبدون الأصنام أو يسجدون لها، وهؤلاء لا يلحدون في توحيد الربوبية؛ لأنهم يزعمون أن هذه الأصنام مملوكات لله، وإنما يتقربون بها إلى الله فقط، ولذلك قال الله تعالى حكاية عنهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى[الزمر:3] , فهم لا يعبدون هذه الأصنام لأنهم يزعمون أنها خالقة، ولكنهم يعبدونها تقرباً إلى الخالق فقط، فهؤلاء يخالفون في توحيد الألوهية ولا يخالفون في توحيد الربوبية، ومثل هذا الذين يعبدون غير الله ببعض العبادات المخصوصة، فلا يصلون لغير الله ولا يصومون لغير الله، ولكن يذبحون لغير الله، مثل الذبح للأصنام، والذبح للقبور ونحوها، فهذا عبادة لغير الله؛ لأن الذبح عبادة مختصة لله، ولذلك قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ[الأنعام:162-163] .

    وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي جحيفة السوائي رضي الله عنه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن في صحيفة رسول الله صلى الله عليه سلم التي أعطاه: (لعن الله من ذبح لغير الله).

    كذلك من العبادات النذر، فكثير من الناس لا يصلي إلا لله، ولا يصوم إلا لله، ولا يحج إلا لله، ولكنه ينذر لغير الله. والنذر عبادة؛ لقول الله تعالى: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ[الحج:29] , ولقوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً[الإنسان:7] , فمن نذر لغير الله فقد أشرك؛ لأن النذر عبادة مختصة لا تحل إلا لله، فهي مثل الصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك.

    ومن هنا احتيج إلى بيان معنى النذر الذي يجهله كثير من الناس، فالنذر معناه: إيجاب ما ندب تقرباً لله تعالى وشكراً له أن يتقرب الإنسان إلى الله بأن يلزم نفسه بطاعة مندوبة، فما ليس مندوباً من المباحات لا يمكن أن يكون نذراً، كمن نذر أن يشرب كأساً من الشاي، أو أن يشرب كأساً من الماء، فهذا لا يسمى نذراً؛ لأنه مباح وليس عبادة.

    ومن نذر واجباً فقد كان واجباً قبل هذا ولم يستفد من النذر شيئاً، ومن نذر مندوباً فقد تأكد حكمه وازداد أجره بسبب نذره، ولكن هذا النذر ينبغي أن لا يكون مشروطاً، وأن لا يكون مكرراً، فالنذر المشروط هو الذي يقول صاحبه: إن نجحت في الامتحان فسأصلي ركعتين شكراً لله. وينذر بذلك، أو: أتصدق بكذا. أو: أحج. أو: أصوم. أو نحو ذلك، فهذا النذر المشروط أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا يرد من قدر الله شيئاً، وإنما ينتزع الله به من يد البخيل), فالذي يفعله بخيل في تعامله مع الله، حيث يشرط على رب العالمين، فجعل نفسه بخيلاً بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، ولذلك لا يصدر من أهل الإيمان الكامل.

    والنذر المكرر قد يوقع الشخص في حرج، كمن نذر أن يصوم يوم الإثنين دائماً، أو يوم الخميس دائماً، فربما أتاه ذلك اليوم وهو عاجز عن صيامه، أو مشغول بأمر لا يستطيع التخلص منه، فلذلك كره هذا النذر المكرر، وإنما يطلب النذر إذا أقبل الشخص على عبادة مندوبة، فأراد أداءها وتيسرت له أسبابها، فينذرها ليكون ذلك زيادة في الأجر، كمن يجلس في مصلاه وينتظر صلاة المغرب، ويعلم أنه ليس لديه شغل سيقيمه من هذا المسجد.

    وقبل النذر قد كان الفعل مندوباً فصار واجباً يثاب عليه ثواب الواجب.

    كذلك من العبادات التي يشرك فيها الناس الحلف، فالحلف عبادة، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).

    وكان الناس يحلفون بآبائهم في الجاهلية، فسمع رسول الله صلى عليه وسلم عمر بن الخطاب يحلف بأبيه فدعاه فقال: (لا تحلفوا بآبائكم! من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت), وكانوا يحلفون بأصنامهم في الجاهلية، فدأب بعض الناس على ذلك في الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحلفوا باللات ولا بالعزى، فمن قال ذلك فليقل: آمنت بالله), فالحلف بغير الله عبادة لمن حلف به.

    كذلك الشرك في التشريع فهو شرك في الإلهية، فالله وحده هو الذي يشرع لعباده ما شاء، وسبب ذلك أنه وحده العالم بحياتهم ومماتهم ومصالحهم الدنيوية والأخروية، ولا يعلم أحد منهم متى يموت، ولا في أي أرض يموت، ولا ما يكسب غداً، ولا يمكن أن يطلع على مصالحه هو، بل تخفى عنه، ولذلك نرى كثيراً من الناس يجتهد في أمر فيه له مضرة، يجتهد أن يسافر سفراً هو فيه على موعد مع ملك الموت، ويتحرك حركة معينة فينكسر منه عضو بسبب تلك الحركة، ويخرج لحاجة غير مهمة فيصادفه قدر من قدر الله يصيبه بمصيبة عظيمة، كل هذا يدل على أن الإنسان جاهل بمصالحه، ومن كان جاهلاً بالمصالح والمفاسد لا يمكن أن يشرع شيئاً؛ لأن التشريع أصله على معرفة المصالح والمفاسد، ولذلك قال الله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[الملك:14] , فالذي هو اللطيف الخبير بالناس هو الذي يستطيع أن يشرع لهم ويعرف مصلحتهم.

    فإذا شرع شيئاً فأباح أو حرم أو أوجب فذلك لمصلحة بني آدم لا لمصلحته هو، فلا يصل إليه نفع ولا ضرر من ذلك، ولهذا قال الله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ[الحج:36-37] , فهذه الأنعام لا ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولا يمكن أن يصل إليه نفع منها، ولا أن يوصل إليه المخلوق نفعاً ولا ضرراً، ولذلك جاء في الحديث القدسي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).

    فالتشريع من اختصاصات رب العالمين لا يمكن أن ينازعه فيها أحد، فمن شرع فقد أشرك، ولهذا قال الله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ[الشورى:21] , فكل من سن قانوناً أو وضع تشريعاً مما لم يأت به محمد صلى الله عليه وسلم فقد أشرك مع الله عز وجل من شرع لهم.

    ومن هنا فإن اليهود والنصارى الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مشركين، يشركون أحبارهم ورهبانهم في الإلهية؛ لأنهم يحلون لهم الحرام فيستبيحونه، ويحرمون عليهم الحلال فيتركونه، وهذا مقتض لعبادتهم، ولهذا قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً[التوبة:31] , وفي حديث عدي بن حاتم رضي الله أنه قال: (يا رسول الله! ما عبدناهم من دون الله! قال: ألم يحلوا لكم الحرام فتستحلوه؟ قال : بلى. قال: ألم يحرموا عليكم الحلال فتتركوه؟ قال: بلى. قال: فقد عبدتموهم), وهذه عبادته، ولهذا جعل الله تعالى القوانين ديانة، فيسمى القانون ديناً، كما في قوله تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف:76] , معناه: في قانون الملك إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ[يوسف:76] ، فكل قانون غير شرع الله فهو دين أراد به صاحبه نسخ دين الإسلام وتغييره، فهو إشراك بالله العظيم عز وجل .

    كذلك من الإشراك في الإلهية الإشراك في محبة الله عز وجل ومسألته، فإن الله وحده هو الصمد الكريم الغني الحميد الذي يستحق أن ترفع إليه الحوائج كلها، وأن ترفع إليه الأيدي في كل المطالب، فمن تعلق قلبه بمخلوق فأصبح يعلق به حوائجه ويخافه ويطمع فيه ويسأله فقد أشرك هذا الشرك، فدعوة غير الله مثل الاستغاثة بمخلوق أو مسألته أمراً لا يقدر عليه شرك بالله، كمن سأل مخلوقاً أن ينزل المطر، أو أن يكفر عنه ذنبه، أو أن يدخله الجنة، أو أن يجيب عنه الملكين، أو أن ينور له قبره، فهذه أمور لا يقدر عليها المخلوق، أو أن يرزقه ولداً أو مالاً أو نحو ذلك، فهذه أمور لا يقدر عليها المخلوق، فالخلق والرزق من عند الله وحده.

    ومن هنا فإن دعوة المخلوق شرك بالله، ولهذا قال الله تعالى: ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ[فاطر:13-14] , وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ[الفرقان:68] , وقال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً[الإسراء:57] .

    فكثير من الناس يدعون من هم يخافون ويرغبون فيما عند الله عز وجل، يدعون أولياء الله وأنبياءه وملائكته من دون الله، وهؤلاء كلهم يخافون من الله ويرغبون فيما عنده، وكلهم سيقولون يوم القيامة: نفسي نفسي رب! لا أسألك إلا نفسي. كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أن كل نبي يقول يوم القيامة: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثلهأُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ[الإسراء:57] ، فكلهم يسعى ليقرب نفسه إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب) يتنافسون في القرب إليه بالأعمال الصالحات، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ[الإسراء:57] .

    ومن هنا فإن هذا النوع من الشرك فيه أيضاً إذلال للنفس؛ لأن الإنسان إذا أصبح يدعو غير الله فقد عبد نفسه لمخلوق، والله تعالى يقول: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ[الزمر:29] .

    ومن هنا فإن الطمع في المخلوق وسؤاله والاستغاثة به تنقسم هذه الحال إلى قسمين:

    القسم الأول: شرك بالله وكفر به، وهو مسألة المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا شرك بالله وكفر به.

    القسم الثاني: مسألة المخلوق فيما يقدر عليه المخلوق، فهذه تنقسم إلى قسمين: محرم ومباح.

    فالمحرم مسألة المخلوق لغير عذر، فلا تحل المسألة إلا لمن أحلها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ثلاثة، أما المسألة من غير عذر من هذه الأعذار فلا تحل أصلاً.

    ومسألة المخلوق أمراً يقدر عليه ولا يكلفه كأن تسأله أن يناولك عصاً أو نعلاً، أو أن يفتح الباب، أو نحو هذا من الأمور السهلة، فهذه مباحة، لكنها قد تصل إلى حد الكراهة، كما إذا لم تكن المسألة احتراماً فتأمر كبيراً بأن يقوم ويأتيك بشيء ونحو ذلك، وقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه على أن لا يسألوا أحداً شيئاً، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يسأل أحداً، فإذا وقعت عصاه وهو على راحلته لم يأمر أحداً أن يناوله عصاه وهو خليفة رسول الله، بل ينزل عن راحلته حتى يأخذ عصاه بيده، وهذا هو تمام الإيمان بالله والتوكل عليه، أن يكون الإنسان حراً من الأغيار، لا يسأل أحداً شيئاً بالكلية، مستغنياً بالله عمن سواه.

    أما الذين يشركون بالله في المسألة فأنواع:

    فمنهم: من يشرك معه الجن، وهؤلاء هم أضعف الناس حيلة وأدناهم عقلاً، وفيهم أنزل الله تعالى سورة الجن، وفيها يقول الله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً[الجن:6] , هؤلاء زادوهم مشقة وتعباً وعنتاً، ولم يستفيدوا منهم شيئاً.

    ومنهم الذين يدعون الجمادات كالأشجار والأحجار ونحو ذلك، وهؤلاء جعلوا أنفسهم في أخس مكان، حيث جعلوا هذه الجمادات خيراً منهم، كقوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الحجارة من دون الله ويدعونها في قضاء حوائجهم، وكذلك أصنام عمرو بن لحي التي هي أصنام قوم نوح الخمسة المذكورة في القرآن: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر فهذه الخمسة هي أصنام قوم نوح، وقد أخذها عمرو بن لحي فأخرجها للعرب في جزيرتهم فعبدوها في عصر الجاهلية.

    وكذلك دون هؤلاء الذين يستغيثون بأولياء الله وأنبيائه والصالحين من عباده، فهؤلاء يستغيثون بهؤلاء العباد الذين هم مشغولون في التقرب إلى الله وعبادته، ولا يضر ذلك أولئك الذين عبدوا من دون الله، فلا ينقص هذا من قدرهم، فعيسى بن مريم عليه السلام عبده النصارى من دون الله، وهو سيتخلص من شفاعة يوم القيامة بذلك، فعندما يأتيه الناس يسألونه الشفاعة إلى الله يفكر في ذنب قد اقترفه فلا يجد شيئاً فيقول: قد عبدت من دون الله. ولا يضره ذلك شيئاً، فالذين عبدوه خالفوا أمره، وما أمرهم إلا بالحق، ولذلك قال الله تعالى حكاية عنه: أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[المائدة:116-118] , وقد صدقه الله تعالى في ذلك فقال: هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ[المائدة:119] ، فهؤلاء الأولياء والصالحون الأنبياء لا يضرهم شيئاً أن يستغاث بهم من دون الله، لكن هذا يضر الذين فعلوا.

    ومن هنا فإن كثيراً من الناس يغلط، فإذا رأى شخصاً أو سمع شخصاً يدعى من دون الله عادى ذلك الشخص وتجرأ عليه وتهجم عليه، وجعله طاغوتاً من الطواغيت، والواقع خلاف ذلك، فقد يكون هذا ولياً من أولياء الله أو عالماً أو رجلاً صالحاً ولم يأمر الناس أن يتوسلوا به ولا أن يدعوه، فلذلك لا يكون ذنب دعوته في ذنوبه هو، وإنما هو في ذنوب الذين دعوهم من دون الله، فإن علم بذلك وأقرهم عليه فهذا أمر آخر، فيكون إقراره من ذنبه هو.

    توحيد الله في أسمائه وصفاته

    أما التوحيد الثالث فهو توحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته، فإن الله سبحانه وتعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[الأنعام:103] , ولا يمكن أن يشبه شيئاً ولا أن يشبهه شيء، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11] , فلا يمكن أن يعرف بالعيان ولا بالمثال، فلم يبق إلا معرفته بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، والاستدلال عليه بمخلوقاته، وفي هذا يقول العلامة محمد بن فال المتالي رحمه الله تعالى:

    وطرق المعرفة الكبار عيان أو مثال أو آثار

    فأول منعه الجبار إذ قال لا تدركه الأبصار

    والثاني أيضاً منعه في النقل لأنه ليس له من مثل

    لم يبق بعد ذا سوى آثار صنعته في العالم السيار

    فهذا الدليل الباقي على معرفته، فالله سبحانه وتعالى أثنى على نفسه بكثير من الصفات، وأثنى عليه رسوله صلى الله عليه وسلم كذلك بكثير منها، ولا أحد أعلم بالله من الله، وبعد ذلك لا أحد أعلم به من رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أعلمكم بالله وأخشاكم لله أنا), فإذا أخبر عن نفسه بصفة وجب الإيمان بذلك وتصديقه ومعرفة أن تلك الصفة واجبة لله، وإذا أخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم بشيء وجب الإيمان بذلك، وتصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من ذلك.

    ومع هذا يجب أن نعلم أنه لا يمكن أن يكون لصفات الله أي مثال في عالم الحوادث، فشتان بين الخالق والمخلوق، لكن لا يخفى علينا أيضاً أن الأسماء قد تشترك، فقد تكون الصفة التي يتصف بها الله عز وجل يستمي بها المخلوق، فيتسمى بهذه الصفة المخلوق، لكن لا علاقة بين الصفتين إلا في الاسم فقط، فعلم الله يطلق عليه لفظة العلم، وعلم المخلوق يطلق عليه لفظة العلم، لكن شتان بين العلمين، فعلم المخلوق قال الله تعالى عنه: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً[الإسراء:85] , والله هو علام الغيوب: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[الأنعام:59] .

    كذلك وجه الله يطلق عليه هذا اللفظ (الوجه)، ووجه المخلوق يطلق عليه (وجه)، لكن شتان بين الأمرين، شتان بين الخالق والمخلوق، ومثل ذلك ما نسميه ذاتاً، فنحن نقول: ذات الله، وذات المخلوق. لكن شتان بين الأمرين، فنحن لا نعرف من الذوات إلا ذوات المخلوقين، وذات الله عز وجل هي نفس الله التي سماها في القرآن (نفساً) في قوله حكاية عن عيسى عليه السلام: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ[المائدة:116] , وفي قوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ[آل عمران:28] ، في آيتين من سورة آل عمران، وغير ذلك من لفظ النفس في القرآن.

    فإن لفظ الذات لم يرد فيه، وليست في اللغة بهذا المعنى، ولكنها مصطلح للمتكلمين، فنحن ننطق بها على هذا المصطلح، ولا ننطق بها إلزاماً لأن تكون من ألفاظ الاعتقاد الواردة في الكتاب أو السنة فليست كذلك.

    وهذه النفس مخالفة لنفس المخلوق، وإنما تشترك معها في الاسم فقط، فنحن لا نعرف من الأنفس إلا نفس المخلوق، ولا يمكن أن نقيس عليها نفس الخالق أبداً، وشتان بينهما.

    ومن هنا لزم أن نطرد هذا التفريق في كل الأمور، فلله نفس تخالف أنفس المخلوقين، فلا أحد يزعم أن ذات الله مثل ذوات المخلوقين أبداً، لكن كذلك لله صفات تنافي صفات المخلوقين، وإذا كان كذلك فلا فرق بين الكلام في النفس والكلام في الصفات، فالقول في الصفات كالقول في الذات مطلقاً، وهذا ما يغفل عنه كثير من الناس، فلا يرى ضرراً في إطلاق الذات على الله كما تطلق على ذات المخلوق مع الفرق الشاسع بينهما، لكن إذا جاء إلى الصفات تأثر من إطلاق بعض الصفات على الله؛ لأنه يفهمها على منوال صفات المخلوقين، وهذا غلط، فلماذا تميز بين الذات والصفات؟

    فالقول في الذات كالقول في الصفات، وبعد هذا فالقول في بعض الصفات كالقول في بعضه، فما الفرق بين العلم واليد والعين ونحوها؟ فكلها صفات أثبتها الله لنفسه لا يمكن أن تكون مشابهةً لصفات المخلوقين، وكلها تدل على التمام والكمال، وكلها تقتضي محبته وتمام الإيمان به والتوكل عليه، وليس شيء منها يقتضي نقصاً فيه ولا عجزاً ولا تشبهاً بالمخلوق أبداً، واشتراكها في الاسم مع صفات المخلوق لا يقتضي نقصاً لها، فالمخلوق قد يشترك مع المخلوق بالاسم وشتان بينهما، فللإنسان عين وللفيل عين، لكن شتان بين عين الفيل وعين الإنسان، وقد قال ابن عباس : (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء)، فالجنة فيها اللبن والدنيا فيها اللبن، فهل هذا اللبن مثل اللبن الذي في الجنة؟ شتان بينهما.

    والجنة فيها خمر والدنيا فيها خمر، لكن شتان بين خمر الجنة وخمر الدنيا، والجنة فيها ماء والدنيا فيها ماء، لكن شتان بين الماء الذي في الدنيا والماء الذي في الجنة.

    كذلك مثال آخر، فأقرب شيء إلى الإنسان نفسه التي بين جنبيه، وهو يعلم أن له روحاً يؤمن بها، وأنها تصعد وتعرج وتنزل وتذهب وتستقر، وترضى وتغضب، ومع ذلك لا ينكر شيئاً من هذه الصفات؛ لأنه يحس بها في داخله ولا يمكن أن يصورها بوجه من الوجوه، ولا يدرك لها حقيقة، وكثير من الناس اليوم يقولون: نحن نطبق المنهاج التجريبي على كل شيء. فينكرون الإيمان بالله؛ لأنهم يقولون: الحقائق كلها أصبحت علمية تجريبية. لكن يقال لهم: ألا تؤمنون أن لكم أرواحاً وعقولاً؟

    فإذا قالوا: ليس لنا أرواح وعقول قلنا: أنتم إذاً أحجار أو أشجار فلا نتكلم معكم. وإذا قالوا: لنا أرواح وعقول فنقول: صفوها لنا! فما صفة عقلك أنت وما صفة روحك؟

    فإذا شهد على ذلك وسلم وقال: أنا أؤمن بأن لي روحاً وعقلاً لكن لا أستطيع وصفها نقول: كيف تنكر هذا عن رب العالمين وتقر به لمخلوق ضعيف؟

    فآمن بالله، واعلم أنك عاجز عن معرفته، فكما عجزت عن معرفة روحك التي هي أقرب شيء إليك فأنت معذور إذا عجزت عن معرفة الله عز وجل.

    ومن هنا فإن صفات الله عز وجل التي أتى بها الرسول صلى الله عليه وسلم من عنده التي وصف بها نفسه في القرآن ووصفه بها الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الصفات الإيجابية.

    القسم الثاني: الصفات السلبية.

    فالصفات الإيجابية جاءت على وجه التفصيل، والصفات السلبية جاءت على وجه الإجمال، فالصفات السلبية مثل قوله تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[الإخلاص:3-4] , وهي نافية للنقص عنه، والصفات الإيجابية مثل العلم، والحياة، والقدرة، وغيرها من الصفات التي أثبتها الله عز وجل لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ويمكن أن نفصله تفصيلاً آخر فنقول: تنقسم إلى:

    صفات ذاتية.

    وصفات فعلية.

    فالصفات الذاتية مثل الوجود الذي يمكن أن نقول فيه: (الحق) بدل الموجود، ومثل الأولية التي يقول فيها المتكلمون: (القدم)، ومثل البقاء والدوام، ومثل الغنى ونحو ذلك، فهذه صفات ذات، ومنها أيضاً الوجه، والعين، واليدان، والساق، والقدم، فهذه صفات ذاتية.

    أما الصفات الفعلية فهي تنقسم إلى قسمين:

    صفات اختيارية، وصفات دائمة.

    فالصفات الاختيارية هي مثل الكلام بمعنى التكلم، والنزول، وكذلك الخلق والرزق والإماتة والإحياء، وغير ذلك من الأفعال كالغضب والرضا والرحمة والمحبة والسخط ونحوها، فهذه صفات اختيارية.

    والصفات الدائمة من الصفات الفعلية كصفة الاستواء؛ فإنه قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[طه:5] , بصيغة الماضي، فليس ذلك مثل غيره من الأفعال التي تكون بصيغة المضارع، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا).

    فهذه الصفات يجب الإيمان بها، والإيمان بها يقتضي الإيمان بكمال الله عز وجل وجلاله وجماله وتمام التعلق به ومحبته، وكذلك يقتضي التوكل عليه وحده وعدم منازعته في شيء من أمره، فهو الذي يقول: (الكبرياء ردائي، ومن نازعني ردائي قصمته), ( قصمته ) ومعناه: أهلكته وقطعت دابره. فهذه الصفات يجب الإيمان بها بالإجمال، ولا يجب التفصيل، ولهذا لم يعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل الناس، وكثير منها إنما جاء في أحاديث آحاد، كثير من صفات الله جاءت في أحاديث يرويها آحاد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعلمها لكل الناس، فلا يجب أن نمتحن الناس عموماً بصفات الله، بل لا يجب على كل الناس أن يتعلموا ذلك.

    كذلك أسماء الله، فقد سمى الله تعالى نفسه بكثير من الأسماء في كثير من اللغات، وهذه الأسماء كلها كذلك تدل على صفات، وتدل على كمال وجلال، وكلها تقتضي محبته ودعاءه والتوكل عليه، وهي تنقسم إلى أسماء للتعلق والتخلق، وأسماء للتعلق فقط.

    فالأسماء التي هي للتعلق والتخلق مثل: الرحمن الرحيم، والعفو الرؤوف، والحليم الكريم، ونحو ذلك.

    والأسماء التي هي للتعلق -فقط- مثل: الله، الجبار، المنتقم، ذي الجلال والإكرام، القيوم.

    1.   

    الإيمان بالملائكة

    الركن الثاني من أركان الإيمان الإيمان بالملائكة.

    إن لله تعالى جنوداً لا نعلمها: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ[المدثر:31] , وهذه الجنود منها جند الملائكة، وهم من أكثر جنود الله تعالى عدداً ومن أقواهم، وقد خلقوا من نور، وهم عباد مكرمون: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[التحريم:6] , يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ[الأنبياء:20] , وهؤلاء منهم المقربون -وهم أفضلهم- كجبريل روح القدس الأمين عليه السلام، وميكائيل، وإسرافيل، ومالك خازن النار، وملك الموت، فهؤلاء من الملائكة المقربين، ومنهم حملة العرش الذين شرفهم الله تعالى بحمل عرشه عز وجل، وهم أربعة في الدنيا وثمانية يوم القيامة: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ[الحاقة:17] .

    وهؤلاء الملائكة يجب الإيمان بوجودهم، وبكونهم معصومين من المعصية، وبأنهم: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ[الأنبياء:20] , والإيمان بهم مؤثر في الإنسان؛ لأنه مطالب بأن يحاكيهم ويضاهيهم، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟!).

    وكذلك في الصوم، فإن الإنسان يصوم ليباهي الملائكة، وكذلك في الحج، فإن الناس يقفون بعرفة لمباهاة الملائكة، فالإيمان بهم مقتض من الإنسان المبالغة في التعبد لله واجتناب معاصيه؛ لأن الإنسان الذي يعلم أن لله عباداً آخرين يطيعونه غاية الطاعة وهو يريد الانتساب إلى الله ويريد أن يكون عبداً لله فسيحاول أن ينافس هؤلاء في طاعة الله، ويحاول أن يبتعد عن المعصية، فكلما زينت له نفسه أو شيطانه الوقوع في المعصية تذكر أن لله عباداً آخرين في حضرته لا يعصون أمراً ولا يخالفونه، ولا يقعون في أية معصية، فكف عن ذلك، ومن هنا كان المثال في هذا الباب مهماً جداً، حيث قال الله تعالى بعد سرده لأسماء ثمانية عشر من الأنبياء عليهم السلام في سورة الأنعام قال بعده: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ[الأنعام:89] .

    والمقصود بقوله: (هؤلاء) الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين، وقوله تعالى: فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ[الأنعام:89-90] , هؤلاء هم الذين هداهم الله عز وجل وجعلهم قدوة للناس، بين سبحانه وتعالى أن معصية الآخرين له لا تقتضي نقصاً في طاعته، فله جنود آخرون يطيعونه ولا يعصون له أمراً.

    1.   

    الإيمان بكتب الله السماوية

    الركن الثالث من أركان الإيمان: الإيمان بكتب الله.

    والمقصود بكتب الله الإيمان بكلامه، فالله سبحانه وتعالى يتكلم متى شاء بما شاء، ويشرع لعباده ما شاء، وكلامه نوعان:

    كلمات خلقية.

    وكلمات تشريعية.

    فالكلمات الخلقية هي الكلمات القدرية، مثل قوله لهذا: (كن فيكون)، وقوله لهذا: (مت)، وقوله لهذا: (اذهب) وقوله لهذا: (اجلس)، وهذه الكلمات يقف عندها البر والفاجر، لا يتعداها بر ولا فاجر، فإذا قال لأحد: (مت) لا يستطيع أن يتأخر لحظة واحدة، حتى لو كان أشد وأعتى أعداء الله، ولما قال لـأبي جهل : (مت) هل استطاع أن يتأخر؟ما استطاع أن يتأخر.

    إذاً هذه هي الكلمات الكونية، وهي كثيرة جداً غير محصورة في عدد محدد، ولا ينزل بها الملائكة، ولا تنزل وحياً، وإنما يخاطب الله بها من شاء في كل اللحظات، وهي المذكورة في قول الله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[يس:82] , وفي قوله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[النحل:40] , وهي المذكورة في قوله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً[الكهف:109] , وفي قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ[لقمان:27] .

    أما الكلمات التشريعية فهي التي يشرع الله بها ما شاء لعباده، ويفصل فيها ما شاء من الأحكام، وهذه محصورة العدد لا تنزل إلا على الأنبياء، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ[الشورى:51] , وهذه هي الكتب المنزلة يقف عندها البر ويتعداها الفاجر، قال لـأبي جهل : (آمن)، فلم يؤمن ولم يقبل، فإذا قال للكافر: (صل) فيمكن أن يمتنع من ذلك، وإذا قالها للبر المؤمن بادر إلى ذلك، إذا سمع المنادي ينادي: (حي على الصلاة. حي على الفلاح) توضأ وجاء مقبلاً إلى المسجد ليصلي، فهذه الكلمات التشريعية يقف عندها البر، ويتعداها الفاجر، وهي محصورة العدد، وهي الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ونزل بها جبريل عليه السلام، وهو أمين الوحي عليهم، وهذه يقع فيها النسخ والتأخير والإنساء، ولا يقع ذلك في الكلمات القدرية، والكلمات القدرية يقع فيها تجاذب إرادتين، مثل قول الله تعالى -فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم-: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه), هذا تجاذب الإرادتين، لكن لا يمكن أن يقع فيها النسخ ولا التغيير، قال تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ[الرعد:39] .

    أما الكلمات التشريعية فنزلت الشرائع على الأنبياء، ونسخ منها ما لا يتلاءم مع الوقت الذي يأتي فيه أنبياء جدد، حتى استكمل ذلك بهذا الكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فنسخ كل ما سبقه وكان مهيمناً عليه، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا لا يمكن الزيادة فيه اليوم ولا النقص منه، فهو محفوظ: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[فصلت:42].

    الإيمان بالكتب السماوية إجمالاً وتفصيلاً

    والإيمان بكتب الله عز وجل يقتضي الإيمان بها إجمالاً، أن الله أنزل على رسله كتباً من عنده لم يكذبوا فيها ولم يفتروها: مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ[يوسف:111] , وأن هذه الكتب فيها تشريع يتلاءم مع القول الذي أنزلت فيه، وفيها ذكر لله، وكلها مجمعة على توحيده ومحبته والإيمان به.

    ويجب الإيمان تفصيلاً بأربعة منها، وهي: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن.

    فهذه الكتب الأربعة يجب الإيمان بها تفصيلاً، فالتوراة هي: الكتاب المنزل على موسى، والإنجيل هو الكتاب المنزل على عيسى، والزبور هو الكتاب المنزل على داود، والقرآن هو الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان الإيمان بها يدخل في الإجمال؛ لأن القرآن لا يجب أن يحفظه الإنسان كاملاً عن ظهر قلب، ولكن يجب عليه أن يصدق أن الله أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا سمع شيئاً لا يعرف هل هو من القرآن أو لا لا يقتضي ذلك كفراً؛ لأنه غير ملزم بحفظ القرآن بكامله.

    ومن هنا فإن كثيراً من الصحابة رضوان الله عليهم شغلوا بالجهاد ونشر الدعوة عن حفظ القرآن، فكان كثير منهم لا يحفظ القرآن بكامله، فكان خالد بن الوليد رضي الله عنه لا يحفظ القرآن كاملاً، وكان في أكثر أوقاته أميراً، والأمير يلزمه أن يصلي بالناس فهو إمامهم، والإمامة الصغرى فرع عن الإمامة الكبرى، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الأئمة في آخر الزمان لما سئل عن الخروج عليهم ومقاتلتهم قال: (لا. ما أقاموا فيكم الصلاة), والحديث في صحيح مسلم .

    فقوله: ( ما أقاموا فيكم الصلاة ) معناها: ماداموا يصلون لكم أئمة ويخطبونكم على المنابر ويؤمونكم في المساجد فلا تخرجوا عليهم ولا تقاتلوهم، أما إذا تركوا ذلك فلا، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا. ما أقاموا فيكم الصلاة).

    فـ خالد بن الوليد ما ترك الإمامة؛ لأنه مسئول عنها شرعاً، لكن لم يكن يحفظ القرآن بكامله، فكان إذا صلى صلاة من ذوات الطول يقرأ فيها من آيات معينة، ثم يأتي بسورة أخرى، ثم إذا سلم التفت إلى الناس فقال: (شغلنا بالغزو عن حفظ القرآن فقرأنا لكم ما تيسر منه) يقرأ تارة من البقرة، وتارة من النساء، وتارة من آل عمران.

    كذلك لا يجب الإيمان تفصيلاً بما في التوراة وما في الإنجيل وما في الزبور، فما ورد في القرآن من ذلك فيلزم التصديق به، مثل التصديق بالقرآن، مثل قول الله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ[المائدة:45] , وكذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ[الأنبياء:105] , وأما ما لم يرد في القرآن تصريح بنسبته إلى أحد هذه الكتب فلا يجب الإيمان به، ولا تصديق اليهود والنصارى فيه، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد).

    ولا شك أنهم قد حرفوا وبدلوا وغيروا، وشهد عليهم القرآن بذلك، ومن تمام تغييرهم أن الله أخذ عليهم العهد باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عرفوه كما يعرفون أبناءهم، فلم يتبعوه ولم يصدقوه، وهذا غاية التغيير والإخلال بالعهد، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم يصدقوه ولم يتبعوه، فهذا غاية التحريف والتبديل؛ لأن الله أخذ عليهم العهد المؤكد إذا أتاهم أن يؤمنوا به ويصدقوه.

    تعظيم كتب الله واعتقاد أن القرآن هو الصالح للتشريع

    ثم من الإيمان بهذه الكتب الإيمان بأنها الصالحة وحدها، فالقرآن وحده هو الصالح للتلقي والتشريع، الصالح صلاحاً مستمراً إلى أن يرفعه الله تعالى، وهو المرجع في كل الأمور، وإذا جاء الكلام فيه لابد أن يتوقف الإنسان عنده، وكان عمر وقافاً عند القرآن، يناقش في كل الأمور فإذا جاءت آية من كتاب الله وقف، فالقرآن هو الحاكم، ولا بد أن يستسلم له الناس، وإذا جاء فيه كلام من عند الله فلابد أن ينظر إليه الإنسان بنظرة أنه خطاب من عند الله له هو، فهو عبد لله، وهذا بيان من عند الله إليه: هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ[إبراهيم:52] .

    ومن هنا وجب أن يحب الناس هذا القرآن، ووجب أن يتدبروه وأن يتعلموه، وتدبرهم له مستويان:

    المستوى الأول: تدبر أهل العلم، وهم الذين يستطيعون الاستنباط والتفهم فيه، ولا يختص هذا بالعلماء، بل كل من يفهم شيئاً من العربية يمكن أن يحصل على قسط من هذا التدبر، فإذا قرأ المصحف حاول أن يتفهم في كل آية، فإذا جاءت موعظة وإذا جاءت حكمة وإذا جاء تذكير بادر إلى الإيمان بذلك وأحبه حباً شديداً.

    المستوى الثاني من التدبر: تدبر الجهال، وهو حصول المحبة له، فمن لا يفهم العربية إذا قرأ القرآن غير ملزم بأن يتدبر شيئاً لا يفهم معناه بمعنى: التفكر في ألفاظه ومعانيه، لكنه ملزم بمحبته، أن يقول: كل من عند ربنا. وأن يحبه حباً شديداً، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون، فهذا عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه عندما أتاه الموت وهو في سكرات الموت أخذ المصحف وجعل يضعه على خديه ويقبله ويقول: كلام ربي. كتاب ربي. من حبه للقرآن، فلابد أن يكون الإنسان محباً له بهذا المستوى من المحبة، وهذا القدر من التدبر مشروط على كل الناس، أما التدبر في تفهم المعاني فهو مختص بمن يستطيعه.

    تمام الإيمان بالقرآن

    من تمام الإيمان بالقرآن التصديق بما فيه من الخبر، سواءٌ أكان خبراً عما مضى أم خبراً عما يأتي في المستقبل، وكذلك معرفة ما فيه من الآيات، وعدم ضرب بعضه ببعض، وعدم اتباع ما تشابه منه، وأن يحكم محكمه وأن يؤمن بمتشابهه، وأن لا يعرض عنه الإنسان.

    كذلك من تمام الإيمان به قراءته وعدم الإعراض عنه، فالذي ليس في قلبه منه شيء كالبيت الخالي، ومن هنا كان على المؤمنين جميعاً أن يعلموا أولادهم هذا القرآن في صباهم، وأن يحببوه إليهم، وأن لا يجعلوهم ينفرون منه، وكثير من الذين يعلمون القرآن مع الأسف ينفرون الصبيان من القرآن، فيجعلونه وقتاً للمشقة والإهانة والضرب والتعذيب والتحقير، فينشأ الصبي مبغضاً للقرآن غاية البغض، وهذا -نعوذ بالله- سوء تربية، بل على الذين يعلمون الناس القرآن أن يعلموا أنهم ذووا مسئولية عظيمة، وأنهم أفضل هذه الأمة وخيرها؛ لما أخرجه البخاري في الصحيح عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه), وهو يعلم أنه وكيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم القرآن، وأنه أمين من عند الله على كتابه، فيتشرف بهذه المسئولية، ويحرص عليها تمام الحرص، ويحاول أن يحبب هذه المادة إلى قلوب الصبيان، وأن يجعلهم يتنافسون فيها بأنفس رفيعة، ويعلمون أن مستوى فضلهم هو المستوى الذي وصلوا إليه وحصلوا عليه من القرآن، فإنه يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: (اقرأ وأرق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها).

    ومن هنا ينبغي أن نغير النظرة في تعليمنا لأولادنا القرآن، وأن نحاول أن نحببه إليهم بمختلف الوسائل، وأن نجعله مكاناً للتنافس في الخير، وأن نحبب إليهم تدبره وتفهمه، وأن لا نجعلهم يحفظون حروفه دون حدوده، وكثير من الناس -مع الأسف- لا يعتني بحروفه ولا بحدوده، فالصبيان يحفظونه هذرمة ولا يتقنون تجويد آية منه، والذين يدرسونه أيضاً لا يهتمون بتفسيره، تمر عليهم الآية عدة مرات وهم لا يفقهون كلمةً فيها، ولا يسألون عنها، ولا يبحثون عنها في أي تفسير، وهذا من رفعه؛ لأن الإعراض عنه وعدم تحكيمه بالنهار وعدم القيام به في الليل من رفعه.

    فإن من الإيمان بالكتب المنزلة الإيمان بأن هذا القرآن سيرفع، يسرى عليه فيمحى من الصدور والمصاحف، وذلك إذا جاء أمر الله كما قال تعالى: وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ[الإسراء:86] , وقد جاء في الأحاديث: (أنه سيسرى عليه في ليلة من الليالي، فيمحى من الصدور والمصاحف)، فهذا هو الركن الثالث من أركان الإيمان.

    1.   

    الإيمان بالرسل

    أما الركن الرابع من أركان الإيمان فهو الإيمان برسل الله، والرسل: جمع رسول. والرسول في اللغة يطلق على الرسالة التي يحملها الإنسان إلى غيره، ومنه قول الشاعر:

    لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بليلى وما أرسلتهم برسولي

    أي: برسالتي. وحامل تلك الرسالة يسمى رسولاً أيضاً؛ لأنه مرسل بالرسالة, والرسل: هم الذين أرسلهم الله لبيان شرعه، وهم من الملائكة ومن البشر، كما قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ[الحج:75] , ولا يكون اصطفاؤهم إلا على أساس الاختيار والاجتباء الرباني، كما قال تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ[الأنعام:124] , فهو: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ[القصص:68] .

    وقد بدأ الرسل بآدم عليه السلام، فقد أرسل إلى ذريته، لكنه أرسل قبل اهباطه إلى الأرض، فلذلك ليس من رسل أهل الأرض، فأول رسل أهل الأرض هو نوح عليه السلام.

    وأما آدم فقد أرسل في الجنة إلى حواء وإلى ما بعد ذلك من ذريته، لكن لم يرسل إلى البشرية كافة، ونوح هو أول رسول إلى أهل الأرض كافة، ثم ختم الرسل بمحمد صلى الله عليه وسلم، فهو آخر الأنبياء وآخر المرسلين، كما قال تعالى: وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] , فهو خاتم النبيين لا نبي بعده.

    وهؤلاء الرسل لا يكونون إلا أنبياء لله، واختلف في تحديد معنى النبي والرسول، وأرجح الأقوال في ذلك أن النبي هو الذي أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بدعوة الناس إليه وإدخالهم فيه، والرسول هو الذي أوحي إليه بشرع وأمر بدعوة الناس إليه وإدخالهم فيه، ولكن رسالاتهم متفاوتة، فمن الرسالات ما يكون تجديداً لرسالة سابقة، كرسالة يحيى مجددةً لرسالة زكريا، وكذلك رسالة عيسى مجددةً لرسالة موسى، وإن كانت مخففةً في بعض أحكامها، كما قال تعالى حكاية عنه: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ[آل عمران:48-49] .

    وكذلك بين أنه يخفف عنهم بعض ما حرم عليهم: وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ[آل عمران:50] , فهذا تخفيف ونسخ من شريعة موسى بشريعة عيسى، لكن ليست ناسخة لكامل شريعة موسى.

    ومنهم من تكون رسالته لإصلاح خلل وقعت فيه البشرية، كشعيب عليه السلام، فإنه أرسل لعلاج الظلم الذي حصل في المكيال والميزان، ولوط عليه السلام الذي أرسل لإصلاح الخلل الذي وقعت فيه البشرية من الشذوذ الجنسي وغيره.

    ما يختص به محمد صلى الله عليه وسلم عن بقية الرسل

    ومنهم من تكون رسالته عامة شاملة، ولهذا قال الله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [المائدة:48] , ومحمد صلى الله عليه وسلم هو أعمهم رسالة، ويختص عنهم بكثير من الخصائص، منها:

    أن الأنبياء قبله كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، وأرسل صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة.

    ومنها: أنه خاتمهم، وأنه المختص بالشفاعة الكبرى والصغرى دونهم يوم القيامة.

    ومنها: أنه أحلت له الغنائم، وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، وكذلك الحوض المورود الذي خص به يوم القيامة ترده أمته، فيذاد عنه من غير وبدل، ويطردون كما تطرد غرائب الإبل، ويرده الذين تبيض وجوههم يوم القيامة، ويطرد عنه الذي تسود وجوههم، وهم الكاذبون على الله المغيرون المبدلون، وكذلك يطرد عنه الذين يعينون أهل الظلم، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح أنه قال: (سيستعمل عليكم في آخر الزمان أمراء يظلمون الناس ويؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فمن صدقهم في كذبهم أو أعانهم على ظلمهم فلن يرد علي الحوض), فهذا ثمن الحوض، وممالأة الظالمين ومساعدتهم مانعة من الشرب من حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.

    كذلك يختص عنهم فيما يتعلق بالإيمان، أن يؤمن الإنسان بأن شرعه ناسخ لما سبق، وأنه لا يقبل الله من أحد إلا ما جاء به بعد مجيئه، وأن كل خير اليوم ليس من طريق محمد صلى الله عليه وسلم فهو مردود، وليس خيراً، فالخير كله ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يأتي أحد بتكميل لما جاء به، فقد أكمله الله في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً[المائدة:3] .

    وكذلك الإيمان بصفات الأنبياء المشروطة فيهم، وهي العصمة، والأمانة، والتبليغ، وعلو المنزلة، فهذه صفات الأنبياء جميعاً، كلهم يتصفون بالصدق والأمانة والتبليغ والعصمة.

    وكذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمام الإيمان به أن يؤمن الإنسان بأنه صلى الله عليه وسلم قد ترك أمته على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وأن خير هذه الأمة القرن الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وأن خير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم بقية أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وأحل الله عليهم رضوانهم الأكبر الذي لا سخط بعده وأنزل فيهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ[الفتح:18] , وفيهم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة).

    وكذلك من تمام ما يتعلق بهؤلاء الصحابة أن نعرض عما شجر بينهم، وأن نلتمس لهم العذر فيما وقع منهم من الخطأ، وأن نعلم أنهم بشر غير معصومين يخطئون ويصيبون، ولكنهم أولى الناس بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وأولى الناس بأن يلتمس لهم أحسن المخارج، وأن يظن بهم أحسن الظنون، وأن لا يعادى أحد منهم، فهم أولياء الله، ومن عادى لله ولياً فقد آذنه بالحرب, فلا يعلن العداء على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يذكرون إلا بخير، ويلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المظان، وهم خيرة هذه الأمة الذين اختارهم الله لصحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأولى الناس بشفاعته؛ لأنه يعرفهم، وجاهدوا معه وصحبوه، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم -فيما أخرج عنه البخاري في الصحيح-: (يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقال: نعم. فيفتح لهم, ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم, ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم), فهذه القرون الثلاثة المزكاة التي زكاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي خير هذه الأمة وأفضلها.

    1.   

    الإيمان باليوم الآخر

    الركن الخامس من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر.

    والمقصود بذلك الإيمان بالدار الآخرة المقابلة لدار الدنيا، فدار الدنيا معناها: دار العاجلة، وهي مختلف في وصفها هذا هل هو مشتق من الدناءة؛ لأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تساوي عنده جناح بعوضة لما أطعم منها كافراً شربة ماء، أو مشتقة من الدنو لقربها؛ لأنها قبل الآخرة؟

    والآخرة هي التي بعد هذه الدار الدنيا، والآخرة عبارة عما بعد نهاية هذه الدنيا، وليست منتهية إلى زمان، بل هي مستمرة إما إلى جنة وإما إلى نار، وأهل الجنة في نعيم دائم لا ينقطع، وأهل النار في عذاب مستمر دائم لا ينقطع، لكن قبل ذلك تقع مشاهد وأحداث وأهوال هي أهوال القيامة، وهذه الأهوال تنقسم إلى قسمين:

    أهوال تسمى علامات، وهي أشراط للساعة وعلامات لها سابقة عليها، وهذه من أعظمها الموت، فالموت علامة على القيامة؛ لأنه انتقال من هذه الدار إلى الدار الآخرة، وإذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته، ولذلك فالقبر أول منازل الآخرة، وهو أعظم من كل ما قبله، وأعظم منه كل ما بعده.

    وكذلك منها الأشراط الكبرى، مثل طلوع الشمس من مغربها، وقرنها مع القمر، وكذلك خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وكذلك الدخان، والنار التي تسوق الناس من قعر عدن إلى المحشر إلى الشام، وكذلك الدابة التي تخرج في مكة في المسجد الحرام فتكلم الناس، وكذلك رفع القرآن فهو من أشراط الساعة، وكذلك خروج المسيح الدجال الكذاب الذي ما من نبي إلا وحذره قومه، وما بعد خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم منه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطانا فيه علامة لم يعطها نبي قوماً قط، فأخبرنا أنه أعور وأن ربنا ليس بأعور.

    وجاء في حديث أنه: (أعور العين اليمنى)، وفي الحديث الآخر: (أعور العين اليسرى)، ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن (أعور العين اليمنى) معناه أنها غائرة لا ترى، وهي طافئة، أي أنها مشقوقة مستترة، والحديث الآخر: (أعور العين اليسرى) معناه أنها عنبة طافية، فهي قبيحة وقبحها هو عورها، خارجة من محلها، بمعنى أنها جاحظة كبيرة جداً ومع ذلك هي كالعنبة الطافية، ومعناه: التي تبرز فوق الماء. فإحداهما طافية والأخرى طافئة، فالطافية معناه: الخارجة من محلها. والطافئة معناه: المشقوقة الداخلة في محلها. ومكتوب بين عينيه: ( ك ف ر ) كفر، أو (كافر)، وهذه علامة بارزة يراها أهل الإيمان، فكل من أراد الله به أن يجتنب المسيح الدجال رأى مكتوباً بين عينيه: ( ك ف ر )، فهذه علامات تختص بهذه الأمة بينها لنا الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقد بالغ في التحذير منه، فقد جاء عنه فيه كثير من الأحاديث الصحيحة، ومنها إخباره صلى الله عليه وسلم -عندما ذكرهم بـالمسيح الدجال وفتنته- وأن معه نهراً يزعم أنه الجنة ومعه آخر يزعم أنه النار، فجنته هي النار وناره هي الجنة، وأنه يمر بالخربة فيأمرها فتتبعه كنوزها، ويمر على قوم فيتبعونه وهم في قحط وجذب -أي: مقحلون- فيأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، فتروح عليهم ماشيتهم أطول ما كانت ضروعاً وأسمنها، ويمر على آخرين فيكذبونه فيأمر الأرض فتقحط، ويأمر السماء فتمسك، وتروح عليهم ماشيتهم أضمر ما كانت ضروعاً وأقلها لبناً.

    وكذلك فإن فتنته عظيمة جداً، يأتي المدينة بمسالحه، وهو يخرج بين العراق والشام فيعيث يميناً وشمالاً، ويمكث في هذه الأرض أربعين يوماً، فيوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كأيامكم، ويتبعه اليهود، ويكون في مقدمة جيشه سبعون ألفاً من يهود أصبهان عليهم الطيالسة، والطيالسة: جمع طيلسان، وهو: العمامة الخضراء التي تكون مسبلة على الرأس والكتفين. ويأتي المدينة ومكة فيحرم منهما ولا يدخلهما، وعلى أنقابهما الملائكة، كلما أراد الدخول ضربوه، وللمدينة يومئذ سبعة مداخل أو سبعة أبواب، فإذا أراد الدخول من واحد وجد عليه ملكين فيطردانه فتنزل مسالحهم على جيوشه وسلاحه بإحدى السباخ في المدينة، وينزل هو على جبل من جبالها فيطل عليها فيرى المسجد فيقول: ذلك القصر الأبيض قصر محمد. فيأتيه أهل المدينة وفيهم رجل هو من خير الشهداء فيقول: والله إنك للمسيح الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيأمر به فيفلق فلقتين فيمشي بينهما، ثم يدعوه فيقوم فيناديه فيقول: ألست ربك؟

    فيقول: والله ما ازددت فيك إلا يقيناً، ولأنت المسيح الدجال عدو الله الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقصد أن يذبحه فلا يسلط عليه، ويجعل الله بين ترقوته وذقنه نحاساً فلا يستطيع أن يذبحه.

    وكذلك من هذه الأشراط الكبرى نزول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، ينزل بمدينة دمشق عند المنارة البيضاء شرقي المسجد، ينزل بين ملكين، وإذا طأطأ رأسه تحدر منه مثل الجمان، وإذا رفعه سال مع عنقه كأنما خرج من ديماس، وينزل وقد أذن للفجر، فيأتي المسجد والناس يصلون وإمامهم منهم، فيقول: يا نبي الله! تقدم فصل. فيقول: ما أقيمت لي. ويصلي مأموماً، ويقاتل المسيح الدجال ويتبعه المؤمنون، ويلتقي به عند باب لد فيقتله، ولا يحل لكافر أن يجد ريح نفسه إلا ذاب كما يذوب الملح في الماء، ونزوله شرط من أشراط الساعة وعلامة من علاماتها.

    وكذلك حشر اليهود إلى بيت المقدس وإلى الشام عموماً، فهو أول الحشر، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ[الحشر:2] , وكذلك في قوله تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً[الإسراء:104] , فسيجتمع بنو إسرائيل كلهم في الشام، وقد بدأ هذا وشاهدناه وحصل منه في زماننا هجرات كثيرة لليهود، فقد جاء يهود الاتحاد السوفيتي، ثم جاء بعدهم يهود الفلاشا من أفريقيا، وما زالوا يجتمعون، والآن يخططون لجلاء اليهود من أوروبا وأمريكا ليجتمعوا في هذا المكان بعد أن اجتمع فيه اليهود من المغرب واليهود من المشرق.

    وكذلك من هذه الأشراط الأشراط الصغرى، ومنها انتشار الفواحش، وكثرة النساء وقلة الرجال، ورفع العلم، وكثرة الجهل، وأن يقود الناس جهالهم، وأن يقود القبيلة غاويها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاء يتطاولون في البنيان، وأن يكون المال في أيدي البخلاء، وأن يرفع من أيدي الأغنياء، وكذلك أن يكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد، وكذلك كثرة الهرج وهو القتل، فلا يبقى الشخص قادماً، ولا يسمع خبراً إلا وفيه قتل في بلد من البلدان، وأنت اليوم تسمع أية إذاعة أو تقرأ أية جريدة ستجد القتل في كل خبر.

    وكذلك فشو الربا، فلا يكاد الإنسان ينجو منه، فمن لم ينل منه نال من رائحته ووصل إليه من غباره، وهذا ما نشاهده اليوم، فأرزاق الناس كلها متأثرة بالربا، وكذلك منها العقوق، فيكون الولد سلطاناً على والده لا يستطيع أن يأمره بشيء ولا أن ينهاه عن شيء، ويسعى أن يجعل بينه وبينه وسيطاً ليبلغه أمراً من عنده أو أن ينهاه عن شيء.

    وكذلك من هذه الأشراط الصغرى تقارب الزمان، حيث تكون السنة منزوعة البركة حتى تكون كالشهر، ويكون الشهر كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاشتعال السعفة -أي: سعفة النخلة- من قلة بركة الزمان، وكذلك من تقارب الزمان كثرة الاتصالات ووسائل النقل وتسهيلها.

    وكذلك من هذه الأشراط الصغرى ما يحصل من تفشي الكذب، فيحدث الرجل عن شخص يعرف وجهه ولا يعرف اسمه، فينتشر الكذب بهذه الطريقة، وهو الذي يسميه الناس اليوم (رجل الشارع)، فيقولون: رجل الشارع يحدث بكذا. و(رجل الشارع) معناه الشخص المجهول الاسم المعلوم للعين، والحديث وارد فيه، فيقول الرجل: حدثني رجل أعرف وجهه ولا أعرف اسمه. وينتشر الكذب، فهذه كلها من أشراط الساعة وعلاماتها.

    1.   

    مشاهد يوم القيامة

    النفخ في الصور

    أما مشاهد القيامة فمن أعظمها النفخ في الصور، ونفخ الصور ثلاث نفخات:

    نفخة هي نفخة الخروج والبعث التي تخرج الأموات من قبورهم، ويجتمع إليها الناس بالساهرة، ويناَدْون: هلم إلى ربكم. فيخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون.

    ونفخة الفزع، وهي النفخة التي يفزع لها كل الناس.

    ونفخة الصعق، ونفخة الصعق هذه يموت منها الجميع، يصعق لها كل الناس القدماء والجدد الذين ماتوا وحشروا، والذين جمعوا من أطراف الأرض، ثم نفخة الفزع بعدها يحيون من أجلها.

    حشر الناس في الساهرة

    ثم بعد ذلك الحشر، وهو جمع الناس في الساهرة، فتبدل الأرض غير الأرض، وتطوى هذه الأرض وتشقق وتمزق، وتطوى السماء، ويأخذ الجبار الأرض والسماوات فيجعلهن بقبضته، كما قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ[الزمر:67] , فيهزهن فيقول: أنا الملك، أين الجبارون؟! أين المتكبرون؟!

    وكذلك يأخذ الله الأرض فيتكفؤها كما يتكفأ أحدكم خبزةً، فتكون الأرض خبزة يتكفؤها الجبار بيمينه كما يتكفأ أحدكم خبزته يجعلها نزلاً لأهل الجنة: إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[الأعراف:128].

    اجتماع الناس للحساب

    وكذلك بعد هذا اجتماع الناس في الساهرة، فيجتمع فيها أولهم وآخرهم، يرى الشخص أطرافهم، فالشخص الواحد القائم يرى أطراف الخلائق من لدن آدم إلى قيام الساعة ببصره العادي، يجتمع الخلائق كلهم حفاة عراة غرلا، حفاة لا ينتعل أحد منهم، وعراة لا يلبس أحد منهم، وغرلاً لم يختتن أحد منهم، على هيئتهم الأصلية الرجال والنساء، ثم يطول بهم الموقف ويحبسون ذلك الحبس الطويل الذي تدنو فيه الشمس حتى تكون كالميل فوق رؤوسهم، ويشتد العرق حتى يلجم كثيراً منهم، ويصل ببعضهم إلى الثديين، وبعضهم إلى الترقوتين، وبعضهم دون ذلك، ويؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، في كل زمام سبعون ألف ملك، فتحيط بالناس من كل جانب، ويؤتى بالملائكة صفاً صفاً، ويتجلى الباري سبحانه وتعالى فوق عرشه، قال تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ[الحاقة:17] ، وقال تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي[الفجر:22-24] .

    ثم إذا طال هذا الموقف بالناس فمن مشاهد القيامة أنهم يدوكون فيما بينهم ويسألون عن الرأي، فيقولون: قد طال بنا موقفنا، وإن ربنا قد غضب علينا، وإنه لم يكن ملجؤنا في الدنيا إلا العلماء فلنذهب إليهم. فيذهبون إلى العلماء فيقولون: ليس اليوم لنا، وإنما هو للأنبياء: (فيذهبون إلى آدم عليه السلام فيقولون: أنت أبونا، خلقك الله بيمينه، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول آدم: نفسي نفسي رب! لا أسألك إلا نفسي. إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد عصيت الله في أكل الشجرة، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتونه فيقولون: يا إبراهيم! أنت خليل الله، اصطفاك لخلته واختارك من بين خلقه، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار. فيقول إبراهيم: نفسي نفسي رب! لا أسألك إلا نفسي. إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كذبت ثلاث كذبات، ولكن اذهبوا إلى موسى. فيأتونه فيقولون: يا موسى! أنت كليم الله اصطفاك برسالاته وبكلامه، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار. فيقول موسى: نفسي نفسي رب! لا أسألك إلا نفسي. إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم يؤذن لي بقتلها، ولكن اذهبوا إلى عيسى. فيأتونه فيقولون: يا عيسى! أنت روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار. فيقول: نفسي نفسي رب! لا أسألك إلا نفسي. إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني عبدت من دون الله، ولكن اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. فيأتونه فيقول: أنا لها. فيخر ساجداً تحت العرش، فيلهمه الله تعالى ثناءً لم يثن به أحد على الله، فيقال له: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطه) فيرفع رأسه ويشفع للناس.

    فحينئذ يؤذن لهم في الانصراف، فينصب الصراط على متن جهنم، ويتجلى الباري لفصل الخصام بينهم، حتى يقتاد للشاة الجماء من الشاة القرناء.

    وأول من يكسى إبراهيم عليه السلام، يكسوه الله تعالى من الديباج الأبيض من الجنة، ثم يكون الأنبياء على منابر من نور، وتقام المنابر للمقسطين -وهم العادلون من المؤمنين- فيكونون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، يشهدون على الناس، ويستشهد الشهداء، في ذلك الوقت كل إنسان يأتي معه سائق وشهيد، فالسائق: الملك الذي كان يكتب أعماله، والشهيد: الرسول الذي أرسل إليه وقامت عليه الحجة به، وكل أمة يرفع لها لواء باسم زعيمها وقائدها: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً[الإسراء:71] .

    فيعطى الناس كتبهم، فمنهم من يعطى كتابه بيمينه تلقاء وجهه، وهؤلاء هم الذين يقولون حين يدخل عليهم السرور: هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ[الحاقة:19] , ومنهم من يعطى كتابه بشماله وراء ظهره بإهانة وإيذاء، فهؤلاء -نعوذ بالله تعالى- يشكون من حالهم ويدعون بالويل والثبور.

    ثم بعد ذلك يبيض الله وجوه الذين يصطفيهم للجنة ويسود وجوه الكاذبين عليه: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ[الزمر:60] .

    ثم بعد هذا ينادي الله تعالى آدم بصوته فيقول: (أخرج بعث النار. فيقول: يا رب! من كم؟

    فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ[الحج:2] ).

    وحينئذ يؤتى بالنار، وتزلف الجنة لأهلها، وينصب الصراط على النار، وهو جسر منصوب على متن جهنم أدق من الشعرة وأحد من السيف، وعليه كلاليب كشوك السعدان، يمر الناس عليه فيتفاوتون بحسب أعمالهم، فمنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يمر كالرجل يشتد عدواً، ومنهم من يمر كالرجل يزحف على مقعدته، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكردس على وجهه في نار جهنم.

    ثم إذا مروا دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة، ويضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويستفتح أهل الجنة الجنة، وأول من يستفتح محمد صلى الله عليه وسلم، فيحرك حلقة الباب فتفتح أبواب الجنة كلها، ويؤذن للناس بدخولها بحسب أعمالهم، ففيها باب الصلاة، وباب البر، وباب الجهاد، وباب الصدقة، وباب اسمه الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، فإذا دخلوا منه أغلق فلم يلج منه أحد، ويدخل أهل النار النار، وأدناهم منزلة فيها المنافقون الذين هم أخفضهم في قعر جهنم، نعوذ بالله، وقعرها يهوي فيه الحجر الصلب الثقيل سبعين خريفاً لا يصل إلى قعرها، يرمى به من أعلاها فيمكث سبعين سنة يهوي حتى يصل إلى قعرها.

    زيارة الله لأهل الجنة

    بعد هذا يزور الله عز وجل عباده المؤمنين بعد أن استقروا في منازلهم في الجنة، فيقال لهم: إن ربكم يستزيركم. فيزينون لذلك، فيخرجون إلى كثبان من الجنة رملها من الذهب، وتناويرها من العقيق الأحمر، وكل بللها من الكافور والمسك، فيأتون فيرون ربهم سبحانه وتعالى كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، وأقواهم رؤية له أشدهم حباً له، وأشدهم تعلقاً به ومعرفةً له، فيتفاوت الناس في رؤية الله على حسب خشوعهم في الصلاة ومحبتهم لله وتعلقهم به، فبينما هم في نعيمهم إذ تجلى لهم ربهم من فوقهم، فيرون نوراً من فوقهم فينظرون إليه فلا ينظرون إلى شيء مما هم فيه من النعيم، فيقول: سلام قولاً من رب رحيم. وهذا هو سلام الله عليهم.

    هذه هي مشاهد القيامة، ويجب الإيمان بها إجمالاً ويجب الإيمان تفصيلاً منها بما جاء في القرآن والسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي كلها خبرية لا يمكن أن تصل إليها العقول ولا أن تعرف إلا من الوحي.

    1.   

    الإيمان بالقضاء والقدر

    مراتب القدر

    الركن السادس من أركان الإيمان: الإيمان بقدر الله النافذ، فالله عز وجل متصف بصفة هي صفة القدر.

    والقدر معناه: تقدير الأشياء قبل خلقها. والقدر أربع مراتب:

    فالمرتبة الأولى منه: علم الله تعالى بجميع الأشياء قبل وجودها على وجه التفصيل والإجمال.

    المرتبة الثانية: كتابته لكل ما هو كائن في صحف عنده فوق عرشه، وهاتان المرتبتان هما المذكورتان في قوله: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[الأنعام:59] .

    المرتبة الثالثة من مراتب القدر: هي توزيع ما هو كائن على الزمن، ففي كل سنة ليلة ينزل الله فيها ما هو كائن في تلك السنة، كما قال تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا[الدخان:4-5] , وكذلك مع كل مولود يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.

    المرتبة الرابعة من مراتب القدر: تنفيذ ما هو كائن على وفق علم الله في الأزل، فكتابتنا هذه كتبت قبل خلق السماوات والأرض، ثم كتب في هذه السنة أنها تكون في يومها وفي وقتها، ثم بعد ذلك نفذت على وفق العلم السابق، وهذا سار على كل الأشياء، فلا يخفى عن الله عز وجل أي شيء من حركة أو سكون أو فكر أو حركة طرف، كل ذلك يمر بهذه المراتب الأربع وهي مراتب القدر.

    الفرق بين القدر والشرع

    القدر سر الله المكتوب، وهو يختلف عن الشرع، فالشرع به التكليف، والقدر لا تكليف به، فالإنسان مأمور اليوم بأن يصوم رمضان القادم، لكنه قد يكون في علم الله أنه لا يبلغه ويموت قبله، فهو في التشريع متعبد بأن يعزم على صوم رمضان، وفي القدر لا يمكن أن يصومه ولا أن يبلغه، فيا رب صائمه لن يصومه ويا رب قائمه لن يقومه.

    فهنا الفرق بين القدر والشرع، وهو الذي خفي على إبليس، فاستدل بالقدر وترك الشرع، فحلت عليه اللعنة بسبب ذلك، ونجد كثيراً من الناس يستدل بالقدر ويترك الشرع، وهؤلاء هم الزنادقة مثلما حكى الله تعالى عنهم في كتابه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ[يس:47] , فهذا هو الاستدلال بالقدر في مقابل الشرع، فهم مأمورون شرعاً بأن ينفقوا على الفقراء، وهم يستدلون بالقدر ويقولون: لو أراد الله إغناءهم لأغناهم وأعطاهم مثلما أعطانا. وهذه الشبهة ردها الله عليهم فقال: أنتم مكلفون بشرعي لا بقدري، فأنا أحكم ما أشاء، وأكتب ما أشاء، فمن هنا أنتم مأمورون باتباع ما آمر به شرعاً ومحجوبون عما أفعله قدراً، ولو شئت لسخرتكم لهم ولأخذت ما في أيديكم وأعطيته لهم. فهذا الفرق بين القدر والشرع هو الذي خفي على كثير من الناس.

    ومن قدر الله تعالى أن جميع أفعال العباد وتصرفاته كلها من خلق الله ومن فعل العبد، فالعبد فيها مسير بالقدر مخير بالشرع، فهو مخير بالخطاب الشرعي إن شاء فعله وإن شاء ترك، إن شاء صام وإن شاء أفطر، إن شاء صلى وإن شاء ترك الصلاة، هذا في الشرع، لكن في القدر مجزوم بما سيفعله، ففي التكليف يقال له: افعل. لكنه غير مجبر، فإن شاء صلى وإن شاء لم يفعل، وفي القدر لا يمكن أن يخالف ما كتب الله له.

    ولذلك فإن هذه المسألة -وهي مسألة التخيير والتسيير- يغلط فيها كثير من الناس، فيظنون إشكالاً بين التخيير والتسيير أو تعارضاً بينهما، والواقع أن الإنسان مخير في الخطاب الشرعي، بمعنى أنه غير مجبر على فعل الواجبات وعلى ترك المحرمات، فهو مأمور بذلك لكنه غير مجبر عليه، فلم يوضع سيف على رأسه ولا رشاش بين كتفيه فيقال له: افعل -مثلاً- أو اترك. لكنه في القدر مجبراً إجباراً كاملاً، وهذا الإجبار الفرق بينه وبين الجبر الدنيوي أن جبر المخلوق يكون بمخالفة هوى الإنسان، وجبر الله عز وجل يكون بموافقة هوى الإنسان، فالإنسان مجبر بالاختيار، فيفعل الفعل وهو يريده ويهواه ويحبه وفيه مهلكته، يسافر في طائرة فيشتري التذكرة بثمن باهظ، ويسعى من أجل الحجز ويتعب في الحصول عليه وهو سيموت في تلك الطائرة، وستدمر به وستسقط في المحيط -مثلاً- وتتحطم، فلهذا حجب القدر عن الناس وأمروا بالشرع.

    والذين يستدلون بالقدر فيما يتعلق بالجهاد والدعوة هم من قبيل هؤلاء الذين اتبعوا إبليس وتركوا ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكثير من الناس يقولون: دعوا العمل، واتركوا الدعوة، واتركوا الجهاد؛ فإن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: (لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه)!

    ويجاب عن هؤلاء بأن هذا من قدر الله، ونحن مأمورون بالشرع لا بالقدر، فأنت مأمور أن تصلي لكن لا تدري هل صلاتك مقبولة أو غير مقبولة، فلا يمكن أن تقول: لا أصلي حتى أعلم هل صلاتي هنا مقبولة أو غير مقبولة. فالقبول من القدر، وأداء الصلاة من الشرع، وأنت مخاطب بالشرع لا بالقدر.

    الفرق بين الخلق والفعل

    وهنا أيضاً أمر آخر يغلط فيه الناس، وهو الفرق بين الخلق والفعل، فالله خالق كل شيء، خلق العبد، وخلق فعل العبد، والفعل يصدر من الله ومن المخلوق، فالله يفعل ما يشاء، والعبد يفعل ما يشاء أيضاً، لكن العبد لا يخلق، والله يخلق، فكل أفعال العبد من خلق الله، وكل أفعال الله من خلق الله، ولكن أفعال العبد من فعل العبد وليست من فعل الله، فإذا زنى العبد فهذا الفعل فعل العبد لا فعل الله، وإذا سرق فهذا فعل العبد لا فعل الله، لكنه خلق الله، وهنا الفرق بين الخلق والفعل، فالخلق لا تكليف به ولا يستطيع المكلف التدخل فيه، والفعل مباشرة المكلف لتنفيذ ما كتب عليه، فالمكلف يثاب ويعاقب على حسب الفعل لا على حسب الخلق، فهو لا يملك شيئاً من الخلق وإنما يملك الفعل.

    وهنا ينبغي أن نعلم أن أفعال المكلف عموماً منها ما يكون فعلاً للمكلف وخلقاً لله، مثل الزنا من المكلف -مثلاً- أو السرقة، فهذا فعل صادر من المكلف وخلق من خلق الله، ومنها ما يكون فعلاً لله وخلقاً لله، كإنزال المطر، فهو فعل الله وخلق الله، ليس للمكلف فيه دخل، فالمكلف هل يستطيع إنزال المطر؟! لا يستطيع إنزاله، فإنزال المطر من خلق الله ومن فعل الله، لكن يستطيع الزنا أو السرقة، فهذا من فعل المخلوق ومن خلق الله، فلذلك لا تنسب أفعال المخلوق إلى الله على أنها فعل الله، لكنها تنسب إليه على أنها خلق الله.

    ومن هنا نعلم أن لله نوعين من أنواع الإرادة: إرادة كونية، وإرادة تشريعية.

    فالإرادة الكونية هي المتعلقة بالخطاب القدري.

    والإرادة التشريعية هي المتعلقة بالخطاب الشرعي.

    فالإرادة الكونية اسمها المشيئة وتختص بذلك، والإرادة الشرعية اسمها الأمر، وهنا يفترق الحال، فقد يأمر الله بشيء ولا يريد وقوعه، وقد يشاء شيئاً وهو لا يأمر به.

    ومن هنا نعلم أن أفعال المكلف فيما يتعلق بالإرادتين أربعة أقسام:

    القسم الأول: ما تعلقت به الإرادتان معاً، وهو الأعمال الصالحة من رسول الله عليه وسلم مثلاً ومن المحسنين، فهذه الأعمال الصالحة أرادها الله إرادة كونية؛ لأنها وقعت، وأرادها إرادة تشريعية؛ لأنه أمر بها وشرعها، فصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم يأمر الله بها؟ لقد أمره بها. ألم يردها ويشأها؟ بلى؛ لأنها وقعت، إذاً فهذا القسم الأول.

    القسم الثاني: ما لم تتعلق به واحدة من الإرادتين، فلم تتعلق به الإرادة الكونية ولم تتعلق به الإرادة الشرعية، وهو مثل الأعمال السيئة من الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه الأعمال ما أرادها الله إرادة شرعية؛ لأنه لا يأمر بالفحشاء، ولم يردها إرادة كونية؛ لأنها لم تقع، فإذاً هذا القسم الثاني.

    القسم الثالث: الأعمال الصالحة من أبي جهل مثلاً، فهذه تعلقت بها الإرادة الشرعية دون الكونية، أرادها الله إرادة شرعية؛ لأنه أمره بها، ولم يرد بها إرادة كونية؛ لأنها لم تقع.

    القسم الرابع: الأعمال السيئة من أبي جهل مثلاً، فهذه أرادها الله إرادة كونية؛ لأنها وقعت، ولم يردها إرادة شرعية؛ لأنه لا يأمر بالفحشاء.

    ومن هنا أصبح من تمام الإيمان بالقدر أن نفرق بين الإرادة الكونية والإرادة التشريعية، وأن نحسن كذلك التفريق بين متعلق هاتين الإرادتين.

    أقسام القدر

    القدر ينقسم إلى قسمين: حلو ومر.

    وينقسم كذلك إلى: خير وشر.

    فيمكن أن نقسمه إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: قدر خير حلو، مثل الأعمال الصالحة السهلة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم), فإذا استيقظ الإنسان في جوف الليل فقال: (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) وهو مؤمن فهذا قدر له هذا الأمر، وهو خير قطعاً؛ لأن له ثواباً في الآخرة، وهو حلو لأنه لا يخالف هواه.

    القسم الثاني: قدر خير مر: مثل الإنسان الذي تصيبه مصيبة فيكفر الله عنه بها خطيئة، مؤمن أصابته مصيبة فكفرت عنه خطيئة، فهذا من قدر الله وهو خير له؛ لأنه كفر عنه خطيئة، ولكنه مر؛ لأنه يكره المصائب.

    القسم الثالث من أقسام القدر: قدر شر مر -نعوذ بالله- مثل أن يصيب الله الكافر بغضبه وسخطه، فتحل عليه صاعقة من السماء فتحرقه، فهذا قدر الله المر، فهو يكرهه وهو شر له.

    الرابع: قدر شر حلو: مثل الاستدراج، يستدرج الله الكفار بما يعطيهم من الأموال والأولاد، وهذا من قدر الله، وهو شر لهم؛ لأنه يزيد في عقوبتهم ويزيد في إغوائهم وبعدهم عن الله، ولكنه حلو؛ لأنه موافق لأهوائهم، فهذه هي أقسام القدر الأربعة، خيره وشره حلوه ومره، فهي أربع صور.

    إذاً فهذه هي أركان الإيمان الستة، وبقي كثير من متعلقاتها، فأقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يرزقنا تمام الإيمان به وتمام الإنابة والإخبات إليه، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم! نور بالإيمان قلوبنا، ونور بالهداية صدورنا، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، اللهم! حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر أو الفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.

    اللهم! استعملنا في طاعتك، واجعلنا هداة مهتدين يا أرحم الراحمين، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315046

    عدد مرات الحفظ

    723502280