إسلام ويب

نصرة الإسلام الوسائل والغايات [2]للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدعوة لا تحصر فيها الوسائل، ولا وسائل إعلاء كلمة ولا نصرة دينه، بل قد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأمره بإعلاء كلمته ونصرة دينه وإقامة المحجة للناس وإقامة الحجة عليهم، ولم يحدد له كل الوسائل، ولذلك عمل النبي صلى الله عليه وسلم بالوسائل التي لم يكن العرب يعرفونها وهي من حضارات أخرى؛ كحفر الخندق. فالوسائل منها ما يتجدد ويتغير باختلاف الأحوال، فلا مانع من استيراد كل فكرة نافعة لا تعارض شرعاً ولم يرد وحي بتحريمها.

    1.   

    كثرة الوسائل الدعوية وتجددها

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، وعلى من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    هذه وسائل لا تحصر فيها وسائل الدعوة، ولا وسائل إعلاء كلمة ولا نصرة دينه، بل قد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأمره بإعلاء كلمته ونصرة دينه وإقامة المحجة للناس وإقامة الحجة عليهم، ولم يحدد له كل الوسائل، بل قد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثير من الوسائل فاستغل كل وسيلة لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه تتوفر في زمانه، كتب الكتب إلى كل جبار يدعوهم إلى الإسلام؛ كما في حديث أنس ، وأرسل البعوث والسرايا وخرج في الغزوات، خمس وسبعون ما بين غزوة وسرية أخرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو خرج فيها، وكذلك استغل الوسائل حتى ما كان منها مجهولاً لدى العرب ولم يكونوا يستعملونه؛ فما كان من الحضارات الأخرى نافعاً يمكن أن يشارك في إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ولم يرد نهي عنه فهي من الوسائل المطلوبة لأنها تحقق المقصد، وكل وسيلة لم يرد النهي عنها وكانت تحقق المقصد فهي مشروعة لذلك، لكن الوسيلة التي جاء النهي عنها بخصوصها هذه لا تحقق المقصد؛ لأن الله هو علام الغيوب، ( وإن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ).

    الوسائل النبوية في الدعوة

    ولذلك عمل النبي صلى الله عليه وسلم بالوسائل التي لم يكن العرب يعرفونها وهي من حضارات أخرى؛ فالخندق من حضارة فارس، والخاتم من حضارة الروم، قيل له: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً فاتخذ خاتماً نقشه: محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمنبر من حضارة الحبشة، صنعه غلام حبشي لامرأة من الأنصار فأهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أقر أصحابه على استغلال الوسائل في صحيح مسلم أنه جاء تميم بن أوس الداري وكان رجلاً من التجار يذهب إلى الشام فيأتي بالبضائع، فجاء بالقناديل فلما غربت الشمس أمر غلمانه فأوقدوا القناديل في المسجد ولم يستشر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد رأى النور ساطعاً فيه فقال: ( من فعل هذا يرحمه الله )، فدعا له، وهذا يدل على أمور عديدة منها:

    أولاً: أن المسجد ليس لأحد من الناس سلطان عليه؛ فالمصلحة والأمور التي فيه لكل الناس كل الناس يستفيدون منه، وبيت الله جل جلاله رفع الله عنه ملك المخلوقين، وليس لأحد من الناس عليه سلطان؛ وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا[الجن:18]، ولذلك لم يستشر تميم الداري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب السلطة العليا في مصلحة المسجد، كذلك يدل هذا على أن المصالح التي لم يرد نهي عنها بخصوصها أنها مشروعة، فاستعمال القناديل في المسجد لم يكن معروفاً حتى في بيوت أهل المدينة لم يكونوا يسرجون قبل مجيء تميم الداري من الشام، أي: لم يكونوا يستعملون السرج، كانت السرج معروفة فقط للنصارى في صوامعهم، وتعرفونها في أشعار العرب في الجاهلية يذكرون صوامع النصارى وإيقاد القناديل فيها؛ فهذا يدل على أن الحضارة إذا كانت منتفعاً بها ولو كانت شعاراً لقوم ولو كانت معروفة لديهم لكن لم تكن شعاراً دينياً؛ فيجوز استغلالها، فإيقاد القناديل كان من شعار النصارى لكن لم يكن أمراً دينياً يختص بهم؛ فلذلك شرعت للمسلمين ففعلوها وأقرهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تجدد الوسائل وتغيرها بتغير الأحوال

    كذلك فإن الوسائل منها ما يتجدد ويتغير باختلاف الأحوال؛ فالله سبحانه وتعالى ذكر من ما يجاهد به المنافقون والمشركون هذا القرآن فقال: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا[الفرقان:52]، (جهاداً كبيراً) بالقرآن، (جاهدهم به) أي: بالقرآن جِهَادًا كَبِيرًا[الفرقان:52]، وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد المنافقين والمشركين فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ[التوبة:73]، ونحن نعلم جميعاً ونشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ما أمر به، قطعاً فعل ما أمره الله به، فقد جاهد المنافقين باللسان، وجاهد الكفار بالسنان، فجهاد المنافقين باللسان أملك، وجهاد الكفار بالسنان أملك، فكل جاهده بوسيلته التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما عرض عليه قتل بعض رموز المنافقين أبى عن ذلك وامتنع منه وقال: ( لئلا يقول الناس: محمد يقتل أصحابه )، وعاملهم معاملة حسنة وصبر على أذاهم؛ وقد آذاه عبد الله بن أبي بن سلول أذىً شديداً؛ آذاه في أهله وآذاه في نفسه وقال: (أبعد عنا حمارك فقد آذانا بنتن رائحته) يقول هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيترفق به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتلطف في جوابه، ونحن نعلم جميعاً أن الظروف تختلف وتتغير، وقد حصلت لي قصة في إحدى مدن الداخل؛ كانت لدي محاضرة عن الدعوة وبعض أمورها فسألني شيخ كبير السن فقال: هذا الذي قلتموه صحيح عليه الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة ونحن لا نماري فيه ولا نناقش، لكن لدينا سؤال مهم وهو أن آباءنا قطعاً هم أعلم منكم وأتقى لله وأخشى له ولم يكونوا يفعلون هذا فمن أين جئتم به وابتدعتموه؟ أو هل قصروا هم وتركوا أمراً واجباً عليهم؟ فقلت: سأبين لك ذلك بما يقنعك وتنصف به الماضين واللاحقين، فقال: وما ذاك؟ فقلت: سأذكر لك مثالين:

    المثال الأول: قوم في مجرى السيل في وسط الوادي وحولهم قوم على قمة الجبل، فأتاهم آت منذر فقال: أي قومي! قوموا عن مجرى السيل أو ضعوا سداً فإن السيل على التفاف سيأتي فيقتلع بيوتكم، فقالوا: لا، نحن لا نقيم سداً ولا نقوم من مقامنا حتى يفعل أولئك الذين فوق الجبل، إذا صنع الذين فوق الجبل سداً صنعناه، وإذا قاموا عن ذلك خشية السيل فعلنا، هل هذا التصرف صحيح؟ قال: لا، قلت: آباؤنا رحمهم الله كانوا بمنأىً عما نحن فيه، هل كان أجدادنا وآباؤنا رحمهم الله يتصورون أن أمة بكاملها تعيش من الربا؟ لا تستورد شيئاً إلا عن طريق البنوك الربوية؟ قال: اللهم لا، قلت: فهل كان آباؤنا وأجدادنا رحمهم الله يتصورون أن فتى من أولاد الزوايا أو من أولاد المسلمين يعيش بين أبوين مسلمين فإذا بلغ عشرين سنة إذا هو لا يصلي ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر؟ قال: لا، ما كانوا يظنون ذلك، هل كان آباؤنا وأجدادنا قبل مائة عام أو خمسين سنة يتصورون أن بنتاً من بنات المسلمين إذا بلغت بين أبويها تخرج مسافرة إلى ديار النصارى فتسكن في الفنادق بين النصارى؟ قال: اللهم لا، قلت: هل حصلت هذه الأمور؟ قال: والله لقد حصلت، ولقد شاهدناها، قلت: رحم الله أبا عبد الله مالك بن أنس فقد قال: (تحدث للناس أقضية على حسب ما أحدثوا من الفجور)، فهذه عيوب وأمراض حصلت فينا ولم تكن في آبائنا وأسلافنا، وكل يوم يتجدد الكثير من النقص في الدين؛ فهل نقتصر فقط على ما كان لدى آبائنا؟

    قلت: لدي مثال آخر يوضح لك الفكرة، قال: هاته، لو أن طفلاً صغيراً في السابعة من عمره اشترى له أبوه ملابس جميلة هي من أحسن الموجود من لباس الأولاد فلبسها وباهى بها الصبيان جميعاً، وكانت أحب ملابسه إليه وأجمله، ثم بعد ذلك لما تقدم به العمر طواها ووضعها في صندوق عنده، فلما بلغ أربعين سنة أخرجها وقال: تلك الملابس هي أحب ملابسي إلي وأحسنها وسألبسها الآن، هل هذا ممكن؟ قال: لا لم تعد على مقاسه، قلت: كذلك ما كان لدى آبائنا وأسلافنا من خدمة الدين ونصرته كان على قدر جهودهم وطاقتهم، أنت لا ترضى أن تعيش على ما كانوا يعيشون عليه، هل فيكم أنتم اليوم أحد يرضى أن يلبس ما كان يلبسه أبوه قبل خمسين سنة؟ هل فيكم أحد يرضى أن يأكل ما كان يأكله أبوه قبل خمسين سنة؟ أو يسكن فيما كان يسكنه أبوه قبل خمسين سنة؟ أو يركب ما كان يركبه أبوه قبل خمسين سنة؟ إذاً أخذتم نعمة الله وتوسعتم في الدنيا وفتحت عليكم أبوابها، فلماذا لا ترضون بما كانوا فيه من الدنيا؟ وترضون بما كانوا فيه من الدين؟ هل هذا عدل أو جور؟ هذا جور لا محاله؟ فالظروف تتغير، ونحن نعلم أن مراعاة فروق الزمان أصل شرعي فالوقت الأول العصر الأول عصر الصحابة عصر النقاء والصفاء وتمام الإيمان والإقبال على الله والجهاد في سبيله وعدم التكلف، هذا العصر الأول والصدر الأول أهله قد فازوا بما فازوا به، ( مضت الهجرة لأهلها، ولا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا )، ما كان يعمله الصحابة هل تستطيعون أن تعملوه اليوم؟ لا تستطيعون ذلك.

    ولذلك أخرج الترمذي في السنن من حديث نعيم بن حماد عن سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أنتم في زمان من ترك فيه عشر ما أمر به هلك، وسيأتي على الناس زمان من أتى فيه بعشر ما أمر به نجا )، وهذا الحديث فيه توسعة عظيمة وفيه خير كثير؛ فلذلك لا تقيسوا أنفسكم بالصحابة.

    الاقتصار على الوسائل الدعوية للصحابة

    والغريب أن الذين يقيسون أنفسهم بالصحابة في مجال نصرة الدين والدعوة في أمور الدنيا لا يفعلون مثل ما يفعله الصحابة، ملابسهم ليست ملابس الصحابة ومراكبهم ليست مراكب الصحابة وبيوتهم ليست بيوت الصحابة وفرشهم ليست فرش الصحابة ووسائلهم ليست وسائل الصحابة، رأيت أحد الشباب يصلي في نعلين قديمتين قد اتسختا وتنجستا فيما أعتقد من كثرة ما مشي عليهما في الشوارع غير النظيفة وهما كبيرتان من الحجم السميك في المسجد، فقلت: يا أخي! اخلع نعليك وضعهما في مكانهما لا تفرط في فراش المسجد ولا تؤذي إخوانك المصلين، فقال: لقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلون في نعالهم، قلت: صدقت، لكن هل نعالك هذه من نعال الصحابة؟ نعال الصحابة كانت مقابلتين من صنوين من شب من الثيران وصلهما جميل، فهل نعال الصحابة جاءت من الميلانو أو من إسبانيا أو من إيطاليا؟ كل له صنعته وأسلوبه؛ ولذلك لا يمكن أن تظن أن نفس النعال هي نفس النعال التي لديك، تلك النعال خفيفة من جلد ويمكن أن تمتلئ مع الرجل وتكون نظيفة وتغسل، ونعالنا اليوم لا يمكن أن يفعل بها هذا وفي ذلك أذى للمصلين وأيضاً تضييع لهيئات الصلاة، إذا جلست في الصلاة بالتورك أو بالافتراس وأنت تلبس النعلين هل تستطيع أن تفعل ذلك في النعال الكبيرة السميكة؟ لا تستطيع ذلك، وهكذا؛ فلذلك ملابسنا هذه ليست ملابس صحابة وساعاتنا غير ساعاتهم وأجهزتنا ووسائلنا غير وسائلهم، وحتى الكتب والمؤلفات الذين يقولون هذا يؤلفون الكتب، وما شاء الله يكتبون، وقد رأيت شيخاً خارج هذه البلاد ألف كتاباً ذكر فيه وسائل الدعوة توقيفية، فقلت له: هذا الكتاب هل هو من وسائل الدعوة؟ فقال: نعم، قلت: هل جاءك توقيف من عند الله على تأليف الكتب؟

    هل فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو أحد من الصحابة؟ قال: لا، فوقف حمار الشيخ في العقبة في مسألة واحدة في هذا الكتاب الذي ألفه، وهو قطعاً من وسائل الدعوة، وهو يدعو به، وهذا الكتاب ليس توقيفياً؛ فالصحابة لم يؤلفوا الكتب والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب كتاباً قط، ولذلك كنت عند الشيخ محمد عالي رحمة الله عليه وقد جاءه كتاب من أحد العلماء في هذه البلاد ألفه مؤلفه يريد به إثبات أنه لا يجوز اليوم الخروج عن المذاهب الأربعة، وأنه يجب على كل مكلف أن يقلد أحد أئمة المذاهب الأربعة وأن هذا بالإجماع وحتى قول الشيخ سيدي عبد الله في "مراقي السعود":

    والمجمع اليوم عليه الأربعة وقفوا غير ما الجميع منعه

    ونقل كثيراً من النقول فقرأت الكتاب على الشيخ فقال: اكتب:

    (بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

    أما بعد:

    فإن نسبة هذه النقول إلى ما مظانها صحيحة، ولكنها يتضمن إثباتها رفعها كدفع العبد في صداقه) ما معنى هذا الكلام؟ أي: القائل أنه لا يجوز تقليد غير الأربعة ليس من الأربعة؛ فلا يجوز تقليده في ذلك، هو قطعاً من غير الأربعة، فلا يجوز تقليده في قوله بعدم تقليد غير الأربعة، فقال: (يتضمن إثباته رفعه كدفع العبد في صداقه) النكاح والرق متنافيان، والنكاح لا يصح إلا بصداق، ركن من أركانه، فإذا دفعت رقبة العبد في صداقه بطل النكاح، النكاح لا يصح إلا بالصداق؛ فإذا دفعت فيه الرقبة بطل، فلذلك قال: (يتضمن إثباته رفعه كدفع العبد في صداقه).

    1.   

    العصر الحديث والمستجدات الدعوية

    كذلك لا شك أن كثيراً من الناس يتصورون أنفسهم في الصدر الأول، ويظنون أنهم الآن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في عصر خلفائه الراشدين المهديين، وهذا التصور خاطئ نحن الآن في زمان الدولة الحديثة ليس فيها خليفة رسول الله المبايع، وزعم الناس أن أمراء الزمان أو الرؤساء أو المنتخبين أو الملوك هم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم زعم لم يدعه أصحابه، ومن القواعد المسلمة أنه لا يعطى أحد فوق دعواه، كل من لم يدع شيئاً لا يعطاه، هم لا يدعون أنهم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدعي أحد منهم أنه أمير المؤمنين القائم بأمر الدين، الراعي لبيضة الإسلام، المجاهد في سبيل الله الذي يقيم الحدود ويردع العدو ويغزو في سبيل الله هذا لا يدعيه أحد منهم، أليس كذلك؟ هذا محل إجماع وليس مثل الإجماع السابق، إذا كانوا كذلك فكيف ندعي لهم ما لم يدعوه لأنفسهم؟ إذاً ليست لهم أحكام الخليفة ولا تتعلق بهم تلك الأحكام، إنما هم أمراء الزمان يطاعون في طاعة الله ويخالفون في معصية الله، إذا أمروا بمعصية لم يطاعوا، وإذا أمروا بطاعة فالطاعة كل من أمر بها يطاع.

    التقيد بالقوانين التي لا تخالف الشرع

    وانتظام الأمور يقتضي التقيد بكل قوانين لا تخالف الشرع وفيها تنظيم لأحوال الناس وهيئاتهم؛ فمثلاً إشارات المرور، فيها عدل وإنصاف وهي وسيلة ولم يرد بها نص، لكن لو ترك الناس يزدحمون في التقاطع إما أن تقطع حوادث السير وإما أن تتعطل مصالح الناس؛ فاحتيج إلى هذا القانون الذي ينظم سير الناس؛ فيجعل الإشارة الحمراء توقف ذلك الصف والإشارة الخضراء تسمح بالعبور، إذا كان الحال كذلك فهذا النوع من القوانين ليس تشريعاً لما لم يأذن به الله، وليس هو من المثلات أو مما يخالف شرع الله بل هذا النوع من القوانين من مصالح الناس المرسلة التي هي مثل بناء البيوت ومثل استعمال الأجهزة ومكبرات الصوت ومثل كتابة الكتب والتآليف، ومثل غير ذلك من الوسائل التي تتجدد في حياة الناس.

    اختيار الحاكم في الدولة الحديثة

    كذلك أوجه اختيار الحاكم في الدولة الحديثة ومنها استعمال صناديق الاقتراع من أجل معرفة الفائز في أي أمر من الأمور هذا الأمر لم يرد به نص؛ لم يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقة الشورى أو المشورة عن طريق صندوق الاقتراع يضع فيه الإنسان صوته، أبداً، ولا يستطيع أحد أن يدعي ذلك، لكن أمرنا الله بالشورى فقال: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[الشورى:38]، وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[آل عمران:159]، ولم يذكر لنا طريقة ووسيلة لذلك محددة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان معصوماً فلا يستطيع أحد مخالفته، وكان أيضاً يعدل إلى رأي الأكثر من الناس، وقد حصل له مواقف احتاج فيها إلى رأي الأكثر، منها ما حصل في غزوة أحد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى أن يقاتل المشركين من داخل الحصون في المدينة وأن لا يخرج إليهم؛ لأن العدد الذين معه لا يساوون نصف عدد المشركين والسلاح لا يساوي نصف عدتهم؛ فرأى أن يقاتلهم من وراء الحصون فتكون النكاية بالمشركين ولا يتأثر المسلمون بشيء، فالمسلمون لديهم من المؤونة إذ ذاك ما يكفيهم، ولو ضرب عليهم المشركون الحصار، وهذا رأي سديد صواب، وهو الحرب والخدعة والمكيدة، لكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمهور المسلمين - وهم الشباب - لا يرون هذا الرأي فتنازل عن رأيه فدخل ليغتسل وليلبس لامة الحرب، فقال الشيوخ للشباب: ( إنكم استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر لم يكن يريده، فلما خرج قالوا: نتوب إلى الله لعلنا استكرهناك على أمر لم تكن تريده قال: أجل، فقالوا: نتوب إلى الله فقال: ما كان لنبي إذا لبس لامة الحرب أن يخلعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه ).

    الانتخابات والمجالس النيابية

    وكذلك: ( في يوم أوطاس لما أتاه هوازن، فسألوه أن يرد عليهم السبي والغنائم خيرهم بين السبي والغنائم، فاختاروا السبي، فقال: ما كان لي ولبني هاشم فهو لكم، وما كان للناس فدعوني حتى أسألهم، فسأل الناس، فكثر عليه اللغط، فلم يدر من قبل ممن لم يقبل، فقال: أخرجوا إلي عرفاءكم )، والحديث في صحيح البخاري ، فجاءه العرفاء وهم أمراء القبائل والوجهاء من الناس فبينوا له من قبل ممن لم يقبل، وهذا الحديث أصل في أن كل قوم لا بد أن يكون لهم عريف، وقد جاء في الحديث الآخر: ( لا يستقيم الناس إلا بعرفاء )، فالعريف يختاره الناس وطريقتهم في اختياره لم تحدد، وإذا اختاروا عريفاً لهم فذلك العريف وغيره هم النواب الذين ينوبون عن الناس في آرائهم في مصالح دنياهم، وأنتم أعلم بأمور دنياكم، نعم؛ ينبغي أن يختار أهل الثقة وأهل الدين والمروءة وأهل المكانة الاجتماعية كما اختار النبي صلى الله عليه وسلم النقباء من الأنصار ليلة العقبة، ( وقد جاء إلى بني سلمة فسألهم: من سيدكم؟ فقالوا: سيدنا الجد بن قيس على بخل فيه، فقال: وأي داء أدوأ من البخل بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح ).

    معايير اختيار العرفاء والنواب

    وهذا يدلنا كذلك على أنه لابد أن يختار السادة على أساس الصفات النافعة؛ أن يكون فيهم الكرم والشهامة والمروءة فهم الذين يختارون على هذا الأساس، وقد قال مالك رحمه الله في صفات من يختار، قال: (لا أراها اليوم تجتمع في واحد، فإن لم تجتمع فورع عاقل فبالعقل يسأل وبالورع يكف) لأنكم إذا اشترطتم الآن أن يكون كل من يتخذ من أمثال أخي محمد الصادق أو غيره؛ فهذا متعذر ليس أهل كل بلد لديهم مثله مثلاً، فلا يستطيعون إبراز مثل هذا النوع.

    فلذلك لا يشترط أن يكون الإنسان كاملاً من كل وجه، بل إذا وجد الإنسان الذي فيه الصفات مثل صفات الكمال أخذ، وإذا وجد آخر لديه نقص يكمل بإخوانه الذين معه، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفاه الله لم يعهد بالأمر إلى أحد ولم يترك لنا وسيلة لنختار بها من يقودنا ويسوسنا في خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء؛ ولذلك قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ[البقرة:246]، فالأنبياء هم الذين يختارون القادة والملوك بالوحي المنزل، لكن نحن ليس لدينا الآن نبي معصوم يفصل في الأمر، النبي صلى الله عليه وسلم لم يول أحداً من أصحابه ولم يقل لا تكون الخلافة إلا لفلان ثم من بعده فلان كما فعل في إمارة غزوة مؤتة قال: ( أميركم زيد فإن قتل فأميركم جعفر فإن قتل فأميركم عبد الله بن رواحة فإن قتل فليتفق المسلمون على رجل منهم )، هذا الحال لم يحدده في الخلافة العامة، فلما توفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجمع أهل المدينة وهم الذين يمثلون قاعدة الإسلام وبيضته، فيهم المهاجرون والأنصار وفيهم من أهل بيعة الرضوان وفيهم من أهل بدر أجمعوا على بيعة أبي بكر رضي الله عنه، فكانت وإن كانت فلتة لكنها حصلت فكان فيها الخير للمسلمين، لم يختلف اثنان في بركة هذا الرأي ولم ينتقده أحد، قطعاً كان هذا الرأي صواباً موفقاً ولذلك قال أحد شعراء قريش:

    حمداً لمن هو بالثناء خليق ذهب اللجاج وبويع الصديق

    كنا نقول لها علي والرضا عمر وأولاهم بتلك عتيق

    استخلاف عمر والشورى في اختيار عثمان

    لما مرض أبو بكر رضي الله عنه قدم للناس اقتراحاً وهو أن يبايعوا عمر رضي الله عنه فعهد إليه بالأمر من بعده وقال: (اللهم وليت عليهم خيرهم) فبايع الناس عمر واتفقوا عليه ولم يختلف اثنان في بيعته، وأيضاً حمد الناس عند ذلك فقد ضرب الناس بعطن واتسعت أمور الإسلام في أيامه واتسعت الرقعة وفتحت الأمصار، ولما طعن عمر ترك الأمر في ستة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فرشحهم للناس ليبايعوا أحدهم فتنازل ثلاثة لثلاثة وتنازل واحد لاثنين بشرط أن يختار السابق منهما، فبحث بحثاً مضنياً في اختيار السابق فمكث عبد الرحمن بن عوف ثلاث ليال لا يهدأ له بال ولا ينام دخل كل بيوت المدينة، وكان يدخل على العذراء في خدرها؛ فسأل الناس وسأل أمراء الأجناد ثم بعد ذلك في صبيحة اليوم الثالث بعد أن أنهى مشاوراته جلس على المنبر بعد أن صلى الصبح فقال: (إني رأيت جمهور الناس لم يعدلوا عن عثمان فقال: تقدم أي عثمان ! فابسط يمينك أبايعك) فبايعه، فبايعه علي والمسلمون وانعقدت بيعة عثمان في ذلك.

    ونحن نعلم أن عبد الرحمن بن عوف كان رجلاً صادقاً صالحاً شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما كان لنبي أن يموت حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته )، فكان عبد الرحمن بن عوف ، هو الوحيد الذي صلى وراءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، اقتدى به في صلاة الصبح، جاء مسبوقاً فأدرك معه ركعة، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة بعد الصلاة، ولما سلم قال: ( أحسنتم! عبد الرحمن بن عوف لم يتهمه أحد أنه مال إلى عثمان ، ولم تكن لديه وسائل فلم يكن لديه صناديق اقتراع ولم يكن لديه لوائح ولم يكن لديه بطاقات الناخبين، ولكنه لم يكن متهماً؛ فسلم الناس له حكمه.

    سبب الحاجة لصناديق الاقتراع

    نحن اليوم لو كان لدينا مثل عبد الرحمن بن عوف لكنا في راحة ولم نحتاج إلى صناديق الاقتراع ولم نحتج إلى كل هذه الوسائل، لكن مع الأسف لم يكن لدينا مثل عبد الرحمن بن عوف ، فأصلح الناس وأتقاهم اليوم لو تقدم إلى الناس باختيار لما صدقوه، لو تقدم إليكم الآن الشيخ أحمد وقال: سألت كل أهل المسجد كل فرد على حدة فوجدت جمهوره اتفقوا على فلان من الناس هل سيصدقه كل المسلمين؟ لن يصدقوه، فإذا كان الحال كذلك عرفنا أننا الآن نحتاج إلى وسيلة جديدة، ليست مثل تلك الوسيلة التي كانت في عهد الصحابة وهذه الوسيلة الجديدة لا بأس من استيرادها من أية دولة، فنحن نستورد الكهرباء في مساجدنا من صناعة الغربيين، أول من أنتج الكهرباء شاب إيطالي، ونستورد مكبرات الصوت، ونستورد الملابس حتى ملابس الكعبة، نستورد كل حاجياتنا من الخارج؛ فلا مانع من استيراد كل فكرة نافعة لا تعارض شرعاً ولم يرد وحي بتحريمها، ومن ذلك قصة صناديق الاقتراع وأن يجعل الناس فيها أصواتهم فهذا ليس كفراً ولا فسوقاً ولا عصياناً، ولم يرد نهي عنه بخصوصه ولا وردت فيه آية ولا حديث، وهو من الوسائل المحدثة وهو مثل هذه الملابس التي نلبسها، ومثل هذه الميكرفونات التي نتكلم فيها ومثل هذه المسجلات التي نسجل فيها، وسيلة مستوردة لا مانع منها شرعاً.

    1.   

    الغلو في الدين وتحجير الواسع

    والذين يغلون في الدين فيسعون لصرف عن هذا ليس لديهم بدائل، لو سئلوا: ما هي البدائل؟ كيف يختار المسلمون خليفتهم؟ تصوروا ماذا سيقولون؟ ليس لديهم أية وسيلة! ليس لهذا الأمر أي بديل إلا الاستبداد، والاستبداد لا يأتي بخير، الاستبداد هو سبب الفتنة، وهو سبب الفساد، وهو سبب الظلم، ولا خير فيه، ليس من وسائل الدعوة التشدد في الدين، ولا الغلو فيه، وليس من وسائل نصرة الدين تكفير المسلمين ولا تفسيقهم ولا تبديعهم، وقد حذر من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد صح عنه أنه قال: ( إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما )، وقال: ( فإن كان كما قال وإلا حالت عليه )، وفي رواية: ( وإلا رجعت عليه )، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تكفير المسلم كقتله ).

    التحذير من الولوغ في أعراض الدعاة والمصلحين

    وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من سباب المسلمين وسماه فسوقاً، فقال: ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )، فتفسيق المسلمين وتبديعهم والتحكم في مصائرهم والحكم على هذا بالكفر وهذا بالردة وهذا بالمعصية وهذا بالفسق، هذه أمور قضائية، وهذه المدينة بكاملها يكفيها قاض واحد، لو كان فيها قاض واحد هو الحال يكفي، لكن المشكلة أن كثيراً من الشباب يريدون أن ينصبوا أنفسهم قضاة في مدينة واحدة، ويريدون أن يتحكموا في مصائر الناس فيحاكمونهم من غير اتخاذ الوسائل الشرعية، وقد قال شريح رحمه الله: (القضاء جمر فنحه عنك بعودين)، وهما الشاهدان، هم يريدون أن يحكموا لكن من غير اتخاذ وسائل القضاء، القاضي لا يكون قاضياً بمجرد التعيين ولا يكون قاضيا بمجرد الانتصاب، لابد من شروط للقضاء، لابد من أحد عشر شرطاً تتحقق فيه حتى يكون قاضياً.

    الرفق وإحسان المعاملة

    والحكم بتكفير أي مسلم ليس من الضرورات، والحكم حتى بتكفير من هو كافر، هذا من شأن القضاة ومن واجباتهم وهو من واجبات ذوي السلطان ومن واجبات الدولة، ولكن ليس من شأن الأفراد، فنحن يطلب منا أن ندخل الناس في الإسلام، ولا يطلب منا أن نخرجهم منه، يطلب منا أن ندعو الناس إلى ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صح عنه أنه قال: ( إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً حتى إذا أضاءت ما حوله جعل الفراش يتساقط فيها وهذه الدواب؛ فجعل يلفيهن بيده وهن يقتحمن فيقعن فيها، ألا وإني ممسك بحجزكم عن النار )، نحن لا ننكر أن الكفر موجود وأن النفاق موجود وأن الفسوق موجود وأن البدعة موجودة، لكن طريقة معرفتها وطريقة معاملة صاحبها هذه هي التي نختلف فيها، والرجوع في ذلك إلى الوحي؛ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ[النساء:59]، عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاق المنافقين، وأحسن معاملتهم، وهم كافرون لن يدخلوا الجنة، وهم يوم القيامة في الدرك الأسفل من النار، تحت الكفار في النار، لكن مع ذلك أحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم معاملتهم في الحياة الدنيا، فجاءه عامر بن الطفيل و أربد فأحسن وفادتهما وضيافتهما وقال له عامر : ( لأملأنها عليك خيلاً جرداً ورجالاً مرداً فقال: يأبى الله ذلك وابنا قيلة، فلما خرجا من عنده قال: اللهم اكفني عامراً و أربد بما شئت )، فأما عامر فأخذته غدة كغدة البعير تتردد في صدره فمات في بيت امرأة من سلول، وأما أربد فوقعت عليه صاعقة فأحرقته وأحرقت جمله.

    الانشغال بعيوب النفس

    كذلك لا شك أن المسلم له في عيوبه انشغال عن عيوب الناس؛ فأنت يا أخي! لديك كثير من التفريط في جنب الله، ولديك كثير من التقصير، وعليك كثير من الواجبات؛ فلماذا تشغل نفسك بمتابعة أحوال الآخرين وتقويم سلوكهم؟ عليك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالتي هي أحسن، عليك أن تأمر نفسك أولاً بالمعروف وأن تنهاها عن المنكر، عليك أن تتعلم أحكامك أولاً، وقد رأيت شاباً ليس في هذه البلاد بل في بلد آخر لديه كتاب من الكتب التي فيها طعن وسباب وشتم لبعض علماء المسلمين، فقال: قرأت هذا الكتاب اثنتي عشرة مرة، فقلت: يا أخي! هل تحفظ القرآن كاملاً؟ قال: لا، قلت: أفقرأت القرآن كاملاً اثنتي عشرة مرة؟ قال: لا، قلت: أفقرأت موطأ مالك كله، ختمته؟ قال: لا، قلت: أفقرأت صحيح البخاري كاملاً؟ قال: لا، قلت: أفقرأت صحيح مسلم كاملاً؟ قال: لا، قلت: سبحان الله! لم تجد كتاباً تقرأه؛ لا كتاب الله ولا موطأ مالك ولا صحيح البخاري ولا صحيح مسلم ، كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديك ولا تقرؤها وتقرأ هذا الكتاب الذي هو مليء بالسباب والشتم، ليس لك شغل سوى هذا! فهذا من العجائب، وهو من فتن آخر الزمان؛ ينشغل الناس عن عيوبهم بعيوب الناس، وقد أخرج مالك في الموطأ أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: (لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلىً ومعافىً، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية).

    من يحق له الكلام في الناس والحكم عليهم

    في أيام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حصلت الردة؛ فارتد الناس واتبعوا سجاح و الأسود العنسي و مسيلمة الكذاب ومنعوا الزكاة وخلعوا بيعة أبي بكر رضي الله عنه، وقال شاعرهم:

    أطعنا رسول الله ما دام بيننا فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر

    أيورثها بكراً إذا مات بعده فتلك لعمر الله قاصمة الظهر

    فقاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن كان التفكير في ذاك حكماً قضائياً يرجع فيه إلى أهل العلم فقط، وإلى الحاكم وولي أمر المسلمين، بعد ذلك قاتل الخوارج علياً رضي الله عنه وكفروه فقاتلهم، وقتل منهم بيده رضي الله عنه ألف رجل ليلة النخيلة، وألف رجل يوم النهروان، وقد أوصاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم، قيل له وهو يقاتلهم: (أكفار هم؟ قال: بل من الكفر فروا، قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا)، ونادى مناديه يوم الجمل أن لا يذفف على جريح وأن لا يتبع منهزم، وأن لا تسبى سبية وأن لا تغنم غنيمة، وكذلك قال للخوارج بحروراء: (إن لكم علينا ثلاثاً: أن لا نبدأكم بقتال ما لم تقاتلونا، وأن لا نمنعكم مساجد الله ما صليتم إلى قبلتنا، وأن لا نمنعكم نصيبكم من بيت المال ما دامت أيديكم مع أيدينا).

    وكذلك عثمان رضي الله عنه قبل هذا قتله الخوارج مظلوماً في الشهر الحرام والبلد الحرام وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالث، لكن لم يحمله الظلم على أن يعدل عن العدل، بل أطل على الناس يوماً وهو محصور في الدار قد منع عنه الشراب والوضوء، فقال له رجل: (يا أمير المؤمنين، أنت إمام سنة وهؤلاء إمامهم إمام بدعة، وهم يصلون أفنصلي معهم؟ قال: إن الصلاة من أحسن ما يصنع الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فتجنب إساءتهم) تصوروا لو أن أحداً من الشباب المتميزين في هذا الزمان سئل أن يصلي مع إمام بدعة، وبالأخص إذا كان ذلك الإمام ظالماً له، مثلاً ساجناً له مانعاً له من الماء والشراب والوضوء، ماذا سيقول؟ هل سيقول ما قال أمير المؤمنين: (إن الصلاة من أحسن ما يصنع الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم وإن أساءوا فتجنب إساءتهم) إن العدل، وإنها تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أنا أعرف أني لم أوف الموضوع حقه ولم أشف غليلاً ولم آت بما كنت أريد الإتيان به؛ وما ذلك إلا لضيق وقتي وعدم اتساعه، لكن ما لا يدرك كله لا يترك المتيسر منه، ولعلنا تكون لنا عودة أخرى إن شاء الله تعالى لهذا الموضوع في دروس أخرى، إما أن تكون بالمباشرة هنا في هذا المسجد المبارك وإما أن تكون في غيره من المساجد فتنقل إليكم عن طريق التسجيل، ولا شك أن هذا الموضوع من الموضوعات التي تستحق أخذ وقت ومناقشة، ولاشك أنه من الفتن التي كثر فيها القال والقيل، ويحتاج فيها إلى القول الفصل والدليل البين، الذي لا لبس فيه ولا خفاء، ونحن إن شاء الله تعالى ماضون في سبيل بيانه ما استطعنا بالأدلة الصريحة الصحيحة وبأقوال أهل العلم المعتبرين من أئمة المذاهب ومن دونهم، ولعل ذلك يصل إليكم في دروس إن شاء الله تعالى لاحقة.

    فأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وألتمس منكم العذر جميعاً حين لم أوف الموضوع حقه.

    أستغفر الله.. أستغفر الله.. أستغفر الله.. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315046

    عدد مرات الحفظ

    723498265