إسلام ويب

دور طالب العلمللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العلم ميزة الله التي ميز بها بني البشر فهو سبحانه يختار ويصطفي من عباده من يحمل هذا العلم ويبلغه ويحمل هم هذا الدين ويذود عنه، ودور طالب العلم كبير في هذا الجانب، حيث إن الأمر يحتاج إلى الإخلاص وصدق النية والشعور بالمسئولية الملقاة على عاتق طالب العلم نحو دينه ومجتمعه، كما يتطلب هذا الأمر الصبر والهمة العالية والقدوة الحسنة وعزة النفس مع التواضع للمؤمنين والاستغناء عما في أيدي الآخرين ومعرفة الواقع والاهتمام بالمسلمين والقيام بحاجاتهم

    1.   

    فضل العلم والعلماء

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.

    تمييز الله الإنسان بالعلم

    أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى قد ميز هذا الجنس البشري عن سائر الأجناس بما خصه به من العلم النافع، ولذلك فإنه سبحانه وتعالى حين أخبر الملائكة بخلقه لـآدم عليه السلام بلغهم بذلك، و آدم منجدل في طينته، فقال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30]، فهنا علم أن تميز الإنسان ليس بالعبادة، فلا يمكن أن يساوي عبادة الملائكة الذين يسبحون ويقدسون الليل والنهار، كما قال الله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]، فالملائكة عباد مكرمون: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أطت السماء، وحق لها أن تئط، فما فيها موضع قدم أو موضع أربعة أصابع إلا وملك لله فيه ساجد أو راكع )، فلا يمكن أن يتدارك البشر عبادة الملائكة، فليس تميزهم عن الملائكة بالعبادة، كذلك لا يمكن أن يساووهم في القوى، فالملائكة ذوو قوة عظيمة نوه الله بها في كتابه، فإنه سبحانه وتعالى قال: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:20-21] في وصف جبريل عليه السلام، وقال: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:6]، (ذو مرة) أي: ذو قوة عجيبة، فقوة الملائكة لا يمكن أن يتدارك بها قوى البشر.

    وكذلك الجن أوتوا من السرعة والقوة ما ليس لدى الإنسان، فكان تميز الإنسان بالعلم، ولذلك كان جواب الله للملائكة واضحاً إذ قال: قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:30-33].

    فكانت نتيجة هذه المسابقة نجاح آدم وتميزه، فإنه هنا نجح نجاحاً باهراً حين قال الله له: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة:33]، وهذا النجاح هو سر تميز البشر، لذلك لا بد أن يكون كل أحد من البشر طالباً للعلم؛ لأنه بهذا يتميز، وبالأخص من هذه الأمة التي شرفها الله بأن جعلها أمةً وسطاً خياراً عدولاً؛ لتكون شهداء على الناس، فإذا سمعت ما يتعلق بطلبة العلم فلا تظن أن ذلك مختص بطلاب المحاضر أو طلاب الجامعات، بل الخطاب موجه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهم جميعاً طلاب علم، بل الرسول صلى الله عليه وسلم هو قائد طلاب العلم، فلم يأمره الله بالاستزادة من شيء وطلبه إلا من العلم، فقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114]، فكان صلى الله عليه وسلم بذلك طالباً للعلم، وهكذا كل من دونه، فالمؤمنون يسلكون طريق الجنة، وطريق الجنة هو ما يطلب فيه الإنسان العلم، وقد أخرج مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ) .

    اختيار الله من يحمل العلم

    إن الذين يطلبون هذا العلم ويحملونه لا يختارون هذا الطريق لأنفسهم، وإنما يختارونه باصطفاء رباني، واختيار قدسي من عند الله سبحانه وتعالى يختارهم له، فالله سبحانه وتعالى لم يكن ليجعل وحيه بدار هوان، ولم يكن ليأتمن على وحيه المفلسين، فلذلك يختار من أهل كل زمان شهوداً عدولاً ليحملوا هذا الوحي، وليؤدوا هذا العلم إلى الناس، وأولئك الشهود قد اصطفاهم الله سبحانه وتعالى بما أهلهم له من حمل هذه الأعباء الجسيمة التي هيأ لها الرسل من قبل، فجعلهم خلفاء عن الرسل، وأحال إليهم عند الخلاف، وأمر بطاعتهم، فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59]، ثم قال: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83]، فقوله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] أي: أولو العلم، فهم أولو الأمر الذين أحال الله إليهم عند التنازع والخلاف، وأمر بطاعتهم؛ لأنهم مبلغون عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم أمناء الله على وحيه، والموقعون عن رب العالمين، وهم القائمون بأمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالات ربه، فإن الله تعالى أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الأبيض والأسود والأحمر، أرسله إلى الناس كافة بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وقد علم الله أن عمر محمد صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز ثلاثاً وستين سنة، لكن بقية عمره بتبليغ رسالات ربه إنما هي في أعمار طالب علمه وحامليه الذين يبلغونه لمن وراءهم، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الناس في حجة الوداع يوم عرفة وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة يوم جمعة، فقام في الناس خطيباً فقال: ( ألا لعلي لا أراكم بعد عامكم هذا، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، ثم قال: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، فنكت بمسبحته في السماء وقال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد ) .

    وإنه صلى الله عليه وسلم عهد إلى من تحمل هذا العلم أن يبلغه لمن وراءه، ولذلك قال: ( نظر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) .

    أهمية العمل بالعلم

    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا العلم ميراث الأنبياء، وبين ميزته وفضله، ومن هنا فليس المقصود أن يشتغل الإنسان بالعلم لذاته دون أن يكون لذلك أثر في حياته، فهذا لا نفع فيه، بل هو حجة قائمة عليه حينئذ، وسلاح ذو حدين، إما أن ينتفع به الإنسان وإما أن ينضر به، ولهذا قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إن أخوف ما أخافه أن يقال لي يوم القيامة: أعلمت أم جهلت؟ فأقول: بل علمت، فيقال: ففيم عملت فيما علمت؟

    وكذلك روى عنه أبو عمر في جامع بيان العلم وفضله أنه قال: إن أخوف ما أخافه يوم القيامة كتاب الله، أن لا تبقى آية آمرة إلا جاءتني فقالت: يا أبا الدرداء ! قد أتيتك آمرةً فلم تأتمر بي، ولا آية زاجرة إلا جاءتني، فقالت: يا أبا الدرداء ! قد أتيتك زاجرةً فلم تنزجر بي.

    1.   

    الصدق والإخلاص والصبر في طلب العلم

    إن هذا القرآن حجة الله البالغة على الناس، ومن هنا فطالبه لا بد قبل الطلب أن يكون مخلصاً لله سبحانه وتعالى، صادقاً معه فيما يطلب، لا يريد به عرضاً من الدنيا فإن فعل فله الخسران، ففي الحديث: ( من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يطلبه إلا لينال به عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة )، فليس هو كما يكتسب به من علوم الدنيا، ولا هو كالحرف والمهن التي يتنافس عليها الناس لتحصيل أقواتهم وما يحتاجون إليه من درهم المعاش في هذه الحياة، فهو أمر أخروي، وصاحبه لا بد أن يشعر أيضاً أنه مبتلىً، فلا بد أن يؤخذ من وقته ومن صحته ومن عرضه ومن ماله؛ لأنه تحمل ما تحمله الرسل من قبل.

    ابتلاء الأنبياء عليهم السلام

    والرسل عليهم السلام هم أشد الناس بلاءً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ) ، والذين يتحملون أعباءهم هم الأمثل فالأمثل، ولذلك لا بد أن يبتلوا كما ابتلي الرسل، ولا بد أن يستشعر الطالب للعلم أنه يسلك طريق الأنبياء وسيجد بعض ما وجدوا، فليس أحد أكرم على الله منهم، سيجد بعض ما وجده نوح ، وبعض ما وجده إبراهيم ، وبعض ما وجده محمد صلى الله عليه وسلم وغير هؤلاء من الرسل الذين أوذوا في الله إيذاءً شديداً، فـنوح صبر على تكذيب قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وهم يسخرون منه، فيقول: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [هود:38-39]، وعندما هددوه قال: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ [يونس:71]، و إبراهيم عليه السلام رماه قومه في النار وتألبوا عليه جميعاً أبوه ومن دونه، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله: يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، وأخرجوه من ديارهم فخرج مهاجراً إلى الله سبحانه وتعالى لم يؤمن له إلا لوط و سارة ، ثم بعد هذا ابتلي على طريق الحق كثيراً من الابتلاء، فامتحنه الله عز وجل بكثير من الامتحانات، وقد ذكر الله نجاحه فيها فقال: وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124].

    ما حصل لنبي الله محمد من أذى وابتلاء

    وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم فقد أوذي أذىً شديداً، كان ساجداً لربه عند الركن اليماني فجاء عقبة بن أبي معيط وكان جسيماً ضخم الجثة فوضع رجله على رقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودكه على الأرض، ثم جاء أبو جهل فأرسل من يأتيه بسلا ناقة قد ولدت فوضعه بين كتفيه وهو ساجد لربه.

    واجتمع عليه الملأ من قريش يوماً وهو يصلي ويقرأ القرآن فجعلوا الحبال في عنقه يخنقونه بها، وكانت حمالة الحطب تأتي بالشوك والحطب فتضعه على بابه وتجمع الأوساخ فتلقيها في طريقه، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

    وبعد ذلك لقي بعد هجرته من المنافقين أنواع الأذى ومن ذلك أنه: ( كان يوماً يقسم مالاً مما غنمه في سبيل الله، فوقف عليه رجل ثائر الشعر، محدق العينين مقصر الثياب، فقال: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ابتسم: رحم الله أخي موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) .

    ثم بعد هذا تعرفون ما لقيه من الإخراج: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40]، وما تألب عليه به الأقربون، فكان عمه أبو لهب يرميه بالحجارة حتى يدمي قدميه، ويكذبه في كل ملأ يدعوهم إلى الله، ( وجاءه ابن عمه وهو قائم يصلي فبصق في وجهه عند الكعبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك، فأكله الأسد ).

    إن السالك لطريقهم لا بد أن يجد بعض ما وجدوا لكن تعزيته في ذلك أنه حلقة من سلسلة طويلة فيها نوح و إبراهيم و موسى و عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ومن معهم من المخلصين، فكل نكبة أصابت حلقةً من حلقات السلسلة فستصيب الحلقات كلها.

    1.   

    واجبات طالب العلم وآدابه

    استشعار قيام الحجة عليهم بالعلم

    ثم إن على طالب العلم بعد ذلك: أن يعلم أنه قد قامت عليه الحجة لله في خاصة نفسه، فإذا لم يعمل بما علم فإنه قد سلك طريق اليهود، فقد قال الله تعالى فيهم: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة:5].

    فالذي تعلم ولم يعمل مثله هو مثل السوء الحمار الذي تحمل عليه الكتب: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5]، فالحمار لا ينتفع بالكتب التي حملت عليه أبداً، فقط يجد مشقتها وثقلها، والتعب من حملها، لكن لا يستفيد منها أية فائدة.

    ثم بعد هذا: لا بد أن يظهر عليه خشوع العلم ووقاره وسكينته، ففائدة قيام الحجة عليه أن يزداد من الله قرباً، وأن يملك نفسه بالخير، ولا يزال في ازدياد من الخير الممكن حتى يصل إلى ما قدر الله له من الرتب ولهذا: ( يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ ورتل وارق؛ فإن منزلتك عند آخر آية ترتلها )، فلا يزال يقرأ ويرتل ويرقى إلى آخر منزلة.

    فلذلك لا بد أن يستشعر الطالب للعلم هذا قبل أن يدخل في المشقة التي ستواجهه.

    الجد والتشمير في الطلب

    ثم بعد هذا: لا بد أن يستحضر كذلك أنه في طريق مهجور، لا يسلكه إلا أهل الجد والتشمير والصبر، فهذا الطريق موحش يجد فيه الإنسان كثيراً من المنقطعات والمزالق التي لا يسلكها الناس، وليس بها آثار السالكين، ومن هنا فإذا كان الإنسان معلقاً بالأصحاب والقرناء والزملاء فليعلم أنه لا يمكن أن يكون مبرزاً في طلب العلم، بل لا يبرز فيه إلا من جعل العلم صاحبه، واستمر معه على طريق الاستقامة، فإذا كان الإنسان يركن إلى سماع الأخبار، وإلى القصص والمجالس فلا يمكن أن يكون ممن يشار إليه في حمل العلم وطلبه، ولذلك قال الحكيم:

    قالت مسائل سحنون لقارئها: لن تدرك العلم حتى تلعق الصبرا

    لا يدرك العلم بطال ولا كسل ولا ملول ولا من يألف البشرا

    الشعور بالمسئولية والصدق في النقل

    ثم بعد هذا: لا بد للطالب أن يستشعر أن ما يقوم بجمعه ليس ملكاً له هو، وإنما هو ملك لهذه الأمة، فهو يحفظه عليها، ويسعى لجمعه لها، فيقوم بالنيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ رسالات ربه، ومن هنا يبذل العلم لكل من طلبه، ويعتني بتأصيله وتفريعه وأدائه على الوجه الصحيح، فلا بد فيه من الصدق والأمانة، فهما شرط من شروط الرسالة، فصفات الأنبياء التي يجب الإيمان بها لهم جميعاً من الصدق والأمانة والعصمة، فلا بد لطالب العلم كذلك أن يكون صدوقاً أميناً؛ لأنه ينقل عن الأنبياء ويؤتمن على وحيهم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي فليلج النار ).

    وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ).

    وصح عنه صلى الله عليه وسلم من رواية مائتين من أصحابه أنه قال: ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ).

    الحذر من القول على الله بغير علم

    فلذلك لا بد أن يحرص على الصدق في النقل، وأن يعلم أن القول على الله بغير علم كبيرة من الكبائر الكبرى التي أجملها الله مع الشرك، فإن الله تعالى يقول: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، فجعل القول عليه بغير علم قرين للشرك به، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33].

    وبالأخص في زمان رفع العلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الأيام التي نحن فيها، فقال: ( إن بين يدي الساعة أياماً يظهر فيها الجهل، ويرفع فيها العلم )، وذكر صلى الله عليه وسلم طريقة رفعه فيما أخرجه البخاري و مسلم في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بموت أهله، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فاستفتوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ).

    فلم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عند موت العلماء سيسكت الناس عن الفتوى، بل لا بد أن يتصدر قوم يفتون، لكن يفتون بغير علم، فيضلون حين يخبرون عن الله بغير الحق، ويضلون حين يتبعهم الناس على كذبهم، قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:144]، معناه: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً في الإفتاء (ليضل الناس بغير علم)، فهذا أعظم جريمة يمكن أن يجرمها الإنسان بعد الشرك بالله.

    تقديم حقوق الأمة على حق النفس

    ثم بعد هذا: لا بد أن يدرك طالب العلم أنه عندما اختير وميز بما يطلبه، فإن حقوق الأمة الملقاة على عاتقه كثيرة لا بد أن يقدمها على كثير من حقوقه هو، ولذلك فإن كثيراً من الذين طلبوا هذا العلم، ونفع بهم الله هذه الأمة شغلوا عن شئونهم الخاصة، فكثير من العلماء لم يجدوا وقتاً للزواج؛ لأنهم شغلوا بطلب العلم وتعليمه، كالإمام النووي ، وكالإمام ابن تيمية وغيرهم من العلماء الكبار الذين لم يجدوا وقتاً يتزوجون فيه؛ لانشغالهم بهذا العلم.

    وكذلك آخرون لم يجدوا وقتاً للتكسب، فكانوا يعيشون على الأرغفة، وكان أحدهم يعيش على رغيف في الصباح ورغيف في المساء، أي: الخبز الذي ليس له إدام في الصباح والمساء ما له معاش إلا هذا، كالقاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي .

    وكذلك فإن كثيراً منهم أوذوا أذىً شديداً في أنفسهم وأملاكهم، فصبروا واحتسبوا ذلك لله عز وجل، فلا بد لطالب العلم الذي يسلك هذا الطريق أن يعلم أنه سيؤثر ما هو فيه على الانشغال بأمور الدنيا، وتتبع رغباته فيها وشهواته، وإذا لم يفعل فلا بد أن يذل؛ لأنه سيشغل وقته عن التكسب كما يتكسب الناس، فحينئذ لا بد أن يتذلل للناس حين يقبل منهم ما يقدمونه له، أو -نعوذ بالله- أن يذل نفسه حتى يهينها بمسألة الناس، ولذلك قال الشريف الجرجاني رحمه الله:

    ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما

    ولكن أذلوه جهاراً وجهموا محياه بالأطماع حتى تجهما

    استشعار حاجة الأمة إلى استقامة أمرها

    كذلك لا بد أن يستشعر الذي يطلب هذا العلم ويسلك طريقه أن هذه الأمة محتاجة لمن يقوم لله بالقسط، وهذه أعظم وظيفة للبشر في هذه الأرض، وإذا لم يقم بها أهل العلم وطلبته فمن سيقوم بها؟ إذا لم يقم طلبة العلم ومعلموه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والقيام بالقسط في الناس، فمن سيقوم بذلك؟ فلا بد أن يعرف طلاب العلم وحملته ما تحملوه، وأن يعلموا أن من سواهم قد ارتبطوا بمصالح الدنيا، فأسكتتهم تلك المصالح عن كثير من هموم الناس، ومن هنا فيمكن أن يسكتوا عن المنكر إذا كان تكلمهم فيه يقتضي ضرراً بمصالحهم، ويمكن أن يسكتوا عن الأمر بالمعروف إذا كان الأمر به يعرضهم للأذى، أما حملة العلم ومعلموه فلا يمكن أن يسكتوا بوجه من الوجوه؛ لأن الحجة القائمة عليهم أبلغ من الحجة القائمة على من سواهم، ومن هنا لا بد أن يقوموا لله بهذه الحجة، وأن يكونوا عند حسن ظن الأمة بهم حين قدمتهم لذلك.

    حمل هم الدين والجهاد

    ثم بعد هذا: لا بد أن يستشعر الطالب للعلم والحامل له أن مسئولية الدين، وحمل لوائه، والجهاد في سبيل الله عز وجل مسئولية من مسئوليات الأمة، وإذا لم يقم بها القراء وطلبة العلم فمن سيقوم بها أيضاً؟ ولذلك فالذين يؤرخون لفتوحات هذه الأمة وأيامها المشهودة يذكرون دائماً في عداد الشهداء، يقولون: واستحرى القتل في القراء، كما تقرءون في معركة اليمامة: استحرى القتل في القراء فقتل خمسمائة من حملة كتاب الله عز وجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقراء هم الذين يمكن أن يحلوا أزارير قمصهم لاستقبال الرصاص، ويقولون: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84]؛ لأن هذا العلم الذي هو جنتهم في صدورهم يحملونه معهم فهو الذي يؤدي بهم إلى تلك الشجاعة، وإلى تلك المواقف الصائبة الصادقة، وهو زادهم في غربتهم، وهو كذلك وسيلة قوتهم، فهو قوة عظيمة لا بد لمن نالها أن يتقدم بها، فلا يمكن أن يكون مثلاً هذا الجيش سلاحه الأقوى بيد إنسان فيتأخر أو يختفي أو يهرب، ويترك الجيش يقاتل، وإذا كان لدينا مدفع واحد ثقيل مثلاً، وكلف به أحد الإخوة ونحن في مواجهة، ففر صاحب المدفع الثقيل ما ظنكم بالبقية؟ فلذلك لا بد أن نعلم أن قوتنا الأولى وعدتنا للجهاد في سبيل الله هي هذا العلم كما قال الله تعالى: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً [الفرقان:52]، (جاهدهم به) أي: بالقرآن (جهاداً كبيراً)، فإذا كان حامل القرآن وحامل العلم وطالبه يتأخر فمن سيتقدم؟ لذلك لا بد أن يستشعر طالب العلم هذا الحمل الذي عليه والعبء العظيم الذي تحمله، وأن يتقدم لهذه الأمانة فهو نائب عن النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم تعرفون وصفه في الدنيا، فقد وصفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، وكنا إذا لقينا العدو اتقيناهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ).

    ووصفه في الآخرة تعرفونه، فعندما يعتذر الأنبياء جميعاً عن الشفاعة يقول هو: ( أنا لها )، فأتباعه لا بد أن يقولوا جميعاً في كل أمر يعني الدين: أنا لها، ولا بد أن يقول ذلك كل طالب علم، وأن يستعد لتحمل هذه الأعباء، وأن يكون جاهزاً للموقف وينتظر اليوم الذي يقول فيه: أنا لها، فينصر الله ورسوله، ويتحمل أعباء هذا الدين، ويكون صادقاً حينئذ قائماً بالقسط والعدل.

    استشعار طالب العلم أنه قدوة لمن خلفه من الناس

    ثم بعد هذا: لا بد أن يدرك الطالب للعلم السائر في هذا الطريق أنه إسوة لمن وراءه، والناس له تبع، فهم يقتدون به، حتى لو لم يصرحوا له بذلك ولم يعترفوا له بالحق ففي قرارة أنفسهم يعرفون أنه المقدم، ولذلك قد يزاحمونه في أمور الدنيا، وقد لا يجدوا له أي مكان بينهم في أمور الدنيا لكن إذا جاء وقت الصلاة سيؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وإذا جاءت الجنائز فلن يبادر حينئذ الجهال، ولا الأغنياء، ولا السياسيون، ولا الوزراء، ولا المتقدمون في المناصب بالتقدم للجنائز أو للوظائف الدينية، إنما ذلك مكان أهل العلم وحملته وطلبته فهم الذين يتقدمون في مثل هذه المواقف؛ لأنها المواقف التي يتميز بها الحق من الباطل، فعند الموت يتميز الحق من الباطل، وعند الصلاة يتميز الحق من الباطل، فالباطل يمكن أن يكون له بهرج في الإعلام وفي الحفلات وفي غيرها فيتقدم فيه المبطلون والمتأخرون، لكن عند الصلاة وعند الجنائز وعند مشاهد الحق لن يتقدم إلا من كان أهلاً للتقدم؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه عنه مسلم في الصحيح: ( ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ).

    كذلك لا بد أن يدرك طالب العلم أن كثيراً من السالكين لطريق العلم والمنافسين له في الطلب قد يستهويهم الشيطان ويستزلهم، فعليه أن لا يغتر بكثرة الهالكين، وعليه أيضاً أن لا يغتر بما يسمعه منهم من التأويلات والأباطيل التي يتخذونها حججاً، فإن كثيراً من الناس يترخص لنفسه مع أن المفروض في طالب العلم أن يأخذ نفسه بالشدة، وأن يبحث عن الرخصة للآخرين، فهو يعلم أن لديه من القوة ما ليس لديهم، ومن هنا فلا يعذر نفسه ويلتمس العذر للآخرين لما فيهم من الضعف، الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً [الأنفال:66]، فالضعف مناسب للتخفيف، لكنه هو غير معذور بشيء، فلهذا يلتمس لنفسه مواقع الشدة ومواقفها، ويلتمس للآخرين الرخص والتخفيف.

    استغلال الوقت في طلب العلم وتعليمه

    كذلك لا بد أن يدرك طالب العلم بأن عليه أن يستغل كثيراً من وقته للطلب والتعليم، فالذي يظن أنه سيكون طالباً للعلم بمجرد الطلب فهو يأخذ ولا يعطي جاهل، ولا يمكن أن يعد في زمرة العلماء أبداً، فلا بد أن يتعلم الطالب في وقت تعلمه التعليم أيضاً، ومن المؤسف أن كثيراً من طلبة العلم ومن الذين ينتسبون إليه في بعض الأحيان إذا أرادوا أن يقفوا على منبر من المنابر، أو أن يلقوا خطبةً، أو أن يتكلموا في مسألة بالعربية الفصحى انقطع الشريط من أذهانهم، وغشيتهم الرحضاء، ولم يستطيعوا أن يحيلوا جواباً في المسائل، ولا أن يتكلموا في الأمور، كأنهم يخافون من أمر ما، أو يخافون من لحظ أعين الناس حين ترقبهم، وما ذلك إلا ضعف في الشخصية، لا بد من علاجه بالتمرن والمراس على الخطابة والتعليم في المشاهد كلها، وقد كانت البيئة في بلادنا هذه مساعدةً على هذا النوع من ضعف الشخصية، فقد كان الناس يزجرون الشاب الصغير إذا أراد أن يتكلم في الملأ، ويظنون أن الكلام في الملأ من سوء الأدب، وهذا غير صحيح، إذا كان الكلام حقاً فهو أدب مطلقاً في أي مكان صدر، وإذا كان الكلام باطلاً فهو ممجوج مطلقاً سواءً صدر من كبير أو من غيره، ولهذا قال الحكيم:

    تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علم كمن هو جاهل

    وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل

    المرء بأصغريه

    ولهذا قال رجل لـسليمان بن عبد الملك عندما جاءه وفد من أهل اليمن، فتقدم شاب صغير يتحدث أمامهم، أراد الخليفة أن يزجره عن ذلك وأن يسكته، فقال له رجل عنده: يا أمير المؤمنين! المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فالمرء لا ينظر إليه بضخامة جثته وإنما ينظر إليه بأصغريه أي: أصغر شيء في أعضائه: قلبه ولسانه، حينئذ استمع إلى ذلك الشاب الصغير فأعجب به، وعرف لماذا قدمه أهل اليمن يتكلم عنهم، فكانت البيئة غير مناسبة لتعويد الناس على التحدث أمام الجموع، وكذلك فقد كان التدريس في كثير من الأحيان باللهجة العامية، وذلك مقتض لأن يكون بعض أهل العلم أيضاً يستطيعون الكتابة بالعربية الفصحى ويألفون بها، لكنهم لا يلقون بها، ولا يتكلمون بها؛ لأن ذلك محتاج إلى التعود والمران، ومن لم يمارس ويتمرن عليه لا يمكن أن يتقنه، ولهذا قال زياد بن أبيه : إن كذبة الأمير على المنبر بلقاء، وإن ظهر المنبر صعب، فظهر المنبر مرتقىً صعب، لا يستطيع أن يقف عليه من يرتعش ويرتعد إذا أراد أن يتكلم، ولذلك لا بد أن يتعود طلاب العلم على هذا الأمر، وأن يجدوا فرصةً للتعبير عما تعلموا، وأن يؤدوه كما أمروا بذلك، فالذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في فترة يسيرة جداً تعلموا شيئاً كثيراً وأدوه، فهذا عتاب بن أسيد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلةً بمكة، وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة، لكن بعد تمام هذه الليالي ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة فكان أميراً لها وإماماً للحرم وخطيباً له، وقاضياً بمكة، كل هذه الوظائف جمعها الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب الصغير، فكان يخطب بحضرة الملأ من مشيخة قريش؛ لأنه لزم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الفترة، فتعلم مما جاء به، فكان أهلاً لأن يقدم على مشيخة أهل مكة.

    وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرب صغار الصحابة على القيادة، فهذا أسامة بن زيد ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على آخر جيش يخرجه، وعقد له آخر لواء يعقده بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، وهذا الجيش فيه أبو بكر و عمر وغيرهما من جلة أهل بدر والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وتكلم المنافقون في إمارته فقالوا: هذا شاب حدث صغير لا يتقن تدبيراً فكيف يؤمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجيش؟ فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مرض مرضه فقام في الناس خطيباً فقال: ( لئن تكلموا في إمرته لقد تكلموا في إمرة أبيه من قبله )، وأوصى في وصيته: ( أن ينجز بعث أسامة )، فأول عمل قام به أبو بكر بعد عقد الخلافة له أن أنجز بعث أسامة رضي الله عنه.

    ولذلك فالذين من بعدهم سلكوا هذا الطريق أيضاً فأفادهم، فهذا محمد بن القاسم الثقفي يقول فيه الشاعر:

    قاد الجيوش لبضع عشرة حجة يا قرب ذلك سؤدداً من مولد

    فذلك السؤدد العظيم قريب من مولده، وهذا نظير ما قالته الخنساء في أخيها صخر بن عمرو بن الشريد السلمي تقول فيه:

    أعيني جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندى؟

    ألا تبكيان الحميد النبيل ألا تبكيان الفتى السيدا؟

    رفيع العماد طويل النجاد ساد عشيرته أمردا

    إذا القوم مدوا بأيديهم إلى المجد مد إليه اليدا

    فنال الذي فوق أيديهم من المجد ثم غدا مصعدا

    يكلفه القوم ما عالهم وإن كان أصغرهم مولدا

    وإن ذكر المجد ألفيته تأزر بالمجد ثم ارتدا

    ونظيرها أيضاً ما قيل في ابن عباس رضي الله عنهما، فقد قال فيه حسان بن ثابت رضي الله عنه:

    إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه رأيت له في كل محمدة فضلا

    إذا قال لم يترك مقالاً لقائل بمنتظمات لا ترى بينها فصلا

    كفى وشفى ما بالنفوس فلم يدع لذي إربة في القول جداً ولا هزلا

    ويقول فيه آخر:

    بلغت لعشر مضت من سنيك ما يبلغ السيد الأشيب

    فهمك فيها جسام الأمور وهم لداتك أن يلعبوا

    فلذلك لا بد أن يستحضر هذا طالب العلم، وأن يجعله هماً من همومه، ولذلك فالهمة العالية لطالب العلم هي أقوى عدة، وإذا استشعر ما عليه في هذا الصدد فلا تعجبوا إذا هجر النوم والراحة، وواصل سير الليل بسير النهار، كما قال علال بن عبد الله الفاسي رحمه الله:

    أبعد بلوغي خمس عشرة ألعب وألهو بلذات الحياة وأطرب

    ولي نظر عال ونفس أبية مقاماً على هام المجرة تطلب

    وعندي آمال أريد بلوغها تضيع إذا لاعبت دهري وتذهب

    ولي أمة منكودة الحظ لم تجد سبيلاً إلى العيش الذي تتطلب

    على أمرها أنفقت دهري تحسراً فما طاب لي طعم ولا لذ مشرب

    ولا راق لي نوم وإن نمت ساعةً فإني على جمر الغضاء أتقلب

    فلذلك لا بد أن يتحمل الطالب هذا العناء، لكن ثمرة ذلك وأثره لا يمكن أن يتأخر، وقد كان الشيخ سدية وهو أحد العلماء الحكماء في هذه البلاد كثيراً ما ينشد قول الشاعر:

    ما ابيض وجه باكتساب كريمة حتى يسوده شحوب المطلب

    فلا بد أن يصبر الإنسان على شحوب الطلب، ثم بعد ذلك ينال مراده.

    الهمة في الطلب مع توسع العلوم

    كذلك لا بد أن يستشعر طالب العلم أنه إذا كان يؤثر الراحة في كل الأمور، فإذا جاء وقت النوم لم يجد جنبه يتجافى عن مضجعه، وإذا جاء وقت المراجعة وجد عينه يغشاها النعاس، وإذا جاء وقت الدعوة وجد نفسه من الخاملين الذين لا لهم ولا عليهم، يصدق فيهم قول جرير :

    ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود

    وإذا جاء وقت الجهاد في سبيل الله وجد نفسه يطلب ملجأً أو مغارات أو مدخلاً، فهل هذا طالب علم؟ هل تحمل هذه الأعباء؟ هل وصل إلى هذا المستوى؟ أبداً، لم يكن من أهل ذلك ولا هو هنالك.

    ثم بعد هذا لا بد أن يستشعر طالب العلم في هذا الزمان بالخصوص أن الوقت قد ضاق عن كثير مما كان الناس يستعملونه من الوسائل في الماضي.

    فإذا العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهار

    ولا تشرب بأقداح صغار فقد ضاق الزمان على الصغار

    هذا الزمان قد وقف فيه العلم بثنية الوداع، وهم قبلي مزنه بالإقلاع، ولم يعد الإنسان اليوم قادراً على ما كان يقدر عليه السالفون السابقون، فقد ضاق الزمن ضيقاً شديداً، وتقارب الزمان، فلذلك لا بد من مضاعفة الجهد، ولا بد أن يكون للطالب بالإضافة إلى الدرس الذي يقرأه على الشيخ كثير من الدروس الأخرى يتابعها ويشهدها ويحضرها، وكثير من المجالس التي يشهدها، وكثير من الكتب التي يلخصها، وكثير من التخصصات التي يعتني بها، قديماً كانت طريقة الطلب عندنا في هذه البلاد تقتضي أن يتخصص الطالب في كتاب واحد يرتب خطواته على ما قال العلامة ابن متالي رحمه الله في:

    كتب إجازة وحفظ الرسم قراءة تدريس أخذ العلم

    ومن يقدم رتبةً عن المحل من ذي المراتب المرام لم ينل

    فهذا إنما هو في اتساع الوقت، وعندما كانت المقررات قليلة، وأما اليوم فالتخصصات التي ينبغي أن يدرسها طالب العلم ويعتني بها تزيد على أربعين تخصصاً من التخصصات الشرعية فقط وآلاتها، وهذه التخصصات لا يمكن أن يأخذها الإنسان بهذه الطريقة؛ لأنه مثلاً إذا قدر أنه سيقرأ في الفقه مثلاً فكم هي علوم الفقه؟ وتخصصات الفقه وحده، مثلاً الفقه المذهبي، كالفقه المالكي مثلاً يقرأ فيه رسالة ابن أبي زيد القيرواني ، وهذه يمكن أن يقرأها الطالب الذكي الجاد في تسعة أشهر، بعدها مختصر الخليل يمكن أن يقرأه الطالب الذكي الجاد في ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين يوماً أي: سنة تقريباً، وبعد ذلك ما يحتاج الإنسان إليه من الكتب الأخرى في المذهب، فهذا تخصص واحد من تخصصات الفقه، بعد هذا ما يتعلق بالفقه المقارن كفقه المذاهب الأخرى، ثم أصول الفقه، ثم القواعد الفقهية، ثم تخريج الفروع على الأصول، ثم فقه النوازل، ثم فقه الأقضية، ثم تاريخ التشريع، ثم طبقات الفقهاء في مختلف المذاهب، فهذه بعض العلوم الفقهية التي يحتاج إليها الدارس لتخصص الفقه وحده، فإذا كان الدارس يقضي من الوقت في كل تخصص من هذه التخصصات ما قضاه مثلاً في دارسة مختصر خليل وحده، فسيمكث في الطلب السنوات على السنوات حتى يتخرج، فاحتيج إلى أن يكون الطالب مستغلاً للوقت استغلالاً جيداً، بحيث يعلم أنه إذا انقطع عن الكتب سيستفيد فيما يتعلق بورعه وسكينته، لكنه سينقطع عن أمته ويفوته الركب، ويجهل كثيراً من واقعه الذي هو مطالب بمعرفته، فالعيش مع الكتب لا شك فيه نتائج وفوائد كما قال ابن هلال رحمه الله:

    لنا جلساء ما يمل حديثهم ألباء مأمونون غيباً ومشهدا

    يفيدوننا من علمهم علم من مضى وعقلاً وتأديباً ورأياً مسددا

    فلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ولا نتقي منهم لساناً ولا يدا

    فإن قلت: أحياء فلست بكاذب وإن قلت: أموات فلست مفندا

    معرفة طالب العلم لواقعه

    لكن مع ذلك يحتاج الإنسان إلى معرفة أهل زمانه، وينبغي للعاقل أن يكون بصيراً بأهل زمانه، ولا بد أن يطلع على أحوال أمته، ولا بد أن يكون له مشاركة ودور في هذه الحياة، فطالب العلم من المؤامرة عليه أن يعزل، وأن يكون من أهل الذلة والمسكنة، وهذا لا ينبغي، فأهل الذل والمسكنة إنما هم اليهود عليهم لعائن الله، أما طلبة العلم الشرعي فلا يمكن أن يكونوا أهل ذلة ومسكنة، لا يمكن إلا أن يكونوا مطلعين على أوضاع العالم وما يدور فيه، ولهم مشاركات ومواقف في كل أمر يأتي، ولذلك من الغرائب أن هذه التربية التي كانت سائدةً في بعض الأمصار الإسلامية وبالأخص في بيئتنا هذه تقتضي من الفقيه أن يفتي في مسائل الحيض والنفاس، ومسائل الطهارة عموماً، لكنه لا يفتي في السياسة، ولا في الاقتصاد، ولا شئون الأمة، مع أن هذه أكبر وأعظم، وحاجة الناس إليها أقوى، لكنه تربى على هذا المحيط الخاص، فاستطاع الكلام في هذا الجانب من جوانب العلم، وظن أن الجوانب الأخرى ليست من العلم، بل من الغريب أن كثيراً من طلبة العلم اليوم إذا سئلوا عن الكتب المؤلفة في الفقه في العبادات والمعاملات سيذكرون كثيراً من الكتب، وإذا سئلوا عن الكتب المؤلفة في الأحكام السلطانية وفي فقه السياسة أو الاقتصاد والاجتماع لم يتذكروا إلا الشيء اليسير، فهذا يدلنا على عدم التوازن في هذه الثقافة، وأن طالب العلم يحتاج إلى هذه الموازنة، ثم بعد هذا لا بد أن يدرك طالب العلم أن تبليغه لما تعلمه يقتضي منه كثيراً من الآلات والوسائل الحديثة، فطالب العلم الحديث اليوم لا بد أن يعلم أن أبلغ شيء تطوراً وتقدماً في زماننا هذا هو ما يتعلق بالمعلومات وتخزين الكمبيوتر، فإذا كان لا يحسن هذا الباب، ولا يستفيد منه بوجه من الوجوه فقد فاته كثير من الوسائل، أذكر أننا قديماً كنا نمكث الليالي ذوات العدد من أجل تخريج حديث أو تخريج مسألة واحدة، نبحث في الكتب ونتعب أنفسنا بالبحث، فلما جاءت هذه البرامج أصبح البحث الذي كنا ننجزه خلال ثلاثة أيام بلياليهن، يمكن أن ننجزه الآن خلال ثلاث دقائق فقط؛ لأن الديسكات العلمية اليوم تحوي عدداً هائلاً من الكتب، والبحث الذي فيها متشعب فيمكن أن تكتب صدر الحديث، أو صدر المسألة، وتعطي الجهاز أمراً بالبحث فيخرج لك هذه المسألة أو هذا الحديث من أكثر من تسعمائة عنوان من الكتب كلها في ديسك واحد.

    أدب طالب العلم مع المستفتي

    كما أن على طالب العلم أن يتواضع ولا يتكبر عن قول لا أعلم، ولذلك سئل الإمام مالك عن اثنتين وأربعين مسألة في مجلس فقال: في ثمانية وثلاثين منها لا أدري، وأجاب عن أربع مسائل، وقال: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول: لا أدري؛ ليكون أصلاً في أيديهم يرجعون إليه، وقد قال أبو بكر بن دريد رحمه الله: ومن كان يهوى أن يرى متصدراً ويكره لا أدري أصيبت مقاتله.

    وقد روى أبو عمر بن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: نصف العلم: لا أدري. فهذا تواضع لله سبحانه وتعالى، وإقرار بالحق، فالله تعالى يقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:85]، وقد عتب الله على موسى عليه السلام حين سئل: ( من أعلم أهل الأرض؟ فقال: أنا، فلم يرد العلم عليه، فأوحى إليه: بلى، عبدنا خضر أعلم منك )، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عباس ، عن أبي بن كعب رضي الله عنهما.

    تأثير طالب العلم في محيطه وبيئته

    ثم لا بد لطالب العلم كذلك أن يكون له تأثير في محيطه وبيئته الخاصة به، فهو كما ذكرنا نائب عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، فإذا كان طالب العلم يعلم الناس في المسجد ويهمل أهل بيته فلا يمكن أن يطاع، ولا أن ينتفع بما يقدمه؛ لأنه تجاوز حلقةً من الحلقات، كالذي يقفز في السلم يريد أن يصل إلى أعلاه قبل أن يمر على أسفله، فلا يمكن أن يتم ذلك، لا بد أن يبدأ الإنسان بأهل بيته، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا بد أن يسعى لاستصلاح من يليه، ثم بعد ذلك يعم خيره إلى ما وراءه، ووفد عبد القيس حين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم سألوه أن يعلمهم أمراً فصلاً يحفظونه ويعلمونه من وراءهم ويدخلون به الجنة، والمقصود بـ (من وراءهم) أي: من جاءوا من عندهم من قبيلتهم، ( قالوا: يا رسول الله! إنا لا نأتيك إلا في الشهر الحرام من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فأمرنا بأمر فصل نحفظه ونخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ) وارتباط المعلومات بالعدد يقتضي حفظها في الذهن، إذا كانت المعلومات متسلسلة ويضبطها الإنسان بالأرقام فهذا مما يقتضي حفظه لها؛ ولذلك قال: ( آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ) فالأربع التي أمرهم بها، قال: ( آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتؤدوا الخمس من المغنم، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير، وربما قال: والمقير )، هذه أربعة أمور نهاهم عنها وهي الأسقية، أي: ما ينتبذ فيه، فالدباء هي البطيخ، أي: وعاؤه وهو الذي يسمى باللهجة العامية بالشغنان أو الكوز أو نحو ذلك، فهذا كانوا ينتبذون فيه ويسرع التغير إليه فيكون مسكراً.

    والحنتم: الجرار الخضر التي تتخذ من الطين المطبوخ، وهذه يسرع التغير إلى ما فيها أيضاً، فإذا انتبذوا فيها أسكر ذلك النبيذ.

    والنقير: هو قلب النخلة أي: رأسها عندما تنتزع الشحمة البيضاء التي فيها فيبقى مكانها قدحاً، فإذا وضع فيه شراب أسرع إليه التغير.

    والمزفت أو المقير: هو الإناء المطلي بالزفت أو القاري وهو الإسفلت الذي تعمل منه الشوارع الآن، فإذا طلي به الإناء فإنه يسرع التغير إلى ما جعل فيه من النبيذ. هذه هي التي أمرهم بها والتي نهاهم عنها.

    ثم بعد هذا فإن بيئته التي تليه ومحيطه وأسرته هي مكان تدريبه فطالب العلم قبل أن يتصدر للناس يتدرب ويكون بادئاً بالتجربة والتدريب مع من حوله ومع أهل بيته، فيقيم درساً في زملائه وفي أسرته، وفي مسجده الذي حول بيته، وهكذا ثم يتعدى ذلك حتى يعم نفعه.

    الربانية في العلم والبدء بالأسهل في التعليم

    وكذلك لا بد أن يبدأ في التعليم بالأسهل والأخف، فذلك هو الربانية في التعليم، فقد أخرج البخاري في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله تعالى: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79]، قال: هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، فلا بد من التدرج في العلم، والذي يهجم على كبريات العلم ومسائله الصعبة الشاقة قد لا يتقنها، ثم قد لا يجد آذاناً صاغيةً لتتحملها، والناس إنما يحدثون بما يفهمون، ولذلك جاء في الأثر الذي أخرجه البخاري في الصحيح تعليقاً: ( حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ وما أنت بمحدث قوماً بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنةً عليهم ).

    فينبغي للإنسان أن لا يحدث إلا بالأمر الذي يمكن أن يفهم عنه وأن يعرف مستوى من يحدثهم، فلا يرتفع عن مستواهم، ولا يسف أيضاً عن مستواهم، فالارتفاع المجنح والإسفاف المنخفض كلاهما مضر بالسامعين.

    ثم على الطالب للعلم أن يعرف أن التكرار الممل الذي يقتضي تطويلاً لا خير فيه، فإذا كان يلقي درساً أو خطبةً عليه أن لا يكرر كثيراً؛ لما في ذلك من الإملال، وكذلك الاختصار المخل الذي يجعل السامع كأنما جاء لاستماع أمر ففوجئ بانتهائه قبل حضوره أو نحو ذلك فهذا مخل أيضاً، فلا بد أن يتعلم التوسط، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم سلم ثلاثاً، وإذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم، وهذا هو الحد الوسط الذي لا إملال فيه ولا إخلال، فالثلاث يفهم بها الغبي، ولا يتكدر بها الذكي، وما زاد عليها يتكدر به الذكي، ولا يزيد الغبي فهماً، فلو ألقى الكلام مرةً واحدة يمكن أن يفهمه الأذكياء لكن لا يكون للأغبياء فيه حظ، وإذا كرره كثيراً يمكن أن يبقى بعضه مع الأغبياء لكنه يشق على الأذكياء، فلذلك لا بد أن يتعود الإنسان على وزن الكلام، وأن يكون كلامه مناسباً للمعلومات التي يريدها، ومن هنا فإذا أراد طالب العلم تدريس متن من المتون، وكان هذا المتن في الأصل مؤلفاً مختصراً من المختصرات ليكون درجةً من درجات السلم، فليس له أن يشحنه بالحواشي والطرر التي تشرح بها المتون التي هي أكبر منه وأعلى، ففعل ذلك مضر بالطالب، وكذلك لا ينبغي أن يقتصر على شرح الكلمات كأنه إنما يريد فهم المفردات فقط كالذي يشرح قصيدةً جاهلية، لا يريد أن يعمق معانيها، وإنما يريد شرح مفرداتها، فالشعر الجاهلي اليوم لا ندرسه من أجل ما فيه من المعاني وقصص أهل الجاهلية وفجورهم، وإنما ندرسه من أجل المفردات، فلذلك شرحه هو شرح للكلمات المفردة، أما دراسة الكتب الشرعية فلا بد أن تكون أكثر من ذلك، ولا بد أن يفهم الإنسان معنى المفردات، ثم معنى الجمل، ثم المعنى المقصود، ثم التفريع عليه بما يتيسر.. وهكذا.

    الإعداد والتحضير

    كذلك لا بد أن يتعود على إعداد الخطب والدروس والمواعظ، وأن يعرف مراجعها المعتمدة، وأن يتخذ لنفسه مطالعةً تكفيه فهي زاده، فطالب العلم الذي يحدث ويتكلم لا بد أن يدرك أنه بمثابة الوعاء قد جعل فيه لبن مثلاً أو عسل، فإذا استنفذ ما فيه كان خالياً، فلا بد أن يجعل لنفسه رافداً يزيده بالمطالعة، وحضور الدروس، ومتابعتها، وسماع الأشرطة وغير ذلك حتى لا يستنفذ ما معه، فيبقى كالعلبة الفارغة التي ترمى في القمامة.

    العمل والاستغناء عن الآخرين

    ثم على طالب العلم كذلك -وهو يزاول مهماته في الحياة- أن لا ينسى حظه من الدنيا، بل لا بد أن يجعل وقتاً من أوقاته لينتج فيه ما يعفه عن الآخرين، وما كان شائعاً من اتكالية طلاب العلم على من سواهم وبالأخص في بلادنا هذه لا خير فيه؛ ( فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً من الأنصار معتكفاً، فسأل: من ينفق عليه؟ فقيل: أخوه، فذكر أن أخاه أفضل منه )؛ فلذلك لا بد لطالب العلم أن يجعل وقتاً من وقته لإنتاج دنيوي حلال، حتى لو كان غنياً عنه فتعوده على الإنتاج يقتضي إيجابيةً في نفسه، وتعوداً على الأخلاق الرفيعة، فلذلك يمكن أن يفعل ما كان القراء يفعلونه في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حديث أنس رضي الله عنه في الصحيحين: ( أن القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكانوا سبعين- كانوا يذهبون إلى الجبل فيأتون بالحطب فيبيعونه فيتصدقون بثمنه، وكان منهم خال أنس رضي الله عنه حرام بن ملحان ).

    فلذلك يمكن أن ينتج طلاب العلم في أي مجال من المجالات، وليسوا كأولئك الذين يريدون اقتناء العرض الكثير والذين يريدون المعاملات بالملايين ونحوها، إنما يريدون كفافاً كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً )، وبذلك يمكن أن يحرسوا ويمكن أن يجلبوا الماء أو أن يجلبوا الملح أو نحو ذلك مما فيه نفع وليس فيه رباً ولا ضرر، وعندما قدم علي رضي الله عنه مهاجراً إلى المدينة -وكان فقيراً من فقراء المهاجرين- بات ليلةً طاويةً -أي: جائعاً لم يجد غذاء- فلما أضحى خرج يلتمس عملاً، فمر على امرأة من الأنصار تسقي نخلاً لها وهي تجذب الدلاء من البئر، فعاملته على كل دلو بتمرة، فجذب لها دلاءً حتى سقى لها، فلما امتلأت يده من التمر قال: يكفيني هذا.

    فبذلك يمكن أن يكون طلاب العلم من المنتجين، وأن يجعلوا وقتاً يعملون فيه، ولذلك فإن أحد الدعاة المشاهير في زماننا هذا وهو الحسن البنا رحمه الله لما أتى القاهرة لطلب العلم، اشتغل في الصباح بالدراسة في مدرسته دار المعلمين، وفي المساء كان يتابع حلقات التدريس، فوجد نفسه محتاجاً إلى النفقة، فاقتطع ساعتين من كل يوم يعمل فيهما في بقالة، استأجر نفسه لصاحب بقالة يبيع معه، فلما رأى صاحب البقالة جده ونشاطه وأمانته عرض عليه ضعف الراتب وأن يزيده في الوقت فامتنع، فقال: ليس لدي من الوقت في اليوم إلا ساعتان، فاقتصر على ذلك العمل الذي هو مدة ساعتين في اليوم، ولكنه ريع ينفق منه على شئونه، فكفاه ذلك، وكذلك قبله الإمام الشافعي رحمه الله لما أتى المدينة شق عليه التجوال بين حلق العلم والذهاب إلى المساجد وما فيها من الدروس، فكان يمشي على رجليه فاحتاج إلى وسيلة للتنقل فاشترى حماراً، فكان هذا الحمار أيضاً يحتاج إلى نفقة، فتعب الشافعي في نفقة الحمار وعلاج شئونه، فقال: كيف يقرأ من له حمار؟ فباعه، فلما باعه تعب في التنقل أيضاً بين الحلقات فقال: كيف يقرأ من لا حمار له؟.

    فلذلك لا بد أن يكون طلاب العلم مستعدين للإنتاج، وأن يكون لهم جد وتشمير في هذا الباب، لكن لا يأخذ ذلك من أوقاتهم إلا هامشاً لا يضر بدراستهم العلمية.

    الاهتمام بأمر المسلمين وأخبارهم

    أما ما يتعلق بمتابعة أخبار المسلمين والإعلام فعلى طلاب العلم أن يأخذوا منه حظاً لكن لا يستغرقوا فيه، فإن الإعلام أصبح في زماننا هواية، وقد ذكرت في بعض الدروس الماضية أن وسائل الإعلام هي الكاذب والمكذوب، فهي كاذبة في نفسها تتعمد الكذب ومراسلوها كاذبون أيضاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الصادق المصدوق، ووسائل الإعلام الكاذب والمكذوب، فلذلك على الإنسان أن لا يغتر بما يخلج فيها، وأيضاً أن لا تأخذ وقته كله، فإذا سمعت نشرةً للأخبار في قناة من القنوات أو إذاعة من الإذاعات فلا داعي لاستماع تلك النشرة مرةً أخرى عند الساعة الأخرى، فهو تكرار لنفس الخبر، ثم يمكن لطلاب العلم أن يتعاونوا في هذا الأمر فيكون بعضهم يخبر بعضاً بما تجدد اليوم من أمر المسلمين، كما كان عمر رضي الله عنه يعامل جاره من الأنصار وهو يسكن معه في العوالي على أن يأتيه بخبر اليوم، فكان عمر يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم يومه فيأتي بالليل إلى صاحبه من الأنصار فيخبره بما حصل هذا اليوم، وفي اليوم الذي يليه يخرج الأنصاري ويخلفه عمر في نخله وأهله، فهذا النوع من التعاون يمكن أن يسد لطلاب العلم فراغاً، وبالأخص إذا حصل بينهم الإخاء المطلوب، وهذا الإخاء هو من التعاون على البر والتقوى، وهو من تحقيق قيم الإسلام الكبرى قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، وطلاب العلم أولى بهذا الإخاء ممن سواهم، فلا بد أن يتآخوا كما تآخى المهاجرون والأنصار من قبل، ولذلك يقول أحد علمائنا في هذه البلاد وهو الشيخ محمد علي رحمه الله في زملائه من الطلاب يقول:

    لي جيرة كنجوم الصحو غران شم طهارا ثياباً أينما كانوا

    من كل قطر تؤاخي بينهم كرماً هماتهم وغروم القوم شذان

    يزدان بالعلم أهل العلم كلهم والعلم من جيرة يسمو ويزدان

    فلذلك لا بد أن يتآخى الطلاب على أساس هذا العلم الذي يجمع بينهم، وأن يكون ذلك رابطاً للتعاون بينهم، وإذا قام بعضهم بمتابعة الأخبار في يوم من الأيام ينوب عنه غيره في اليوم الذي يليه.. وهكذا حتى تكون أمورهم منسقةً مضبوطة.

    العناية بالنفس والملبس والمسكن

    كذلك لا بد أن يكون طالب العلم أيضاً على عناية بنفسه وملبسه ومسكنه ونظافته، فكثير من الناس يظنوا أن طلب العلم مرتبط بوسخ الملابس والمسكن والهيئة ورذاذتها بالكلية، وهذا خطأ غير صحيح، فطالب العلم ينبغي أن يكون أنظف الناس، وأن يكون مسكنه نظيفاً ولباسه نظيفاً، فهو المتطهر الذي يتوضأ للخمس على الأقل، ويتوضأ للنوافل، وهو الذي يغتسل ويستاك عند كل وضوء، ولا بد أن يكون مسكنه نظيفاً؛ لأنه مسكن تغشاه الملائكة وتنزل فيه الرحمة، ولا بد أن يعتني بنظافة ملابسه، وقد قال العلامة محمود بابا رحمه الله: إنه يلوم من لا يغسل ثوبه، ولا يلوم من لا يجدد ثوبه، فمن لا يجدد ثوبه قد يكون فقيراً عاجزاً عن شراء ثوب جديد، لكن الذي له ثوب يلومه إذا اتسخ ثوبه؛ لأنه يمكن أن يغسله، ولا يلوم من ليس لديه ركوب، أي: شيء يركبه، لكنه يلوم من لا نعل له؛ لسهولة الحصول على ذلك.

    فلهذا لا بد أن يكون طلاب العلم على عناية بملابسهم ومساكنهم، ثم لا بد من العناية بكتبهم، فالكتاب الذي تدرس فيه هو شيخك الملازم لك وأستاذك، فلذلك لا بد من العناية به، ومن آثار المدارس السيئة: أن الطلاب الدارسين في المدارس لا يحترمون الكتب والدفاتر بل يرمونها عند نهاية الامتحان؛ لأنهم ما درسوها إلا للامتحان، وإذا سئلوا عن شيء مما درسوه طيلة العام بعد الامتحان لم يتذكروا منه شيئاً، أما طلاب العلم فلا بد أن يعتنوا بكتبهم، وأن يعلموا أن عليهم أن يحفظوها، وأن يحفظوا ما فيها، ولا بد أن يعلموا أن الذي يضيع هذه الكتب معناه أنه لم يحترمها، والذي لم يحترمها لا يمكن أن يرزق بما فيها، فلذلك لا بد من احترام الكتب والعناية بها، وهذا يشمل المساجد، فلا بد من العناية بنظافتها، وأولى من يسعى لتنظيفها هم طلاب العلم، ومن المؤسف أن المساجد في بلادنا -إلا القليل منها- لا يعتني أهلها بنظافتها وهي بيوت الله، فيعتنون بنظافة بيوتهم، ولا يعتنون بنظافة بيت الله؛ والسبب: أن كثيراً منهم لا يريد أن يجلس في المجلس إلا قدر ما ينقر فيه الركعات وينطلق منه، فهو عنده كمكان الطريق الذي يرمي فيه القمامة، وهذا طبعاً منهي عنه شرعاً، وفي الحديث: ( إماطة الأذى عن الطريق صدقة )، فلهذا لا بد من العناية بها وتنظيفها، وأولى من ينظفها ويسعى لخدمتها هم طلاب العلم الذين يتطفلون على الله ويريدون نوره وعلمه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر تنظيف المسجد بيده، ( رأى مخاطاً في قبلة المسجد فقام إليه فما زال يحته بظفره حتى أزاله ثم دعا بطيب فجعله مكانه )، ولا بد أن نعلم أن نظافة المساجد هي من أوجه الحضارة، ودليل على الرقي، ولذلك من المعلوم في بلادنا هذه أن إخواننا الأفارقة من سكان هذه البلاد كانوا أكثر رقياً وحضارةً من إخوانهم الآخرين الذين يسكنون في البوادي، فلهذا تجدون الأفارقة يعتنون بنظافة المساجد، وتجدون من سواهم من سكان البلد لا يعتنون بها؛ والسبب هو الفرق في الحضارة؛ فلذلك لا بد وقد شملت الحضارة الجميع أن نعتني بمساجدنا، وأن ننظفها، وإذا كان طلاب العلم يجعلون لها وقتاً في الأسبوع كيوم الجمعة أو يوم الخميس ينظفون فيه المساجد التي حولهم، ويقسمون أنفسهم مجموعات على المساجد لتنظيفها فذلك لا شك عمل خير، وإذا كان النساء أيضاً يرغبن في المشاركة في هذا الخير فقد كنَّ يشاركن فيه في الصدر الأول، ( ففي زمان النبي صلى الله عليه وسلم امرأة سوداء كانت تقم المسجد، فمرضت فأمرهم أن يؤذنوه إذا هي ماتت، فلما ماتت وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً فدفنوها، ولما أصبح سأل عنها فقيل: ماتت فدفناها، فسأل عن قبرها فصلى عليها، وشهد لها بالجنة ).

    فلذلك يمكن أن يشارك النساء في تنظيف المسجد، وأن يترك لهن المسجد في الوقت الذي ينظفنه فيه، وذلك من جهادهن ومن العمل الصالح الذي تثاب عليه المرأة.

    إعانة الضعفاء وذوي الحاجة

    ثم لا بد كذلك أن يدرك طالب العلم أن عليه حقاً لضعفاء هذه الأمة، فتقديم الخدمات للضعفاء ومساعدة من يحتاج إلى المساعدة منهم، فكل ذلك صدقة وهي صدقة الفقراء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لفقراء المهاجرين: ( تعين الرجل على دابته فترفعه عليها وتحمل له عليها متاعه صدقة )، فطلاب العلم ينبغي أن يعتنوا بهذا النوع من الصدقات الذي لا ينقصهم شيئاً، فهذا النوع من العون هو مما يزرع المحبة والإخاء، ويقتضي أيضاً شعور الإنسان بما عليه من الحقوق للأمة.

    فهذا بعض دور طلبة العلم، ولا يمكن أن نحيط بها، وإنما نذكر منها أمثلةً يحتذى بها ويقاس عليها ما سواها، فأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718663

    عدد مرات الحفظ

    761482629