إسلام ويب

مقدمات في العلوم الشرعية [33]للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم الجدل هو ما طلب به إظهار الحق، وهو علم إسلامي صِرف، وقد بدأت المناظرة في صدر الإسلام مع أهل الكتاب، وبين الله ضوابط واضحة لهذا الجدل، وموضوع علم الجدل هو إثبات القضايا العقلية أو نفيها، ومستمده الحجج العقلية والنقلية، وللجدل والمناظرة آداب ينبغي الحرص عليها من قبل المتناظرين.

    1.   

    الحاجة إلى الجدال والمناظرة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

    فإن علم الجدل علم إسلامي صِرف، فلم يكن معروفاً من قبل لدى غير المسلمين، وقد أرسل الله سبحانه وتعالى المسلمين إلى مجادلة خصومهم بالتي هي أحسن؛ فقال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125], وقال تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46]، وقد طبق ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناظرة نصارى نجران حين وفدوا إليه، وفي ذلك أنزلت آيات سورة آل عمران، في مجادلة نصارى نجران.

    1.   

    حد علم الجدل

    وتعريف هذا العلم أنه: آداب الخلاف، وأسس التحاكم عند الاختلاف.

    وهذا العلم ينبني كما هو واضح من تعريفه على إمكانية التعدد في الرأي، فالعقول قابلة لأن تتوصل إلى آراء متباينة بخلقتها، وعلى ذلك يبحث في أولاها وأقواها، وقد لا يؤدي ذلك بالضرورة إلى حسم الخلاف، والذين تشق عليهم الخلافات، ويظنون أنها تقتضي تشتيت الجهود، أو تقتضي إضاعة المجهود؛ مخطئون في هذا التصور؛ فإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن ينزل الأحكام مرقمة بشكل مواد قانونية، ولم يفعل، وإنما نزلها في نصوص ذات دلالات مختلفة من ناحية الحجم، ومن ناحية الوضوح والخفاء، ومن ناحية الألفاظ أيضاً؛ ففيها اختلاف واضح جداً بين الأساليب: أساليب القرآن في الإباحة والتحريم، والإيجاب والأمر؛ مختلفة تماماً، مما يدل على أن الشارع ترك مجالاً كبيراً للعقول للاجتهاد.

    وقد أرشد الله سبحانه وتعالى الناس إلى إعمال عقولهم في مواطن كثيرة من كتابه؛ فقال: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2]، وقال: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].

    وكذلك في آيات التفكر كثيراً ما يرشد إلى التدبر فيه؛ قال سبحانه: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:17-20]، وقال: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191]، وفي غير هذا من آيات التفكر في القرآن.

    وهذا الأدب قد جاء الإرشاد إليه في نصوص شرعية مثل قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:148]، ومثل قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44]، ومثل قوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83]، وفي غير ذلك من النصوص.

    وقد أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من الأحاديث كقوله لعائشة رضي الله عنها: ( مهلاً، فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان الخرق في شيء إلا شانه )، وكذلك في سنته صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( متى عهدتني فحَّاشاً )، وغير هذا من الأحاديث الكثيرة.

    وهذا الأدب يقتضي من المتناظرين ألا ينتصرا لأنفسهما، وأن يبحثا عن الحق حيث كان.

    وكذلك لا بد من ضوابط يرجع إليها لتكون أرضية متفقاً عليها بين المتناظرين، فإذا كانت الحجج غير متفق عليها بين المتناظرين كان أحدهما يستدل بما لا يعتبر دليلاً لدى الآخر، فيضرب في حديد بارد، والآخر أيضاً يستدل بما ليس الدليل الذي لديه، أو بمطاعن ليست طعناً لديه، فيضرب في حديد بارد؛ فلا بد من أرضية متفق عليها بين المتناظرين، ينطلقان منها، وهذه الأرضية تختلف باختلاف المناظر.

    1.   

    بداية الجدل في صدر الإسلام

    وقد بدأت المناظرة في صدر الإسلام مع أهل الكتاب، فهم الذين أوتوا الكتاب من قبلنا، وكانت المناظرة معهم في صدر الإسلام تحسم بالوحي، كما كان في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه جرى له خلاف مع اليهود ومع النصارى، وكل طائفة حصلت المناظرة معها حسمت بالوحي.

    وبداية ذلك من اليهود فهم أول من جادل، وذلك قبل الهجرة، فإنهم حين أنزل الله تعالى سورة الأنعام وقد جاء فيها تحريم الميتات، قال اليهود لأوليائهم من قريش: يزعم محمد أن الله أباح ما ذبحه بيده، وحرم ما ذبحه الله بشمشار من ذهب، أو شمشير من ذهب، ويقصدون به الميتات، فأنزل الله في ذلك قوله: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام:121]، فسمى الله اليهود بالشياطين، وأخبر أنهم يوحون بهذه الأدلة إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم، فكان هذا بداية الجدل في صدر الإسلام.

    وقد أيس اليهود من الانتصار في الجدل مع النبي صلى الله عليه وسلم، كما أيس النصارى من ذلك، فالنصارى حين قرأ عليهم آيات آل عمران، قال لهم مشيرهم -أي صاحب الرأي فيهم -: والله لقد علمتم أنه لنبي، وما باهل قوم نبياً فنجوا؛ فأدوا إليه الجزية، وارجعوا إلى بلادكم، ففعلوا.

    وقد كان قد دعاهم إلى المباهلة: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61].

    وكذلك اليهود عندما ناظروه حتى في التوراة نفسها، فعندما زنى رجل وامرأة من أشرافهم قالوا: ارفعوا هذه القضية إلى محمد؛ لعلكم تجدون عنده حكماً أسهل من حكم التوراة، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن حكم الزاني والزانية المحصنين في التوراة ما هو؟ فقالوا: نسخم وجوههما، ونفضحهما في الملأ، وذكروا بعض التعزيرات الخفيفة، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن في التوراة آية الرجم، فأنكروا ذلك، فشهد عبد الله بن سلام بصحة ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالتوراة، فجاء خازن التوراة منهم، فجعل يقرؤها، ووضع يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: (ارفع يدك فرفع يده، فإذا آية الرجم تحتها، فرجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    1.   

    ضوابط في الجدل

    وقد بين الله سبحانه وتعالى ضوابط واضحة لهذا الجدل، فمنها الحسم التاريخي كما في قوله: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ [آل عمران:67]، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [آل عمران:65]، فاليهود ادعوا أن إبراهيم كان يهودياً، والنصارى كانوا يدعون أنه نصراني، فحسم الله الخلاف بضابط التاريخ، فإن اليهودية إنما بدأت من نزول التوراة، وإنما أنزلت على موسى، وأن النصرانية إنما بدأت من نزول الإنجيل، وإنما أنزل على عيسى؛ فأين موسى وعيسى من إبراهيم، وقد كان قبل التوراة، وقبل الإنجيل.

    وكذلك في قوله في لحوم الإبل حين تخاصموا فيها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93].

    وكذلك من هذه الضوابط التي جاء الإرشاد إليها في القرآن ما تضمنته قصص السابقين، فالحجة التي ألهمها الله إبراهيم عليه السلام: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام:83]، وكذلك حجج موسى لفرعون وقومه، فقد كانت بمثابة ضوابط للجدل العقدي وحاسمة له، فإن إبراهيم عليه السلام حين قال له الرجل: أنا أحيي وأميت، فلم يناقشه إبراهيم في هذه المسألة هل هو فعلاً يحيي ويميت، أو لا يحيي ولا يميت، بل قال له: إن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر.

    وكذلك حين قال لقومه: أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا [المائدة:76]، سألهم! هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء:72-73]، فرجعوا إلى مجرد التقليد قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء:74]، فليس لهم أي منطق ولا أية تجربة، في نفع ولا ضر، ولا كلام، لا يكلمونهم، ولا يدركون شيئاً من هذا، لكن مجرد التقليد بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء:74].

    وكذلك في جدال موسى مع فرعون فإنه حين قال له: فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:49-50]، وهذه المناظرة بينها الله سبحانه وتعالى أيضاً في سورة الشعراء، فقال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء:23-33]، فهذا الجدل بدأ أولاً جدلاً منطقياً، ثم لما هزم فرعون تدخلت القوة، فأراد أن يحسم الموقف لصالحه عن طريق القوة والسجن، وبالتهديد، فجاء ذلك الوقت دور المعجزة، فأخرج موسى المعجزة التي أيده الله بها، فجاءت هزيمة أخرى لفرعون، ثم لم يبقَ له إلا المكابرة بمجيء السحرة وجمعهم.

    ولذلك يذكر أن المأمون قال: ما ناظرني أحد فغلبني إلا مجنون واحد، فقد أوتي بمجنون يزعم أنه موسى بن عمران، وأن عصاه التي معه هي عصا موسى، فقال هارون له: أنت موسى بن عمران؟ قال: نعم، قال: إن موسى كان يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، فأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، قال: إنما فعل ذلك حين قال له فرعون: أنا ربكم الأعلى، فقل أنت: أنا ربكم الأعلى.

    1.   

    موضوع علم الجدل

    وموضوع علم الجدل هو إثبات القضايا العقلية أو نفيها.

    والقضايا العقلية تنقسم لدى المسلمين إلى قسمين: إلى جانب عقدي، وجانب عملي، فالجانب العقدي الجدل فيه أدرج في علم الكلام، والجانب العملي فيه أدرج فيما يسمى بالجدل الفقهي.

    فانقسم الجدل بهذا الاعتبار إلى قسمين: قسم عقدي، وقسم فقهي، بين طائفتين من المهتمين بالعلم، الطائفة الأولى المتكلمون، والطائفة الثانية الفقهاء.

    1.   

    واضع علم الجدل

    أما واضع علم الجدل فيصعب نسبته إلى واضع بعينه؛ لما سبق أن ذكرنا أن الأنبياء كانوا يجادلون من أرسلوا إليهم، وأن الله قد أرشد إليه في القرآن، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جادل أهل الكتاب، لكن اشتهر عن أبي حنيفة رحمه الله وأصحابه التواطؤ على بعض القواعد الجدلية التي عليها مبنى الجدل الفقهي، واشتهر كذلك عن النظام وضع القواعد الجدلية التي عليها مبنى الجدل العقدي، فيمكن أن يقال: واضع الجدل الفقهي أبو حنيفة، وواضع الجدل العقدي النظام، والنظام من أئمة المعتزلة.

    1.   

    مستمد علم الجدل

    أما مستمده فهو الحجج العقلية والنقلية.

    والحجج العقلية مبناها على المسلمات الأوليات والمشاهدات والحدسيات والوجدانيات والمشهورات.

    والحجج النقلية مبناها على الكتاب والسنة والإجماع، والآراء التي تأخذ قوة حجية، كإجماع أهل المدينة، وقول الصحابي، وإجماع أهل الكوفة عند أبي حنيفة، وإجماع الخلفاء الأربعة، واتفاق أبي بكر وعمر، فهذه الأقوال التي لها حجية وقوة في نفسها.

    1.   

    فضل علم الجدل

    أما فضل علم الجدل فإنه يرجع إلى فائدته التي ستذكر، لكن مع هذا فلا شك أن من عرف دليل ما يتمسك به؛ فقد بنى على أصل شرعي، وهو قول الله تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111]، وقد أمر الله بالتثبت والتبين عند تلقي الأخبار، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، وفي قراءة أخرى: (فتثبتوا)، وهذا يقتضي التثبت في نقل الأخبار، وفي سماعها والحكم عليها.

    وقد جاء أيضاً في القرآن النهي عما ليس مبنياً على حجة، كقول الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، وكقوله تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    وقد أخرج أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أفتي على غير ثبت؛ فإثمه على مفتيه )، فهذا يقتضي التثبت في الإفتاء، والانطلاق من الدليل والاعتماد على الحجة، وأن ما ليس مبنياً على الدليل يكون كالبنيان الذي على شفا جرف هار، وسرعان ما يسقط، ولهذا شبه الأئمة ما لا دليل عليه من الاجتهادات ببيت العنكبوت، قال تعالى: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41].

    وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لما أتى الشافعي مصر قال لي أبي: يا بني! الزم هذا الرجل فما بينك وبين أن يضحك الناس منك إلا أن تخرج من مصر فتقول: قال ابن القاسم، قال: فخرجت إلى بغداد لحاجة لي، فسألوني في مسألة فقلت: كان ابن القاسم فيها يقول كذا، فقالوا: ومن ابن القاسم ؟ فقلت: فقيه كان عندنا من مصر، فضحك الناس.

    فكل ما ليس للإنسان فيه دليل، ولو نسبه إلى الأعلام والعلماء، لا يقتضي ذلك إثباتاً له، فيحتاج الإنسان إلى انطلاق من الدليل ليكون منطلقاً في كل ما يقوله، وإنما يتعود الإنسان على هذا إذا وجد من يخالفه في الأمر، فمن عاش في بيئة تلتزم بمذهب واحد، ولا يظهر فيها ما يخالف ذلك المذهب، فسيكون لديه ضيق أفق، ويكون متمسكاً بكثير من الأمور التي لا دليل عليها، وهو يظنها من الشرع، ويظنها ذات دليل ثابت، ومن عاش في بيئة فيها أطروحات متعددة متنوعة، أو يحصل فيها الخلاف والجدل، فإنه سيتسع فقهه لاستيعاب الجميع.

    1.   

    حكم تعلم علم الجدل

    ثم حكم تعلم علم الجدل، فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين:

    القول الأول: ذهب بعضهم إلى تحريمه؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المراء في الدين، فقالوا: الجدل يرجع إلى المراء، والمراء في الدين منهي عنه، وهذا القول ضعيف جداً؛ لأن الله أمر بالجدل في قوله: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، وقوله: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46]، وقد نبه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أنه سيجادل: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ [آل عمران:20].

    والنبي صلى الله عليه وسلم كذلك أرشد إلى العناية بالدليل، وإقامة الحجة على الآخرين، ( من أفتي على غير ثبت؛ فإثمه على مفتيه )، مما يرشد إلى أن هذا الخلاف ممكن الوقوع، وأنه في الأمور الاجتهادية لا ذنب فيه، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا في مسائل فتجادلوا فيها؛ فحكم لمن معه الدليل منهم، وقد جمع الزركشي ما ردته عائشة وحدها على الصحابة في كتاب (الإجابة في ردود عائشة على الصحابة)، وكذلك يتبعهم من بعدهم، فأصبح محل إجماع بين الأمة، فهذا القول إذاً معارض للإجماع.

    وهنا يلزم التفريق بين الجدل والمراء، فالجدل ما طلب به إظهار الحق، والمراء ما قصد به مجرد الترف الذهني أو إزهاق الحق، وإظهار الباطل، وإذا قلنا: ما طلب به إظهار الحق، وإزهاق الباطل، وقلنا في العكس: ما طلب به إظهار الباطل، وإزهاق الحق؛ فلا يقصد بذلك لدى صاحبه؛ لأنه في الغالب ما من أحد إلا يقول: أنا أريد إظهار الحق، وما عندي هو الحق، والذي يستدل عليه هو الحق؛ وبالتالي أنا مجادل لا مماري. فليس المرجع إلى ما يراه الإنسان في نفسه، إنما المرجع في ذلك إلى قصد المتناظرين، فإن علم أن الإنسان يناظر عن أمر لا يقتنع به، وإنما يريد بذلك الترف الذهني، كحال كثير من الفلاسفة، الذين ينطلقون من قاعدة: الشك في كل شيء، ويرون أن من لم يشك لا يمكن أن يتثبت؛ لأن التثبت مبناه على الشك، والشك سابق عن التثبت في كل أمر، فهذا لا شك هو المراء المذموم، والمراء مشتق من المرية، وهي الشك والريب، بخلاف الجدل فهو مشتق إما من الأجدل وهو البازي لقوته، أو من الجدالة وهو التراب؛ لأن المتخاصمين كأن أحدهما يضرب بالآخر الأرض، فيجدّله.

    القول الثاني: أنه فرض كفاية يلزم تعلمه؛ لأن الله أوجب علينا مناظرة أهل الكتاب، ولا يمكن مناظرتهم إلا بتعلم الأدلة المقنعة، وكذلك رد الشبه عن دين الله واجب بالإجماع، ولا يمكن ذلك إلا بتعلم هذه البراهين التي يرد بها ذوي الشبه، وهذا القول هو الراجح والذي يكاد يكون محل إجماع بين الأمة.

    1.   

    اسم علم الجدل

    وقد سمي هذا العلم في الغالب بعلم الجدل، وقد يسمى بعلم المناظرة، وقد يسمى بعلم البحث.

    وعلم الجدل قد ذكرنا اشتقاقه أنه إما أن يكون مشتقاً من الأجدل وهو البازي القوي، ومنه قول زهير بن أبي سلمى:

    ألا يكن مال يثاب فإنه سيأتي ثنائي زيداً بن مهلهلِ

    فما نلتنا غدراً ولكن لقيتنا غداة التقينا في المضيق بأخيل

    تفادى كماة القوم من وقع سيفه تفادي بغاث الطير عن وقع أجدل

    فالأجدل البازي القوي.

    أو أن يكون مشتقاً من الجدالة وهي الأرض الغبراء؛ لأن المغلوب تضرب به الأرض، كالمغلوب في الصراع، في المصارعة.

    وأما اسم المناظرة فهو مشتق من تناظر شخصين، أي: انطلاقهما من مبدأ سواء، فالمناظرة بداية سباق الرهان، تناظر الفرسان معناه تكون كل واحدة منهما نظيرة صاحبتها؛ لأنها إذا كانت إحداهما متقدمة عن الأخرى، فقد كان السباق مختلاً، فإنما يقع التوازن بالتناظر، يعني: أن تكون كل واحدة منهما نظيرة للأخرى ومناظرة لها، فكذلك انطلاق المتناظرين من مبدأ واحد.

    وأهل الجدل يفصلون بين الناظرين والمتناظرين، فالناظران هم المتذكران في العلم، اللذان ينطلقان من غير مذهب، وإنما يبحثان في الدليل ويستنبطان منه، هذا الناظر، أي: الذي يبحث في الدليل فيستنبط منه.

    وأما المناظر فهو الذي ينطلق من مذهب لديه يريد إثباته، ولهذا فالدليل سابق على المدلول لدى الناظر، ولاحق للمدلول المناظر، فالمناظر قد يتعدد لديه الدليل، والناظر لا يتعدد لديه الدليل، فالناظر دليله واحد، مثلاً وأنت تقرأ في المصحف، فمررت بآية فاستنبطت منها حكماً، فأنت ناظر لا مناظر، أما المناظر فقد درس هذا المذهب وعرف أدلته، وعرف الردود على خصمه، وهو مستعد لأن يزيد أدلة مذهبه، ويقويها بكل ما أوتي من قوة وملكة، فهذا الفرق بين الناظر والمناظر.

    وأما البحث فهو في الأصل الحفر في الأرض، ومنه قول الله تعالى: فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة:31]، ولما كان طلب ما دق في الأرض يحتاج فيه إلى حفر؛ سمي طلب الحق كذلك بحثاً؛ كأن الإنسان كأنه عنه، فما علاه من الغبار، وما أخفاه من التراب يزال عنه حتى يظهر، وكذلك الحق لا بد أن يزال عنه ما يعلوه من الشبهات، حتى يظهر جلياً، ومن أجل هذا سمي البحث بحثاً.

    وقد يجمع الاسمان فيقال: علم البحث والمناظرة، فيسمى هذا العلم بالكلمتين معاً، ولا مشاحة في الاصطلاح.

    1.   

    مسائل علم الجدل

    أما مسائله فتختلف باختلاف العلمين اللذين انقسم إليهما:

    الجدل في الجانب الفقهي

    القسم الأول وهو المختص بالفقه، فإن مستمده من أدلة المذاهب واجتهاداتهم، ومن أصول الفقه، ومن أوجه تركيب الأدلة، ومن أوجه الطعن فيها، وقد اختلط هذا العلم بعلم الأصول من قديم، حتى إن أبا عمرو بن الحاجب رحمه الله حين ألف مختصره في الأصول سماه: (منتهى السول والأمل من علمي الأصول والجدل)، مختصر مطول، فجمع الجدل مع الأصول.

    والأصوليون يذكرون الجدل في موضعين:

    الموضع الأول: في القياس، عندما يتعرضون لمسالك العلة وقوادحها، فيقيمون المناظرة، ولهم في ذلك مصطلحات خاصة، فالذي يتقدم المسألة يسمى بالمستدل، والذي يرد عليه يسمى بالمعترض، وعندهم مسلمات أشبه ما تكون بالتقاليد، مثل تقاليد اللعب التي يلعب بها الناس، فيتعارفون فيها على تقاليد معينة، وهي أن الطعن بالمنع سابق على الطعن بالمعارضة، فالمنع يسبق المعارضة مطلقاً، والمنع فيه إنكار، سواءً كان لدعوى الخصم، أو لحجته، أو لتعليله، أو نحو ذلك. والمنع أنواع لدى الأصوليين، فيمكن أن تمنع وجود الحكم في الفرع، ويمكن أن تمنع وجوده في الأصل، ويمكن أن تمنع تعليل الحكم، ويمكن أن تمنع وجود العلة في الأصل، ويمكن أن تمنع وجود العلة في الفرع، هذه كلها أنواع من المنع.

    ثم المعارضة بعد ذلك هي الإتيان بدليل جديد خارج أدلة الخصم، ولذلك عندما تكلموا عن قوادح العلة ذكروا تقريباً آخر ما وصلوا إليه ثلاثة وثلاثين قادحاً من قوادح العلة التي تقدح في الأقيسة، وغيرها مما يتوجه إلى القياس أيضاً اثنا عشر سؤالاً، من ثمانية أسئلة عقلية تتوجه إلى القياس نفسه، إلى كل قياس، فكل قياس يمكن أن توجه إليه ثمانية أسئلة، حتى تصل إلى اثني عشر سؤالاً، ثم بعد ذلك القوادح تصل إلى ثلاثة وثلاثين قادحاً، وهذه تختلف باختلاف المسالك، فمن المسالك ما يمكن أن يتوجه إليها عدد من القوادح، ومنها ما لا يتوجه إليه ذلك العدد، فمثلاً من القوادح فساد الاعتبار، وفساد الاعتبار معناه معارضة القياس للنص، أي: يكون القياس معارضاً لنص من القرآن أو من السنة، وهذا يمكن أن يطعن به في كل الأقيسة، فما من قياس إلا يمكن أن يعترض عليه بفساد الاعتبار.

    ومن القوادح فساد الوضع، وفساد الوضع هو أن يكون التركيب فاسداً، وأن يكون القياس في نفسه فاسداً، أي: ليس على وضع منطقي معهود، كأن يقاس الأصل على الفرع، مثل قياس الجمهور للوضوء على التيمم في لزوم النية فيه، فإن التيمم قطعاً فرع عن الوضوء، وهذا ليس محل نقاش، والوضوء ليس في لفظه ما يقتضي النية، والتيمم في لفظه ما يقتضي النية؛ لأن التيمم معناه في اللغة (القصد)، فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، أي: فاقصدوا، والقصد هو النية، ولذلك التيمم لا خلاف في اشتراط النية فيه، فالحنفية وغيرهم متفقون على وجوب النية في التيمم، أما الوضوء فالجمهور يشترطون فيه النية، والحنفية لا يشترطون فيه النية، فإذا أراد الشخص من الجمهور أن يثبت وجوب النية في الوضوء بقياس الوضوء على التيمم، يقال له: هذا القياس فاسد الوضع؛ لأنه قِيس فيه الأصل على الفرع، وهذا خلاف الوضع المعقول، والوضع المعقول يقاس فيه الفرع على الأصل، ولا يقاس فيه الأصل على الفرع، وهكذا.

    وهكذا في الكسر والنقض، وهما وجود الحكم من دون العلة، أو وجود العلة من دون الحكم، فهذا إنما يتوجه إلى الأقيسة التي ترجع إلى قياس الدلالة الذي فيه علة، ولا يمكن أن يقدح بها في قياس الشبه، ولا في قياس الدلالة مثلاً، هذا في قياس العلة فقط، وهكذا.

    كذلك يتكلمون في العادة عن طرق وضع المسائل، فمن الأدب إذا كانت المسألة محل المناظرة ألا يحاول الإنسان حسمها من أول وهلة، فمن قال: الحق وجوب النية في الوضوء، فلم يسر على الطريقة المعهودة في المناظرة، بل يقول: مذهبي أو الذي أراه أن النية واجبة في الوضوء؛ لأنه لا ينبغي أن يحسم المسألة من أول وهلة، فهذا مصادرة ومكابرة، لأن القضية قابلة للنقاش، وما زلنا في محل النقاش، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية عندما قال له سهيل بن عمرو: (بل اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، فلو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك)؛ فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا؛ لأنه لو كانت الكتابة من بدايتها أمرها ما عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو، ما كان لها معنى حينئذٍ بأنهم لا يمكن أن يقاتلوه وهم يعلمون أنه رسول الله.

    الموضع الثاني: هو التعارض والترجيح، أي: الترجيح بين الأدلة، والترجيح بين الأقيسة، وهما بابان من أبواب أصول الفقه.

    الجدل في الجانب العقدي

    القسم الثاني: المناظرة العقدية، وهذه مستمدها من القواعد المنطقية، والأدلة الفلسفية، والأدلة النقلية كذلك، وما جرت عليه عادة الناس في الكلام، فإن للناس مصطلحات في الكلام عند المناظرة .

    ومن مشاهير الكتب المؤلفة في الجدل العقدي كتاب مقالات الإسلاميين لـأبي الحسن الأشعري، وقد قسم الكتاب إلى قسمين: القسم الأول في كبريات المسائل والقسم الثاني في دقيق هذا العلم، وإن كان أبو الحسن رحمه الله لم يضع لنا المناظرة على هيئتها الواقعية، فله هو مناظرات كثيرة، تضمنتها كتب الباقلاني.

    والباقلاني من أشهر الناس وأقواهم في علم الجدل، فما ناظر أحداً قط إلا غلبه، وقد كان المعتزلة في زمانه يخافونه، وكانوا يوماً مجتمعين في المسجد وقد تغلبوا على عدد من علماء أهل السنة كانوا عندهم، فرأوه وهو آتٍ فقال لهم شيخهم: أتاكم الشيطان، وكانوا يلقبونه بالشيطان، فدخل المسجد فقرأ قول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم:83]، فأزهم أزاً، وحين أرسله الخليفة لمناظرة النصارى، كان إذ ذاك لا يدخل أحد على ملكهم إلا سجد له أو ركع بين يديه، فقالوا: كيف نحتال على هذا الشيخ حتى يركع للملك أو يسجد؟ فقال عاقلهم: اجعلوا سلماً في الباب يقصر به الباب حتى لا يدخل منه إلا راكعاً، فجعلوا سلماً في الباب، درجاً إلى الخارج، ودرجاً إلى الداخل، من الخشب، فلما جاء يريد الدخول شعر بالحيلة فعرفها، فلما صعد ولاهم دبره، وجاء يمشي إلى الوراء، فاستحيا كل من في المجلس ووضع يديه على وجهه، وكان هذا غاية الاحتقار لهم، فلما جلس إلى الملك عرفه على من بحضرته فعرفه على البابا، فقال: هذا الأنبى البابا.. كذا، وأضفى عليه الأوصاف التي عندهم، والأنبى زيادة في النبوة عندهم، أفعال تفضيل في النبوة، وهذه إلى الآن ما زالوا يصفون بها كل من تولى البابا، خاصة في الكنيسة الشرقية، فقال له: كيف الزوجة والأولاد؟ فضج كل من في المجلس فقال الملك: نحن ننزهه عما تقول، فقال: سبحان الله! لا تنزهون الذي خلقه عما أقول، وتنزهونه هو عما أقول.

    وكانت له مناظرات كثيرة معهم، وكان يسألهم أسئلة دقيقة، يسألهم: أيّنا أكثر احتراماً لربنا؟ قالوا: نحن أكثر احتراماً له، فأنتم تسلخونه من أهله وولده، ونحن من تقديرنا له جمع الشمل، هذا رأي النصارى، فقال لهم: أنتم تنسبون إليه العجز؛ ولو كان هذا صحيحاً فكيف لا يحمي ولده، أن يقتل ويصلب؟

    1.   

    من آداب الجدل والمناظرة

    بالنسبة للأدب في الجدل فمنه ما يرجع إلى المتناظرين في ذاتهما، فمن آدابهما ألا يستطيل أحدهما على الآخر بمكانة ولا وجاهة، ولا مستوى علمي، بل ينطلق معه من متساوٍ كامل، وكذلك ألا يرفع صوته عليه، لما جاء من النهي في ذلك في آية النساء: لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:148].

    ومنها كذلك ألا يتهكم بقوله وألا يزدريه، فإن ذلك الاحتقار والسخرية مما يدخل في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ [الحجرات:11].

    ومنها كذلك ألا يمس مقدساته في البداية؛ لقول الله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108]، فاحترام أئمة الإنسان الذين يقدرهم أو كتبه التي ينطلق منها أو نحو هذا يلزم في بداية المناظرة وهو من آدابها.

    وكذلك إتاحة الفرصة له، بمعنى عدم مقاطعته في أثناء الكلام، فلا تقاطعه حتى يسكت.

    ومنها عدم إطالة الكلام في غير طائل؛ فهذا يسمى توليد الكلام، فليحاول كل واحد من المتناظرين اختصار الكلام على قدر ما يمكن، حتى لا يقاطعا؛ لأن هذا أعون لخصمه على ألا يقاطعه وأن يتأدب معه.

    ومنها عدم المكابرة إذا عُرف الحق، بمعنى ألا ينكر شيئاً مما اتفقا عليه من قبل، فرجوعه في الأثناء وإنكاره لأمر كان مسلماً عنده عبارة عن انهزامه، ولكن يمكن التخلص من هذه النقطة بما يسمى بالتسليم الجدلي، والتسليم الجدلي هو مراحل عند أهل الجدل، منه أن يقول: سلمنا لك تسليماً جدلياً كذا، لا أنه كذا، فيبدأ يطعن فيما يسمى بالقول الموجب، والقول الموجب أحد قوادح العلة، ولكن يمكن أن يستعمل حتى في غير القياس من الأدلة، ولذلك يستعمله أهل البلاغة مثل قول الشاعر:

    وإخوان عددتهم دروعاً فكانوها ولكن للأعادي

    وخلتهم سهاماً صائباتٍ فكانوها ولكن في فؤادي

    فتثبت الدليل، لكن تقلبه حتى يكون حجة على الخصم، تقول: دليلك صحيح، لكنه حجة عليك لا لك، فهذا النوع من التسليم تسليم معقب بالاستدراك الذي بعده، وذلك مثل تسليم الحكم في الأصل من غير أن يسلم أن علته ما ذكر، فالذي يريد مثلاً مناظرة في أن الأرز ربوي، أو تجب الزكاة فيه، وأنه من المعشرات، فمناظره يقول: الأرز كالقمح، والقمح ربوي تجب فيه الزكاة، فيقول: سلمت أن القمح ربوي تجب فيه الزكاة، لكن ليست علة ما قصدت من أنه مقتات مدخر، حتى تلحق به الأرز، ويأتي بعلة أخرى مناسبة، بل علته كذا، وهكذا.

    ثم بعد هذا يأتي المرجع إلى ما يتقيد به كل متناظر مما يلزم في مذهبه، فإن العادة أن يكون كل مناظر مطلعاً على مذهب الآخر، حتى يعرف ما هو حجة عنده مما ليس حجة، فإذا ناظرت حنفياً وأنت تثبت الاستدلال بمفهوم المخالفة، وتعلم أنه لا يستدل بمفهوم المخالفة، فلو استدل عليك حنفي بمفهوم المخالفة لكان بالإمكان أن ترده إلى التناقض، وتقول: هذا لا يثبته مذهبك، وهذا الذي يسمى بالإلزام في علم الجدل، إما أن يخرج من مذهبه بالكلية، فيلتزم أمراً ليس في المذهب، وحينئذٍ لا معنى لمناقشتها عن قضية واحدة من قضايا المذهب، وإما أن يرجع إلى مذهبه فيبطل مذهبه الذي يستدل به الآن.

    وكثيراً ما يحصل هذا في المناظرات فينساق الإنسان وراء رأي من الآراء فيريد إثباته، حتى يقول ما لا يقتنع به هو، وقد حصل هذا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواقف كثيرة، وبالأخص في منهاج السنة، فإنه في كثير من المواضع يتهجم على علي رضي الله عنه، وعلى الحسين رضي الله عنه، بكلام لا يليق، وليس مذهباً له ولا يقول به، لكنه ألجأته المناظرة والمخاصمة إلى مثل هذا الكلام، وإن كان هذا ليس عذراً، وهذه من الأمور التي لا تنبغي، لكن عموماً هذا يقع، فكثير ما يضطر الإنسان في المناقشة إلى أن يأتي بشيء لا يقتنع به، فيريد به كسر شوكة خصمه بالكلية.

    1.   

    المؤلفات في علم الجدل

    وعلم الجدل اشتهر بمؤلفاته في الجانبين الفقهي والعقدي:

    المؤلفات في الجدل الفقهي

    ففي المجال الفقهي اشتهر مثل المعونة في علم الجدل لـأبي إسحاق الشيرازي، والمنهاج في ترتيب الحجاج لـأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المالكي، وهذان كتابان على اقتصارهما جمعا كثيراً مما يحتاج إليه علم الجدل الفقهي، وقد ألف قبلهما كثير من الكتب المقارنة، أي: التي تذكر المذاهب وأدلتها، وتقارن بينها بالردود، ومن ذلك كتاب الخلافيات للبيهقي، وكتاب الحجة على أهل المدينة قبله لـمحمد بن الحسن الشيباني، وكتاب المبسوط لـإسماعيل القاضي المالكي.

    ومن أمثلة هذا من الكتب الفقهية المقارنة ما ذكرناه من قبل من الكتب التي تجمع المذاهب، كالمحلى لـابن حزم، والمغني لـابن قدامة، والمجموع للنووي، والاستذكار لـابن عبد البر، وبداية المجتهد لـابن رشد، فهذه كلها إلى بداية المجتهد تضع جدلاً بين المذاهب، وتتوصل إلى نتيجة منها، وهي ترجيح أحد الأقوال.

    وذكرنا أيضاً أن هذه الطريقة هي التي انتهجها ابن جرير الطبري في تفسيره، أما بداية المجتهد فلا يقصد صاحبه الوصول إلى نتيجة، وإنما يقصد بيان مآخذ أهل العلم وأسباب خلافهم فقط، لكن لا يختار هو قولاً ولا يرجحه، إنما يبين فقط أوجه اختلافهم وسبب الاختلاف، فهذه مهمته، دون تعصب لأي رأي ودون اختيار لأي رأي.

    وقد ألف ابن جرير الطبري كتاباً موسعاً في علم الجدل الفقهي، سماه اختلاف الفقهاء، وقد فقد هذا الكتاب، ولا يوجد منه إلا نبذة صغيرة طبعت باسم اختلاف الفقهاء لـابن جرير الطبري، وألف فيه ابن المنذر عدة كتب، منها المبسوط، ومنها الأوسط، ومنها الإشراف على مذاهب أهل العلم، وألف فيه القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي كتاب الإشراف على مسائل الخلاف.

    وهذا العلم من درسه لم يتعصب لمذهب من المذاهب، بل زال عنه التعصب بالكلية؛ لأنه يعرف مآخذ أهل العلم، ويعرف مواضع القوة في كل مذهب من المذاهب، ومواضع الضعف فيه، ولذلك احتاج إليه النحويون فطبقوه في علمهم، فألف ابن الأنباري كتابه الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، وألف السيوطي كتاب الاقتراح في الجدل المنطقي، رتبه على النحو، فيجعل في النحو أقيسة واستدلالاً وقدحاً، على نفس ما يرتبه الأصوليون.

    المؤلفات في الجدل العقدي

    ومن المؤلفات في الجدل العقدي كذلك كتاب التوحيد لـأبي منصور الماتريدي، ومن كتب المتأخرين الفصل في الملل والنحل لـأبي محمد علي بن حزم، والملل والنحل للشهرستاني، والفرق بين الفرق للبغدادي، ومنها كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية لـابن القيم، ومنها أيضاً الصواعق المرسلة، ومختصر الصواعق المرسلة كلاهما لـابن القيم أيضاً، هذه كلها من الجدل العقدي، وحتى إن نونية ابن القيم أيضاً من الجدل العقدي.

    1.   

    جدل الفقهاء وقصصهم

    وبالنسبة للقصص في المناظرات والمجادلات فهي كثيرة جداً، وقد أشرت من قبل إلى بعض القصص في الجدل الفقهي، من واقع تعصبات المذاهب لا من واقع البحث عن الحق وطلبه.

    وقد ذكر الشافعي رحمه الله في الأم عدداً من الأمثلة للجدل الفقهي الجيد، فذكر المناظرات التي حصلت له دون أن يذكر الطرف الآخر، وهذا من أدب الشافعي.

    وقد ذكر الإمام أحمد بعض المناظرات التي حصلت بين الشافعي وإسحاق بن راهويه، بحضرة الإمام أحمد، منها الجدل في بيوت مكة، هل تملك وتباع وتؤجر أم لا، فكان الشافعي يرى أنها تملك وتباع وتؤجر، وكان إسحاق بن راهويه يرى أنها لا تملك ولا تباع ولا تؤجر، والمناظرة كبيرة في هذا حتى قال له الشافعي: أأنت إسحاق الذي يزعم أهل خراسان أنك إمامهم، ما أحوجني إلى أن يكون غيرك مكانك لآمر بفرك أذنك.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042341178

    عدد مرات الحفظ

    731437716