إسلام ويب

الاستخلاف في الأرضللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل جعل الإنسان خليفة في هذه الأرض، واصطفى منهم الأنبياء والصالحين ليقيموا أمره ويجتنبوا نهيه، وجعل لهم فرصاً في الاستخلاف؛ منها الحياة الدنيا، وتعمير الإنسان، والنعم المسخرات له، فعند استغلال هذه الفرص يصل الإنسان إلى الصلاح والإصلاح في كل المجالات، العلمية والثقافية والسياسية والاقتصادية .. الخ، ومن مقتضيات الإصلاح الرحمة واللين والعمل المستمر المتراكم والتكاملي، والسعة في النظر وعدم الضيق في الأفق

    1.   

    الصراع الأبدي في الأرض وسببه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهدية، واستن بسنته إلى يوم الدين.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى هو أحكم الحاكمين، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، وقد شاء بحكمته أن يجعل هذه الدنيا مسرحاً للصراع بين الحق والباطل، ومن أجل ذلك خلق النار وخلق لها أهلها، وخلق الجنة وخلق لها أهلها، وأهبط آدم و حواء و إبليس إلى الأرض، ومنذ إهباطهم إلى الأرض بدأ الصراع، وكانت الدنيا مسرحاً لهذا الصراع، ولا يمكن أن يحسم الصراع فيها إلا بنهايتها؛ لأنه لو توقف التدافع لحظة واحدةً لفسدت الأرض، كما قال الله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ[البقرة:251]، وذلك أنه لو تغلب الحق على الأرض فلم يبقَ للباطل فيها وجود لنزح أهل الأرض حينئذٍ جميعاً، واستحقوا أن ينتقلوا عن دار الفناء والأوساخ والأقذار إلى دار البقاء والاستقرار، ولو تغلب الباطل على الأرض فلم يبقَ عليها إلا شرك أو معصية أو فجور لحق على أهل الأرض سخط الله ومقته وعذابه؛ فلهذا لا بد أن يبقى على الأرض الإيمان والكفر، ولا بد أن يبقى عليها الطاعة والمعصية، ولا بد أن يبقى عليها الظلم والاستبداد والجهاد، فلا بد أن يبقى عليها هذا الصراع بطرفيه.

    اصطفاء وتوفيق وعرقلة وتثبيط

    ويختار الله سبحانه وتعالى من كل جيل الذين يوفقهم لنصرة دينه وإعلاء كلمته، ويلهمهم رشدهم، فيعلي بهم الحق ويرفع بهم لواءه، ويخذل من كل جيل الذين لا يرتضي خدمتهم للدين، ولا يريد بهم الخير، فيكره الله سبحانه وتعالى منهم الطاعة كما يكره منهم المعصية، ولذلك قال الله تعالى: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:46]، كره الله انبعاثهم في الخروج للجهاد في سبيل الله، فإذا كانت طاعتهم مكروهة مبغوضة لدى الله جل جلاله، فكيف بمعصيتهم وشركهم؟

    فالذين لا يرتضي الله خدمتهم للدين يضع في وجوههم العراقيل والعقبات، ويردهم على أدبارهم ويمنعهم من سلوك طريق الحق، كما قال الله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا[الأعراف:146]، وقال الله تعالى: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات:9]، أي: يصرف عن طريق الحق من علم الله صرفه وأراده به، وكما قال الله تعالى: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:46]، وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ[العنكبوت:10]، وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ[الحج:11].

    أعظم كرامة

    ومن هنا كانت الاستقامة على منهج الله سبحانه وتعالى أعظم كرامة يكرم الله بها عبده، فيمكن أن يهتدي العبد هداية إرشاد، ولكنه لا يستقيم فيرجع على عقبيه كحال ثمود الذين قال الله فيهم: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى[فصلت:17]، ويمكن أن يمكث الإنسان مدة سالكاً لطريق الحق مستقيماً عليه، ثم يضيع في غيات الطريق فينحرف يميناً أو شمالاً، وحينئذٍ العبرة بخواتيم الأمور ونهاياتها، لا بمبادئها وابتداءاتها، فالذين يثبتهم الله بالقول الثابت ينالون الاستقامة على طريق الحق، فيكون يومهم خيراً من أمسهم، ويكون غدهم خيراً من يومهم، وكلما ازدادوا في العمر ازدادوا من الله قرباً، وكلما ازدادوا محبة وشوقاً إليه جل جلاله وأنساً به، فهم متقدمون على طريق الحق صابرون عليه حتى يلقون الله جل جلاله على هذا الطريق.

    1.   

    تكريم ابن آدم على الخلائق

    وقد بين الله سبحانه وتعالى، أنه جعل آدم خليفة في الأرض، ومعنى هذا الاستخلاف أن الله خلق الأرض وما عليها لمصلحة هذا الجنس البشري، وجعل في الأرض أنواعاً من الخلائق، مرجعها ومركز ثقلها وتوازنها هو الجنس البشري، ففي الأرض من أنواع الخلائق ما هو أقوى من البشر: كالوحوش المفترسة والفيلة والأسود، وكالحيوانات من الأنعام القوية كالإبل التي ذللها الله لبني آدم وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس:72]، وفيها كذلك الجن، وفيها أنواع الطير وأنواع البهائم والدواب، ولكن الله جعل الإنسان هو أشرف سكان الأرض، فلذلك خصصه الله سبحانه وتعالى بالقيادة والإمارة على الأرض، فقال تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا[البقرة:29]، ومعنى هذا أن كل ما في الأرض، نكتته وحكمة خلقه ابن آدم، إما انتفاعاً كما في الأرض من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات، وغيرها مما ينتفع به الجنس البشري، وإما اعتباراً كما في الأرض مما لا ينفع ولا يضر، وإنما يتعظ به الإنسان فيكون ذلك تنميةً لفكره، وإشراقاً لروحه وبصيرته، وإما اختباراً كما في الأرض مما يضر الإنسان، كالسباع والهوام والسموم والأوبئة والجراثيم والمكروبات وغيرها مما هو ضار للبشر، فحكمة الله في خلقه أن جعله اختباراً و ابتلاءً لهذا الجنس البشري، وامتحاناً له، وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35].

    فإذا عرف ذلك عرف أن هذا الجنس البشري شريف كريم على الله جل جلاله، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى نوه بهذا الجنس في بداية النشأة، فقد خلق آدم بيمينه ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، ثم بين للملائكة أنه جعله خليفة في الأرض: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30].

    تشريف ومسئولية

    فهذا التشريف والتكريم اقتضى أن يكون الإنسان مسئولاً عن هذه الأرض، وذلك يقتضي حرصاً على أداء هذه المسئولية، فالإنسان إذا وظف في وظيفة سامية عالية، ولكنه لم يرد منها إلا أخذ الراتب ولم يرد أن يقدم أية خدمة، ولا أن يمارس أية صلاحيات منحت له، هل هو مستفيد من وظيفته؟ هل لهذه الوظيفة شرف في حقه؟ فلذلك الإنسان ذكراً كان أو أنثى، كبيراً أو صغيراً، عالماً أو جاهلاً، ذكياً أو بليداً، هو مستخلف في هذه الوظيفة العمومية العامة ذات الشرف الكبير والمكانة السامقة، فلا بد أن يستشعر مسئوليته عما في الأرض، وأن يحرص على أن يترك فيها بصماته وآثاره، وأن يؤدي الحق الذي جعله الله عليه، فإنه لو ولي على مصر من الأمصار، أو انتخب رئيساً لبلد من البلدان ولم يقدم لشعبه أية خدمة، ومكث محتجباً في قصره يأخذ راتبه عند نهاية الشهر، لم يكن لانتخابه معنىً ولا قيمة، ولن يعود الناخبون لانتخابه مرة أخرى.

    فلذلك هذا الإنسان لا بد أن يستشعر أنه في وظيفة كبيرة، وأن عليه مسئوليات جسيمة، وأنه لا بد أن يمارسها قبل فوات الأوان، وذلك أن الأوان، أوان امتحان والأقلام معملة، والوقت ضيق، والعمر قصير، وفي العمل تقصير، والناقد بصير، فيحتاج الإنسان للمبادرة قبل فوات الأوان، ولذلك شرع الله للبشر المسابقة والمبادرة إلى الخيرات، فقال تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ[البقرة:148]، وقال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، وقال تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الحديد:21]، وقال تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحض على المبادرة والمسارعة بالأعمال الصالحة.

    فلذلك لا بد أن يستشعر الإنسان مسئوليته، وأن يستشعر كذلك ضيق الأمد لأداء المهمة، فأنت أتيت إلى الأرض ولست من أهلها، أهبطت إليها إهابطاً، ووصلت إليها في تأشيرة مدتها محددة هي مدة العمر، وهي مجهولة بالنسبة لك، وفي أعمالٍ ووظائف محددة، فإذا أتقنت هذه الأعمال والوظائف وأديتها على أحسن الوجوه، قبل انقضاء التأشيرة، فإن بقية التأشيرة ستكون ربحاً وزيادة وامتداداً في الخير، وإذا جلست إلى آخر مدة التأشيرة ثم بدأت في مزاولة العمل الذي من أجله أتيت، فقد غامرت وخاطرت، ويمكن أن تنقضي التأشيرة قبل أداء مهمتك، كما يفعله كثير من المسوفين الذين يقولون: نحن شباب وسنترك المبادرة إلى الطاعات والأعمال الصالحة حتى نشيب ويتقدم بنا العمر، فيقال: من يضمن لكم أنكم ستوصلون إلى ذلك، أو إذا وصلتم إليه فمن يضمن لكم الاستمرار على طريق الهداية، ومن يضمن لكم ألا تصابوا بالأمراض التي تمنع من الطاعات، ومن يضمن لكم ألا تصابوا بأمراض الإيمان وأمراض القلوب التي تحول بين الإنسان وبين المسابقة في الخير.

    فلذلك لا بد أن يستشعر الإنسان ضيق وقت التأشيرة، وأن كثيراً من العوائق تحول دون إتمام العمل والمهمة الشاقة، التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، ولم يكف أنهن أَبَيْنَ أن يحملنها، بل مع ذلك أشفقن منها، والإشفاق يقتضي خوفاً وقشعريرة واستعظاماً للأمر وهولاً منه، فكل ذلك ينبغي أن يستشعره الإنسان عند ممارسته لهذه الأمانة التي جعلت في عنقه.

    1.   

    فرص الاستخلاف في الأرض

    الحياة الدنيا

    وهو يعلم أن مدة عمره محصورة يسيرة، وأن له ثلاث فرص لأداء مهمته واستخلافه في هذه الأرض:

    الفرصة الأولى: فرصة الحياة الدنيا، فلا تظنوا أن هذه الحياة باقية دائمة؛ بل هي منقطعة زائلة، وكل ما فيها زائل ذاهب، وهي عرض ونسيان، وبقاء الحال من المحال، وكل يوم نرى من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة ما يدل إلى انقضاء الدنيا، كل يوم نرى ما يدل على تقوض بنائها وذهاب أهلها، فتذكروا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وقف على ضجنان وهو جبل قريب من مكة فقال: لا إله إلا الله وحده، كنت أرعى أبلاً للخطاب على ضجنان فكنت إذا أبطأت ضربني، وقال: ضيعت، وإذا عجلت ضربني وقال: لم تعشِّ، ولقد أصبحت وأمسيت وليس بيني وبين الله أحد أخشاه، ثم أنشأ يقول:

    لا شيء مما ترى تبقى بشاشته يبقى الإله ويفنى المال والولد

    لم تغنِ عن قيصر يوماً خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا

    ولا سليمان إذ تجري الرياح له والجن والإنس فيما بينها تجدُ

    أين الملوك التي كانت لعزتها من كل صوب إليها وافد يفد

    حوض هنالك مورود بلا كذبٍ لا بد من ورده يوماً كما وردوا

    فهذه الدنيا متقلبة، وهي إلى زوال، وأنتم الآن في آخر أممها، فآخر أمة فيها هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمة لا محالة قد مرت منها القرون، فأنتم الآن في الخامس عشر من قرونها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على قطع التسويف، وعدم تطويل الأمل، فإذا أنذرهم الدجال كلمهم حتى يظنون أنه قد نزل بطائفة النخل، فإذا رأى فيهم قلقاً وخوفاً، قال: ( إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإلا فالله خليفتي على كل مسلم ).

    حال الصحابة في الدنيا

    وكان يحدثهم عن القيامة فكأنهم يرونها، وكانوا كلما رأوا جديداً في حياتهم تأثروا به تأثراً بالغاً، رأى رجل من الأنصار منخلاً وهو الذي يرقق به البر، فلما رآه قال: ما هذا؟ قيل: منخل يرقق به البر، فحزن حتى بال الدم؛ لأنه رأى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد فتحت عليهم الدنيا أبوابها بعده، وأنهم قد عاشوا في رفاة وأمان بعد أن كانوا في ذلك الحال الشديد، ومعهم أشرف الخلق وأزكاهم، وأحبهم إلى الله سبحانه وتعالى.

    فعلم أن فتح أبواب الدنيا ليس خيراً لهم؛ لأنه لو كان خيراً لهم لناله من هو خير منهم، وكذلك قال أنس بن مالك رضي الله عنه: ( ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة سميطاً )، أي: ما رأى شاة مشوية بكاملها غير مقطعة.

    وانظروا إلى ما ينعم به الناس اليوم، فقد كان الصحابة إذا رأوا أي حدث من ذلك اشتد عليهم شدة عظيمة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رباهم على قطع الأمل وعدم التسويف؛ لأنهم يعلمون أن الدنيا فانية، وكلما سمعوا هيعة أو خبراً ظنوا أنه شرط من أشراط الساعة، لقوة إيمانهم، فكل شيء جاهز لديهم، إنما يتعلق بالدار الآخرة، إذا سمعوا صوتاً كبيراً ظنوا أنه من أشراط الساعة، وإذا سمعوا أي خبر توقعوا أن يكون متعلقاً بأشراط الساعة، بخروج الدابة، أو خروج الدجال ، أو طلوع الشمس من مغربها أو غير ذلك.

    والناس اليوم رجعوا إلى التسويف، وطول الأمل إلا من رحم الله، فكثير من الناس يصبح ويمسي ولا يدور أمر الآخرة في خلده، ولا يتوقع أن يكون هذا العام، وهو عام ألف وأربعمائة وتسعة وعشرين من الهجرة، عام وجود شرطٍ من الأشراط الكبرى، أو حصول آفة من الآفة والطوام، ولا يتوقعون قيام الساعة في بكرة غدٍ مثلاً؟

    وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( خير يومٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم ، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مطلقة مصيخة من طلوع فجره إلى طلوع شمسه تنتظر الساعة، إلا الإنس والجن )، فالدواب جميعاً تنتظر الساعة من طلوع فجر يوم الجمعة إلى طلوع شمسه، إلا الإنس والجن، ففيهم الغافلون المعرضون عن الله سبحانه وتعالى، أما من سواهم فكلهم من المؤمنين إلى الله، كما قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ[الحج:18].

    فالتقسيم إنما جاء في الإنسان ومثل ذلك في الجن، أما ما سوى ذلك من الدواب فكلها ساجدة لله سبحانه وتعالى، وظلالها معها، وكلها موحدة مؤمنة مسبحة بحمده، فكلها تنتظر نهاية هذه الدنيا، وتنتظر لقاء الله سبحانه وتعالى: مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت:5].

    فلذلك لا بد أن نستشعر أن الحياة الدنيا وهي دار العمل مدتها محصورة يسيرة، وقد آذنت للزوال، فما لم يعمله الإنسان فيها لا يجده يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا[آل عمران:30].

    عمر الإنسان الشخصي

    والفرصة الثانية: هي عمر الإنسان الشخصي، فما منا أحد إلا وله عمرٌ محدد، قد كتب في الصحف التي عند الله ووقعت فيه في الأزل، ثم كتب في اللوح المحفوظ في العام الذي يموت فيه، وكتب معه وهو جنين في بطن أمه، عندما أرسل الله إليه الملك وهو يقبض النطفة، فيقول: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فيأمره الله سبحانه وتعالى بما شاء من الأمر فيها، ثم بعد ذلك إذا بلغ أربعة أشهر أمره بنفخ الروح في الجنين وهو في بطن أمه، وأمره بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فما منا أحد إلا وقد كتب وقت موته، والوقت الذي تصعد فيه الروح وتفارق الجسد، وكتب بأي شيء يكون موته، فمنا من يموت بالمرض، ومنا من يموت بحوادث السير، ومنا من يموت من غير سبب.

    وكم من فتًى يمسي ويصبح لاهياً وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري

    فكثير من الأحياء الذين يهتمون بأمر دنياهم الآن أكفانهم موضوعة على الرفوف، قد نسجت واستوردت وجلبت، وهي جاهزة، ولكنهم لا يشعرون بذلك ولا يعرفونه، فإذا أدرك الإنسان أن عمره محصور يسير، وأن ما لم يعمله فيه لا يمكن أن يجده وسيتمنى الرجوع إلى الدنيا: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:56-58]، والكرة الرجعة، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9-11]، فلا بد أن نبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يأتي الموت المجهز القاضي، أو يأتي ما يسبق الموت من الأعراض، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بادروا بالأعمال ستاً، فهل تنتظرون إلا غنىً مطغياً، أو فقراً منسياً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال ، فـالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر). فهذه الست آتية لا محالة.

    أعراض الدنيا تتقلب على الإنسان، فهو اليوم فقير وغداً غني، هو اليوم صحيح وغداً سقيم، هو الآن حي وغداً ميت، فلذلك لا بد أن يبادر العمل الصالح قبل فوات الأوان، وقبل الانتقال من هذه الدار إلى الدار الآخرة، ( وإذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته ).

    النعم المسخرات

    أما الفرصة الثالثة: فهي ما مكننا الله فيه من أنواع النعم، فما منا أحد إلا وهو يعيش في نعم لله جليلة لا يستطيع إحصائها، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53]، وهذه النعم الجليلة الجسيمة التي لا نستطيع مجرد إحصائها، كثير منها لا يخطر على بالنا ولا نفكر فيه، وفرصة وجودها محصورة وستذهب، فكل نعمة هي وظيفة يوظف بها الإنسان، وبقاء الإنسان على كرسي الوظيفة محصور، وسيعزل عنها لا محالة أو يموت، وما لم يفعله قبل خروجه من هذه الوظيفة لن يفعله بعد نهاية الوظيفة وتعيين إنسانٍ آخر وتنزيل العمل إليه، فلا بد إذاً من استغلاله لصلاحياته قبل فوات الأوان ونهايته، فيبقى حظه حينئذٍ الندم حيث لا ينفعه الندم.

    ولهذا فإن وظيفتنا في الاستخلاف في الأرض تقتضي منا إصلاحها، وهذا الإصلاح يؤيد الله سبحانه وتعالى أهله، ويرفع عنهم البلاء ويرفع بهم البلاء عمن سواهم، فالله سبحانه وتعالى لا يهلك القرى إذا كان أهلها مصلحين، وقد تعهد بذلك في كتابه.

    1.   

    مقتضيات الإصلاح

    فالإصلاح يقتضي من الإنسان:

    أولاً: إصلاح علاقته بربه، فيتعلم ما أمره به ربه ثم يبادر إلى العمل به، ثم بعد ذلك يخلص لله سبحانه وتعالى ويصدق معه، ثم يتعلم الأدب مع الله سبحانه وتعالى، وإحسان العبادة له، ثم بعد ذلك يتعلم معاملة عباد الله، ويتحلى برحمتهم جميعاً والقيام بحقهم.

    ارحم بني جميع الخلق كلهمُ وانظر إليهم بعين الرفق والشفقة

    وقر كبيرهمُ وأرحم صغيرهمُ وراع في كل خلق حق من خلقه

    وفي معاملته مع الناس لا بد أن يؤدي الحقوق إلى ذويها، ولا بد أن يحرص على عدم تغيير قلوبهم بما ليس بلازم شرعاً، ولا بد أن يزهد عما في أيدي الناس، وألا يرغب فيما عندهم، بل يرغب فيما عند الله جل جلاله.

    وكذلك من الإصلاح إصلاحه في المجتمع الذي هو فيه، فكل مجتمع: هو عبارة عن منظومة بشرية تجمعها مصالح وآمال مشتركة وآلام متفقة، فللمجتمع حقٌ على الإنسان الذي هو من أفراده، ولا بد أن يتحمل بعض مسئولياته، فالله جعل المجتمع على طبقات ودرجات، فمنه من لديه من الطاقة ما يستطيع إنتاج حوائجه به، ويمكن أن يزيد، ومنهم من ليس لديه من الطاقة إلا قدر حاجته فقط، ومنهم من لا يملك من الطاقة ما ينتج به حاجته، فهم عيال على من سواه، فلا بد أن تستشعر أنه بقدر النعمة عليك وبقدر تشريفه لك يكون التكليف، وأنك لا بد أن تتحمل بعض المسئوليات عن الآخرين حين ميزك الله عليهم وشرفك وآتاك ما لم يعطهم.

    ولا بد أن تتذكر هذه النعمة، ولنقرأ جميعاً ما حكى الله عن سليمان عليه السلام أنه قال: فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل:36]، لا بد أن يستشعر الإنسان ما ميزه الله به من الإيمان والعقل والعلم، وما آتاه من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أدرك الإنسان ذلك استشعر أن عليه مسئولية جسيمة، وأن عليه أن يكون من القائمين بهذه المسئولية قبل فوات الأوان.

    1.   

    مجالات الإصلاح

    المجال العلمي

    ثم من الإصلاح كذلك: مجلات حياة الناس حياة المجتمع، فالمجتمع تدير حياته مجالات عامة، منها: المجال الثقافي، والعلمي، فلا بد أن يحرص كل فرد يريد تحقيق الاستخلاف في الأرض على أن تكون له مشاركة في هذا المجال، بأن يحفظ بعض ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً وسنة، ولا يريد حفظه لنفسه فقط، بل يريد تبليغه وأداءه، ويعتبره أمانة لديه ومسئولية، وهو يريد توصيلها كلما سنحت له فرصة.

    ونتذكر أن أبا ذر رضي الله عنه، قال: والله لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه، فعلمت أني أنفذ أمراً واحداً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجهزوا علي لفعلت.

    فلا بد أن يحرص الإنسان في مجال الثقافة والعلم على تبليغ شيءٍ من رسالات الله جل جلاله إلى الناس، وأن يحرص على أن يكون له من يتعلم منه، ولا بد أن يجد مستوى أدنى من مستواه، ما من أحدٍ منكم اليوم في هذه الجلسة إلا وقد خصه الله بعلم لا يعلمه بقية الجالسين جميعاً،كل إنسانٍ منكم يعلم شيئاً لا نعلمه نحن جميعاً.

    فلذلك لا بد أن نحرص جميعاً على التعليم، وأن يكون لكل إنسانٍ منا من يعلمه ويؤدي إليه هذه الرسالة، وإذا استطاع زيادة العدد فبها ونعمت، ولا بد أن يتشجع الشباب على مخاطبة الجمهور وعلى صعود المنابر، وعلى أداء رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى تعليم الناس الخير، وأن يحتسبوا الثواب والأجر في ذلك عند الله، وأن يعلموا أن الملائكة تمد أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يصنع، وأن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في الماء، حتى ولو كان يذنب ويسرف على نفسه، فذنوبه عرضة للمغفرة؛ لأنه يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في الماء، فلذلك لا بد أن نحرص على المشاركة في هذا المجال من مجالات المجتمع.

    كذلك المجال السياسي، الذي معناه إقامة الدين وسياسة الدنيا به، أن يقام الدين لله جل جلاله، وأن يكون حاكماً على الناس، مسيطراً على كل شئونهم، هو المرجع في كل تصرفاتهم حركاتهم وسكناتهم ومقاضاتهم وأمورهم، ثم بعد ذلك تساس الدنيا به، أي: بالدين، فالدنيا فيها مصالحنا ونحن لا يصلح لنا أن نتخلى عنها وأن نتركها؛ بل لا بد أن نسعى لإصلاحها، وأن نجهد فيها ولو كنا سنموت اليوم، فمن كان في يده فسيلة ويستطيع غرسها قبل أن تطلع الشمس من مغربها فليبادر إلى ذلك، من كان يستطيع أي إصلاح في أي مجال من المجالات قبل موته ولو بلحظة واحدة فليبادر إلى ذلك.

    وأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لما طعن في بطنه فخرج اللبن من أمعائه عندما شربه، رأى شاباً من الأنصار يمر أمام الغرفة التي هو فيها، وقد أسبل ثيابه وأطالها، فناداه فقال: ارفع ثوبك فإنه أتقى وأنقى وأبقى، ولم يشغله ألمه وإقباله على الله وخوفه من القدوم على الله جل جلاله، وهو يجود بنفسه عند الموت أن يغير المنكر وأن يأمر بالمعروف وأن يعلم ما تعلم، فقال: ارفع ثوبك فإنه أتقى، أي: أتقى لربك، وأنقى أي: للثوب نفسه من الأوساخ، وأبقى له، أي: أطول في عمره، فإن سحبه على الأرض يقتضي دناً وتغيراً له.

    فإذا شعر الإنسان بدنو أجله فينبغي أن يزيد أداؤه وعمله.

    ولذلك في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي والوحي أشد ما يكون تتابعاً، حتى في حال وفاته صلى الله عليه وسلم وبعد أن مرض فالوحي أشد ما يكون تتابعا، وتعليمه للناس على هذا الوجه، فإذا عرفنا ذلك فلا بد أن تكون للإنسان مشاركته في مجال السياسة، بمعنى: مجال إقامة الدين وسياسة الدنيا بها، وأن يعلم أن ذلك داخل في وظيفته الإلهية، التي هي الاستخلاف في الأرض، فكلما فيه نصرة للدين وإعلاء لكلمة الله وتمكين للحق وعملٌ بالقرآن والسنة، والتحاكم إليهما والرجوع إليهما، لا بد أن يسعى الإنسان لنصرته والتمكين له.

    وإذا فعل فإنه مثابٌ على جهده ولو كان يسيراً، فالله غني عنا وعن طاقتنا وعن جهودنا، ولو شاء لنصر الحق دوننا، وقد قال ذلك: وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ[محمد:4]، فهذا ابتلاء وامتحان، فلا بد أن تنجح فيه وأن تحرص على ذلك، وإذا حرصت عليه فستنظر باجتهادك وما أبداك إليك عقلك مما هو أرضا لله وأقرب لمنهجه، وتنظر في الأشخاص أيضاً من هو أتقى لله منهم وأخوف له وأكثر استقامة ونصرةً للدين، فلا بد حينئذٍ أن تناصره؛ لأن الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، وهذه الكينونة أمرٌ عام للمؤمنين، ويقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ[المائدة:2].

    المجال الاقتصادي

    وكذلك في المجال الاقتصادي: فلا بد أن نستشعر أن البشر يحتاجون إلى أقواتهم، وقد خلقها الله لهم في الأيام الأربع الأول من خلق الأرض، كما قال الله تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت:9-10]، فالأيام الأربع الأول قدر الله فيها أقوات أهل الأرض جميعاً في الأرض، ولا يمكن أن يزيد عدد البشر بحيث لا تستوعبهم الأرض، بل قد جعلها الله كفاتاً، أحياءً وأمواتاً، فالأموات تواريهم في بطنها والأحياء تحملهم على ظهرها، ويخرج الله لهم من الأرزاق منها من المعادن والنبات والزراعة والصناعة ما يكفل معاشهم والعيش الكريم لهم، وهم يتفاوتون في ذلك، وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [النحل:71].

    وكلٌ ينال رزقه على قدر أجله، فإذا انقطع أجل الإنسان انقطع رزقه، وما لم ينقض أجله لا بد أن يستمر رزقه مع ذلك، فالله تعالى يقول: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا[هود:6].

    فلذلك لا بد أن تكون لك لتحقيق استخلافك في الأرض فائدة على أهل الأرض في المجال الاقتصادي، فلا بد أن تكون منتجاً، وهذا الإنتاج ولو دعتك إليه الحاجة في حياتك أنت فلا تفتك النية وأنك تحقق فيهم استخلاف ومنفعة الناس.

    فالذين أخرجت تجارتهم اليوم من نواحي السوق مثلاً، قد يظنون هذا مصيبة وبلاءً عليهم، ولكن الواقع الذي فيه خير فإنهم سيستأجرون العمال الذين يحملون الأمتعة، وسيتاجرون المخازن التي كانت بائرة وقد بناها أصحابها للاستئجار، ويستأجرون الحراس الذين يحرسونه وهم محتاجون إلى من يساعدهم، فحينئذٍ يكون هذا نشاطاً اقتصادياً عاماً، يشارك فيه أهل كل فئة من فئات المجتمع، وكلٌ ينال حظه منه.

    ولو بقي المال دولة بين الأغنياء، فكان المستورد يأتي به فيخرجه من الميناء إلى مخازنه، ثم يغلق عليه بالأقفال والإغلاق، ثم يبيعه وهو في المخازن، ويبيعه من اشتراه منه، وهكذا فإن الشعب سيكون مستهلكاً ويبقى المال محصوراً في أيدي فئة قليلة، وهذا غير مقصدٍ شرعي، بل المقصد الشرعي يقتضي أن يكون الجميع مشاركين في العملية الاقتصادية العامة، فهذا الذي ينتج شيئاً يسيراً يحتاج إلى طاقة شرائية ليشترى منه ما ينتجه، وهذا الذي يزرع يحتاج إلى طاقة شرائية ليشتري منه ما يزرعه.

    محاسبة النفس في إنتاجها

    وهكذا فالجميع يحتاجون إلى التعاون في المجال الاقتصادي، وكل يترك بصمته في هذا المجال وأثره؛ ليحقق الاستخلاف في الأرض، وإذا عاش الإنسان وكان مثلاً يعيش بعقلية طلاب المحاضر القديمة التي نريد ترقيتهم عنها وتجاوزهم لها، فكان يرى أن عليه في هذه الدنيا هماً واحداً ومسئولية واحدة، وهي: أن يحفظ ما كتبه في لوحه وأن يقرأه على الشيخ، ثم يراجعه ويكرره حتى يحين وقت نومه أو صلاته، وماله مسئولية أخرى في هذه الحياة، هذا لو مات على هذا الحال، فبماذا نفع البشر في المجال الاقتصادي؟ وبماذا نفعهم في المجال السياسي؟ وبماذا نفعهم في المجال الاجتماعي؟ كانت مسئوليته كبيرة جسيمة، وكان أداؤه وعمله يسيراً.

    وانظروا إلى تقويم أداء الحكومات والرؤساء الذين ينتخبون، فعادةً تحجب الثقة عن بعض الحكومات؛ بسبب نقص أدائها؛ لأن لها خطة تقدمها عند تنصيبها، وتقول: سنعمل كذا في شهر كذا، ونعمل كذا في شهر كذا، فإذا مضت ستة أشهر مثلاً، وجاء تقويم أدائها، وكانت منتخبة لمدة سنتين، فجاءت ستة أشهر ولم تؤدِّ ربع الخطة، فهذا دليل على فشلها، فهي حينئذٍ تحجب عنها الثقة، ونحن الآن لو طالت أعمارنا جداً كم ستصير، كم يتوقع كل إنسانٍ منكم أن يعيش إذا طال عمره، نسأل الله لكم طول العمر جميعاً في طاعة الله، لكن مع ذلك لا يتوقع أحد منكم أن يزيد على المائة، وإذا زاد عليها سيكون في أرذل العمر، والمائة ربعها خمسة وعشرون سنة، وخمسة وعشرون سنة الآن تمضي بسرعة هائلة، فإذا مضت خمسة وعشرون سنة ولم يؤدِّ ربع الخطة، فهو أهل لأن تحجب عنه الثقة؛ لأن حكومته فاشلة، فلهذا لا بد أن تحرصوا جميعاً على أداء هذه المسئولية قبل فوات الأوان، وأن تبادروا إليها، وأن تستشعروا أيضاً المسئولية في المجال الاجتماعي.

    المجال الاجتماعي

    المجال الاجتماعي: مجال واسع والمجتمع فيه على كثيرٍ من الطبقات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهي توزيع وزعه الناس فيما بينهم، بعضه يرجع إلى الحرف والصناعات، وبعضه يرجع إلى الأنساب، وبعضه يرجع إلى اللغات، وبعضه يرجع إلى الألوان، والواقع أن البشر جميعاً أسرة واحدة، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[الحجرات:13].

    فإذا شعرت بذلك فإن الناس بين يديك سيكونون قسمين فقط: مبتلىً، ومعافى، فمسئوليتك أن ترحم أهل البلاء، وأن تحمد الله على العافية.

    ولذلك أخرج مالك في الموطأ أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلىً ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية.

    فإذا أدركت ذلك كان لزاماً عليك أن تستشعر أن في المجتمع ذكوراً وإناثاً، وأن فيه كباراً وصغاراً، وأن فيه أغنياء وفقراء، وأن فيه منتجين وعاطلين، فلا بد أن تقسمهم إلى هذا التقسيم بين من يستحق الرحمة وهو المبتلى، وبين من هو في عافية يلزمه الشكر على تلك العافية.

    وحينئذٍ تعاملهم جميعاً من واقع الأخوة والحرص عليهم جميعاً، وتحرص على إسلام الكافر منهم، وتحرص على استقامة الضال وهدايته، وتحرص على تعليم الجاهل، وتحرص على رزق المحروم، وتحرص على أن تكون لك أنت يد طولى وأثر نافع على الناس، فاليد العليا خير من اليد السفلى.

    صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجانب الاجتماعي

    وانظروا إلى ما وصفت به خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند بعثته، فقالت: ( كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق )، خمس صفات وصفت بها أم المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلها من الإيجابية والجد في المجال الاجتماعي.

    (إنك لتصل الرحم) فالمجتمع محتاج إلى المواصلة، ولا يمكن أن يتواصل فيما بينه إذا قطعت الأرحام فذلك سبب لحصول لعنة الله، كما قال الله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23]، ولا يمكن أن يحافظ المجتمع على وحدة السكان، وعلى الأمن الاجتماعي إلا بصلة الأرحام، وعيادة المرضى، وإحسان الضيافة، وأداء حق الجوار، وأداء حق الطريق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغض البصر، وأن يسلم المسلمون من يد المسلم ولسانه، فهذه قيم اجتماعية جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله، وما لم تتحقق هذه القيم لا يمكن أن يحافظ المجتمع على وحدته ولا على سلامة مواطنيه، ولا على أمنه ورخائه، وإذا تحققت تحقق له ذلك، ( إنك لتصل الرحم وتحمل الكل )، لا بد أن نعلم أن الناس يتفاوتون في الأجر ورفع الدرجة عند الله في تفاوت تضحياتهم.

    فالذي يريد أن يكون من أهل الدرجات العلى من الجنة، ويريد أن يكون من أهل الفردوس الأعلى، ومن الذين يرافقون النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، لا بد أن يبذل جهداً، ولا بد أن يضحي، وأن تكون له تضحية لبعض مصالحه، وأن يفوته بعض مراده الدنيوي؛ ليتحقق له مراده الأخروي.

    عاقبة من أراد الدنيا وزينتها

    وإذا كان الإنسان يريد أخذ جميع حقوقه، ويريد أن ينال كل حظه في الحياة الدنيا، فماذا عسى أن ينال يوم القيامة؟ إنه سيكون من الذين عجلت لهم حسناتهم في الحياة الدنيا، ومتعوا بها، كما قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:18-19]، وقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20]، وكما قال تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة:200-202].

    فإذا أدرك كل إنسان منكم أن عليه أن يتحمل المسئولية، وأن يضحي كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، فسيقع التنافس في التضحية في الخير، وحينئذٍ سيقع الإيثار وهو قيمة من قيم أهل الإيمان، وسيزول الشح والبخل، ولا بد إن يتحقق لصاحب الفلاح زوال الشح والبخل؛ لأن الله تعالى يقول: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9]، والفلاح فلاح الدنيا والآخرة.

    ( إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم )، لا بد أن يدرك الإنسان أن الرجل الكامل الرجولة هو رجل الدنيا والآخرة، الذي ينتج في أمر الدنيا، فإذا جاء إلى السوق كان من الرابحين المنتجين، وإذا جاء إلى المسجد كان من أوائل المصليين السابقين، فيكون بذلك جامعاً بين خيري الدنيا والآخرة.

    ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس في الرجل

    ومثل ذلك المرأة، فالجميع لا بد أن يكون منتجاً، وأن يكون له أثر في هذه الحياة، فليزاول الإنسان عملاً، إذا كان غنياً عنه في معاشه يتصدق به، وما تصدق امرؤ من شيءٍ أطهر من كسب يده، ( وإن داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ).

    فلذلك علينا جميعاً أن نحرص على أن يكون لنا إنتاج، سواء منا من كان غنياً عنه ومن كان محتاجاً إليه، فلذلك لا بد من كسب بعده.

    إقراء الضيف وفضله

    ثم قالت: ( وتقري الضيف )، وهذه الصفة الرابعة الشريفة، لا بد أن يعول الإنسان على عابري السبيل الذين هم من أبناء مجتمعه ومن غيرهم، فلا بد أن يكرمهم بقراهم، وأن يؤدي حقهم إليهم، وقرى الضيف صفة حميدة كانت من صفات أبينا إبراهيم عليه السلام، وتعرفون قراه للملائكة الكرام، فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ [الذاريات:26-27]، قرب إليهم العجل الحنيذ الذي شواه، وجاء به، فلم ينقلهم إليه حتى لا يتكلفوا بل نقله إليهم، وكتم عنهم أمر الضيافة؛ لئلا يعتذروا عنها، فما شعروا بشيء حتى جاء به وهو جاهز، فراغ إلى أهله.

    فلذلك قرى الضيف صفة حميدة، وهي مما يقتضي أيضاً تحقيق الوحدة بين المجتمع والتكافل فيما بينه، وإذا تعود الإنسان على قرى الأضياف، فإنه سيتعود على نفقات أهله والقيام بأمورهم، ولذلك اشتهرت هذه العادة في أهل مجتمعنا هذا، وكان قرى الأضياف في مجتمعنا في الماضي حتى في أوقات الشدة والفقر محمدة لا يتنازل عنها الناس.

    بل إن العلامة المختار الحامد رحمه الله عليه: ذكر أن أكثر هجاء أهل هذه البلاد إنما يكون بسبب أحد أمرين: إما انتصاراً للمروءة بنقص الضيافة، وإما انتصاراً للغة العربية بسبب اللحن فيها، فأكثر المهاجاة بين شعراء أهل هذه البلاد، إنما تكون بسبب نقص الضيافة أو بسبب اللحن في اللغة، وهذا يقتضي عناية أهل هذه البلد بالضيافة وعنايتهم بلغة القرآن واهتمامهم بها.

    ومن الغريب أن أحد الشيوخ فيما سمعت وهو العلامة اسمه محمد فال ذا رحمة الله عليهما، نزل في منزل فمكثوا فيه ثلاث ليالي، وهو يسأل: هل أتاكم الليلة ضيف؟ فيقولون: لا، فقال: ارتحلوا عن هذا الدار فلا خير فيها، لو كان فيها خير لجاءكم فيها الضيوف، ولقد كان كثير من أهل هذه البلاد يبالغون في إكرام الضيوف حتى إن بعضهم يذكر بالسرف في ذلك والتجاوز فيه.

    مثلما يذكر عن عبد الله العتيق بن دربانة رحمة الله عليه كان إذا أتاه ضيف يذبح له وينحر، فإذا جاء ضيفٌ آخر ومازالت الشاة تسلخ أو الناقة تسلخ نحر أخرى لضيف جديد، وهكذا الثالث والرابع، حتى كان بعض أهل معاصريه يصفونه بالجنون في الضيافة.

    وفي ذلك يقول فيه أحد الشعراء الشعبيين:

    بري جنونك يما هباس ماني راجيه وهون العون، خذ لك تمرة وتعود الناس ما فيها حدت إلا مجنون.

    فهذه الصفة الحميدة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحلى بها وكان يكرم أضيافة، ويقوم بواجبه.

    الإعانة على نوائب الحق

    ثم قالت: (وتعين على نوائب الحق).

    وهذه صفة مهمة أيضاً في الإنتاج في المجال الاجتماعي، لا بد أن يدرك كل إنسانٍ منا أن النوائب تعتري الناس جميعاً، وقد لا تعتريك أنت نائبة اليوم، لكنها تعتري جارك أو أخاك أو ابن عمك أو ابن خالك أو من لك به معرفة، فإذا اعترته نائبة فأنزلها بنفسك كأنما هي عليك، وحاول أن تتحمل جزءاً منها، فإن الله يرفع بذلك النوائب عنك.

    وتحمل نوائب الحق وإعانة الناس عليها مما يرفع الله به البلاء، ويحقق به الإنسان مراده، وإذا لم يستشعر الإنسان ذلك واكتفى بأمر نفسه فقط، لم يكن له أثر في هذه الحياة ولم يترك بصماته فيها.

    ولذلك يقول الشيخ محمد علي رحمة الله عليه في مرثيته للعلامة فدّو محمد أحمد الفتن رحمة الله عليهم يقول فيها:

    إذا قيل: أي الناس أحمد سيرةً وأقوم قيلاً قيل: أحمد أحمد

    لسان سنان في لسان وطاعة وقول بمعروف إذا صفرت يد

    ومهما تصب من نكبة لم يبل بها ويعلم أن اليوم من بعده غدُ

    وليس بمفراحٍ إذا نال نعمة ولا بشذاها وحده يتفردُ

    فلذلك لا بد أن يستشعر كل إنسان منا إذا زاد الله عليه أية نعمة أن يستحضر أن وراءها عيالاً من عيال الله، وأنهم يستحقون جزءاً منها.

    وقد سمعت العلامة إسماعيل بن سخسبية رحمة الله عليهما يقول في قبيلة من قبائل هذا المجتمع، وهي قبيلة اسمها سيد، يشهد لها شهادة عجيبة، يقول: ما زاد الله تعالى على أحدٍ منهم مالاً إلا وتوقع أن عليه أن يعطي غيره منه، وهذه شهادة عجيبة جداً، يقول: ما نال أحد منهم أي مال، إلا وهو يعلم أن عليه الحق في هذا المال أن يعطي منه غيره.

    فلذلك لا بد أن ندرك أن علينا مسئوليات جساماً، وأن كل إنسان منا عليه أن يبادر لأداء هذه الحقوق قبل فواتها، وأنها من استخلافه في الأرض وقيامه بمسئوليته، فليبدأ الإنسان أولاً في الاستخلاف بنفسه وبمن يعول، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول ).

    وليسعَ لإصلاح أهل بيته، ولينو بذلك إصلاح المجتمع؛ لأنها لبنة إصلاح ينبني عليها ما سواها، وسَيَتعدّاها الإصلاح إلى غيرها من البيوت؛ ليحرص كل فرد منكم أن يجعل بيته بيتاً نموذجياً صالحاً، يكون مثالاً للاستقامة في هذا المجتمع يحتذي به من سواه، ويضرب به المثل، وإذا سعى لذلك فإن الله سيوفقه له، وإذا صلح هذا العدد من البيوت فسيكون ذلك ثورةً اجتماعية حقيقية، وإصلاحاً حقيقياً له ما بعده في المجتمع كله.

    1.   

    مقتضيات الاستخلاف

    رحمة أهل الأرض

    كذلك لا بد أن ندرك أن الاستخلاف في الأرض يقتضي من الإنسان رحمة أهل الأرض، فأهل الأرض منهم الذين سبقوك، وقد شغلوا مرحلة من مراحل تاريخ هذه الأمة، ولهم حق عليك؛ لأنه لولا وجودهم لما وصل الدين إليك، ولما وصلت الدنيا إليك.

    فلا بد أن تترحم عليهم وأن تدعو لهم، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمان وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، وقد قال أهل العلم: هذه الآية جامعة للمعاملة، فالناس إما ماضون، وإما آتون، فالماضون حظهم منها، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمان [الحشر:10]، والآتون المعاصرون والمستقبلون حظهم منها وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    فإذا حرصت على أن ينجو من ظلمك من مضى، وأن ينجو من ظلمك من عاصرك، وأن تؤدي إلى الجميع حقه فإنك بذلك تكون فعلاً حلقة من حلقات السلسلة، وتصل مستقبل هذه الأمة بماضيها، ويكون لك الأثر البالغ في الاستخلاف.

    العمل التراكمي المدروس

    ثم بعد هذا لا بد أن نستشعر أيضاً أن الاستخلاف إنما هو عمل تراكمي، ولا يمكن أن يكون عملاً عصفياً، ولا يمكن أن يكون مغامرات ومخاطرات غير مدروسة، ولا يمكن أن يكون مجرد نزوات تنقضي وتنتهي؛ بل لا بد أن يكون عملاً تراكمياً مستمراً، فأعمارنا نحن أقصر، وأقل فائدة من أن تؤدي الدور المنشود، ولكن إذا أسسنا لغيرنا فبنى من يأتي بعدنا على ما أسسناه فسيكون ذلك استمراراً في الخير وزيادة فيه.

    وما حصل صلاح ولا فساد إلا بهذا التراكم، انظروا إلى الدعوات المغرضة الفاسدة والمذاهب المنحرفة المنحلة، فإنها ما جاء إفسادها بين عشية وضحاها، وإنما كانت أفكاراً ثم تناقلها الناس، ثم وصلت إلى التطبيق بعد أجيال، وأصحاب هذه المذاهب قل منهم من طبقت في حياتهم، مثلاً: الذين كانوا ينظرون للشيوعية في بداية نشأتها ما طبقت في حياة أحد منهم، لا كارل ماركس ، ولا هيقن ، ولا جان جاكروتو ، ولا سبنسر ، ولا لود ، ولا أحد منهم، فلم تطبق الشيوعية في حياتهم وإنما طبقت فيما بعدهم، ولم تحكم دولة من دول العالم إلا بعد أن مات هؤلاء جميعاً.

    ومثل ذلك في أغلب الدعوات المفسدة، فإذا عرفنا هذا، عرفنا أن الإصلاح إنما يكون عملاً تراكمياً، وأن على الإنسان أن يعول أنه سيكون غيره استمراراً لعمله كما كان هو استمراراً لعمل من سبقه، والذين يتنكرون للماضين، ويريدون التخلص منهم كأنهم هم بداية الدنيا، وكأنهم يريدون إزالة قرون من أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ويصلون أنفسهم مباشرة بالسلف الصالح، أو يصلون أنفسهم بالصحابة أو بالتابعين، هؤلاء كالذي يقفز من أدنى درجة من درجات السلم إلى أعلى درجة من درجاته، ليس هذا معقولاً ولا سيراً طبيعياً، بل لا بد أن يعلم الإنسان أن الدرجات درجات السلم موجودة، ولكنها متفاوتة، فيها الدرجات المائلة، وفيها الدرجات المستقيمة، وفيها القوية، وفيها الضعيفة، وفيها الواسعة، وفيها الضيقة، فكذلك قرون هذه الأمة ومراحل تاريخها فيها الاستقامة وفيها الميل، وفيها الخير الكثير وفيها الدخن، فلا بد أن تأخذ عملها عملاً تراكمياً، وأن تريد الإضافة والزيادة مع المحافظة على ما فيه من الخير، وألا تتنكر لخير السابقين، وألا تتنكر لخير المعاصرين أيضاً، وأن تعلم أن هذه الأمة ليس فيها معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأن كل من سواه يؤخذ من قوله ويرد، فإذا كان صوابه أكثر من خطئه فهذه محمدة لانهاية لها.

    ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

    ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب

    فلذلك لا بد أن تنظر إليهم بهذه النظرة المعتدلة، وأن تعلم أن من غلب خيره على شره فقد فاز، والله سبحانه وتعالى هو الحكم العدل، وقد وضع الميزان بالقسط ليوم القيامة، وفيه كفتان: كفة للحسنات، وكفة للسيئات، فإذا عرفنا ذلك عرفنا أن تعاملنا مع الناس لا بد أن يكون بهذا العدل، لا نتوقع أن نجد إنساناً كاملاً، وكل عمله في كفة الحسنات فقط، وليس له شيء في كفة السيئات.

    ويندر أيضاً أن نجد إنساناً من المؤمنين كل عمله في كفة السيئات، وليس له شيء في كفة الحسنات، بل: لا إله إلا الله وحدها لو وضعت في كفة الحسنات لرجحت في كثير من الأعمال.

    كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فرجحت لا إله إلا الله وطاشت السجلات ).

    فالاستخلاف في الأرض يقتضي من الإنسان الرحمة وسعة البال وعدم ضيق الأفق، وأن ينظر إلى الخلق الذين يعاشرهم ويعملهم على أنهم من رعايا الملك الديان جل جلاله، وأنه من خدامهم، ولا بد أن يسعى لخدمة عباد الله، ( فالناس عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله )، ولا بد أن يجعل على نفسه حقاً في الرعاية، فيصبر على من يستحق الصبر، ويحسن إلى من يستحق الإحسان، ويكرم من يستحق الإكرام، ويصفح ويعفو عمن يستحق الصفح والعفو، وهكذا في تعامله مع الناس في هذا الاتزان، وهذا هو الذي يستحق الإنسان به صفة الاستخلاف.

    نسأل الله سبحانه وتعالى إن يجعلنا أجمعين من المحققين لمراده ومراد رسوله الله صلى الله عليه وسلم، وأن يأخذ بنواصينا إلى البر والتقوى، وأن يجعلنا أجمعين هداة مهديين، غير ضالين ولا مضلين، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يزيدنا إيماناً وإخلاصاً ويقيناً وصدقاً، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3045961982

    عدد مرات الحفظ

    733254253