إسلام ويب

مكانة الجهادللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصراع بين الحق والباطل مستمر إلى قيام الساعة، وباستمراره فالجهاد ماض إلى قيام الساعة، وله مكانة عظيمة؛ حيث أنه أشق الامتحانات في خدمة دين الله عز وجل، ولهذا تواجه الشخص معوقات تمنعه منه، إلا أنها مردودة وغير مبررة كالخوف من الموت أو التشويه أو غير ذلك، وللجهاد أهمية وفوائد كبيرة تعود على الشخص والمجتمع، ويكفي من ذلك كله أنه ذروة سنام الإسلام.

    1.   

    الصراع بين الحق والباطل

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أطراف الصراع بين الحق والباطل

    فإن الجهاد هو بذل الجهد لإعلاء كلمة الله وإظهار دينه. (بذل الجهد) أي: بذل الإنسان طاقته من أجل إعلاء كلمة الله وإظهار دينه، وقد امتحن الله الناس بصراع أبدي مستمر بين الحق والباطل على هذه الحياة، وهذا الصراع هو بين حزبين هما: حزب الله وحزب الشيطان؛ فحزب الله يريد إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وإظهاره، وحزب الشيطان يريد تحقيق يمين إبليس التي أقسمها بعزة الله ليغوين أكثر أهل الأرض، وهذه اليمين قد أقسمها إبليس وأكد قسمه، وأخبر الله أنها قد تحققت وصدقت في أكثر البشرية، فقال تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ[سبأ:20]، وفي القراءة الأخرى التي تقرءون بها: (ولقد صَدَقَ عليهم إبليس ظنه) ومعناهما واحد، أي: حقق إبليس ظنه حين أقسم بعزة الله ليغوينهم، إِلَّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ[سبأ:20].

    مدار الصراع بين الحق والباطل

    ومدار هذا الصراع ومحوره هو البشر، فحزب الله يريد هداية أكبر قدر ممكن من البشر، وحزب الشيطان يريد إغواء أكبر قدر ممكن من البشر، ولا يمكن أن يريد أحد الحزبين حسم هذه المعركة وإنهاءها بالكلية؛ فحزب الله لا يريد حسم المعركة والقضاء على حزب الشيطان بالكلية؛ لأن هذا من المستحيلات؛ فالله تعالى سير الدنيا كلها على وفق السنن، ومن سنة الله سنة التدافع بين الحق والباطل، وهذه السنة هي مصلحة الأرض؛ فلو توقف هذا الصراع لحظة واحدة لفسدت الأرض، وذلك أن الله جعل الدنيا دار امتحان ولا جزاء، فلو تمحض عليها الحق وحده لاستحق أهلها أن يدخلوا الجنة وأن يخرجوا إلى دار الجزاء؛ لأنهم قد نجحوا في الامتحان، ولو تمحض عليها الباطل وحده؛ لاستحق أهلها سخط الله ومقته؛ ( إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذلك حين يتمحض الباطل على الأرض ).

    الحياد في معارك صراع الحق والباطل

    فلهذا لا بد أن يبقى هذا الصراع مستمراً موجوداً ويبقى على المؤمن أن يحدد مكانه من هذا الصراع، فتجاهله لا يغني شيئاً، لا بد أن يعرف الإنسان أن الصراع موجود، وليحدد هو مكانه منه؛ فمن لم يعرف موقعه ومحله من الإعراب لا يمكن أن يشعر بمسئوليته وماذا ينتظره وماذا عليه أن يقوم به، لكن إذا حدد الإنسان موقعه وعرف أنه من حزب الله، وأنه لا يرضى بأن يكون في الكيول، بل يريد أن يكون في مقدمة الصفوف، ويريد أن يتعجل إلى الله ويقول: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى[طه:84]؛ فهذا الذي يستطيع أن يضحي ويبذل، أما من سواه فسينشغل بما ينشغل به حزب الشيطان؛ فمن كان محايداً في هذه المعركة فهو من حزب الشيطان لا محالة، فكل محايد في المعركة بين الحق والباطل فهو من حزب الشيطان؛ ولذلك قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا[النساء:76]، فلا يمكن أن يقول الإنسان: أنا معتزل لهذه المعركة، لا علي ولا لي، نعم؛ يمكن أن يضعف في بعض الأحيان فيتصور أنه غير داخل في البيعة التي أخذها الله وأكدها في القرآن والتوراة والإنجيل، وهي في رقاب كل المؤمنين، وقال الله فيها: إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ[التوبة:111-112]؛ فهذه الآية الثانية بينت مضمون البيعة، أي: المطلوب أن تفعله في هذه البيعة، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ[التوبة:112]، فهذه الصفات لا بد من تحقيقها قبل الجهاد، وهي الإعداد له، والإعداد واجب لقول الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[الأنفال:60]، والجهاد ذروة سنام الإسلام؛ فلا يمكن أن يصل إليه من قفز بعض المراحل أو تعداها؛ فلا بد أولاً أن يكون الإنسان متقناً للصلاة، فالإنسان الذي لا يتقن الصلاة كيف يتقن الجهاد؟! ولا بد أن يكون مؤدياً للزكاة، ولا بد أن يكون عارفاً لأحكامه الخاصة به، ولا بد أن يكون صائماً لرمضان ويحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً، حتى يكون مجاهداً؛ لأن الجهاد ذروة سنام الإسلام، ولا يصل إليه إلا من مر بما دونه من أركان الإسلام وشعائره.

    1.   

    معوقات القيام بفريضة الجهاد وكيفية التخلص منها

    ثم بعد هذا لا بد أن نعلم أن الجهاد هو أشق امتحان من امتحانات الناس في الأرض؛ لأنه يقتضي أن يبذل الإنسان كل جهده من أجل إعلاء كلمة الله، فالإنسان قد يمتحن امتحاناً سهلاً، وذلك من سنة الله في التدرج في التشريع؛ كما قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ[النساء:77-78].

    الخوف من الموت

    فالإنسان قد يحجزه عن أداء الحق الذي عليه بعد قناعته به الخوف، فيكون ممن يخاف الموت، وهذا الخوف رده الله هنا بقوله: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ[النساء:78]؛ فموتة كتبها الله على كل إنسان لا بد أن ينالها.

    ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد

    هو الموت ما منه ملاذ ومهرب إذا حط ذا عن نعشه ذاك يركب

    لا الموت محتقر الصغير فعادل عنه ولا كبر الكبير مهيب

    فالجميع لا بد أن ينال الموتة التي كتبت له، ولا يمكن أن يتأخر الأجل بالجبن، ولا يمكن أن يتعجل الأجل بالشجاعة؛ فأجل الإنسان محدد وقد كتب وهو جنين في بطن أمه؛ كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين: ( حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد )؛ فكل ذلك قد كتب، ولا يمكن أن يتغير فيما بعد.

    وقد يخيل إلى الإنسان أن الذي يمنعه من أداء الحق الذي عليه هو خوفه من المخلوقين؛ فيتذكر ما لدى أعداء الله وحزب الشيطان من أنواع وسائل الإرهاب والقوى؛ فيتذكر السجون والمشانق والطائرات والدبابات والصواريخ العابرة للقارات وغير ذلك، لكن هذا الخوف وهمي، رده الله على أصحابه بقوله: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[آل عمران:175]، فهذا الخوف يقابل الخوف من الله، لا بد أن تتذكر من الذي يملك السموات السبع والأرضين السبع وهن في قبضة يمينه، والقلوب كلها بين إصبعين من أصابعه، ولا يخطر في الوجود خطرة ولا تقطر من البحر قطرة إلا بعلمه وإرادته، إنه الله وحده، لا معقب لحكمه، من سواه لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم حياة ولا موتاً ولا نشوراً؛ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ[الحج:73-74]؛ ولذلك فإن الله جعل هذا الخوف مقابلاً لخوفه، وهما كفتا ميزان؛ فاختر أي الكفتين أرجح أن تخاف الله المهيمن القيوم، ديان السموات والأرض، الجبار، الملك الديان، أو أن تخاف مخلوقاً ضعيفاً مسكيناً لا يملك شيئاً من أمور الدنيا، لا يملك قطميراً فما دونه! أيهما أحق أن يخاف؟ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا[المائدة:44]، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ[الأحزاب:37].

    فهذا الخوف إذاً مردود على أصحابه.

    وقوله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ[آل عمران:175]، أي: ما تشعرون به من الخوف والجبن إنما هو من إلقاء الشيطان، يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ[آل عمران:175]، أي: يحيطهم بهالة من الخوف تجعلكم تخافونهم، والواقع أن ذلك من كيد الشيطان وكيده ضعيف؛ فلذلك قال: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[آل عمران:175].

    الخوف من التشويه والإشاعات

    ومن أنواع الخوف كذلك التي تحول دون القيام بحق هذه البيعة: خوف الإنسان من التشويه؛ أن تلصق به التهم والأوصاف، وأن يذكر بين الناس بهذه الأوصاف التي يروج الإعلام بتشويهها؛ أصولي، متطرف، متزمت، إرهابي، هذه أوصاف جعلها الإعلام أوصافاً مروعة؛ فيخشى كثير من الناس أن يوصف بها، والواقع أنها إنما هي امتحان وابتلاء في طريق الحق ومعلم من معالمه، وكل من سلك طريق الحق لا بد أن يصيبه ما أصاب الأنبياء من قبله، فلسنا أكرم على الله من نوح ولا من إبراهيم ولا من موسى و لا من محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أصابهم جميعاً ذلك، والله ديان السموات والأرض، المتصف بصفات الكمال، المنزه عن النقائص، زعم اليهود له صاحبة وولداً؛ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا[المائدة:64]، لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ[آل عمران:181]، هل ضر الله هذا التشويه شيئاً؟ أبداً، ولن يضره، وأنبياء الله الذين اصطنعهم على عينه واصطفاهم من خلقه ونقاهم من جميع الأقذار والأكدار ما منهم أحد إلا قيل فيه: مجنون، كاهن، ساحر، شاعر، طالب سلطة، كذاب؛ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ[الذاريات:53]، ولم يضر الأنبياء هذا التشويه شيئاً؟ وأنت يا عبد الله! حلقة واحدة من سلسلة فيها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ومن معهم من المخلصين، وكل نكبة أصابت حلقة من حلقات السلسلة فستصيب السلسلة كلها، وأنا متأكد لو أن الإخوة الموجودين هنا في المسجد علموا أن مسماراً بباب المسجد قد داسه نوح برجله فأصابه وداسه إبراهيم برجله فأصابه وداسه محمد صلى الله عليه وسلم برجله فأصابه؛ لتنافسوا جميعاً في التبرك به؛ لأنه مسمار مبارك قد أصاب هؤلاء الأنبياء المباركين.

    حقيقة طريق الحق والثبات

    فإذاً النكبات التي تصيب الإنسان في طريق الحق هي نكبات مباركة أصابت من هو خير منا؛ ولذلك قال الله تعالى: الـم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[العنكبوت:1-3]، وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ[البقرة:214]، ويقول تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[آل عمران:142]، فإذاً لا بد أن يصيب السالكين لطريق الأنبياء بعض ما أصابهم، ولا يتصور أحد أنه سيعيش حياته دون أن يجد أية مضايقة وهو سالك لطريق الحق، هذا من المستحيل، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات )، وفي رواية: ( حجبت الجنة بالمكاره، وحجبت النار بالشهوات )، وصح عنه صلى الله عليه وسلم: ( أن الله عز وجل لما خلق الجنة جعل فيها من أنواع النعيم المقيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فأمر جبريل فأطاف بها فقال: كيف وجدتها؟ فقال: وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. ثم خلق النار فجعل فيها من أنواع الأذى والعذاب مثل ذلك، فأمر جبريل فأطاف بها فقال: كيف وجدتها؟ فقال: وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد فيدخلها. ثم أمر بالجنة فحفت بالمكاره، فأمر جبريل فأطاف بها فقال: كيف وجدتها؟ فقال: وعزتك وجلالك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. وأمر بالنار فحفت بالشهوات، وأمر جبريل فأطاف بها، فقال: كيف وجدتها؟ فقال: وعزتك وجلالك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد ).

    فلذلك لا بد أن يدرك الإنسان أن الطريق غير مفروش بالورود، وإنما هو مفروش بالأشواك، والمؤمن فيه دائماً عرضة للمصائب، ( وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وإذا أحب الله عبداً ابتلاه )، وهذا الابتلاء هو امتحان على طريق الحق، ومن نجح فيه فالدنيا ما تساوي شيئاً من عمره، وقد سمعتم عن أعمار الإنسان، فالعمر الدنيوي لا يساوي شيئاً منها، إنما هو كراكب استظل تحت شجرة، فمدة بقائه تحت الشجرة هي مدة عمره في هذه الحياة، وهذه لا تساوي شيئاً من حياته، لو أن أحدكم يمكث في المكتب خمس ساعات يومياً، وفي البيت عشر ساعات، وفي الأماكن الأخرى كل مكان يمكث فيه نصف ساعة حتى يكمل أربعاً وعشرين ساعة، أين سيضع وسائل الرفاه والراحة؟ هل سيضعها في المكان الذي يمكث فيه نصف ساعة فقط أو في المكان الذي يطيل فيه المكث؟ إنما يضعها في المكان الذي سيطيل فيه المكث؛ فلذلك المؤمن لا يبحث عن الراحة والرفاه والسلامة في هذه الحياة؛ لعلمه أنها أخطر مدده وهي شر مكان يقيم فيه، وإنما يريد الراحة والطمأنينة في جنات النعيم، يريدها في مستقر رحمة الله تعالى، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ[القمر:55].

    علو همة المؤمنين

    ولهذا تتعلق أنفس المؤمنين بالفردوس الأعلى من الجنة، سقفه عرش الرحمن، وهم يعلمون ما هنالك من النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، ويعلمون أن أنعم أهل الدنيا حالاً من الكافرين يصبغ صبغة واحدة في النار فيقال: ( يا عبد الله! أرأيت خيراً قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك ما رأيت خيراً قط )، الإنسان من أهل الدنيا الذي لم يصبه الصداع ولم يسمع كلمة يكرهها، ولم يواجه بأي شيء يغضبه، ولم يفكر بشيء إلا ناله، وهو في غاية الغنى والرفاهية يصبغ صبغة واحدة في النار فيقال: ( يا عبد الله! أرأيت خيراً قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك ما رأيت خيراً قط! )، وأبأس أهل الدنيا حالاً ممن أصيب بكل الأمراض وأوذي في ذات الله وأخرج من مكانه، وسجن وعذب، ثم قتل وقطعت أعضاؤه يصبغ صبغة واحدة في الجنة فيقال: ( يا عبد الله! أرأيت شراً قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك ما رأيت شراً قط! )، ولتنظروا إلى حال مصعب بن عمير الذي خرج مهاجراً، أخرج من مكة وهي أحب البلاد إليه طبعاً، وهي داره التي ولد فيها وتربى فيها يخرج منها مهاجراً في سبيل الله، ولا يملك إلا سيفه وبردة عليه، فيمكث ثلاث سنين في الجهاد في سبيل الله في المدينة؛ فيقتل يوم أحد ويمثل به، ويقول أصحابه: ( إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر )، بردة واحدة مدة ثلاث سنوات، ما له لباس سواها، ولا يملك غيرها؛ ومع ذلك إذا غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطيت رجلاه بدا رأسه، هل ضره هذا شيئاً؟ أبداً! بل نال النعيم المقيم الخالد الذي لا يحول ولا يزول ولا يمل، كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا[البقرة:25]؛ ولذلك فلذات الجنة لا تنقطع، اللذة الأولى التي ينالها الإنسان عندما يصيبه شيء من روحها وريحانها تبقى معه ولو أتبعت بمليارات اللذات، فاللذة الأولى باقية والتي تليها باقية والتي تليها باقية، بينما لذات الدنيا لا تمكث إلا ثوان محصورة ثم تنقطع، وإذا بقي شيء من لذات الدنيا مع الإنسان أطول من ثوان محصورة سيمل هو.

    أعجب ما في الدنيا أن أحب شيء إلى النفوس من لذاتها لا يستطيع الإنسان الصبر عليه، بل يمله غاية الملل، وانظروا إلى قوم اجتمعوا على طعام يحبونه غاية المحبة، وعندما يخلصون منه وينتهون، أليس يؤذيهم بقاؤه بين أيديهم؟ سيخرجونه ويغسلون أيديهم عنه وأفواههم، ولا يريدون بقاء رائحته معهم بوجه من الوجوه، هذا دليل على أن كل ما في الدنيا من الملذات مملول، بينما أهل الجنة: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ[البقرة:25]؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يغفر للشهيد عند أول قطرة من دمه ويزوج بسبعين من الحور العين )، وهؤلاء نساء الجنة وصفهن النبي صلى الله عليه وسلم بالوصف العجيب؛ فقال: ( لو أن إحداهن أسفرت عن وجهها لأضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ولو بصقت في البحر لصار عذباً من بصاقها، ويرى مخ ساقها من خارجه، وأهدابها كجناح النسر، وحاجبها كالهلال في الاستقواس والسعة )، لا يسمع منها الإنسان مكدراً ولا طلباً ولا لغواً في القول، ولا أذى أياً كان، لا يرى إلا ما يسره ولا يسمع إلا ما يسره، ولا يجد أي كدر.

    فإذاً هذا النعيم المقيم لا شك أنه لا يوجد في هذه الدنيا وإنما يطلب في الدار الآخرة، والذي يريده لا بد أن يعلم أنه سيصيبه في المقابل أذى الدنيا؛ لأن الله لم يكن ليجمع على الإنسان نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، هذا لا يمكن أن يجتمع؛ ولهذا قال الله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ[البقرة:200-202]، ويقول تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا[الإسراء:18-19]، وقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ[الشورى:20].

    وبين الله سبحانه وتعالى حال الكفار في النار حين يقال لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ[الأحقاف:20]، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة ولا تشربوا في صحافهما؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة )، فهذه الأواني إنما هي من زخارف الدنيا، فهي لأهل النار في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة.

    الخوف على المصالح

    ثم كذلك من أنواع الخوف أن يخاف الإنسان على مصالحه فيحول ذلك بينه وبين نصرة الدين؛ فكثير من الناس لهم مصالح متوقعة أو مرجوة أو حاصلة وهم يخافون عليها، إما أن تكون هذه المصالح وظائف أو مكانة اجتماعية أو مالاً، أو غير ذلك؛ فهم يخافون على مصالحهم، لكن هذا الخوف وهمي أيضاً؛ لأن الإنسان العاقل إنما يعلم أن هذه المصالح جميعاً من عند الله لا من عند الناس، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللهِ[النحل:53]، وما آتاك الله هل تعلم له مانعاً؟ ( لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ[فاطر:2]، ( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ).

    فلذلك لا بد أن يدرك الإنسان أن النعم التي يخاف عليها هي من عند الله لا من تلقاء نفسه ولا من كده، وأن الله هو القادر على إبقائها وتمتيعه بها، وإذا أراد أخذها فلا يمكن أن ترد عليه بوجه من الوجوه؛ ولهذا فإن الله تعالى قال معقباً على قصة قارون: فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[القصص:81-83].

    ضمان الله تحقيق مصالح المجاهد في سبيله

    وقد ضمن الله سبحانه وتعالى لمن جاهد في سبيله تحقيق مصالحه وغناه عما فاته؛ ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه إلى المكان الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة أو أن أدخله الجنة )، فهذا انتداب من الله، أي: تعقد منه سبحانه وتعالى بذلك، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[التوبة:28]، وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً[التوبة:28] أي: فقراً، فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ[التوبة:28]، وهذا وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ[التوبة:28-29].

    الخوف من مشقة التكاليف

    كذلك من أنواع الخوف التي تحجز الإنسان عن القيام بهذا الحق الذي جعل الله عليه أن يخاف الإنسان من التكاليف، فكثير من الناس يخاف أن يتكلف تكاليف لا يطيقها، والواقع أن الإنسان لا يملك إلا نفسه وماله، وقد باعهما لله؛ إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهمْ[التوبة:111]، ففيم التكاليف التي تخاف منها؟ لا تكون التكاليف إلا في نفس أو مال، وقد بعتهما لله، فعلام الخوف إذاً؟! ليس لديك شيء تخاف فيه من التكاليف بعد النفس والمال.

    نقص الثقة بالنفس

    كذلك قد يحجز الإنسان عن القيام بهذا الحق نقص ثقته، وهذا أنواع؛ فمنه نقص الثقة بالنفس، أن يقول الإنسان: أنا ضعيف مسكين، واجباتي أكثر من أوقاتي، لدي ضيوف ولدي مرضى ولدي عوائل ولدي مشاريع، وأنا جبان.. إلى آخره، وهذه الأعذار كلها تزول يوم القيامة، فيوم القيامة ليس فيه أعذار، هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهمْ فَيَعْتَذِرُونَ[المرسلات:35-36]؛ ولذلك فإن الله تعالى قص علينا قصة شبان من قريش لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم آمنوا به وصدقوه، واقتنعوا بصدق ما جاء به، لكنهم ضعفوا أمام الضغوط؛ فاحتقروا أنفسهم فكفروا، وهؤلاء منهم علي بن أمية بن خلف ، ومنهم عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وقد أنزل الله فيهم قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا[النساء:97]، فهؤلاء لم يعذرهم الله مع أنهم اعتذروا بالاستضعاف، قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ[النساء:97]، فلم يقبل الله منهم هذا العذر.

    فلذلك لا بد أن يعرف الإنسان أنه لا يكلف إلا ما يطيق؛ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا[الطلاق:7]، لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[البقرة:286]، وعلى هذا فعليه أن يقوم بما يطيق وما يستطيع، وأنتم تقرءون قول الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ[المائدة:23]، وهنا في قوله: قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ[المائدة:23] اختلف أهل التفسير؛ فقالت طائفة: الَّذِينَ يَخَافُونَ[المائدة:23]: هم اليهود، أي: قال رجلان من اليهود، واليهود دائماً هم أهل الذلة والمسكنة، وقد كتب الله عيلهم الخوف، أي: قال رجلان من اليهود، أنعم الله عليهما بالتوفيق، وقيل: المعنى: قال رجلان من الذين يخافون الله، أي: يخافون الله عز وجل فآثروا خوف الله على خوف المخلوق؛ فلذلك وفقهم الله بهذا الرأي، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ[المائدة:23].

    نقص الثقة بالمستقبل

    كذلك من نقص الثقة نقص الثقة بالمستقبل، فكثير من الناس يرى انتفاشة الباطل وانتفاخته، ويظن أن الأمر لا يزداد إلا شدة، وأن أهل الباطل لا يزدادون إلا علواً وتجبراً وتكبراً، ولا يتوقع أبداً هزيمة لهم، يقول: مكثنا حتى الآن ثلاثة وسبعين سنة وليس للمسلمين خليفة، وقد تفرقت الدول الإسلامية وأصبحت كل دولة ترعى حدوداً خاصة بها، ورأينا الاتحاد الأوروبي، وأوروبا كل يوم تزداد قوة، ورأينا كذلك قوة أمريكا وما أوتيت من أنواع القوى، فمتى يكون للمسلمين من القوة ما يستطيعون به مقابلة هؤلاء الأعداء.

    إن هذا النوع من الهزيمة سببه الاستعجال؛ فالإنسان الذي يتذكر سنن التاريخ ويتذكر ما حصل في الماضين لا بد أن يستحضر ما أملى الله علينا في سورة القمر؛ فالله سبحانه وتعالى قص علينا الطريقة التي أهلك بها الذين كذبوا نوحاً حين أمر السماء فانفتحت أبوابها بالماء المنهمر، وأمر الأرض فتفجرت عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر، وقص علينا الطريقة التي أهلك بها الذين كذبوا هوداً حين سخر عليهم الريح العقيم ثمانية أيام حسوماً، وقص علينا الطريقة التي أهلك بها الذين كذبوا صالحاً حين أرسل عليهم الصيحة فشقت أشغفة قلوبهم، وقص علينا الطريقة التي أهلك بها الذين كذبوا لوطاً حين أرسل عليهم الحاصب فحمل قريتهم حتى سمع أهل السماء أصوات كلابهم، ثم ردها على الأرض، وقص علينا الطريقة التي أهلك بها الذين كذبوا موسى حين أمر البحر فابتلعهم، قال بعد ذلك: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ[القمر:43]؛ هل الكفار الذين تعاصرونهم وترهبونهم خير من أولئكم؟ والجواب: لا، طبعاً، ليست أمريكا أقوى من عاد الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً[فصلت:15]، ثم جاء الالتفات العجيب في الأسلوب، كان الخطاب لنا: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ[القمر:43]، ثم جاء الالتفات إلى خطاب الكفار مباشرة: أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ[القمر:43]، أم لكم أيها الكفار براءة في الزبر، أي: في الكتب المنزلة، هل عندكم براءة من الله أن لا يصيبكم بمثل ما أصاب به السابقين، فما أهون الأرض على الله إذا عصاه أهلها، الأرض كلها لا تساوي شيئاً من ملكوت الله، ولذلك أخرج مسلم في الصحيح وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله قيوم لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، قد احتجب بسبعين حجاباً، حجاب نور وحجاب نار وحجاب نور وحجاب نار، لو كشف الحجاب عن وجهه لحظة، لأحرقت سبحات وجهه ما وصل إليه بصره من خلقه )، السبحات: الأنوار؛ فلذلك لا يعجزه أن يأمر الفضاء الخارجي بابتلاع ما فيه، وأن يأمر الأرض بابتلاع ما فيها والبر بابتلاع ما فيه والجو بابتلاع ما فيه والبحر بابتلاع ما فيه، لا يعجزه شيء من ذلك، فلذلك قال: أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ[القمر:43-44]، إذا كان المرجع الدعاية الإعلامية ويقولون: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ[القمر:44]، ما الحل؟ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ[القمر:45]؛ فهذه سنة الله الماضية: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ[القمر:45]، ومع ذلك ليس هذا جزاءهم، بل هذا من شؤم ذنبهم في الحياة الدنيا، والجزاء كله أخروي؛ فلذلك قال: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ[القمر:46].

    1.   

    عقيدة المسلم الصادق في مواجهة الأعداء

    إن المسلم العارف بهذا لا يمكن أن يصاب بإحباط ولا بهزيمة؛ لعلمه أن الله تعالى يقلب الأمر كله بين الكاف والنون؛ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[النحل:40]، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[يس:82]، إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[آل عمران:59]، فهذا أمر الله لا معقب له، وما يصيب الإنسان من إكبار هذه الأمور هو من قبيل الاستعجال كما ذكرنا؛ فقد مكث نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يكابد قومه، ومع ذلك لم ييأس ولم يقنط، ولم ينهزم بوجه من الوجوه، كلما سخروا منه قال: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ[هود:38].

    ولذلك ناداهم بذلك النداء الصريح العجيب، فقال: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ[يونس:71]، وكذلك هود قال لأصحابه حين حشدوا له جموعهم: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[هود:56]، وكذلك إبراهيم حين رموه في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ[الأنبياء:69]، وكذلك موسى عندما قال له قومه: البحر من أمامنا والعدو من ورائنا؛ إنا لمدركون، قال: كلا، بكل ثقة: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ[الشعراء:62]، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه يوم الأحزاب حين قال لهم نعيم بن مسعود : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ[آل عمران:173-174].

    1.   

    سنة الله في الابتلاء والتثبيت

    ومن سنن الله سبحانه وتعالى في هذا المجال أن الله يبتلي المؤمنين بثلاث محن كبيرة، ثم يأتي بعدها مثبت من عند الله، ثم تأتي ثلاث محن كبيرة، ثم يأتي مثبت، وهذه سنة ماضية؛ فالمحن يتساقط فيها الناس؛ فالناس في السراء لا يضرهم أن يجتمعوا لسماع درس مثلاً أو موعظة أو ذكرى، لكن إذا جاء وقت الضراء لن تجد إلا فلاناً وفلاناً من الصابرين الصادقين؛ فلذلك يبتلون بثلاثة امتحانات شاقة، ثم بعدها يأتي مثبت فيرجع الناس جميعاً للثبات من جديد، ثم يبدأ مسلسل الامتحانات بعد ذلك، وقد قص الله علينا قصة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى فكانت عجباً من العجائب، يقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ[البقرة:246]، أول امتحان واجههم: قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا[البقرة:246]، وهذا امتحان نظري، فرسبوا فيه جميعاً قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا[البقرة:246]؛ فكان القتال من أجل الديار والأبناء وليس في سبيل الله.

    ثم بعد هذا جاء الامتحان التطبيقي، وهو الامتحان الثاني بمباشرة القتال؛ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ[البقرة:246] نجحت طائفة يسيرة ورسب الجمهور.

    ثم بعد هذا جاء الامتحان الثالث، وهو بتولية إنسان لا يرونه أهلاً للتولية: وَقَالَ لَهمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا[البقرة:247]؛ فرسبوا في هذا الامتحان جميعاً، قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[البقرة:247].

    بعد هذا جاء المثبت من عند الله، وهو تابوت تحمله الملائكة، منزل من السماء، فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، والناس يشاهدونه والملائكة يحملونه، وَقَالَ لَهمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ[البقرة:248]، رجعوا جميعاً للدين بعد رؤية هذا المثبت، ولم يبق أحد منهم يشك فيه.

    ثم بدأ مسلسل الامتحانات من جديد: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ[البقرة:249]، رسبوا في الامتحان إلا قليلاً منهم، فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ[البقرة:249] جاء الامتحان الثاني، وهو تذكر القتال، وحينئذ رسبوا في الامتحان، قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ[البقرة:249].

    ثم جاء الامتحان الثالث، وهو القتال الواقعي، وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ[البقرة:250-251]، وهؤلاء طائفة قليلة، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ[البقرة:249]؛ فالذين يظنون أنهم ملاقو الله أي: يوقنون أنهم ملاقو الله هم قليل من قليل من قليل من قليل حتى تكمل الامتحانات، وهؤلاء هم الذين نجحوا، وذكر الله معتمدين لنجاحهم في هذا الامتحان الشاق: المعتمد الأول:

    الدافع العقدي، أن لهم عقيدة ومبدأً يقاتلون عنه، يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ[البقرة:249].

    الأمر الثاني: اعتمادهم على الدعاء: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ[البقرة:250-251]، لم يقل: إنهم هم الذين يملكون العتاد والعدة.

    وجاء التثبيت بعد الامتحان الثالث، وهذا التثبيت هو النصرة من عند الله؛ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ[البقرة:251]، كل من عصى الله عز وجل لا بد من بغضه بالقلب بسبب معصيته لله؛ لأنك تحب الله فتكره من يخالف أمره؛ ولذلك تكره من نفسك كل عمل يخالف أمره؛ فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن فقال: ( من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن )، ما قال: إنه هو المعصوم الذي لا يخطئ؛ لا، قال: ( من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن ).

    1.   

    مراتب الجهاد في سبيل الله

    ثم بعد هذا لا بد من جهادهم باللسان، وذلك برد شبهاتهم وتطهير الدين مما يلقونه من الوساوس والشبهات، ودعوتهم أيضاً؛ فهي من جهادهم، فهذا جهادهم باللسان.

    والثالثة: جهادهم بالمال، ببذله في سبيل ردهم إلى الدين وفي سبيل تطهير الدين من أذاهم.

    والرابعة: جهادهم باليد بتغيير منكرهم.

    فهذه أربع هي مراتب جهاد المنافقين: جهادهم بالقلب وجهادهم باللسان وجهادهم بالمال وجهادهم باليد، وقد قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ[التوبة:73]، والجهاد يكون باللسان وبالسنان، وجهاد المنافقين باللسان أملك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتلهم بالسنان، وجهاد الكفار بالسنان أملك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاتلهم به، ونحن جميعاً نشهد أنه امتثل ما أمره الله به حين أمره مرتين في كتابه، في سورة التوبة وفي سورة التحريم بجهاد الكفار والمنافقين.

    ثم بعد هذا جهاد الكفار أربع مراتب هي نفس المراتب السابقة:

    جهادهم بالقلب ببغضهم والبراءة منهم، وعدم توليهم بحال من الأحوال، وجهادهم باللسان؛ بالرد عليهم والتحذير منهم وهجائهم، وجهادهم بالمال؛ ببذله في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه وخلافة الغازي في أهله بخير، وكذلك بإعداد الغازين للغزو، بتجهيزهم، والرابعة: جهادهم باليد: بالقتال المباشر، وهذا هو أعلى مقامات الجهاد.

    فإذاً هذه أربع مراتب هي مراتب الجهاد في سبيل الله، وأهميتها للإنسان تنقسم إلى قسمين:

    إلى أهمية خاصة بكل فرد، وأهمية عامة للأمة والمجتمع.

    1.   

    الأهمية الخاصة لمراتب الجهاد

    أما الأهمية الخاصة بكل فرد فهي:

    امتثال الأوامر الشرعية

    أولاً: امتثاله لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ فالله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا[التوبة:38-41]، وقد صح عن أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم مشغولاً بالغزو فلم يقم في شهر رمضان قط، في كل شهر رمضان يغزو في سبيل الله؛ فلما توفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم وكبر أبو طلحة في السن كان يصوم؛ لأنه لم يكن يستطيع الصيام من أجل الغزو في الزمان الماضي، فبينما هو صائم يقرأ في مصحفه إذ قرأ هذه الآية، فلما بلغ قول الله تعالى: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا[التوبة:41] ضم المصحف وقال: ( أي بني! جهزوني جهزوني! فقالوا: ألم تغز مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشهد معه المشاهد؟ قال: إن أبركم بي أسرعكم لي جهازاً ) فخرج ولم يرجع بعد حتى لقي الله.

    وكذلك فإنا أبا سفيان بن حرب رضي الله عنه لما قرئت عليه آيات الجهاد في سبيل الله، فقال: (لقد سبقنا بخير كثير)، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول غزوة بعد إسلامه وهي غزوة حنين ثم في الطائف وفقد عينه فيها، حيث أصابها سهم ففقأها، ثم غزا في فتح الشام تحت راية ابنه يزيد ففقئت عينه الأخرى؛ ففقد عينه في سبيل الله.

    وكذلك فإن الحارث بن هشام و سهيل بن عمرو اجتمعا بمكة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما للآخر: إننا فاتنا خير كثير؛ فلسنا من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؛ فتعال بنا نخرج بأهلنا وأموالنا في الغزو في سبيل الله، وأن لا نرجع من ذلك بشيء، فخرجا بأهلهما ومالهما؛ فلم يرجع من أسرة الحارث بن هشام إلا عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو طفل صغير، ولم يرجع من أسرة سهيل بن عمرو إلا فاطمة بنت سهيل وهي بنت صغيرة؛ فلما رجعا إلى المدينة قال عمر : أنكحوا الشريد بالشريدة لعل الله أن يخرج منهما ذرية صالحة، فزوجه بها؛ فأنجبا عشرة من الولد كانوا من خيرة الناس في ذلك الزمان.

    التحرر من الأغيار والمخلوقين

    كذلك فإن الجهاد في سبيل الله يفيد الإنسان في تحرره من الأغيار ومن المخلوقين؛ فالإنسان الذي يحس بالضغوط ويحتاج إلى نصرة الناس ويحتاج إلى مداراتهم، ولا يكون جريئاً في قول الحق ولا شجاعاً فيه مملوك، مأسور بالعادات مأسور بالتقاليد، مأسور بالقبيلة، مأسور بالمصالح، مأسور بالوظيفة، هذا أسير في الواقع أسراً كاملاً، والمجاهد في سبيل الله تحرر من تلك القيود كلها فليست عليه أية ضغوط، وهذا مما يحتاج إليه الإنسان كثيراً، أن يتحرر من القيود والضغوط؛ ولذلك فإن اتصال الإنسان بالله تعالى يقتضي منه الشجاعة في الحق، وتمام العبودية لله والتحرر من الأغيار جميعاً.

    فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب

    وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

    إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

    وقد قال العلامة مولود بن أحمد الجواد رحمه الله:

    أستودع الحافظ المستودع الوالي ديني ونفسي وإخواني وأموالي

    وأسأل المتعالي أن يوفقني وأن يسدد أفعالي وأقوالي

    أنا الضعيف فذاك الضعف يرحمه ربي القوي فكان الضعف أقوى لي

    ما ذل ما ذل من بالله عز وكم ذل العزيز بأعمام وأخوال

    وكم رأينا ذليلاً بعد عزته من عزه بالموالي أو بالاموال

    متى تفز بموالاة الإله يدي فعادي يا أيها المخلوق أو والي

    وكذلك في أرجوزة العلامة محمد العاقب بن مايابي رحمه الله التي أرسل إلى أهل بلادنا هذه بعد هجرته في جهاد النصارى تنبيه عجيب إلى هذه الحرية والانعتاق حيث قال:

    مني إلى من في حمى المكبل من قرقر لما وراء العقل

    أعيذكم بالله من فضيحة الدنيا ومن رأيكم المفيل

    فذكر لهم أنهم قد أذلوا أنفسهم وعبدوها للكافر الذي ليس له أهلية ولا عهد ولا وعد ولا صدق بحال من الأحوال.

    وكذلك ما ذكره العلامة ملعينون العتيقي رحمه الله في قصيدته أيضاً التي تسير في نفس الاتجاه، ويقول فيها:

    وقارئ آيات الجهاد وما دعت له من نجاح كيف عنه اصطباره

    وقارئ لن ترضى ومن يتولهم وأن يثقفوكم كيف عنها..

    إلى أن يقول:

    ..ففي الإدبار عنها دباره

    ففي الإدبار عنها أي: عن هذه الآيات، دباره أي: هلاكه، والدبار: الهلاك.

    فهذا يقتضي عزة عجيبة، وهذه العزة قد بينها النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد في المسند و أبو داود في سننه و البيهقي كذلك في السنن من حديث عطاء الخراساني عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم، حتى ترجعوا إلى دينكم )، كناية عن العمل في الزراعة والاشتغال بأمور الدنيا وترك الجهاد؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وجعل رزقي تحت ظل رمحي )، وقال: ( اللهم اجعل رزقي تحت ظل رمحي ).

    العصمة من الضلال

    ثم بعد هذا من فوائد الجهاد الشخصية، ومن أهميته للإنسان أنه عاصم له من الضلال؛ فالإنسان السائر في طريق الحق يمكن أن يضل يميناً وشمالاً، لكن المجاهد في سبيل الله مضمون له أن لا يضل؛ فقد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[العنكبوت:69]، وقال تعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهمْ[محمد:4-6]؛ فهذا الضمان من أبلغ ما يحتاج إليه الإنسان، أن يضمن له أن لا يضل أبداً.

    اقتضاء الجهاد لزيادة التوكل على الله

    كذلك من فوائد هذا الجهاد على الإنسان في خاصة نفسه أنه يقتضي زيادة توكله على الله وإحسانه في عبادته لله؛ لأنه مستعد غاية الاستعداد لتنفيذ أمر الله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟ رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها )، فهذا خير الناس منزلاً، وهو ممسك بعنان فرسه، وهذا أيضاً فيه إشارة إلى الحرية السابقة، والتحرر الذي يقول فيه أبو الطيب المتنبي :

    أعز مكان في الدنى سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب

    حصول السكينة والطمأنينة

    العزة والغنى في أمور الدنيا

    كذلك من فوائد الجهاد الشخصية على الإنسان أنه سبب لعزة أهل بيته بعده حتى لو كان هو قتل شهيداً في سبيل الله؛ فذلك سبب لعزة أهل بيته بعده.

    كذلك هو سبب للغنى في أمور الدنيا؛ فما يناله الإنسان من أجر وغنيمة يبارك له فيه.

    1.   

    فوائد الجهاد العامة

    أما فوائده فيما يتعلق بالمجتمع فمنها أن أية أمة تركت الجهاد لا بد أن يسلط الله عليها أعداءها، وإذا سلطهم عليها فسيعز الذليل ويذل العزيز، وستنهب الخيرات وتنتهك الحرمات، وهذا ما نشهده في أمتنا الإسلامية عندما تركت الجهاد في سبيل الله، عز أذلاؤها وذل أعزاؤها ونهبت خيراتها وتغيرت أمورها بالكلية، وتسلط عليها أعداؤها.

    إحياء روح الترابط والإخاء

    كذلك من فوائد الجهاد الراجعة إلى المجتمع أنه أيضاً يحيي في المجتمع روح الترابط والإخاء، فالناس إذا لم يجاهدوا ولم يحسوا بتهديد لمجتمعهم ولا تهديد لكيانهم سهل عليهم أن تتضارب أقوالهم وأن يختلفوا فيما بينهم، لكن إذا أحسوا بالتهديد نبذوا الخلافات والفرقة.

    لما أتاني عن عيينة أنه عان عليه تضاعف الأقياد

    بذلت له نفسي النصيحة إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد

    التمحيص والتمايز

    وكذلك من آثاره على المجتمع وفوائده فيه أنه مقتض للتمحيص والتزايل، وهذا التزيل مهم جداً في النصرة؛ فالله تعالى يقول: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا[الفتح:25]، فما دام المجتمع مختلط الولاءات، وما دامت الراية فيه غير صافية فلن تكون النصرة، لكن إذا تزايل المجتمع فأصبح على فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط كفر لا إيمان فيه؛ حينئذ يأتي النصر من عند الله وتتحقق السنن التي وعد الله بها، وهذا سيقع لا محالة.

    نفي البدع المضلة

    كذلك من فوائد الجهاد في سبيل الله، ومن فوائده الاجتماعية أنه سبب لنفي البدع المضلة؛ فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين )، وقد ذكر في الجهاد كذلك من فوائده الذهاب بهذه الفتن وإزالة رءوسها بالكلية.

    تحكيم شرع الله في الأمة

    وكذلك فإن الجهاد في سبيل الله أيضاً سبب لأن يكون حكم المجتمع على ما أنزل الله عز وجل؛ لأن المجتمع الذي يجاهد في سبيل الله قد أخذ الكتاب بقوة؛ فلا يمكن أن يحكم إلا بشرع الله، ولا يمكن أن يقاد إلا به، إذ حلت في نفوس أبنائه العزة فلا يمكن أن يقنع حينئذ بالهوان، ولذلك تمثل معاوية رضي الله عنه بقول الشاعر:

    متى تجمع الرأي الحصيف وصارماً وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم

    إذا جمع الإنسان هذه الثلاثة لا يكون سهلاً أمام الظلامة، بل تكون لديه منعة يستطيع أن يدفع بها.

    ترسيخ قيم المروءة في المجتمع

    كذلك فإنه معين على ترسيخ قيم المروءة؛ فالجهاد سبب لترسيخ قيم المروءة في المجتمع؛ ولذلك فإن معاوية رضي الله عنه قال: والله ما منعني من الفرار يوم صفين إلا قول عمرو بن الإطنابة :

    أبت لي عفتي وأبى إبائي وأخذ الحمد بالثمن الربيح

    وإكراهي على المكروه نفسي وضربي هامة البطل المشيح

    وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي

    لأدفع عن مآثر صالحات وأحمي بعد عن عرض صريح

    1.   

    جامع فوائد الجهاد

    هذه إذاً بعض فوائد الجهاد وأهميته، ويكفي منها جميعاً أنه ذروة سنام الإسلام وأنه سبب للشهادة في سبيل الله، وسبب للمرابطة في الثغر، وهي من أفضل القربات التي يتقرب بها إلى الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما من ميت إلا يختم على عمله؛ إلا المرابط في سبيل الله فإنه يجرى عليه عمله ويأمن الفتان )، المرابط في سبيل الله يجرى عليه عمله إذا حان وقت الصباح؛ فحان الوقت الذي كان يذكر الله فيه ويتوضأ ويذهب إلى الصلاة كتب له العمل، إذا نادى منادي الظهر كتب له ما كان يعمله من العمل، إذا نادى مناد العصر، إذا جاء الليل ووقت القيام، إذا جاء وقت قراءة القرآن، إذا جاء وقت الصدقة، إذا دخل رمضان، يكتب له ذلك العمل كأنه عمله، ويأمن الفتان؛ يأمن الفتنة، وغيره من الناس عند موتهم يفتنون فتنة الممات؛ يقال للإنسان: مت على دين اليهودية، مت على دين النصرانية، والمرابط في سبيل الله يأمن الفتان بالكلية، فلا يفتن.

    ويكفي كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تمناه؛ فتمنى الشهادة في سبيل الله؛ كما في الحديث: ( ولوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقاتل فأقتل، ثم أحيا فأقاتل فأقتل )، وما ذلك إلا لشرف هذه المنزلة ومكانتها العالية.

    1.   

    حاجة الأمة إلى مراجعة موقفها من الجهاد

    إن هذه الأمة اليوم محتاجة إلى مراجعة موقفها من الجهاد في الوقت الذي تقام فيه المؤتمرات الدولية من أجل مسح الجهاد من قاموس العمل الإسلامي، ومن تصورات المسلمين، وهذه المؤتمرات مع الأسف أن كثيراً منها يعقد تحت شعارات إسلامية، ويتخذ فيه قرار بمحو الجهاد، وعدم الاهتمام به، وفي الوقت الذي أصبح الإعلام فيه يروج بأن الجهاد إرهاب ومعاداة للسامية، وإفساد في الأرض، ويوصف المتصفون به والمجاهدون في سبيل الله بأبشع الأوصاف، وهذا قد ينطلي على بعض أفراد هذه الأمة في بعض الأوقات؛ ولذلك يشك الناس كثيراً في المجاهدين في هذا الزمان بسبب ما تتناقله وسائل الإعلام، ومن يسمع يخل، لكن ذلك هو من الفتنة والابتلاء، وقد قيل في المجاهدين من قبلهم أكبر من ذلك؛ فقد قال زيد بن اللصيت وأصحابه يوم تبوك: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء! لا أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء) ويقصدون بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكذبهم الله بسورة التوبة المقشقشة، وما زال يأتي فيها: ومنهم.. ومنهم.. ومنهم؛ حتى لم يبق لهم سر، وفضحوا في كل أعمالهم.

    فلذلك تحتاج هذه الأمة اليوم إلى مراجعة فقه الجهاد وأهميته والعناية به ودراسته وإحيائه في النفوس، وأن لا تستحيي منه؛ أن لا تستحيي منه في دعائها ولا في كلامها وأن لا يستحيي منه خطباؤها ولا أئمتها؛ فما دامت الألسنة تستحيي من ذكره وتخاف أن يصنف أصحابها بتصنيفات السابقة؛ فمعنى ذلك أن الأمة تركت جزءاً من دينها، لكن ما دام الحياء لا يصل إلى الجهاد في سبيل الله، لا يستحيي الإنسان أن يسأل الله الشهادة مقبلاً غير مدبر، ولا يستحيي أن يسأل الله أن يجعله مجاهداً في سبيله، ولا يستحيي أن يحث الناس على الجهاد، ولا يستحيي أن يمتدح المجاهدين في سبيل الله وأن يثني عليهم ويدعو لهم؛ فالأمة بخير، ما دام فيها هذا فهي بخير لا محالة.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحينا سعداء وأن يميتنا شهداء، اللهم إنا نسألك الشهادة في سبيلك، مقبلين غير مدبرين، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم إنا نسألك الشهادة في سبيلك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم اجعلنا من المجاهدين في سبيلك لإعلاء كلمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا أجمعين من المجاهدين في سبيلك لإعلاء كلمتك يا أرحم الراحمين.

    والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    الحكم على حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)

    السؤال: عن درجة ما ينسب إلى الحديث: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؟

    الجواب: هذا غير صحيح، ليس حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح فيه شيء.

    الفريضة التي قضى بها علي على منبره

    السؤال: ماذا قال علي رضي الله عنه في الفريضة المنبرية؟

    الجواب: أن علياً رضي الله عنه وهو من هذه الأمة الأمية التي لا تحسب ولا تكتب بعد تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم له تغير حاله؛ فقد وقف على المنبر خطيباً فقال: (الحمد لله الذي يجزي كل نفس بما تسعى، وإليه المآب والرجعى؛ فقام قائم فقال: يا أمير المؤمنين، هالك عن زوجة وأبوين وابنتين؛ فقال علي : صار ثمنها تسعاً) واستمر في خطبته، لم يغير خطبته لا في قافيتها ولا في أسلوبها، ولم يقطعها، استمر كما كان، وهذا الحل السريع الذي أنتجه علي رضي الله عنه بهذه السرعة الهائلة لا يستطيع الكمبيوتر اليوم إنتاجه، فهنا توصل رضي الله عنه إلى أن هذه المسألة أصلها من أربعة وعشرين؛ لاجتماع السدس فيها والثمن، وكل فريضة اجتمع فيها السدس والثمن لا تكون إلا من أربعة وعشرين، إذاً أصل المسألة أربعة وعشرون، للابنتين الثلثان؛ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ[النساء:176]، والثلثان من أربعة وعشرين ستة عشر، وللأبوين السدسان؛ يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ[النساء:11]؛ فإذاً كل واحد منهما له السدس، والسدس من أربعة وعشرين أربعة، أي: ثمانية للأبوين فاستغرق ذلك أربعة وعشرين؛ لأن ستة عشر إذا أضيف إليها ثمانية تصير أربعة وعشرون، والزوجة لها ثلاثة؛ لأن لها الثمن، والثمن من أربعة وعشرين ثلاثة، فعالت المسألة بثلاثة، فصارت سبعة وعشرين بدل ما كانت أربعة وعشرين. للزوجة ثلاثة من سبعة وعشرين، وللأبوين ثمانية من سبعة وعشرين، وللبنتين ستة عشر من سبعة وعشرين، لكن نصيب الزوجة كان من أربعة وعشرين الثمن؛ لأن ثلاثة نسبتها من أربعة وعشرين هي الثمن، أربعة وعشرين فيها ثلاثة ثمان مرات، بينما سبعة وعشرين فيها ثلاثة تسع مرات؛ فنصيب الزوجة وهو ثلاثة من أربعة وعشرين هو الثمن، ومن سبعة وعشرين هو التسع؛ فلذلك: (صار ثمنها تسعاً) صار ثمنها أي: ثمن الزوجة أو ثمن المسألة تسعاً، وهذه هي العولة الواحدة لأصل أربعة وعشرين؛ فالفرائض ثلاثة منها تعول، وأربعة وعشرون تعول مرة واحدة، تعول فقط إلى سبعة وعشرين.

    ما معنى (نبزى) في قول أبي طالب (كذبتم وبيت الله نبزى محمداً)

    السؤال: ما معنى قول أبي طالب :

    كذبتم وبيت الله نبزى محمداً ولما نقاتل دونه ونناضل

    ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل

    نبزى محمداً أي: نبزه ونسلبه، بزاه.. يبزوه إذا سلبه، ويقال أيضاً: بزه.. يبزه إذا سلبه، معناه: كذبتم وبيت الله! لا يمكن أن نبزى محمداً، أي: ينتزع منا ونسلبه.

    ..ولما نقاتل دونه ونناضل

    ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل

    ومحمداً مفعول (نبزى).

    حكم الغناء

    السؤال: ما حكم الغناء؟

    الجواب: الغناء إذا كان بآلة، بالمعازف؛ فهو حرام؛ لما أخرج البخاري في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن قوماً في آخر هذه الأمة يستحلون الخمر والحرير والحر والمعازف، يمسخون قردة وخنازير )، ولقول الله تعالى في سورة لقمان: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ[لقمان:6]، وقد صح عن ابن مسعود أنه أقسم ثلاثاً أن هذه الآية نزلت في المعازف، أما ما كان بغير آلة؛ فإن كان مضمونه طيباً حسناً؛ فهذا النشيد الذي هو سنة من السنن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ويشارك فيه، وقد ثبت في صحيح البخاري أنه: ( أنشد قول ابن رواحة :

    تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

    إن أولاء قد بغوا علينا إن يطلبونا خطة أبينا

    ويمد بها صوته ) ، وفي رواية: ( ويرفع بها صوته )، وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في بناء المسجد: ( هذا الحمال لا حمال خيبر، هذا أعز ربنا وأطهر )، وكان أصحابه يقولون: ( نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً )، وكذلك في حفر الخندق كان ينشد معهم، وكان يقول: ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة؛ فاغفر للأنصار وللمهاجرة )، وكذلك أذن لـأنجشة أن ينشد، حتى يحرك الإبل، وكان النساء يسمعنه، فقال: ( رفقاً بالقوارير يا أنجشة )، أي: بقلوب النساء، والقوارير، وشبه قلوبهن في لين العاطفة بالزجاج، وكذلك عندما أنشد عامر بن الأكوع في غزوة خيبر نشيده فحرك الإبل، قال: ( من هذا؟ غفر الله له! فقال عمر : ألا أمتعتنا به يا رسول الله! )، فهذا إذاً ما كان مضمونه طيباً محركاً لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه وللعمل لدينه؛ فهذا مطلوب شرعاً، والمشاركة فيه سنة.

    أما ما كان منه سيئ المضمون؛ بأن كان نشيداً فيه هجاء لمسلم أو فيه غزل معين، أو نحو ذلك؛ فهذا لا خير فيه، وهو من الكلام القبيح الذي ينبغي أن ينزه المسلم لسانه عنه، وأما ما كان الناس في هذه البلاد وغيرها من البلاد الإسلامية يقرءونه من أشعار الجاهلية ونحوها من الأشعار التي فيها هجاء وفيها غزل وفيها إقرار بالفواحش ونحو ذلك فهذا لم يكونوا يقرءونه من أجل مضمونه، إنما كانوا يقرءونه من أجل ألفاظه؛ فألفاظه هي ديوان العرب، وهو لغة القرآن؛ فلذلك كانت دراسته من أجل ذلك، ولهذا فإن ابن عباس أنشد في المسجد الحرام قول الشاعر بين الإقامة والإحرام:

    نبئت أن فتاة كنت أخطبها عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول

    ولما أتاه نافع بن الأزرق كان يسأله عن تفسير بعض الكلمات في القرآن؛ فضجر به لكثرة أسئلته، فجاءه عمر بن أبي ربيعة المخزومي ، وهو شاب صغير من قريش؛ فسأله ابن عباس عن آخر ما قال من الشعر؛ فأنشده قصيدته المشهورة، التي مطلعها:

    أمن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر

    بحاجة نفس لم تقل في جوابها فتبلغ عذراً والمقالة تعذر

    تهيم إلى نعم ولا الشمل جامع ولا الحبل موصول ولا أنت مقصر

    وهي ثمانون بيتاً؛ فحفظها ابن عباس بمرة واحدة، فقال له نافع بن الأزرق : لله أنت يا ابن عباس ! نضرب إليك آباط الإبل في طلب القرآن فتعرض عنا، ويأتيك شاب حدث من قريش ينشدك سفهاً فتسمعه، قال ابن عباس : ما سمعت سفهاً! قال: بلى، أما سمعت قوله:

    رأت رجلاً أيمى إذا الشمس عارضت فيخزى وأيمى بالعشي فيخسر

    فقال: ما هكذا قال، إنما قال:

    رأت رجلاً أيمى إذا الشمس عارضت فيضحى وأيمى بالعشي فيخصر

    قال: أو حفظتها؟ قال: نعم، وإن شئت أعدتها عليك، فأعادها عليه، فلما كان من الغد سأله عن قول الله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى[طه:118-119]، قال: ما معنى تضحى؟ قال: تبرز للشمس، قال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: أما سمعت قول المخزومي بالأمس:

    رأت رجلاً أيمى إذا الشمس عارضت فيضحى وأيمى بالعشي فيخصر

    حكم الدجاج المستورد من بلاد الكفار

    السؤال: ما حكم الدجاج المستورد من بلاد الكفر؟

    الجواب: النصارى في هذا الزمان قد أخذوا بالعلمانية فأصبح دينهم العلمانية، وهي أن يفصل الدين عن الحياة، ومبدؤهم فيها قولهم: (دعوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) وما لقيصر غير متعين؛ فلذلك قالوا: ما لقيصر هو ما تغلب عليه قيصر، فقد كانت الخدمات والذبائح والأنكحة والجنائز والخدمات العامة من شأن الكنيسة ومن عملها؛ فغلب عليها قيصر وأصبحت تابعة للدولة؛ فحينئذ تركتها الكنيسة، قالوا: هذا مما لقيصر؛ لأنه أخذه، أصبحت الدول فيها وزارات الأشغال العمومية وفيها وزارات الخدمة، ولها مسالخ ومذابح رسمية تابعة للبلدية والكانصل، فلم يعد للكنيسة سلطة على هذا المجال، ومن هنا انسحبت الكنيسة بالكلية من الذكاة ولم تعد ترعاها، وأصبح البابا ومن دونه من الكردينالات يأكلون الجيف، وبهذا يتبين أن قول الله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ[المائدة:5]، المقصود به بإجماع المفسرين: ذبائح أهل الكتاب التي ذبحت على ما جاء في شرعهم، إلا ما قاله ابن العربي رحمه الله قال: (لو رأيت الذمي يكسر عنق الدجاجة لأكلتها) ومعنى ذلك: أنه يرى أن من لا يعرف طريقة ذكاة النصارى أو اليهود إذا رآهم يذكون بأية طريقة؛ فإنه يأكل على حسب ما رآهم يذكون به، لكن ليس معنى هذا أنه لو أكل الجيفة فإنك تأكلها معه! هذا غير معقول! ولذلك الذبائح يبحث فيها من خمسة أوجه:

    الوجه الأول: في جنس المذكى؛ فإذا كان المذكى خنزيراً أو حماراً أهلياً أو نحو ذلك؛ هذا لا يؤكل بالإجماع، سواءً ذكاه مسلم أو يهودي أو نصراني.

    الوجه الثاني: المذكي، الذي يذبح من هو، فلا تؤكل الذكاة إلا إذا كان المذكي مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً، فالمجوسي والبوذي والهندوسي والسيخي وغير ذلك من الديانات لا تؤكل ذكاة أحد منهم، ومثل ذلك اللادينيون كالوجوديين والاشتراكيين والشيوعيين، هؤلاء لا تؤكل ذكاة أحد منهم.

    الوجه الثالث: طريقة الذكاة، فطريقة الذكاة لدى المسلمين أحد أربعة أمور: إما الذبح وإما النحر وإما العقر وإما ما يموت به نحو الجراد، أربعة أنواع هي أنواع الذكاة، الذبح وهو: قطع الحلقوم والودجين من المقدم بلا رفع قبل التمام، والنحر، وهو: طعن باللبة، والعقر، وهو: قتل الناد، أي: الشارد؛ كالغزال ونحوه بكل ذي مور يدخل في بدنه؛ كالرصاص والرمح ونحو ذلك، والرابع: ما يموت به؛ نحو الجراد، الجراد فبما يقتل به، سواءً كان ناراً أو ضرباً فهو ذكاة له.

    وطريقة الذكاة لدى النصارى شبيهة بطريقة الذكاة لدى المسلمين، وكذلك طريقة الذكاة عند اليهود؛ فالفرق فقط أن اليهود يذبحون من الخلف والنصارى يذبحون من الأمام، فهذا إذاً فيما يتعلق بهيئة الذكاة.

    الوجه الرابع هو: آلة الذكاة، أي: ما يذكى به، وما يذكى به لا بد أن يكون ذا مور ينهر الدم، أي: يخرجه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والعظم )؛ فالسن والظفر لا يذبح بهما، ( ليس السن والظفر )، أو ( ليس السن والعظم )، سواء كانت ليس استثنائية أو كانت ناسخة، فالسن والظفر لا يذكى بهما، أما ما سواهما فيذكى به من كل ذي مور في البدن.

    الأمر الخامس هو: محاذي الذكاة، أي: ما يحصل معها، وهذا عند المسلمين هو ذكر اسم الله، وذكر اسم الله من الأمور التي لا بد منها؛ لأن الله تعالى يقول: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ[الأنعام:121]، والنصارى واليهود يذكرون أسماء آلهتهم، ومع ذلك فآلهتهم وإن كانت شركاً بالله عز وجل وذكرها على الذبح شرك بالله، لكن إنما أحل ذلك للمسلمين تشريفاً للمسلمين لا تشريفاً لليهود والنصارى، واليوم بعد أن تنازلت الكنيسة عن قضية الذبح لم تعد تهتم بالذكاة؛ فأصبح المقصود في أوروبا وأمريكا إزهاق الأرواح؛ أن يقتل الشيء المذكى، وأن يقتل الثور أو البقرة أو الناقة، المهم أن يقتل، وليس المقصود أن يذكى، وشتان بين الأمرين، الذكاة معناه: أن تطلب ذكاته، أي: طهارته، أي: إباحة لحمه، والإزهاق: أن تريد قتله بأية وسيلة، وشتان بين الأمرين؛ فلذلك أصبحوا يذكي لهم المجوس والهندوس والسيخ والبوذيون، وأصبحت هذه المهنة من المهن المحتقرة عندهم، لا يعمل فيها في الغالب إلا الضغفاء، فالأوروبيون والأمريكان لا يمارسون هذه المهنة في الغالب، إنما يعمل فيها المسلمون والهندوس والبوذيون والسيخ، وإذا علم أن الشركة المنتجة للحوم يعمل فيها هندوسي واحد أو سيخي واحد أو بوذي واحد وأنه يذكي على طريقته فإن كل ذبائحها حرام؛ لأن الجيفة إذا اختلطت بالمذكى حرمت، وحرم المذكى.

    ثم إن طريقتهم المعمول بها اليوم تبدأ أولاً بالصعق الكهربائي، وهذا الصعق لا يقصدون به الإماتة والإجهاز، وإنما يقصدون به أن تجهز الذبيحة للعملية الجراحية، هو مثل البنج الذي يضرب الإنسان فيه بالإبرة قبل العملية، إذا أجريت للإنسان عملية ينوم بالبنج، فهذا التخدير نظيره هو الصعق الكهربائي، لكن الإنسان الذي يجرى له التخدير عادة يفحص، يفحصه أخصائي التخدير فيقول: يتحمل نسبة كذا وكذا من البنج، أما الذبائح فلا تفحص فحص التخدير، الصعق الكهربائي التي يصاب بها هذا الديك وهذا الثور وهذا الجمل لا يفحص قبلها حتى يعلم ما يتحمله؛ وبذلك قد يموت بالصعق؛ فلا يحتاج إلى جرحه؛ لأنه لم يفحص أصلاً هل يتحمل هذه الصعقة أو لا يتحملها، وبذلك يعلم أن كل المستوردات من اللحوم من بلاد الكفر اليوم هي جيف، لا يحل استعمالها إلا ما تأكد من أنه ذكاه مسلم أو يهودي أو نصراني ملتزم على طريقة أهل تلك الديانة، وهذا لا يمكن الجزم به، بل الشركات المنتجة اليوم يعمل فيها الهندوس والبوذيون والسيخ؛ كما ذكرنا.

    مقاطعة البضائع الصهيونية والأمريكية

    السؤال: ماذا عن المقاطعة الاقتصادية للبضائع الأمريكية والصهيونية؟ وهل يمكن أن نفعل نحن هذه المقاطعة؟

    الجواب: نعم، أن المقاطعة هي من جهادهم الذي نستطيعه؛ فمعبودهم اقتصادهم، وما منا أحد إلا يستطيع أن يقاطع بضائعهم؛ فهذه البضائع ليست كلها من الضروريات، وكثير منها له بدائل تنتج في بلدان أخرى، فإذا قوطعت هذه البضائع فذلك على الأقل يسدد ضربة لاقتصادهم، وهذه الضربة لا تظن أنها ستكون يسيرة محصورة، بل هي أبلغ عندهم من الضرب العسكري، ومن هنا فإنه يجب على كل مسلم أن يقاطع بضائع الصهاينة المغتصبين لفلسطين، وبضائع الأمريكان المحتلين للعراق وأفغانستان وغيرها، ويكون ذلك جهاداً في سبيل الله؛ دفاعاً عن هذه الشعوب المضطهدة المظلومة، وهذه المقاطعة هي من الجهاد بالمال الواجب على كل أحد؛ لأن الإنسان إذا لم يستطع أن يدفع مالاً على الأقل لا يدفع المال للعدو، وشراء بضائعهم هو مساعدة لهم على ظلمهم واحتلالهم.

    استثمار الصهاينة لمشروب كوكا كولا

    السؤال: هل صحيح أن كوكاكولا استثمار لدولة الصهاينة؟

    الجواب: نعم، فالمشروب كوكاكولا هو في الأصل استثمار لدولة الصهاينة، وقام في الأصل على أن جزءاً من ريعه مخصص لإقامة دولة الصهاينة، أي: دولة إسرائيل الكبرى، ما بين النهرين، ما بين الفرات والنيل؛ فلذلك الذي يشتريه ويبيعه؛ فالمنافع أصولها هي الأربعة التي تعهد الله بها لـآدم في الجنة في قوله: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى[طه:118-119]، فهي المشارب والمآكل والملابس والمساكن، هذه أصول المنافع، والسجائر لا توفر شيئاً من ذلك، لا تؤكل ولا تشرب ولا تلبس ولا تسكن؛ فلا نفع فيها، بل ضررها متمحض؛ فقد ثبت علمياً أنها سبب رئيس من أسباب سرطان الرئة، وسبب كذلك لتسوس الأسنان ولكثير من الأمراض، وليس فيها أي نفع.

    رسالة الطالب الملتزم بالشرع في الوسط الطلابي

    السؤال: كيف يمكن أن يؤدي الطالب الملتزم رسالته في الوسط الطلابي؟ وما هي المجالات التي يمكن أن يركز عليها؟

    الجواب: أن الطلاب هم نبض المجتمع الحي، ليس عليهم ضرائب اجتماعية، ولا مسئوليات كبيرة؛ فهم الذين يعبرون عن روح الأمة، وهم الذين يدافعون عن مقدساتها وحرماتها، ولهم كثير من الوسائل في التعبير عن ذلك، وهذه الوسائل يحل لهم استغلالها ويسوغ لهم ذلك، بل هم مطالبون به، والطالب الملتزم ينبغي أن يكون إسوة حسنة وقدوة صالحة في أوساط الطلاب، وأن يجرهم إلى المسجد وإلى الالتزام وإلى القرآن، وأن يعلمهم مما علمه الله، وأن يسعى لمؤازرتهم ومساعدتهم على الالتزام والتفوق في الدراسة أيضاً؛ حتى في علوم الدنيا المتخصصة، يسعى لمساعدتهم في ذلك.

    أولويات العمل للإسلام في المرحلة الراهنة

    السؤال: ما هي أولويات العمل للإسلام في هذه المرحلة الراهنة؟

    الجواب: أن اتفاق كلمة المسلمين والوقوف في وجه الغزو الخارجي هو من أولى الأولويات في هذه المرحلة، وشعور المسلمين كذلك جميعاً بالتحدي وبأنهم مهددون من أولى أولويات الدعوة في هذه المرحلة؛ فينبغي أن تكون كل المحاضرات وكل الدعوة تنصب في هذا الاتجاه؛ بتوعية المسلمين بالخطر الداهم الذي يهدد دينهم من أصله.

    حكم خدمة الزوج من قبل الزوجة وضابطها

    السؤال: امرأة ضعيفة مريضة، وزوجها يطالبها في كل ثلاثين دقيقة بإعداد الشاي، وذلك يرهقها، وحتى أنه يوقظها دائماً لإعداد الشاي؛ فهل إعداد الشاي من حقوق الزوج اللازمة التي يجب أن توفرها له المرأة؟

    الجواب: لا، فخدمة المرأة لزوجها من باب المكارمة ولا تجب عليها، إنما هي من باب المكارمة؛ فمن بره والإحسان إليه أن تعد له ما يحتاج إليه من الأمور الجائزة، ومنها الشاي، لكن إذا كان مسرفاً فيه فالإسراف في المباحات ليس محموداً؛ فيجب عليها أن تنصحه وأن تسعى لإخراجه من هذا الإسراف، والله تعالى يقول في كتابه: إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ[الأنعام:141]، والعلامة محمد مولود ولد أحمد فال رحمه الله يقول:

    والسرف السرف إن السرفا عنه نهى الله تعالى وكفى

    ولا يحب المسرفين كافي في كف كفك عن الإسراف

    أخذ المرأة من مال زوجها خفية بقصد بناء بيتها

    السؤال: أنا امرأة متزوجة وعندي أبناء وليس عندنا بيت، فنحن نستأجر بيتاً وزوجي ميسور الحال؛ فكلما طلبت منه أن يبني بيتاً يكون ملكاً لنا يقول لي: بأن ( كل عمل ابن آدم يؤجر عليه إلا البنيان ) أو يقول لي: سوف تموتين اليوم أو غداً؛ فهل يجوز لي أن أدخر من ماله بغير علمه حتى أحصل على بيت أم لا؟

    الجواب: نعم، يجوز لها ذلك، وهذا الذي يتذرع به الزوج عذر غير صحيح؛ فالإنسان حتى لو كان مريضاً مرض الموت ينبغي أن يترك لأهله مسكناً يؤويهم فيه، وهذا من حقوقهم عليه إن استطاع، فينبغي أن يبني لهم بيتاً أو يشتريه لهم، وقد صح في صحيح البخاري في باب البنيان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( لقد رأيتني على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بنيت بيتاً يكنني من الحر والبرد، لم يعني فيه أحد من خلق الله تعالى ). والنبي صلى الله عليه وسلم كان يسكن في بيوت يملكها، وهي حجر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وكذلك الخلفاء الراشدون بنوا بيوتاً لأنفسهم؛ فبنى عمر رضي الله عنه داره التي في قبلة المسجد وبنى عثمان الزوراء، وبنى أبو بكر دار بنت خارجة بالعوالي، وبنى علي رضي الله عنه كذلك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315048

    عدد مرات الحفظ

    723550773