إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. أحمد حطيبة
  5. شرح رياض الصالحين
  6. شرح رياض الصالحين - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

شرح رياض الصالحين - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر المسلمين، ومن أسباب خيرية وتفضيل هذه الأمة على سائر الأمم، فبه تحفظ معالم الدين الحنيف، وتظل هيبة الإسلام قائمة في النفوس، وقائمة على الأرض.

    1.   

    ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه خير الدنيا والآخرة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    قال الله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104].

    وقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    وقال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، وقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71].

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ].

    هذا الباب من هذا الكتاب العظيم رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي رحمه الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص هذا الدين العظيم، فقد جاء في القرآن آيات كثيرة في أن ربنا سبحانه وتعالى أمرنا أن تكون منا أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا فيه خير الدنيا وفيه خير الآخرة، والذي ينظر إلى هذا الدين العظيم ويتأمل في قواعده الكلية وأصوله العظيمة، وفروعه ومسائله، يعرف أن هذا دين الله سبحانه وتعالى، وأنه الدين الذي فيه صلاح معاش الناس، وأن بغيره تضيع الدنيا الآخرة، فالدين فيه قوام حياة كل إنسان والإنسان يشعر بإنسانيته حين يتبع هذا الدين العظيم، ويشعر المؤمن بعزة يستمدها من هذا الدين، وعزة من الله عز وجل يعز به المؤمنين، ويستشعر كيف أن البعيد عن هذا الدين في ذل عظيم ما دام في بعده عن دين الله وعن طاعته، فربنا خلق العباد ليبتليهم أيهم أحسن عملاً، وليبتلي بعضهم ببعض، ويبتلي المؤمن بالكافر والمطيع بالعاصي، والبر بالفاجر، والمستقيم بالمنحرف.

    ولو كان الناس كلهم على الاستقامة، والأمر كله عبارة عن أكل وشرب ولعب ولهو وراحة لأصبحت آخرة لا دنيا، فربنا خلق الدنيا لتكون حياة قصيرة وسماها دنيا، والدنيا اسم مأخوذ من الدنو والدنو هو القرب، والبعيد هو الأجمل وهي الدار الحيوان، أي الحياة الدائمة المقيمة فالمؤمن من يبيع الدنيا ليشتري الآخرة، فالدنيا فيها بساتين، والإنسان ينظر ويتنعم ويأكل ويفرح ويشتهي أشياء وينالها، لكن كل هذا جعله ربنا لنا مثالاً صغيراً لتعرف أن وراء ذلك ما هو أعظم بكثير، فإن أكلت في الدنيا وجدت من الأكل شهوتك وأخذت منه حاجتك وبعد ذلك أخرجته فألقيته في القمامة وهذه نهاية أكل الدنيا.

    وأكل الآخرة بعكس أكل الدنيا تماماً، فلا بول ولا غائط في الجنة ولكن عرق كريح مسك، ولا تخمة ولا مرض فالدار الآخرة دار استمتاع تستمتع بها فحين يدلنا ربنا سبحانه وتعالى على ذلك يتفكر الإنسان في سبب وجودنا في هذه الدنيا، والسبب هو الامتحان والبلاء لكي نحصل على الجزاء يوم القيامة، وليتعب الإنسان في الدنيا ليرتاح في الآخرة.

    ومن تعب الإنسان أن يتعب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    حسن الخلق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    قوله: (الأمر بالمعروف) وكأن اللام هنا لام الجنس، وهو كل ما عرفته الشريعة لك بأنه أمر حسن، ولن تستطيع الأمر بالمعروف إلا إذا تعلمت القرآن والسنة عن طريق سؤال أهل العلم، يقول تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فإذا تعلمت القرآن تعلمت السنة، وتعلمت الخلق الحسن من الكتاب ومن السنة.

    فإذا أمرت بالمعروف لا يكون الأمر بالمعروف هو عين المنكر، وإذا نهيت عن منكر لا يكون نهيك عن المنكر منكراً، فتنهى بصورة منكرة وبفعلك تنفر الخلق عن دين الله، فهذا لا ينبغي.

    فالأمر بالمعروف لا بد أن يكون بحكمة وموعظة حسنة، وكذلك النهي عن المنكر، فتحصل على الخير العظيم في الدنيا وفي الآخرة، يقول عليه الصلاة والسلام: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه)، فيجب أن يكون الإنسان رفيقاً يحبه الناس، ولا ينبغي أن يكون غليظاً شديداً يبغضه الناس، والمحبوب من الناس يجد استجابة له منهم.

    قال ربنا سبحانه وتعالى هنا: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ [آل عمران:104] واللام لام الأمر، أي لتوجد منكم وكأن الأمر هنا بالإيجاد أي: أوجدوا ذلك، وكونوا على ذلك، وإعراب كلمة (أمة): فاعل مرفوع، وفعل الأمر في بداية الجملة تام وليس ناقصاً.

    وصفاتهم: يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]، يدعون إلى الخير، أي الخير الموجود في هذا الدين، والدين كله خير، والذي يتأثر بالدين يستشعر حلاوته في لسانه وفي قلبه، وتستشعر حلاوة الدين عندما تقرأ القرآن وكذلك تتذوق حلاوة كلام رب العالمين، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم في قلبك، وتستشعر زيادة الإيمان، وعليك أن تدعو وليست عليك النتيجة، فالنتيجة لم يكلف بها أحد لا نبي ولا رسول ولا ولي ولا آحاد الناس، والذي عليك فقط أن تدعو الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة.

    وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [آل عمران:104] أي: بكل ما أمر الله عز وجل به وأمر النبي صلى الله عليه وسلم به.

    (وينهون عن المنكر) اللام لام الجنس أي: جنس المنكر فأي منكر ولا بد وأن ينهى عنه ولكن بحسب طريقة النهي، فلا بد أن يكون الناهي حكيماً حليماً، يكون مخلصاً يرجو في أمره ونهيه أن يستجيب الناس وبهذا تحققت استجابة الناس، ولعل الإنسان إذا أمر استجاب الإنسان.

    وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] والفلاح هو النجاح، والنجاح قد يكون مؤقتاً، وقد يكون دائماً، والمقصود في الآية هو النجاح الأبدي الذي لا خسارة بعده.

    الأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين

    ويمدح الله المؤمنين بالخيرية في الآية السابقة، ولكن سبب الخيرية عائد على الله فهو أهل المنة والفضل، قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] بسبب أنكم تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    والله تبارك وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالتبع: خُذِ الْعَفْوَ [الأعراف:199] أي: ليكن من خلقك العفو عمن يسيء إليك.

    وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف:199] أي بالمعروف من هذه الشريعة.

    وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، فبدأها بالعفو وأنهاها بالعفو أيضًا، فدل ذلك على منزلة العفو العظيمة عند الله سبحانه، وكأنه يقول: إنه طالما أنت متوجه لدعوة الخلق لابد وأن تؤذى، وليس شرطاً أنه كلما أوذيت انتصر لك ربنا، ولكن اصبر وخذ بالعفو، فيعفى عنك يوم القيامة.

    وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] لا تنشغل بالجاهل، وليس المقصود بالجاهل هنا الذي ليس متعلماً، ولكن المقصود: جاهل الأخلاق وصاحب الأخلاق السيئة وقد ذكر الله هذا الصنف من الناس في آية أخرى قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ [الفرقان:63]، الجاهلون سيئو الخلق، والناس الذين في أنفسهم شر وسوء أدب، فإذا خاطبوا عباد الرحمن قالوا سلاماً، أي: قالوا قولاً كريماً، وأكرموا أنفسهم عن الوقوع في اللغو مع هؤلاء، وأكرموا أنفسهم أن يهينوها بالوقوع في المخاصمة مع هؤلاء.

    والإنسان قد يتعرض للمعاملة مع شياطين الإنس وشياطين الجن، فأما شياطين الجن فأنت مأمور بالتعوذ بالله عز وجل، وربنا يعلمنا سبحانه وتعالى أن نتعوذ بالله من همزات الشياطين، قال عز وجل: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون:97-98]، فتقول: أعوذ بالله السميع من الشيطان الرجيم إلى ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما شيطان الإنس فعليك أن تعرض عنه وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتحاول عدم الدخول معه في المصادمة، لعل الله في يوم من الأيام يهدي هذا الإنسان.

    يقول لنا ربنا تبارك وتعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] والتولي هو المناصرة وكأنه يقول: كن مع أخيك المؤمن في عسره ويسره، والنبي صلى الله عليه وسلم يوضح لنا: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، إن كان ظالماً فانصره على نفسه وخذ منه الحق لصاحب المظلمة، وإذا كان مظلوماً فأعنه أن يأخذ حقه، وكن مع أخيك المؤمن توله بالخير يتولك الله سبحانه وتعالى بالنصر والتأييد، ومن سياق الآية: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] يتبين أنه لا ولاية بين المؤمن والكفار، وبهذا تنتفي كل معاني مناصرة ومحبة المؤمن للكافر.

    ثم يبين الله سب موالاة المؤمنين لبعضهم وهو أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والمؤمن يحب من أخيه تقواه ويحب منه أنه يعلم الناس الخير، ويحب منه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

    لعن بني إسرائيل لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    قال الله تبارك وتعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [المائدة:78] وسبب لعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة:78]، فقد كانوا أشد الناس عصياناً لله تبارك وتعالى، وخروجاً عن أمره وتحايلاً على معصيته سبحانه، فلعنهم الله عز وجل على لسان داود وعيسى بن مريم.

    كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:79]، فاستحقوا اللعنة بسبب تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ [المائدة:79] أي: لا ينهى بعضهم بعضاً، فكان اليهودي ينظر إلى الآخر ويعمل المنكر فلا يأمره بالمعروف، فتساهلوا إتيان المنكرات.

    وقد أمرهم الله باتخاذ الجمعة لهم عيداً، فقالوا: نريد السبت؛ لأن الله انتهى من الخلق يوم الجمعة واستراح من عناء الخلق يوم السبت، فافتروا على الله الكذب بقولهم، وقالوا راحتنا تكون يوم السبت، فأمرهم بالامتناع عن العمل يوم السبت، وكانت الأسماك تكثر في البحر يوم السبت غير بقية الأيام، وهذا فيه تمحيص لصدق إيمانهم، فكانوا يتحايلون على الله بحيل سخيفة ومنها: أن الواحد منهم كان يضع شباك الصيد يوم الجمعة فتعلق الأسماك بها يوم السبت فلا يرفعون الشباك إلا في اليوم الآخر وهم يظنون أنهم بذلك قد أفلحوا في التحايل على الله، فكانت تفوح رائحة الأسماك من بيوت الذين كانوا يعملون هذه الحيل، فأمهلهم الله ولم يعاقبهم، فقام اليهود بعمل هذه الحيلة.

    فأنزل الله تبارك وتعالى أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:165]، ومنهم الذين اعتدوا في السبت فقد لعنهم الله ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة:78] فاعتدوا في يوم السبت أي: تعدوا حرمات الله سبحانه وبعد ذلك أكلوا هذه الأسماك وفرحوا مؤقتاً حتى أتاهم العذاب فكانوا عبرة لغيرهم.

    قال سبحانه: كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:79] أي: لا ينهى بعضهم بعضاً، فقال: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:79] إذا عمل الواحد منهم المعصية لا يجد واحداً ينهاه، فيسكت الساكت عن رضا بما يعمله الآخر من معصية فسمى الله عز وجل عدم نهيه عن المنكر فعلاً وقال: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:79].

    وقال الله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29] أي: قد جاء الحق من عند الله عز وجل فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29] فالله سبحانه وتعالى هو الغني، والخلق كلهم فقراء إلى الله عز وجل، وإذا عمل الإنسان عملاً صالحاً انتفع هو ولم يزد الله عز وجل شيئاً، وإذا عمل الإنسان عملاً غير صالح أضر نفسه وأهلكها، ولم يضر الله سبحانه وتعالى، فلا يضر العاصي إلا نفسه.

    قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ [الحجر:94] فأمره أن يبلغ للناس هذا الدين، والصدع هو رفع الصوت، والمقصود به: أن يجهر بالحق صلى الله عليه وسلم.

    قال تعالى: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ [الأعراف:165] أي: عذاب شديد، وهو من أشد وأفظع ما يكون، ويكفي أن أصبحوا وقد مسخ الذين كانوا يصطادون يوم السبت قردة وخنازير، وظلوا على هذه الحالة ثلاثة أيام ثم أهلكهم الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    شرح حديث: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده...)

    من الأحاديث التي جاءت في هذا الموضوع العظيم حديث لـأبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، ويكون هذا على حسب القدرة والاستطاعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر الذي أمامه.

    (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) وكأن المعنى المنكر الذي لا يتغير إلا بيد، لا يصح فيه إلا ذلك، كأن يخطف شخص امرأة ويريد أن يزني بها، ففي هذه الحالة لا بد من استعمال اليد، لأنها من الحالات التي لا بد أن يستعمل الإنسان فيها يده، فإنها لا تنفع النصيحة باللسان في مثل هذه الحالات، ولكن إذا لم تستطع أن تغيره بيدك كأن يكون مع الخاطف مثلاً سلاح، فأمر باللسان وحاول أن تنصحهم بلسانك، أما إذا أراد كل من يريد أن يتكلم فأقل حاله فيها أن يكره الإنسان هذا الشيء القبيح وهذا الفعل السيئ، وأن ينكر هذا الشيء بقلبه.

    جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه أن يزني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ادن! أترضاه لأمك؟! قال: لا، قال: وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم، أترضاه لأختك؟! قال: لا. جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم، أترضاه لابنتك؟! قال: لا. جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يرضونه لبناتهم، ثم دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فما كان شيء أبغض إليه من الزنا)، فلو ضربه في هذا الوقت لما أفاده، ولكنه خاطب عقله وقلبه ودعا له فرقّ قلب الإنسان، وإذا به يستشعر قبح ما كاد أن يقع فيه.

    فلذلك ليس شرطاً أن تغيره بيدك أول ما تراه، فالأمر في الحديث ليس هذا مقصوده، وإنما القصد أن تستخدم يدك في الضرورة، وقد يكون تغيير المنكر لا يحتاج حتى إلى كلام، فهناك أشخاص مجرد النظر إليهم وهم في معصية يجعلهم يتركونها حياءً، وقد يكتفي بالإشارة، فادفع بالأسهل إلا إذا اقتضى الأمر، فقد جاء رجل يسأل الرسول عليه الصلاة والسلام: (أرأيت إن جاء رجل يأخذ مالي؟ قال: لا تعطه قال: فإن أبى فقاتلني؟ قال: فقاتله، قال: فإن قتلني؟ قال: أنت في الجنة وأنت شهيد، قال: فإن قتلته؟ قال: هو في النار)، ففي البداية ابدأ بوعظ هذا الإنسان.

    والغرض أن الإنسان إذا أمر بالمعروف عليه أن يتقي الله سبحانه ويرجو أن ينقذ أخاه العاصي من النار، لعل الله سبحانه وتعالى ييسر بكلمة صالحة أن ينتهي هذا عن باطله ويرجع إلى رشده.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245771

    عدد مرات الحفظ

    723966593