إسلام ويب

تفسير سورة الجاثية [27 - 37]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من مشاهد يوم القيامة عرض الله الكتب على الأمم، وفيها ما عملت من خير أو شر، فأما المؤمنون الصالحون فيجازون بالحسنى ويكافئون بالرضا، وأما البعيدون اللاهون الذين انشغلوا بالدنيا وعاندوا وعارضوا أهل الإيمان، فيجازون بالعذاب الأليم على كفرهم وعنادهم وإنكارهم للساعة والبعث والنشور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة.... إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    فقد قال الله عز وجل في سورة الجاثية وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ * وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:27-32].

    في هذه الآيات من سورة الجاثية يذكر الله سبحانه تبارك وتعالى أمراً يعرفه كل خلق الله عز وجل، وهو أن الله سبحانه يملك السماوات والأرض، ويملك كل شيء سبحانه، فهو الخالق، والناس أقروا بذلك على أنفسهم، فأقروا بقلوبهم، وإن أنكر بعضهم بألسنتهم، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، فالله شهد على ما في قلوبهم، فالقلوب تعلم أن الخالق هو الله سبحانه تبارك وتعالى، وأن الرازق هو الله سبحانه، وأن الرب هو الله سبحانه، ومع معرفتهم بذلك فإنهم يتوجهون بالعبادة لغيره غروراً ونفوراً واستكباراً وبعداً عن الحق، فقال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ، وقال سبحانه: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك:1]، فالملك بيده سبحانه، فهو الذي أوجد كل شيء، وهو الخالق لكل شيء، وهو المالك والملك سبحانه تبارك وتعالى، فكم من إنسان يملك وليس بملك، وكم من ملك ليس بمالك إلا الشيء القليل، لكن الله عز وجل هو المالك لكل شيء، وهو الحاكم على كل شيء، وهو الملك سبحانه، ملك الملوك سبحانه تبارك وتعالى، ومالك كل شيء، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ، خلقاً وملكاً.قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ أي: يوم تقوم الساعة، يوم تحق الحاقة، يوم تأتي القارعة، يوم تأتي القيامة، والصاخة، والحاقة، يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ، في هذا اليوم يخسر كل مبطل، والمبطل هو المتكلم بالباطل، المريد للباطل، الذي كان يرفض الحق، فهذا هو المبطل، من أبطل الشيء بمعنى: نفاه ولغاه. فهو يخسر ويعلم يوم القيامة أنه لم يكسب شيئاً بكثرة جدله، وبكثرة كلامه، وبكثرة خوضه في الباطل، وبكفره وإعراضه عن الحق خسر كل شيء، فخسر نفسه، وخسر ماله، وخسر أهله، وخسر مكانه في الجنة واستقبل النار فكان من أهلها، يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وترى كل أمة جاثية...)

    قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:28]، أي: يوم القيامة يقفون بين يدي الله عز وجل، وتأتي عليهم ساعة يتضرعون، فيجثون على الركب، كهيئة الذليل، يقال: جثا على ركبتيه، بمعنى: برك كما يبرك الجمل، وكأن الذي منه على الأرض أطراف أصابع رجليه وأصابع يديه، وهو على الأرض على هذه الهيئة، فهو قاعد قعدة ليست مريحة، ولكن قعدة فيها الذل، وفيها الاستعداد للقيام، وفيها استعداد للنهوض، وكأنه جالس يتوسل، جالس يستغيث في هذا الوقت، يقول سلمان رضي الله عنه: إن في يوم القيامة لساعة هي بمقدار عشر سنين من الدنيا، يخر الناس فيها جثياً على ركبهم، حتى إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليقول في ذلك اليوم: لا أسألك اليوم إلا نفسي. ففي هذا الوقت يستغيث الخلق بالله عز وجل، في موقف رهيب وعظيم، والناس وقوف في وقت قدره خمسون ألف سنة، خمسون ألف سنة قدر يوم القيامة! الإنسان عندما يعد اليوم، ويعد الشهر، ويعد السنة، ويعد العمر، سيحس أن عمره طويل، وهذا العمر الطويل الذي عاشه لا يساوى شيئاً من يوم القيامة، خمسون ألف سنة والناس على أقدامهم في أرض المحشر، فتمر على الإنسان فيه صور كثيرة جداً، كيف أنه قصر في الدنيا والآن يحاسبه ربه سبحانه، والناس أمامه يعذبون في الموقف، فالمانع للزكاة الذي منع زكاة إبله، أو زكاة بقره، أو زكاة غنمه، تمر عليه وتطؤه بأقدامها وأظفارها، فيعذب بها، فيرى الإنسان هذه المشاهد أمامه، ويا ترى! ماذا عمل كل واحد منا؟! خمسون ألف سنة حتى إن البعض من الناس ليقولون لله عز وجل: يا رب! اصرفنا ولو إلى النار! يظنون أنهم إذا صرفوا إلى النار استراحوا.

    وفي هذا الموقف العظيم يؤتى بالنار لها سبعون ألف زمام، على كل زمام سبعون ألف ملك -نسأل الله العفو والعافية- والجميع يخافون ويرعبون مما يرون، ويستغيثون بالله سبحانه تبارك وتعالى.

    قال تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا ، فالآن هذا رسولكم الذي جاءكم، وهذا كتابكم، وهذه صحف أعمالكم ستلقى عليكم فخذوها فتتطاير الصحف، وكل يأخذ كتابه، فآخذ بيمينه فناج، وآخذ بشماله فهالك والعياذ بالله، وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ [الجاثية:28] أي: يوم القيامة: تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، فما فات من الدنيا فاليوم عليه الحساب، والجزاء على ما تصنعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق...)

    قال الله تعالى: هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:29]، كنت في الدنيا تدلس، كنت في الدنيا تكتم وتخفي، كنت في الدنيا تسعى لأخذ حقوق الناس، كنت وكنت...، فهذا كتابكم لا مبدل لما كتب عند الله سبحانه تبارك وتعالى، هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ .

    فصحيفة الأعمال تتلى أمامه، ولذلك ينطقون ويقولون: يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49]، فكل شيء يفعله الإنسان من صغائر الذنوب، أو من كبائر الذنوب يراها أمامه، ما كان يظن أن شريط التسجيل على هذه الهيئة، فالإنسان وهو في الدنيا لو سُجلت عليه كل أعماله التي يعملها، فإنه يستحي من ذلك، ولو قيل له: سنسجل عليك كل أعمالك في هذا اليوم، لخاف وخجل من أي فعل قبيح يقدم عليه، فكيف بيوم القيامة وقد سجلت عليه كل صغيرة وكل كبيرة! لذلك الإنسان المؤمن يعتصم بالله سبحانه، فلا ملجأ ولا منجأ من الله إلا إليه، والإنسان مهما يحاول وحده لا يقدر على شيء إلا أن يعينه الله، فيتضرع إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، ويتوسل إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، ويكثر من ذكر الله، ويكثر من الاستغفار، فإن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، قال تعالى: وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [المؤمنون:62].

    قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (نستنسخ) إذا كان الإنسان قد وصل في النسخ إلى درجة من الدقة يستطيع أن ينسخ كتاباً من كتاب آخر تماماً، وإذا كان وصل بالكمبيوتر والإسكانر والنسخ واللصق إلى أنه ينسخ الكتاب بمثله تماماً، فكيف بملائكة الله سبحانه تبارك وتعالى وهي تسجل على الإنسان كل صغيرة وكبيرة؟! وكيف بالله سبحانه إذا كتب عليك ما تعمله وما تصنعه، وما تريده، قال سبحانه، إِنَّا ، بنون العظمة، وتخيل عندما يعبر ربنا بذلك: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، فليس هناك شيء يفوت على الله سبحانه، ولا من صحف العباد يوم القيامة: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، فالملائكة تكتبه وتصعد به إلى ربها سبحانه، ويقولون: فعلوا كذا، وفعلوا كذا، والله أعلم بذلك من ملائكته ومن خلقه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات...)

    وعند ذلك ينقسم الناس إلى فريقين: أهل السعادة نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم، وأهل الشقاء ونستعيذ بالله أن نكون منهم، قال الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [الجاثية:30]، أي: آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة، والإيمان هو التصديق واليقين، فيستيقن الإنسان بربه أنه الرب، وأنه الإله، فعمل الصالحات وتوجه له بالعبادة.

    فالأجر والثواب لا يأتي ولا يجيء إلا على إيمان مع عمل صالح قال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ، رحمة الله عز وجل عظيمة واسعة، فيدخل فيها من يشاء، فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ [الأعراف:156-157]، صلوات الله وسلامه عليه.

    فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ، وكم عبر ربنا سبحانه في كتابه عن هذا الفوز العظيم في يوم القيامة، بقوله: ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة:119]، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:72]، وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [الأنعام:16].

    فهذا الفوز هو أعظم الفوز، وهو أعظم الفلاح، وهو النجاح الحقيقي، وهو الفوز البين، وهو الفوز الواضح الجلي، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الذي لا خسران بعده.

    وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فيقال لهم: أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ أي: أما قرئت عليكم آيات الله، أما كنتم تسمعون كتاب الله وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ فاستكبرتم عن الحق، وابتعدتم عن الحق، وجادلتم بالباطل.

    وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ فالإنسان المجرم هو: الذي يكتسب السيئات، ويكتسب المعاصي والكفر، فقيل لهم ذلك يوم القيامة، فهذا الجرم، وهذا اكتساب الذنب بالكفر، فيقولون: فلان جريمة أهله، يعني: كاسب أهله، فكأن معنى أجرم: كسب، أي: كسب كفراً وسيئات ومعاصي، فهؤلاء مجرمون أي: الذين اكتسبوا الكفر والسيئات والمعاصي: وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل إن وعد الله حق...)

    قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:32].

    فهؤلاء المجرمون إذا ذكروا بالله سبحانه، وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي: إذا قال لكم رسولكم، وهذا على البناء للمجهول، وفيها قراءتان: وَإِذَا قِيلَ الأولى: البناء للمجهول، وهي قراءة الجمهور وَإِذَا قِيلَ ، الثانية: (قُيل) يعني: للدلالة على أنه مبني للمجهول، فكأنه أتى بإشمام الضمة في أولها لبيان أن الفعل مبني للمجهول، وقرأ بهذه هشام والكسائي ورويس عن يعقوب.

    وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا أي: إذا قال لكم المؤمنون، إذا قال لكم الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي: ما وعدكم، وما ذكر لكم إن أنتم آمنتم دخلتم الجنة، وإن كفرتم دخلتم النار.

    وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا هذه فيها قراءتان: وَالسَّاعَةُ بالضم، وهي قراءة الجمهور، وكأنه معطوف على ما قبلها: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ، إذا قيل: الساعة لا ريب فيها، فيكون عطف جملة على جملة، أو عطف على الحق الذي قبله، والقراءة الثانية: وَالسَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا ، كأنه عطف على اسم إن السابقة، وهذه قراءة حمزة.

    وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ وهذا الاستفهام منهم هو للإنكار، والبعد والنفور عما يدعوهم إليه الرسول عليه الصلاة والسلام.

    مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ أي: لا نعرفها، فرد الكافر رد فاحش: قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ أي: إن نتوهم وقوعها إلا توهماً مرجوحاً، فنحن لا نعتقد فيما تقول، وإنما نتشكك في الكلام الذي تقوله: وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ أي: بمتحققين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وبدا لهم سيئات ما عملوا ...)

    قال الله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا [الجاثية:33]، فهذه سيئات أعمالكم، وهذا كفركم، وهذه قبائح أعمالكم بدت الآن في صحفكم حتى تجزوا عليها: وَحَاقَ بِهِمْ [الجاثية:33] أي: نزل نزول إحاطة وإهلاك، أي: أحاط بهم العذاب والنكال بما كانوا به يستهزئون، فهم قد استهزئوا بعذاب الله، فقد كانوا إذا قيل لهم: (شجرة الزقوم طعام الأثيم)، قالوا: الزقوم: التمر والزبد، فتعالوا نأكل ونتزقم!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ...)

    قال تعالى: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [الجاثية:34]، فالناسي معذور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، لكن هؤلاء تعاملوا مع كتاب الله معاملة الناسي، فهم قد عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الحق، لكن تغافلوا وتعاملوا معاملة كأنهم لا يعرفون، وجحدوا يوم الدين، وجحدوا يوم القيامة، فمشاكلة لما صنعتم تعاملون هذه المعاملة، أي: معاملة المنسيين، ولا ينسى ربك أحداً، ولكن يرميهم في نار جهنم مهملين كالمنسيين، فالله عز وجل لا يرد عليهم، ولا يكلمهم، وإنما يرميهم في نار جهنم ويعاملهم معاملة المنسي، والجزاء من جنس العمل، ففي الدنيا تناسيتم والآن نترككم منسيين في نار جهنم.

    وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ أي: منزلكم، ومثواكم، والمكان الذي تأوون إليه النار.

    وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ، أي: لا أحد يدفع عنكم عذاب الله، ولا أحد ينصركم في هذا اليوم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنكم اتخذتم آيات الله هزواً ...)

    قال تعالى: ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الجاثية:35] أي: إنما جازيتكم هذا الجزاء الصعب الشديد لأنكم اتخذتم آيات الله هزواً، واستهزأتم بكتاب الله، واستهزأتم برسول الله، فقد تكلمتم عنه بالكلام الفاحش البذيء، ورسمتم الصور عنه كذباً وزرواً، ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الجاثية:35].

    و(هزواً) فيها قراءتان: الأولى قراءة حفص عن عاصم . الثانية: القراءة بالهمزة ويقرأ بها بقية القراء (هزؤا) ما عدا حمزة فيسكن الهمزة (هزءاً) إذا وقف عليها.

    قوله: وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا أي: غركم الباطل الذين كنتم تتعالون به في الدنيا، غركم ما كنتم تقولون من حرية التعبير، فالحرية عند هؤلاء الكفرة المجرمين أن يقولوا: حكم الشعب بالشعب، وليس حكم الله للخلق، فالله يحكم لا معقب لحكمه، فلما نسوا الله أنساهم أنفسهم.

    وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ، فأخذوا ملاذها، وفتحت لهم أبوابها، حتى إذا جاءت كانت هذه نتيجتهم، وكانت هذه عقوبتهم، وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا .

    فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا أي: لا يخرجون من النار، فلا يخرجهم أحد، ومن ذا الذي يقدر أن يخرج من أدخله الله عز وجل النار؟!

    وهذه قراءة الجمهور: لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا ، وقرأها حمزة والكسائي وخلف، (فاليوم لا يَخْرُجون منها) لا يستطيعون أن يخرجوا، ولا يقدر أحد أن يخرجهم منها: (ولا هم يستعتبون)

    (يستعتب) أصله من العتب، يقال: عتبت على فلان. أي: غضبت على فلان، وصار في النفس شيء من هذا الإنسان، فلما أعتبه، أي: أطلب منه فأقول: أزل هذا العتب. فهم في ذلك اليوم العظيم لا يطلب منهم إزالة العتب، ولا يطلب منهم إرضاء ربهم، بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب، لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ، لا يطلب منهم أن يرضوا ربهم سبحانه في هذا اليوم.

    ثم قال: (فلله الحمد)، الله مالك السماوات والأرض، خلق السماوات والأرض بالحق سبحانه، يحكم بين العباد بالحق، ينصف المظلوم من ظالمه، وينصر المستضعف من القوي الذي ظلمه، فلله الحمد أن قضى بين العباد، وأن فصل بين خصوماتهم، وأن أدخل المؤمنين الجنة، وأن انتصر من الكفار الذين استهزءوا بكتاب الله وبرسل الله عليهم الصلاة والسلام، فأدخلهم النار فلله الحمد على ذلك كله، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الجاثية:36].

    رب كل شيء سبحانه، فهو الخالق لكل شيء سبحانه، رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ ، وما في ذلك كله، فهو رب كل عالم، رَبِّ الْعَالَمِينَ و(العالمين) جمع عالم، فالله رب كل شيء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وله الكبرياء في السماوات والأرض...)

    قال الله تعالى: وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية:37] له الكبرياء سبحانه، يذكر الكبرياء والعز، يقول: العز إزاري، والكبرياء رداءي، فمن نازعني فيهما أدخلته النار، فالله وحده الذي له الكبرياء، والله وحده الذي له العزة، والله يحكم فلا أحد يقدر أن يرفض ما يحكم به الله عز وجل، وإن أظهروا بألسنتهم، فإذا حكم وقدر الله عز وجل فلا بد أن يكون ويمضي على ما أراده الله عز وجل، فلا يقدر إنسان أن يقول: أنا لا أريد المرض! فَالله يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]، وليس المراد هنا أمره بالشيء كُنْ فَيَكُونُ [البقرة:117]، وإنما جعل الله أموراً شرعية العمل بها عباده، فأمر بالصلاة شرعاً لا أمراً، ولو كان الأمر كذلك لكان كل الخلق مسلمين مصلين، لكن جعل لهم اختياراً ومشيئة، فمن شاء أن يسلم فليسلم، ومن شاء ألا يسلم فلا يسلم، ومن شاء أن يؤدي الفرائض فليفعل، ومن شاء ألا يؤديها فلا يفعل، فإذا جاء أمر الأقدار في الاختيار، جاء القدر من الله عز وجل الذي يكون ويمضي على خلقه، فهو العزيز الغالب الذي لا يمانع إذا قضى وقدر سبحانه تبارك وتعالى.

    وهو الحكيم الذي يحلم عن عباده لحكمة منه، ويعاجل بالعقوبة لحكمة منه، ويصبر عن عباده ويؤخر العقوبة لحكمه منه، ينزل الكتاب لحكمة منه، يختار من خلقه من يشاء بحكمه منه، فله الحكمة العظيمة البالغة.

    وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ .

    أي: له العظمة، وله الجلالة، وله البقاء، وله السلطان الدائم، وله الحكم سبحانه تبارك وتعالى، وله القدرة والكمال، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية:37]، نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن ينجينا من ناره، وأن يجعلنا من أهل جنته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3038269177

    عدد مرات الحفظ

    728599770