إسلام ويب

رسالة إلى الأبللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ عن نعمة الأولاد منبهاً على أن البنات نعمة كالبنين، وكما أن لكل نعمة شكراً يقدمه العبد إلى ربه، فلنعمة الأولاد شكر وهو القيام بحق الله فيهم وحسن تربيتهم على الدين والأخلاق، وقبل ذلك اختيار أمهم والالتزام بشرع الله في الزواج بها، وحسن اختيار الاسم عند الولادة، وتظل التربية إلى آخر العمر فلا حدود لها، ومن أهم وسائلها زرع الحنان والبيئة الصالحة والعدل بين الأولاد والقدوة الحسنة.

    1.   

    نعمة الأولاد

    الحمد الله الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، تفرد بالوحدانية, وجعل من صفات خَلْقِه الزوجية، فقال عز وجل: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49].

    اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء, وأنت الآخر فليس بعدك شيء, وأنت الظاهر فليس فوقك شيء, وأنت الباطن فليس دونك شيء, اقض عنا الدين وأغننا من الفقر.

    لقد امتن الله تعالى على عباده بنعم عظيمة وآلاء جسيمة, وكان من أعظم هذه النعم نعمة الأولاد, فقال عز وجل: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ [المدثر:11-15] فوجود هؤلاء البنين والأولاد بحضرة أبيهم, يغدون معه ويروحون, زينة في المجالس, وبهجة في الحياة الدنيا, وعون على لأواء الحياة, هو من أعظم نعم الله تبارك وتعالى، قال عز وجل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [النحل:72].

    فوجود الأولاد وجعلهم وخلقهم هو من نعمه تعالى التي يمتن بها على عباده, ولو أن الإنسان منا تصور نفسه يواجه الحياة وحيداً فريداً بلا ولد ولا عون ولا مساعدة, لشَعَر بأن الحياة مظلمة جداً, ويعرف ذلك ويدركه حق المعرفة أولئك الذين امتحنهم الله تعالى بالعقم, فلا يولد لهم, فيدخل الواحد منهم بيته، وهو يشعر كأنه يدخل قبراً، ليس فيه صياح الأطفال ولا صراخهم ولا تضاغيهم, بل ولا تخريبهم الذي يتمناه ويتصوره ويتخيله، ولكن هيهات..!

    فالله عز وجل خلق الناس واختار لهم، قال تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49-50].

    أيها الإخوة.. هذه النعم العظيمة ما زال الإنسان يفرح بها ويُسَر منذ الأزل, بل ما زال الإنسان يجد في هؤلاء: الروائحَ الزكيةَ, والأنفاسَ الطيبةَ, والفرحةَ التي يفرح بالدنيا من أجلها.. يقول أحدهم:

    لولا بنيات كزغب القطا      رُدِّدن من بعض إلى بعض

    لكان لي مضطرب واسع      في الأرض ذات الطول والعرض

    وإنما أولادنا بيننا      أكبادنا تمشي على الأرض

    لو هبت الريح على بعضهم     لامتنعت عيني عن الغمض

    فهؤلاء الأولاد هم كالأكباد التي تمشي على الأرض, ولو أنك تصورت -أيضا- أنك رزقت ولداً مشوهاً أو ناقصاً أو مريضاً أو معتوهاً, لأدركت حق نعمة الله تبارك وتعالى عليك بسلامة الأولاد وعافيتهم, وعرفت أن هذه النعمة تستحق منك شكراً كثيراً متواصلاً.

    البنات نعمة

    كان ثمة رجل لا يولد له إلا البنات, وكثيرًا ما كان الناس يتضايقون من هذا, ويتبرمون منه، وينسون أن البركة ربما تأتي مع البنت, والعون الرباني ربما يصاحبها, وأن الله تعالى قد يرزقك بسببها, قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: {أبغوني ضعفاءكم! هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟!} والمرأة والبنت من الضعفاء, فالمؤمن الحق يفرح بميلادها, ويهلل ويكبر, ولو لم يكن من ذلك إلا مخالفة عادات الجاهلية الأولى وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ [النحل:58-59] فلو لم يكن من الفرح بالبنت إلا مخالفة عادات الجاهلية الأولى وإعلان الرضا بما كتبه الله تعالى وقَدّره وقضاه, لكان ذلك خيراً.

    ويكفيك أن تعلم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل بنته فاطمة رضي الله عنها, وكيف فرح بها، وكيف فرح ببناته الأخر, وكيف كان عليه الصلاة والسلام يظهر لهن من الود والحب والعطف ما لا يخطر على بال.

    قصة طريفة

    كان ثمة رجل لا يولد له إلا البنات، فضاق بذلك ذرعاً، وهدد زوجته إن أنجبت هذه المرة أنثى أنه سيطلقها أو يتزوج غيرها

    ما لـأبي حمزة لا يأتينا      يقيم في البيت الذي يلينا

    غضبان ألا نلد البنينا     تالله ما ذلك في أيدينا

    وما منحناه فقد أعطينا

    وذهبت زوجته إلى المستشفى وهي في كرب شديد, ولاحظ الأطباء على وجهها علامات الإعياء والإرهاق, وعلى قسماتها آثار حزن عميق طويل, فسألوها: ما الخطب؟

    فتمنعت, ثم ألحوا عليها فأخبرتهم, فقال أحد الأطباء: أنا له، وانتظر الزوج طويلاً حتى قدم, فقال له: أبشر! فقد رزقت بولد, فتهلل وجه الزوج وفرح وأشرق, ثم قال: ولكنه مصاب بعَتَهٍ وتخلف عقلي بسبب نقص في الدماغ, ومصاب بالتشوه الجسماني, ففي يديه كذا, وفي وجهه كذا, وفي بطنه كذا, وفي ظهره كذا, وفي عينه كذا, وفي أذنه كذا, ثم طفق يصبّره ويرضّيه بقضاء الله تعالى وقدره, فانهلّت من عين الأب دمعتان، وقال: ما هذا إلا بسبب عدم رضائي بقضاء الله تعالى وقدره, حينما سخطت البنات, والله لو لم يكن نسلي إلا بنات فلن يرى الله تعالى مني بإذنه إلا الرضا والفرح والسرور! فقال له الطبيب: إذاً هوّن عليك, فإنما رزقك الله تعالى ببنت كاملة سوية، ليس فيها ما ينقص أو يعاب, فاستغفر الله تعالى وعرف عظيم نعمة الله تعالى عليه, حين يرزقه ولداً سوياً سليماً معافىً من الآفات والأمراض والنقائص العقلية أو الجسمية.

    وإنما تعرف النعمة بفقدها.

    والضد يظهر حسنه الضد      وبضدها تتميز الأشياء

    1.   

    شكر الله على نعمة الأولاد

    فيا أخي الأب! حتى ولو كنت أباً لطفل واحد، بل حتى لو كنت أبا لحملٍ يتحرك في أحشاء زوجتك, هل تدري أية نعمة أنت فيها؟!

    وهل تدري أي شكر أنت مطالب به؟!

    إياك أن تكون ممن يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها! إن واجبك هو الشكر، والشكر ليس كلمة تقال باللسان, بل هو عمل، قال الباري جل وعلا: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً [سبأ:13] إذاً الشكر عمل، والشكر تطبيق، والشكر امتثال، والشكر تنفيذ أوامر المنعم فيما أنعم به عليك, فشكر المال -مثلاً- أن تكسبه من حله، وتنفقه في حله، وتؤدي حق الله تعالى فيه، وشكر الولد هو كذلك بأشياء عملية.

    ضرورة القيام بحقوق الأولاد كاملة

    فمن شكر الولد القيام بحقه في شريعة الله تعالى, والكثيرون منا يعلمون أن من حق الولد أن تطعمه إذا طعمت, وتكسوه إذا اكتسوت, وتسقيه وتؤويه من أذى الحر والقر، وهذا صحيح, ولكن أولاً: حتى هذا الطعام الذي تقدمه له, وهذا اللباس الذي تمنحه له, وهذا البيت الذي تؤويه فيه, يجب أن تتذكر أنك مسئول بين يدي الله عز وجل يوم القيامة: من أين أطعمته؟

    ومن أين ألبسته؟

    وفيم أسكنته؟

    وإنه لغبن شديد, وخسار عليك أي خسار: أن تتعب في جمع المال في هذه الدنيا, ثم تضعه في فم ولدك, أو تضعه ثوباً على جسده, أو تبني به بيتاً يؤويه, ثم يكون ذلك عاراً عليك في الدنيا، وناراً عليك في دار القرار, لأنك كسبت هذا المال من حرام, فكسبت المال من الربا, ومن المساهمة في البنوك الربوية -مثلاً- أو المساهمة في الشركات الربوية, أو الشركات التي تودع أموالها في البنوك بفوائد، وتعطي هذه الفوائد للمساهمين, أو من بيع حرام, أو من بيعٍ صَاحَبَه حَلِفٌ بغير الله أو كَذِبٌ أو غِشٌّ أو خديعةٌ, أو أخذت أرض غيرك بغير حق, أو ما أشبه ذلك من المكاسب المحرمة التي يعلم صاحبها قبل غيره أنها حرام.

    فإن من حكمة الله تعالى أنه جعل في قلب الإنسان فرقاناً يبين له الحرام في هذا الأمر, فالبر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك، فهذا المال الذي شككت في أمره, وقلت: ربما كان حراماً، أو شعرت بأنك كسبته من غير حله, ينبغي أن تقيه ولدك كما تقيه نفسك, وأن تتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أيما جسد نبت على سحت فالنار أولى به}.

    وقد كان لـأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه في الجاهلية غلام, فأعتقه وكاتبه على أن يأتيه كل وقت بقسط من أقساط الكتابة, فكلما جاءه بقسط قال له أبو بكر رضي الله عنه: من أين كسبته؟

    فيقول: اليوم بعت كذا, أو اشتريت كذا, أو عملت كذا, فيأخذ أبو بكر رضي الله عنه هذا المال ويأكله, ولكنه مرة من المرات أتى له بشيء فأخذه وأكله, فلما أكله قال هذا العبد لـأبي بكر: لم تسألني اليوم كما كنت تسألني من قبل! قال: الآن أسألك من أين لك هذا؟ قال: إني كنت في الجاهلية في مجلس، فأتاني قوم من العرب, وسألوني عن شيء مما لا يعلمه البشر, فتكهنت لهم وادعيت أني أعلم, وأنا لا أعلم ولا أحسن الكهانة, ولكنها أصابت عن طريق الصدفة، فرأيتهم اليوم، فأعطوني جعلي على ذلك العمل, فهذا هو الذي أكلته، فجعل أبو بكر رضي الله عنه أصبعه في حلقه يخرج الطعام من جوفه فلما شق عليه ذلك, وقال له في ذلك بعض من حوله، قال: {والله لو لم تخرج آخر لقمة منه إلا مع آخر نفس مني ما تركته في جوفي قط! وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أيما جسد نبت على سحت فالنار أولى به}.

    إنه لغبن أي غبن، وفشل عظيم، وحرمان كبير, وخذلان ليس بعده خذلان, أن تتعب أنت وتسهر ليلك وتبذل جهدك وعقلك وتفكيرك وأعضاءك، وتستخدم كل إمكانياتك وصلاتك ومعرفتك من أجل الحصول على هذا المال, ولكنه مال حرام, فتطعمه زوجتك وأولادك، فيكون لهم طيبه, وعليك أنت إثمه وجرمه, هذا فضلاً عن أن أجسادهم تلك التي نبتت من حرام لا يبارك فيها, فلا أظنك تجد برهم, ولا تفرح ببركتهم, ولا تجد شيئاً من نفعهم في هذه الدنيا، وأنت قد أطعمتهم من ذلك المال الحرام.

    إذاً: فأول الحقوق هو ما يمكن أن نعبر عنه بالحقوق المادية من مطعم وملبس ومشرب ومسكن وغير ذلك, ولكن ينبغي أن تعلم أن هذه الحقوق لا يمكن أن تأتي بها إلا من طريق حلال يرضي الله عز وجل, هذا إذا كنت ممن يرجو النجاة في الدار الآخرة, ويرجو عاجل بر أولاده ونفعهم في هذه الحياة الدنيا.

    التربية الدينية

    أما الحق الآخر فهو حق التربية الدينية والقيام عليهم في أمر دينهم, وهذا القيام الذي يجهله الكثيرون منا, فيهملون أمر الأولاد ولا يتابع الأب أبناءه, بل هو مشغول عنهم, فهو إما مشغول بصفق التجارة, أو مشغول بالوظيفة, أو بالمزرعة, أو بزوجة أخرى, أو مشغول بأي أمر آخر, ثم إذا كبر الولد، وصار في سن الخامسة عشرة، رأى الأب من ولده إعراضاً وإهمالاً، وسوءاً في الألفاظ والعبارات, وقسوةً على والده، وعدم انصياع لأوامره, بدأ الأب يتأفف ويقلب رأسه يمنةً ويسرةً، ويقول الله المستعان على أبناء هذا الزمان!

    نعيب زماننا والعيب فينا      وما لزماننا عيب سوانا

    وقد نهجو الزمان بغير جرم      ولو نطق الزمان بنا هجانا

    وليس الذئب يأكل لحم ذئب     ويأكل بعضنا بعضاً عيانا

    فهل وجدت مزارعاً يترك مزرعته دون سقي أو متابعة, ثم ينتظر أن تثمر؟!

    كلا! فقد تموت وهو لا يدري بها, إن أولادك هم بذرة، ولكنها أعظم من بذرة الدنيا, وأعظم من الزرع, وأعظم من المال, وأعظم من كل أمور الحياة الدنيا.

    اختيار الزوجة الصالحة

    لا بد أن تتعاهد أولادك منذ البداية, فتتعاهدهم أولاً باختيار الزوجة؛ فإن الأم هي المحضن الذي يتربى فيه الأطفال.

    وكثير من الشباب المقبلين على الزواج قد يسأل عن جمال الفتاة, وقد يسأل عن نسبها, وقد يسأل عن دراستها أو وظيفتها, وقد يدقق، فيسأل عن طول الشعر, وطول الجسم واعتدال القوام وتفاصيل الوجه وكل شيء.. ولا نلومه، لكننا نقول له: لماذا لم تضع خانة للسؤال أيضاً عن أخلاقها وعن دينها وعن طيب معدنها ومعشرها..؟

    حتى تطمئن إلى أن أولادك سوف يتربون بإذن الله تعالى في تربة صالحة وبيئة صالحة.

    إننا نعلم أن الكثيرين ماتوا والطفل الأول في بطن أمه, وأنت تعلم ذلك أيضاً، فهب أنك كنت ذلك الإنسان!

    إن الطفل يحتاج إلى أمه كثيراً خاصة في السنين الأولى من تربيته, ربما إلى تسع أو عشر سنوات وهو يحتاج إلى تربية أمه ورعايتها, فإذا كانت الأم فاسدة أو منحرفة, أو كانت جاهلة لا تعرف, أو كانت قاسية سيئة الخلق لا تعرف إلا السب والشتم والدعاء والإغلاظ ورفع الصوت على الأطفال, فكيف تظن أن يتربى أولادك في مثل هذا الجو العاصف غير المستقر؟!

    فلا بد أن تبدأ تربية الطفل باختيار الزوجة، ولا نلومك في حسن الاختيار في الأمور الجسمية, ولكننا نطالبك -أيضاً- أن تبحث عن ذات الدين والخلق.. تَرِبَت يداك!

    تجنب منكرات الأعراس

    ومن بداية التربية اختيار الأسلوب المناسب للزواج, فهذا الذي عقد على زوجته، ثم دخل عليها في وسط ملأ حاشد من الناس على المنصة -كما يقولون- والرجال والنساء يرونهم!

    بل حدثني ثقات رأوا بأعينهم في بلادنا هذه أن الشاب يدخل على زوجته بحضرة أقاربها وأقاربه، ثم يصافحها بيده, ثم يقبلها على خدها الأيمن وأخرى على خدها الأيسر! أين الحياء؟!

    وأين المروءة؟!

    هي زوجتك أحلها الله تعالى لك، وهي حليلتك: فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:6] لكن.. أمام الناس هكذا؟!

    إنه مجرد التقليد الأعمى لعادات غربية, ما أنـزل الله بها من سلطان, وأصبحت طقوس الكنيسة ورموزها في الزواج تنقل إلينا حرفاً بحرف, فهذا الثوب الطويل الذي تلبسه العروس ويسحب وراءها مترين، وهو ثوب أبيض -ما يسمى بالتشريعة- ثم هذه الزهور التي تحمل ما بين يديها ومن خلفها, ثم دخول الزوج عليها, ثم مصافحته لها أو تقبيله, وكل هذه الأشياء إنما هي من العادات الغربية التي وفدت إلى مجتمعات الإسلام.

    فبالله عليكم أليس عندنا عادات؟!

    أوليس عندنا تقاليد تكفينا؟!

    أم هي فاشلة فاسدة منحرفة؟!

    أستغفر الله وأتوب إليه! بل عندنا خير الهدي: هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وعندنا خير منهاج وخير سنة، ومن يرغب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه إلا من سفه نفسه، والإنسان يحشر يوم القيامة مع من أحب: {من تشبه بقوم فهو منهم} كما قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.

    فلماذا تتحول أعراسنا إلى مظاهرة لتطبيق العادات الغربية والتقاليد الأجنبية، ومخالفة رسوم الشريعة ومقتضيات الحياء والمروءة والإنسانية؟!

    وأعظم من ذلك كله أن هذا كله يصور بكاميرات الفيديو، ثم تنتقل الكاميرا لتصور النساء المدعوات من الفتيات والنساء المزوجات, وهن بأبهى زينة, وفي أحسن الثياب, وأجمل الملابس متبرجات، ثم يرقصن في موسم العرس والفرح, والكاميرا تدور عليهن، وبعد ذلك هذا الشريط يتناقله الشباب سراً اليوم, ويتناقلونه علانية غداً وبعد غد, وهذه زوجة فلان, وهذه زوجة فلان, وهذه بنت فلان, فأي شيء هذا؟!

    إذا لم يكن من دينك ما يردعك، فليكن من حيائك ما يمنعك, وإذا لم يكن دين ولا حياء فالمصلحة, فمن الذي يرضى لزوجته أو بنته إن كانت جميلة أن يتغزل بها الشباب ويعشقونها ويطيلون النظر إليها عبر الشريط، وإن كانت دميمة أن يسخروا منها ويتكلموا عنها في المجالس؟!

    كيف ترضى بأن تبوح وتكشف ما أمر الله تعالى بستره؟!

    حسن اختيار الاسم

    ثم من حسن التربية أن تختار الاسم المناسب للولد, فلا تعطه أي اسم، كأن تسميه باسم المكان الذي ولد فيه مثلاً, أو تسميه باسم المناسبة, أو تسميه على أبيك وجدك، وقد يكون اسم جدك غير مناسب, لأن الاسم مرتبط بالزمان، وكل زمان له أسماء قد لا تكون مناسبة في غيره.

    أو البنت كذلك، تسميها بأي اسم قد يعيبها إذا كبرت, ويظل عاراً يلاحقها, وأنا أعرف من البنات والأبناء من كان اسمه سبباً في أمراض نفسية وعقد لحقت به؛ لأن الاسم كلما ذكر تلفت إليه الناس, منهم من يبتسم، ومنهم من يضحك، ومنهم من يداري فمه, ولكن في قلبه نقد وعتاب.

    1.   

    التربية بلا حدود

    فهاهنا تبدأ التربية: تبدأ باختيار الزوجة, وتبدأ بذكر الله تعالى على كل حال, حتى عند مضاجعة الزوجة, وتبدأ بالعناية بمراسم الزواج, وتبدأ باختيار الاسم المناسب للولد, ثم لا تنتهي بعد ذلك إلا بالموت، فليس ثمة حد محدود ينتهي عنده أمر التربية.

    قصة وزير

    وهناك وزير عمره تجاوز الستين في أحد البلاد العربية, يقول هذا الوزير في مقابلة له: عندي والد كبير السن لا أخرج من البيت أبداً إلا ويوقفني عند الباب, ويقول: يا ولدي إلى أين أنت ذاهب؟

    فأقول له: ذاهب إلى زيارة بعض الأصدقاء والأقارب, فيزودني بالدعاء، ويقول: ساعدك الله وأعانك الله وردك إلينا سالماً! تفضلْ، فإذا دخلت أوقفني, وقال: من أين جئت يا ولدي؟

    فأقول له: جئت من كذا وكذا, فقال: حياك الله وبياك! تفضل, نم. يقول: أنا في الستين من عمري، وطيلة هذه السنين الطوال ووالدي يتعاهدني.

    فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم

    وهذه فاطمة رضي الله عنها سيدة نساء العالمين وبنت محمد صلى الله عليه وسلم، ويكفيها ذلك شرفاً وفخراً، وهي زوج علي بن أبي طالب، خرجت يوماً من الأيام من بيت والدها, فرآها النبي صلى الله عليه وسلم، فما قال: هذه بنت موثوقة ومأمونة, ولا قال: هذه بنت كبيرة وعاقلة ولا تحتاج نصيحة, فالعاقل خصيم نفسه, لا! ولكن أوقفها، وقال: {يا فاطمة! من أين أقبلت؟

    قالت: يا رسول الله، أتيت من عند أهل هذا الميت, فعزيتهم بميتهم، قال: لعلك بلغت معهم الكدى -وهو مكان قرب المقابر- قالت: لا يا رسول الله! معاذ الله أن أبلغ معهم الكدى وقد سمعتك تقول فيه ما تقول -تعني في منع النساء من زيارة المقابر- فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك}.

    والشاهد في الحديث أن التربية لا تقف عند حد معين, بل تستمر حتى الموت.. إما أن تموت أنت أيها الأب، فتلقى الله تعالى غير مغير ولا مبدل, بل قائماً بالحقوق والواجبات, وإما أن يموت الولد فتنام قرير العين، وتقول: الحمد لله أنني لا أذكر شيئاً قصرت فيه, ولا أمراً لم أفعله أقول: يا ليتني فعلت كذا! ولا أمراً فعلته أقول: يا ليتني لم أفعله! فتنام أيضاً وأنت قرير العين.

    إنه لا بد من العناية بتربية أولادنا, وبذل الجهد في هذا السبيل, وكما تبذل في التربية يرزقك الله تعالى من صلاح الأولاد وبرهم.

    1.   

    وسائل التربية

    إن من أهم وسائل التربية:

    الحنان والعطف

    هو زرع الحنان في المنـزل, فلا يجوز أن يكون الأب في بيته امبراطوراً مقطب الحواجب مكفهر الوجه، لا يحسن إلا الصراخ والشتم والسب وتوزيع الأوامر يمنة ويسرة, إن هذا الأسلوب لا يمكن أن يخرج أولاداً صالحين, بل لا يخرج إلا أشراراً وليست قدوتك -أيها الأب- بهؤلاء الناس الذين قد نتناقل أخبارهم أحياناً أنهم على مستوى من الهيبة, أو على مستوى من الشخصية بحيث يُخاف منهم, ولا يؤمن جانبهم.

    بل قدوتك أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام, وحسبك ويكفيك من هؤلاء قدوة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فهو يضع الصبي في حجره, ويضمه ويشمه ويقبله، حتى لو لم يكن من ولده, وربما بال الصبي أو بالت البنت في حجر النبي صلى الله عليه وسلم, فدعا بماء فرشّه إن كان ولداً, وغسله إن كانت بنتاً, بل ربما ذهب بنفسه صلى الله عليه وسلم إلى بيت بعض بناته كبيت فاطمة كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة فوقف بالباب، وقال: أين لكع؟

    أين لكع؟

    أي: يمزح مع الحسين حتى في مناداته باسمه فيأتي الحسين يركض -لأنه يحب جده ويفرح به- فيفتح له النبي صلى الله عليه وسلم ذراعيه ثم يضمه إليه, ويقعده في حجره ويقبله فيجد أبو هريرة رضي الله عنه أن فاطمة قد أبطأت بولدها؛ لأنها لبست ابنها ثوباً جميلاً، وألبسته بعض الأشياء التي تلبس على الأولاد الصغار فرحاً بمقدم والدها محمد نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الصبيان, فرآه أعرابي من هؤلاء الجفاة، فقال: تقبلون صبيانكم؟!

    والله إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم! قال: {أوَ أملك أن نـزع الله الرحمة من قلبك؟!} وفي الحديث الآخر قال النبي صلى الله عليه وسلم: {من لا يَرحم لا يُرحم} فيجب أن نعلم أن أولئك الذين يدمرون المجتمعات ويخربونها, ولا يحترمون التقاليد ولا العادات ولا الأخلاق ولا الأديان, هم في الغالب من أولئك الذين نشئوا في بيئات فقدوا فيها الحنان.

    وهذا الولد الذي فقد الحنان أو تلك البنت سرعان ما يجدون قرناء السوء الذين يشعرونهم بالحنان, فهذه بنت تقسو عليها أمها، وتغلظ لها في القول، وتشتمها صباح مساء وتعيرها؛ حتى شعرت البنت بأن الأرض قد ضاقت عليها بما رحبت، ثم يوماً من الأيام تسمع رنين الهاتف، فترفعه من باب الفضول, ولأنها لم تترب تربية سليمة, فتعودت أن ترد على الهاتف دائماً وأبداً.

    فتجد صوتاً هادئاً رخيماً عذباً يحدثها, ويسألها عن أحوالها, ويطمئن عليها, ويخبرها بأنه يحبها, وأنه يموت إن لم يلقها أو يرها, فصدقت هذه المسكينة، ووجدت الحنان ولو باللسان الذي فقدته في بيتها, فسلكت درب الرذيلة والانحراف, وصوّر لها هذا الذئب بأنه حملٌ وديع, وأنه لا يستطيع العيش بدونها, فإذا قضى منها ما يريد, ألقى بها وذهب يبحث عن غيرها, وجلست هذه المسكينة تعاني آلامها ومشاكلها, وما علم المجتمع أنها وإن كانت مسئولة عن جريمتها, إلا أن أمها وأباها مسئولان قبلها؛ لأنهما لم يراقباها مراقبة صحيحة, ولأنهما لم يمنحاها الحنان الكافي, فصارت تشعر بأنها بحاجة إلى من يعبر لها عن محبتها, وبحاجة إلى من يسألها عن أحوالها, وبحاجة إلى من تفضي له بهمومها, وتتكلم معه عن مشاكلها وآلامها وأحزانها.

    التفاهم بين الوالدين

    لا بد من التفاهم بين الوالدين, فكيف يكون البيت ويكون الأولاد والبنات الذين يفطرون ويتغدون ويتعشون وينامون ويستيقظون ويصحون على مشاكل الخصومة بين الأم والأب؟!

    فالأب يتكلم على الأم, والأم تتكلم عليه أمام الأطفال, ثم إذا خلت الأم بالأولاد قالت لهم: أبوكم فيه كذا وكذا وكذا..! وإذا خلا الوالد بأولاده قال: أمكم فيها كذا وكذا وكذا... وعسى الله تعالى أن يعين عليها! فتربى الأطفال في هذا الجو القلق المتوتر.. لا استقرار ولا طمأنينة ولا أمان, وبذلك صاروا عرضةً للفساد والانحراف, ثم كانت الطامة الكبرى أن الأب نتيجة هذه المشاكل رأى أنه يستطيع أن يخرج منها بالزواج الثاني, فتزوج أخرى وصار لا يأتيهم إلا لماماً, وربما جلس أياماً, لا يطعمهم ولا ينفق عليهم, ولا يتعاهدهم ولا يتفقدهم.

    وأقول لكم أيها الإخوة من تجربة عملية وملاحظة ميدانية: إن معظم الأولاد والبنات الشاذين والمنحرفين الذين يقبض عليهم عن طريق أجهزة الأمن, يكونون من بيوت لا تعرف الاستقرار العائلي, حيث يكون الأب متزوجاً من امرأة أخرى, ولذلك لا يأتي إلى البيت، ولا يراقب الأولاد, ولا يدري ماذا يدرسون, ولا أين يدرسون, ولا مع من يجلسون, ولا يعرف عنهم أي أمر من الأمور.

    القدوة الحسنة

    ومن وسائل التربية: القدوة الحسنة.. قال الشاعر:

    مشى الطاوس يوماً باختيالٍ      فقلد شكل مشيته بنوه

    فقال: علام تختالون؟ قالوا:      سبقت به ونحن مقلدوه

    وينشأ ناشئ الفتيان منا     على ما كان عوده أبوه

    فالكلمات التي يرددها الأب تَيَقَّنْ أن الطفل يرددها من يوم بدأ يحسن النطق والكلام, وقد يفرح الأب بهذا، فتجد أن الابن الصغير حين ينطق بكلمة فاحشة بذيئة أو شتيمة, ليضحك الأب وتضحك الأم, لماذا؟

    لأنه بدأ يتكلم, وينسون أن هذا الضحك يعني عند هذا الطفل أن هذه الكلمة كلمة حلوة جميلة, وأنه ينبغي أن يرددها دائماً وأبداً، وهذه الكلمة لم تخلق مع الطفل ولم تولد معه, وإنما ترامت إلى أذنه من فمك أنت أيها الأب أو من فم الأم أو من فم بعض أهل المنـزل, وهكذا الأفعال.. فلا بد من القدوة الحسنة ليتربى الطفل عليها قبل أن تكون التربية كلاماً يقال باللسان.

    اختيار البيئة الصالحة

    ومن وسائل التربية اختيار البيئة الصالحة, وإصلاح البيئة التي يكون فيها الأولاد -كما ذكرنا من قبل- باختيار الزوجة, وفي حسن التربية, وفي العناية بحسن العلاقة الزوجية, وجعل أية مشكلة بين الزوجين تناقش في جو خاص بعيداً عن علم الأطفال, وهذا لا بد منه.

    ومن البيئة التي ينبغي أن يختارها الأب: الأصدقاء، فمن هم أصدقاء ولدك؟

    ومن صديقات ابنتك؟

    هل تدري حين تأتي بنتك بالحقيبة -مثلاً- من المدرسة ماذا في هذه الحقيبة؟

    قد تجد أن بعض صديقاتها أعطينها أرقام هواتف, وصوراً لبعض الشباب, وأشرطة فيديو أو غناء, وكلمات حب وغزل, وعندي من ذلك أخبار كثيرة.

    وقد تكون البنت طيبة القلب -وأخص المرحلة المتوسطة حيث السذاجة والبساطة والغفلة- ولكن إذا وجدت مجموعة من صديقاتها، واحدة تقول: اتصل بي فلان, وأخرى تقول: اتصلت بفلان, وثالثة تقول: هذا رقم علان, ورابعة تقول: هذه صورة ابن عمي, وجدت هذه البنت أنها تستحي أن تكون من بين جميع صديقاتها لا تتكلم في هذه الأمور, فأصابها شعور بالضعف، فصارت أول مرة تقول كلاماً غير صحيح, فتقول: أنا لي صديق أكلمه ويكلمني، ويكون هذا غير صحيح, ولكن في الواقع أنه بدأ عندها شعور بأنه يجب أن يكون لها صديق, بسبب تأثير الصديقات.

    وهكذا الولد قد يجره أصدقاؤه إلى التدخين, وإلى تعاطي المخدرات, وتضييع الأوقات, وإيذاء الناس, وترك الصلوات، وسماع الغناء, والسفر إلى بلاد أجنبية, وإلى غير ذلك مما حرم الله عز وجل.

    وقد يصعب عليك تدارك الأمر بعد فوات الأوان، وأول خطوة يمكن أن توقفها، لكن لا تستطيع أن توقف الأمر إذا كان في نهاية الطريق.

    وكذلك الحال بالنسبة للمدرسة، فهل تدري أنت في أية مدرسة يدرس ولدك؟

    ومن مديرها؟

    ومن أساتذتها؟

    وما مستوى هذه المدرسة من حيث العلم ومن حيث الأخلاق والتربية والمراقبة؟

    فلا بد أن تختار المدرسة ولو استدعى الأمر أن تذهب به بالسيارة إلى مدرسة بعيدة أفضل وأحسن شروطاً, لم يكن هذا كثيراً.

    التعليم

    ومن وسائل التربية: التعليم, والتعليم ليس مهمة المدرسة فقط, بل مهمة البيت قبل ذلك وبعده, فتعلم الولد بالكلمة الطيبة وبالقدوة الحسنة وبكل أسلوب، وأيضاً تعلِّم الأم كيف تعلم ولدها.

    تصحيح الأخطاء

    ومن وسائل التربية: تصحيح الأخطاء حينما يقع فيها الولد أو تقع فيها البنت.

    وليس تصحيح الأخطاء بالعصا وحدها, فليس بالعصا وحده يعلم الإنسان, ولكن تصحيح الأخطاء يكون أولاً بالكلمة الطيبة والتوجيه, فإذا أفادت وإلا تشتد عليه بالكلام، وتصحيح الأخطاء يمكن أن يكون بالحرمان، فتقول له: يا ولدي! أنت أخطأت اليوم، ولهذا لا أعطيك كذا, ولا أمنحك كذا, ويكون بالترغيب والترهيب: إن تركت كذا فلك عندي كذا.

    ويجب أن ينتبه الأب إلى أنه في الوقت الذي يصحح فيه الأخطاء: لا ينبغي أن يجعل تصحيح الأخطاء سيفاً يحطم به الولد, إذا قلت: كيف؟

    فأقول: أضرب لك هذا المثال وأسوق لك هذه القصة الواقعية:

    حيث أن هناك منـزلاً جديداً وأثاثاً جديداً بذل فيه أحد الرجال جل ماله, وتعب فيه حتى أصبح بيته زهرة في نظافته وحسنه وجماله, ثم ذهب بالزوجة فرأت هذا البيت، فأصابها من الفرح والسرور الشيء الكثير, ثم انتقلوا إلى هذا المنـزل, وذهب الرجل إلى دوامه صباحاً، وترك في المنـزل زوجته وأطفاله, فقام أحد الأطفال ورأى هذه المناظر الجميلة, وبعبث الأطفال وشقاوة الأطفال وغرور الأطفال وجهل الأطفال أخذ السكين وبدأ يلعب بهذا الأثاث, فخرق كنباً هنا, وأفسد كرسياً هناك, حتى جاء الأب من عمله, فماذا رأى؟!

    وجد أن هؤلاء الأطفال عبثوا بأثاثه أيما عبث! فغضب من ذلك وأمسك بأكبرهم الذي تولى كبر هذا العمل, فربطه بيديه ورجليه بالحبال وأوثقه, فظل هذا الطفل يبكي ويبكي ويتوسل، ولكن دون جدوى, فإن الغضب أحياناً يعمي ويصم, وجاءت الأم تحاول أن تفك أسر ولدها، فقال لها أبوه: إن فعلت ذلك فأنت طالق، وظل هذا الطفل يبكي ويبكي حتى أعياه البكاء، فاستسلم إلى ما يشبه النوم العميق, وفجأة بدأ جسمه يتغير ويتحول إلى اللون الأزرق, فخاف الأب وفك أسر الطفل، ثم وجد أنه في غيبوبة, فحمله إلى المستشفى سريعاً, وبعد فحوص سريعة قرر الأطباء أنه لا بد من بتر أطراف يديه ورجليه, حيث إن الدم تسمم، وفي حالة وصول هذا الدم إلى القلب, فإنه قد يموت، وقرروا فعلاً عملية البتر ووقع عليها الأب, وهو يبكي ويصيح, وكانت المصيبة حينما خرج الطفل من هذه العملية، فكان ينظر إلى أبيه، ويقول: بابا بابا! أعطني يدي ورجلي, ولا أعود بعد ذلك مرة أخرى إلى مثل هذا العمل.

    إنها عقوبة على المبالغة في العقاب والقسوة التي تجعل الكثير من الأطفال ليس لهم شخصية, لماذا؟

    لأنه أصبح لا يستطيع أن يعمل شيئاً, فهو يخاف من أبيه أو يخاف من أمه, بل يجب أن تجعل للطفل شخصية، وإذا عاقبته يجب أن يكون عقابك في حدود العقل والمنطق والمصلحة, ولا تستسلم إلى دوافع الغضب ونوازعه.

    احترام الشخصية

    ومن وسائل التربية: احترام شخصية الطفل, وألا تعتبر أن مقياس حسن التربية أن الطفل يقول لك: نعم نعم! سمعاً وطاعة! فهذا من التربية, ولكن من التربية أن يكون للطفل شخصية، وأن يكون لديه ثقة بنفسه، ومعرفة بإمكانياته، وقدرة على الكلام، وقدرة على المشاركة.

    فمثلاً: حينما تذهب بالطفل من أجل أن تشتري له لعبة يفضل ألا تختار أنت له لعبة وتسلمها له, بل تجعل له نوعاً من المشاركة، فتقول له: هذه اللعبة ثمنها كذا، وصفتها كذا، وفائدتها كذا وهذه وهذه وهذه, ثم تجعل له لوناً من الاختيار، وتساعده أنت عليه, حتى يكون له شخصية، وتستشيره حتى في بعض أمورك الدنيوية، حتى يتعود المشاركة لك منذ الصغر, ولو لم تقبل رأيه, لكنه يشعر بأن له رأياً, وله عقلاً, وله اختياراً, وله قيمة.

    العدل بين الأولاد

    وأخيراً: فإن من أعظم وسائل التربية: العدل بين الأولاد.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم} فإياك أن تشعر أحد الأولاد بأنك لا تحبه, أو تفضل غيره عليه! أو تشعر البنت بأن الولد مفضل عليها! فإن هذا من أعظم أسباب العقوق, وكما تريد أن يكونوا لك في البر سواءً، فيجب أن تكون لهم أنت في التربية والقيام على شئونهم عادلاً بعيداً عن الظلم: {واتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة}.

    اللهم اجعلنا هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين, اللهم أصلحنا وأصلح ذرياتنا يا حي يا قيوم, اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة, اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا وفي دنيانا وأهلنا ومالنا, اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا, ونعوذ بعظمتك أن نغتال من فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.

    اللهم أصلح شباب المسلمين من بنات وبنين, اللهم أصلحهم واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين, اللهم اكفهم شر قرناء السوء الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون, اللهم انفع بهم أمتهم وبلادهم وأهلهم ووالديهم يا حي يا قيوم.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011267110

    عدد مرات الحفظ

    722120530