إسلام ويب

خشية اللهللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • غرق الكثير من المسلمين اليوم في محيط الغفلات المتلاطم، فضيعوا الواجبات، واجترءوا على المحرمات، ونسوا الله والدار الآخرة، ولم ينج من الغرق إلا من ركب قوارب النجاة التي تصنعها الخشية من الله ومراقبته وذكره، فالخائف من الله قوي الإيمان في كل مواجهة مع الشيطان، وثيق الصلة بربه الكريم الرحمن، لا تلقاه إلا حيث أراد الله، لأنه موقن أن الله معه يسمعه ويراه، ومن كان هذا حاله فإن الله في الدنيا مولاه، والجنة في الآخرة مأواه.

    1.   

    خشية الله ناتجة عن العلم به

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فإن من قيم الإيمان التي ينبغي أن يتحلى بها كل مؤمن: خشية الله سبحانه وتعالى، فهو أهل للخشية، ومن حقوقه على عباده أن يخافوه وأن لا يشركوا به شيئاً، وذلك مقتض لتمام معرفته، فمن عرف الله تعالى خافه، وقد بين الله سبحانه وتعالى سر هذه الخشية، فربطه بالعلم، فقال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[فاطر:28] ، والمقصود بذلك معرفة الله، فمن كان أعرف بالله تعالى كان له أخشى.

    ومن هنا قال أهل العلم: ما عصي الله إلا عن جهل به أو بشرعه، فالمعصية لا تكون إلا عن جهل:

    إما عن جهل بالله تعالى، فتجعل الناس يتجاسرون على الله لجهلهم به، فيأمنون مكره سبحانه وتعالى، ويجهلون ما لديه من الأخذ الوبيل والأخذ السريع، فيكون ذلك سبباً لتجاسرهم على المعصية.

    وإما لجهل بشرعه بأن لا يعرف الإنسان أن الشارع قد حرم هذا الأمر أو أوجبه، فيهون عليه ذلك الأمر لظنه أن الشارع لم يعلق به تكليفاً.

    1.   

    أمارات عدم الخشية

    فلا بد إذاً من إحداث هذه الخشية لدى الإنسان، وهذه الخشية لها أمارات، فمن أماراتها:

    من أمارات عدم الخشية من الله: غفلة العبد

    أولاً: عدم الغفلة.

    بأن يكون الإنسان منتبهاً لما يحيط به من الآيات، فالإنسان في هذه الحياة يحيط به كثير من الآيات البينات الدالة على قدرة الله ووحدانيته وتصريفه للكون:

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

    ومن آيات الله سبحانه وتعالى هذا الليل وهذا النهار، وهذه الأرواح، ومن آياته الموت والحياة، ومن آياته تصريف الريح، ومن آياته إنزال المطر، ومن آياته إنبات النبات، ومن آياته الأمراض وشفاؤها، ومن آياته الأرزاق وتقسيمها، كل ذلك من آيات الله البينات التي تدل على تمام تصرفه وقدرته وإرادته، وأنه المدبر لهذا الكون وحده، فمن جهل هذه الآيات أو لم ينتبه لها، ولم ينظر إلى ما يحيط به من عجائب هذا الكون كان من الذين لا يخافون الله سبحانه وتعالى ولا يخشونه حق خشيته.

    وهذه الغفلة من صفات المنافقين، ويكتبها الله في قلوب من لا يرتضيهم من عباده، فيشغلهم بأمور الدنيا الفانية، فيبقون كالذي ينظر إلى قفاه وهو يصيح، فيتخبط في الظلام ولا يدري أن يضع قدمه، فكل متصف بالغفلة هو كالذي ينظر إلى الوراء وهو يظن أنه يسير إلى الإمام؛ لأنه لا يتدبر ما يحيط به، ولا ينتبه لما هو فيه، وهو في خطر داهم، وفي خطر عظيم، لما يواجهه من الغفلة عن الله سبحانه وتعالى وأوامره ونواهيه، وما من ساعة تمر ولا وقت ولو كان يسيراً، إلا ولله فيه خطاب يوجهه إلى عباده، فالغفلة عن هذا الخطاب، هي غفلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى، واشتغال عنه بما دونه.

    وكذلك من علامات الغفلة: عدم إتقان العبادة:

    فالإنسان الذي لا يتقن العبادة إذا صلى لا يحضر في صلاته إلا لنشوة ضئيلة، ويأتيها بالتكاسل والتهاون، ولا يتقن طهارتها ولا أداءها، ولا ينتبه لما يقرأ فيها، ولا ينتبه لمعنى الركوع والانحناء، ولا معنى السجود بين يدي الله والتذلل، ولا لمعنى الدعاء، ولا لمعنى ما يقرؤه فيها من القرآن، كل هذا دليل على غفلته؛ ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال: (ولا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض عنه، وقال: يا ابن آدم! إلام تلتفت، أنا خير مما التفت إليه؟)، لذلك فإن من علامات الغفلة أن يلتفت الإنسان في الصلاة، وأن يلتفت قلبه فيها أيضاً إلى أمور الدنيا، وأن يشتغل بأي شيء من المشاغل عن مناجاة الله عز وجل.

    كذلك من علامات الغفلة: قسوة القلب وعدم الرحمة:

    فالإنسان الذي لا يرحم لا يرحمه الله تعالى، وليس أهلاً للرحمة، ورحمة الله واسعة قد وسعت السماوات السبع والأرضين السبع، وقال فيها: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ[الأعراف:156] ، ولكنّ كثيراً من الناس لا يستحقها، ولا تسعه رحمة الله بل هو مطرود عنها، نسأل الله السلامة والعافية؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لا يرَحم لا يُرحم)، فالذي لا يرحم ولا يجد في قلبه رقة، ولا إقبالاً على الخير؛ لا يمكن أن يكون أهلاً لرحمة الله سبحانه وتعالى، وهذا دليل على عدم خشيته لله.

    من أمارات عدم الخشية من الله: عدم ازدياد الإنسان يقيناً

    كذلك من أمارات عدم الخشية: عدم ازدياد الإنسان يقيناً:

    فالإنسان الذي رباه أبواه على أصل الإيمان، ثم بقي كذلك لا يزداد إيمانه ولا يقينه ولا تزداد السكينة في قلبه، بل هو على ما تعود من العقيدة في صباه، وعلى ما عوده والداه بمجرد التلقين في صباه أن الله واحد، وأنه إليه ترجع الأمور، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رسول، وأن القرآن كلام الله، فعرف هذه الأمور بالتقليد في صباه، ولم يزدد بعد ذلك إيمانا ويقيناً، ولم يزدد من الله قرباً ولا فهماً عنه، هذا دليل على عدم خشيته لله، ولو كان ممن يخشى الله لزادته الخشية قرباً، فقد قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة).

    من أمارات عدم الخشية من الله: الإسراع إلى المعاصي

    كذلك من علامات عدم الخشية، الإسراع إلى المعصية:

    فالإنسان الذي يجد نفسه مطيعة لداعي الشهوة، ومقبلة على المعصية، ليس بينها وبينها حاجز ولا حجاب، بل كلما لاحت له بروق المعاصي وجد نفسه منقادة إليها منجذبة نحوها، فهذا دليل على عدم خشيته لله، ولو كان يخشى الله تعالى لخاف معصيته، وقد قال الشافعي رحمه الله:

    تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا محال في القياس شنيع

    لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع

    فلذلك إذا كان الإنسان منساقاً وراء الشهوة، لا يجد حاجزاً في نفسه يحول بينه وبين المعصية، فهذا دليل على أنه لا يخاف الله تعالى.

    من أمارات عدم الخشية من الله: ألا يزداد الإنسان علماً وتثبتاً

    كذلك من علامات عدم الخشية أو نقصها، ألا يزداد الإنسان علماً، وأن لا يحرص على التثبت في الأمور وفي معرفة أحكامها:

    فالإنسان المعرض عما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، يكون قد تعلم عندما كان صغيراً تحت كنف والديه، لكن بعد كبره وبلوغه، وبعد أن أصبح مسئول نفسه، لم يزدد علماً ولم يقبل على تعلم شيء، كان يدرس في أيام الصبا في الألواح، وكان والداه يعلمانه، فلما أصبح مسئولاً عن نفسه، انقطع عن تعلم ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض عنه بالكلية، وهذا دليل على عدم خشيته لله تعالى.

    من أمارات عدم الخشية من الله: عدم الإحساس بلذة المناجاة لله سبحانه

    كذلك من أمارات عدم الخشية، عدم إحساس الإنسان بلذة المناجاة والتقريب، وعدم أنسه بالله تعالى:

    فالإنسان المحب لله خائف منه، يأنس به ويحب الاتصال به، ويأنس للخلوة إذا خلا بربه: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، يقبل على الله بخلواته، ويحمد الله هذا على هذا الوقت الذي انقطع فيه عن المخلوقين، وانفرد فيه لخدمة الخالق سبحانه وتعالى، فلا يجد وحشة في ذلك الانقطاع، وإذا انقطع عنه الناس جميعاً وهجروه كان ذلك نعمة لديه وإحساساً بالتقريب، فيقبل على الله سبحانه وتعالى بقلب سليم، ويجد لذة للتقرب والدعاء والذكر والشكر وحسن العبادة، ولا يمكن أن يجدها الإنسان ما دام منغمساً غارقاً في مخالطة الناس وأمور هذه الدنيا ومشاغلها؛ ولهذا يتمثل من يجد ذلك صادقاً بقول الشاعر:

    فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب

    وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

    إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

    من أمارات عدم الخشية من الله: الكبر والعجب

    وكذلك من علامات عدم الخشية: تصرف الإنسان بالكبرياء والبطر والعجب:

    الإنسان الذي يخشى الله سبحانه وتعالى لا يكون في قلبه ذرة من عجب، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فالكبر هو الذي أخرج إبليس من رحمة الله تعالى، وأوصله إلى لعنة الله عز وجل، ومن كان يخشى الله لا يمكن أن يستكبر ولا أن يعجب بنفسه، لعلمه بسرعة أخذ الله سبحانه وتعالى وعاجل مكره وعقوبته؛ ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى قص علينا قصة قارون الذي آتاه الله من أنواع المال والتمكين والجاه والسلطان ما آتاه؛ ولكنه كفر بنعمة الله، ولم يشكر هذه النعمة لله تعالى وقال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي[القصص:78] ؛ قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ[القصص:78] ، وبيَّن الله تعالى عاقبته في هذه الحياة، فقال: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ[القصص:81-82] .

    ثم بين الله النتيجة الأخروية المترتبة على ذلك فقال: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[القصص:83] ، إذا رأينا الإنسان يتجاسر على الظلم، ويتجاسر على الطغيان، فهذا دليل على عدم خشيته؛ لأنه انشغل قلبه بما كبر في نفسه من أمور الدنيا من سلطانه أو جاهه أو ماله أو مكانته، فأدى ذلك به إلى هذا المستوى، وقد أخرج البخاري في الصحيح عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: (كنت أضرب غلاماً لي بالطريق، فسمعت صوتاً من ورائي يقول: اعلم أبا مسعود ، فنظرت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام، قلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله، قال: أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار).

    لا بد أن يتذكر الإنسان -إذا تذكر قوته وبطشه وأراد أن يوقع بالآخرين- قوة أخذ الله سبحانه وتعالى وسريع عقوبته، وأنه إن استطاع أن يعذب إنساناً في الدنيا بضربه أو شتم أو كلام قبيح، فإنه لا يقدر على شيء من عذاب الآخرة، فالله تعالى هو الذي بيده عذاب الآخرة الذي لا انقطاع له، فهو الذي يستحق أن يخشى وحده.

    1.   

    علامات الخشية

    عدم الغفلة

    بعد معرفتنا بعضاً من علامات عدم الخشية نعلم أن ضدها دليل على الخشية فالإنسان الذي يخشى الله هو مشغولٌ بالله لا يرغد ولا يستغرق في شيء من أمر الدنيا، وهو ينتظر منادي الله في كل يوم، وهو مستعد لأن ينتقل إلى الدار الآخرة هذا اليوم؛ لأنه يعلم أنه بالإمكان أن يأتي أجله في هذا اليوم، فهو ينتظر ملك الموت في كل ساعة: وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ[الأعراف:185] .

    ينتظر منادي الله سبحانه وتعالى، فإذا ناداه لبى بنفس مطمئنة، ليقال له: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي[الفجر:27-30] ، لا يكون من الغافلين، بل ينام على ذكر الله، وعند الاستيقاظ يستيقظ على ذكر الله، وعند الدخول إلى البيت يدخل على ذكر الله، وعند الخروج يخرج على ذكر الله، وعند الأكل يأكل على ذكر الله، وعند الانتهاء ينتهي على ذكر الله، وعند الشرب كذلك .. وهكذا في كل أحواله، فهو منتبه غير غافل عن الله سبحانه وتعالى.

    كذلك عدم الغفلة عن الآيات، فمن علامات الخشية: أن يكون الإنسان منتبهاً لهذا الكون، وما فيه من الآيات والعجائب، فقد قال الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ[آل عمران:190-194] ، فهؤلاء يخافون الله تعالى ويخشونه؛ فلذلك أجابهم الله تعالى واستجاب دعاءهم وحقق رجاءهم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنزل عليّ الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتدبرها، فقرأ خواتيم سورة آل عمران -وهي هذه الآيات-)، فويل لمن قرأها ولم يتدبرها!

    فالذين إذا غارت النجوم لا يستشعرون بقاء الله سبحانه وتعالى ودوامه، وإذا طلع الفجر لا يتذكرون نعمة الله بالإصباح، فهو: فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا[الأنعام:96] ، وإذا طلعت الشمس لم تذكرهم بالله، وإذا غربت لم تذكرهم بالله، هؤلاء هم الغافلون، والذين يتذكرون الله في كل تلك الأحيان، لا يمكن أن يكونوا إلا من الذين يخشون الله تعالى؛ لأنهم يرون هذه نذراً ورسلاً من عند الله.

    إذا طلعت الشمس فهي منذر الله سبحانه وتعالى يذكر باقتراب الأجل، ويذكر بأمر الله تعالى، وإذا غربت فهي منذر الله يذكر بدنو الأجل وباقتراب الآخرة، وإذا طلع الفجر كذلك، وهكذا في كل أمر يتجدد من آيات الله ومن عجائب هذا الكون، وقد قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ[فصلت:53] .

    أن يجد الإنسان بينه وبين المعصية حاجزاً

    كذلك من علامات الخشية: أن يجد الإنسان حاجزاً يحجزه عن المعصية، ويستمر معه هذا الحاجز في كل أحيانه وأحواله؛ في حال قوته وفي حال ضعفه، في حال سقمه وفي حال صحته، في حال غناه وفي حال فقره، في حال خلوته وحده وفي حال اجتماعه مع الناس، فهو يخاف الله على كل حال، ويعلم أن أخذ الله إذا جاء يمكن أن يأتي في وقت الضحى، ويمكن أن يأتي في وقت الليل كما قال الله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ[الأعراف:97-99] ، وبذلك هو يخاف مكر الله سبحانه وتعالى وأخذه، فلا يغفل عنه ولا يتجاسر على معصيته؛ لأن بينه وبين المعصية حاجزاً يمنعه منها.

    وهذا الحاجز الناس فيه على أربعة أقسام:

    القسم الأول: بينهم وبين المعصية حاجز كالجبل، فلا يسمعون صوتها، ولا يجدون ريحها، ولا يرون ألوانها، ولا يستمعون إلى أصواتها، فلا يتأثرون بها ولا يحبونها، ولا تتعلق بها نفوسهم، فلا تحب أعينهم النظر إلى الحرام، ولا تحب آذانهم سماع الحرام، ولا تحب قلوبهم التعلق بالحرام، فبينهم وبين الحرام حاجز عظيم، وهؤلاء حجب الله جوارحهم من المعصية، ووفقهم لاستغلالها في الطاعة.

    والنوع الثاني: الحاجز بينهم وبين المعصية كالزجاج، لا يستطيعون اختراقه؛ ولكن مع ذلك يرون ألوان المعصية وحركاتها، وهؤلاء أقل شأناً من القسم الأول.

    ودونهم قوم آخرون: الحاجز بينهم وبين المعصية كالماء، يمكن أن يخترقوه بصعوبة، وهؤلاء أقل منزلة أيضاً من القسم السابق.

    والقسم الرابع: الحاجز بينهم وبين المعصية كالهواء، فهم مع المعصية في لحاف واحد، كلما عرضت معصية إذا هم من أهلها، نسأل الله السلامة والعافية، وهؤلاء يخشى عليهم أن ينادى عليهم يوم القيامة من أبواب جنهم السبعة، بأن توجد أسماؤهم في كل باب من أبواب جهنم، فأبوابها سبعة: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ[الحجر:44] ، وهذا الجزء هم أهل تلك الكبيرة التي كتب الله لها ذلك الباب من الأبواب، فباب الشرك، وباب الزنا، وباب شرب الخمر والمخدرات، وباب عقوق الأمهات والآباء، وباب قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وباب الكذب .. إلخ، هذه أبواب جهنم، فالذين لا يخشون الله تعالى، قد يقعون في كل هذه المعاصي، فتدون أسماؤهم في كل باب من أبواب جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.

    والذين يخشون الله تعالى: يجدون حاجزاً عظيماً بينهم وبين هذه المعاصي، فهي أثقل عليهم من حمل الجبال، لو كلف أحدهم أن يفعل معصية لفكر ألف تفكير قبل أن يقدم عليها، بخلاف الذين تسهل عليهم من الذين لا يخشون الله، فلو أرادوا الطاعة لفكروا ألف تفكير قبل أن يفعلوها، أما المعصية فهي أسهل عليهم من شرب الماء، نسأل الله السلامة والعافية.

    اللجوء إلى الله في كل أمر

    كذلك من علامات الخشية، أن لا يشعر الإنسان بالاستغناء عن الله، بل يشعر باللجأ إليه في كل الأحيان، فالإنسان الذي نراه يمد أيدي الضراعة إلى الله في كل أحيانه، ويستند إليه في كل وقته، ويستغني به عمن سواه، ويتذكر قول الله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ[الزمر:36] ، ويحرص على إحسان العلاقة بالله سبحانه وتعالى، ولا يهمه ما سوى ذلك إذا رضي الله عنه، لا يضره ما لم يتحقق من شئونه، فهذا الإنسان قطعاً يخاف الله؛ لأنه أحب الله وأحب رضوانه وتعلق به، وكره معصيته ومخالفته لعلمه ما يترتب على ذلك من العقاب الشديد.

    ومن آثار هذا محبة الإنسان لأعمال الخير التي هي الجنة، وكراهته لأعمال الشر التي هي النار، هذا دليل على خشيته لله.

    فهذه الأعمال أعمال الخير: الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والصدقة، وقراءة القرآن، وتعلم العلم والدعوة إليه، هذه هي الجنة، أي: أبواب الجنة، فمن أحب الجنة فلا يمكن أن يرد إليها إلا من هذه الأبواب، فليس للجنة إلا هذه الأبواب.

    فمن أحب أن يكون من أهل الجنة عليه أن يلزم هذه الأبواب، عليه أن يجيب نداء الله إذا سمع المنادي ينادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح، أن يبادر للصدقة في أول المتصدقين في أول كل يوم، أن يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، أن يكون من المنقطعين عن المعاصي في كل الأوقات، وبهذا فعلاً يكون من المقبلين على الله سبحانه وتعالى، والجادين في طلب الجنة.

    أما الذين يتمنون الأماني ويظنون أن كل إنسان منهم سيؤتى صحفاً منشرة، فقد سبقهم المشركون إلى ذلك، فكل إنسان من المشركين واليهود والنصارى يتمنى دخول الجنة، لكن هيهات هيهات، ليست الجنة لأولئك ومن على شاكلتهم، بل بينهم وبين الجنة حاجز عظيم: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[الحديد:13-15] ، فليست محبة الجنة بمجرد التمني، وليس الخوف من النار كذلك بمجرد التمني، ولكن من أحب الجنة أحب عملها وبادر إليه، ومن خاف النار خاف عملها وكرهه وأدبر عنه.

    1.   

    آثار الخشية من الله عز وجل

    من آثار الخشية: قوة الإيمان

    والخشية إذا حصلت للإنسان كانت قوة عظيمة وامتداداً في الإيمان، فالإنسان يحب القوة، والقوة أهمها قوة الإيمان؛ لأنها التي يضعف أمامها سلطان الدنيا وكل ما فيها، وليس لسلطان الدنيا طاقة بقوة الإيمان، فسحرة فرعون حين قذف الله في قلوبهم الإيمان قواهم الله قوة عجيبة تتحدى طغيان الأرض جميعاً.

    عندما خاصمهم فرعون بكل كبرياء وجبروت، فقال في تهديده لهم بأنه سيقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأنه سيصلبهم في جذوع النخل، قالوا له: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى[طه:72-76] .

    وقد ألهمهم الله تعالى بهذه الجمل خلاصة علم الأولين والآخرين، فكل ما يتنافس الناس فيه من العلم، وما يدرس في الجامعات وما تؤلف فيه المؤلفات، نتيجته جملتان فقط: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى[طه:74-75] ، هذه خلاصة علم الأولين والآخرين.

    وقد قذف الله في قلوب هؤلاء السحرة لما آمنوا بالله وصدقوا، وانقادوا وخروا سجداً لوجه الله العظيم؛ قذف الله في قلوبهم خشية الله، فنالوا بها هذه القوة الرهيبة التي تضاءل أمامها طاغية أهل الأرض، وضعف أمامها بكل ما يملكه من جبروت وقوة.

    من آثار الخشية: التوفيق للطاعات

    كذلك من آثار هذه الخشية، أنها تقتضي من الإنسان التوفيق للطاعات، فمن كان من أهل الخشية، لا بد له أن ييسر له قيام الليل والناس نيام، ولا بد أن ييسر له قيام النفل في وقت الهواجر والحر، ولا بد أن ييسر له الذكر، ولا بد أن ييسر له العلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل).

    فلذلك لا شك أن الذي يخاف سيدلج؛ لأنه يجمع سير الليل بسير النهار؛ لأنه يخاف الله سبحانه وتعالى، فهو يريد ما يقربه منه، وينجيه من عقابه، فيجمع عمل الليل وعمل النهار؛ وبذلك يوفق لهذه الطاعات الكبار.

    من آثار الخشية: أنها سبب لدخول الجنة

    وكذلك من آثار الخشية: أنها سبب لدخول الجنة، فقد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ[البينة:6-8] ، فهذا لمن خشي ربه، فلا ينال ذلك إلا من خشي ربه.

    من آثار الخشية: أنها تغير حال الإنسان

    كذلك فإن من آثار الخشية: أنها تغير حال الإنسان، فالإنسان قبل أن يتصف بخشية الله، قبل الخوف من الله، يكون عدواً لنفسه متسلطاً عليها يصرفها في معصية الله، فما أنعم الله عليه من النعم من السمع والبصر والوقت والشباب والمال، مصروف إلى عداوة نفسه، لأنه لا يضر الله شيئاً، فالعاصي لا يضر إلا نفسه.

    وبعد الخشية: يبدل الله حاله بالكلية، كما قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا[الفرقان:70-71] .

    من آثار الخشية: أنها من أسباب استجابة الدعاء

    كذلك من آثار الخشية: أنها سبب لاستجابة الدعاء، فمن كان من أهل خشية الله، فقد تعرف إلى الله في الرخاء، فسيعرفه الله في الشدة، فإذا أمسك جوارحه عن معصية الله يسر الله جوارحه للطاعة، فجعل سمعه تبعاً لأمر الله، وبصره تبعاً لأمر الله، ويده تبعاً لأمر الله، ورجله تبعاً لأمر الله، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: (ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).

    فصوته بالمسألة والدعاء غير مجهول عند الله؛ فلذلك من تعرف إلى الله في الرخاء عرفه في الشدة، فإذا رفع يديه إلى الله استجاب دعاءه، وإذا عرض فبمجرد التعريض يجيب الله دعائه.

    ولذلك فالأنبياء منهم من يصرح بالدعاء كإبراهيم الذي قال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ[إبراهيم:37-38] .

    ومنهم من يعرض بالدعاء كأيوب عليه السلام، فقد مكث في الأذى ثماني عشرة سنة، وقد أصيب بأنواع البلاء، وامتحنه الله تعالى بذلك محبة له، فالله سبحانه وتعالى إذا أحب عبداً ابتلاه: (وأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)، وكان من شدة بلائه أنه لا يستطيع التصرف في شيء من بدنه، وكانت زوجته برة به، فكانت تنفق عليه وتعالجه، فلما نفذ ما معهم من المال لم يحل لها أن تسأل الناس؛ لأنه نبي معصوم فلا يحل له السؤال ولا لأهل بيته، فبحثت عن العمل فعملت حتى إذا لم تجد عملاً باعت قرون رأسها، فكانت تقطع قرناً فتبيعه، فتغذيه بثمنه، ثم تقطع قرناً آخر، حتى نفذ ما نبت من الشعر من رأسها.

    فلما رأى أيوب ذلك، وقد جاءه رجلان كانا من أقاربه، ومن أخص الناس به، فقال أحدهما: لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من أهل الأرض! فقال الآخر: ولم؟ فقال: قد ابتلاه الله ثماني عشرة سنة ولم يرفع عنه البلاء، فلما ذهبا مد أيوب يده إلى الله تعالى فقال: ربّ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[الأنبياء:83] ، وكانت زوجته إذ ذاك خرجت، وتركته قريباً من مزبلة لبني إسرائيل، فلما عادت إلى أيوب وقد رفع الله عنه البلاء، وأمره الله أن يركض برجله في الموضع الذي هو فيه، فخرج له ماء عذب؛ فاغتسل وشرب منه، وزال عنه البلاء بالكلية، وأنزل الله له لباساً من لباس الجنة فلبسه فتغيرت حالته وصورته، فلما رأته لم تعرفه، فقالت: أين الرجل المبتلى الذي كان هنا، لعله تخطفته الكلاب، فقال: أنا أيوب، قد استجاب الله لي ورفع عني البلاء!!

    لذلك قد عرَّض أيوب بالدعاء بعد هذا الصبر الطويل على البلاء ولم يسأل رفعه؛ لعلمه بالأجر المترتب عليه، حتى إذا نفذت الأسباب كلها ولم يبق أي سبب حتى شعر رأس امرأته، قال: رب أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[الأنبياء:83] فلم يسأله حتى أن يرفع عنه الضر، بل عرض له فاستجاب الله ذلك ورفع عنه البلاء.

    من آثار الخشية: حصول البركة في العمر

    كذلك فإن من آثار هذه الخشية، أنها تؤدي إلى البركة في العمر:

    فمدة بقاء الإنسان يسيرة جداً، مثلما عاش سحرة فرعون بعد الإيمان، فما كان قبل إيمانهم من أعمارهم لا يعد؛ لأن الإيمان يجبُّ ما قبله، فأعمارهم إنما هي تلك اللحظات التي مكثوها في الإيمان بعد أن ذاقوا طعمه وخروا سجداً لله تعالى، فإنهم قبل لحظات كانوا يحلفون بعزة فرعون، قال الله تعالى: فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ[الشعراء:41-46] ، في هذه اللحظة خروا سجداً لله تعالى وتابوا وأنابوا وعرفوا الخشية، فكانوا من الساجدين لله تعالى الخائفين منه في لحظة واحدة، لكن كانت هذه اللحظة مباركة حين أوصلتهم إلى الجنة، فعمر الإنسان ولو عاش ألف سنة على هذه الأرض ولم يوفق للطاعة، بل كان عمره سبباً لدخوله النار، لا فائدة منه.

    ولو أنه عاش لحظة واحدة على الأرض، وكانت سبباً لدخوله الجنة، فهو عمر مبارك، ولا يضره ما فات من أعمار الناس، لا يضره ما لم يبلغه من أعمار الناس، ولذلك فإن خشية الله تعالى سرٌ لبركة العمر وفائدته، حتى لو كان قصيراً، ولو كان العمل فيه يسيراً، فإن الله سيبارك فيه ويتقبله من صاحبه.

    من آثار الخشية: الاستغناء بما آتاه الله

    كذلك من فوائد خشية الله سبحانه وتعالى: أنها تقتضي من الإنسان الاستغناء بما آتاه الله، فينال بذلك الحرية والانعتاق من أسباب المذلة والهوان، فالإنسان الذي يخشى الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يذل لمخلوق على طمع، ولا يمكن أن يخنع لأي سبب من الأسباب؛ لأنه يعلم أن رزقه قد كتب، وأن أجله قد كتب، وأنه لا يمكن أن يزاد فيه، ولا أن ينقص منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس رضي الله عنهما: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).

    من أدرك هذا ونال الخشية استطاع بذلك التحرر من ضغوط الآدميين، والانعتاق من قيودهم، فهو عبد لله تعالى حر من العبودية للمخلوقين، مقبل على الله سبحانه وتعالى، لا يمكن أن يذل لمخلوق ولا يعرف الخنوع والركوع لغير الله سبحانه وتعالى.

    من آثار الخشية: صلاح ذريتة من بعده

    كذلك من آثار الخشية ما يجده الإنسان في ذريته من بعده، فمن كان من أهل خشية الله يصلح الله له ذريته، ويجعل له امتداداً في عمره فيما بعد، ويكونون أيضاً أهل جوار له في الجنة كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ[الطور:21] ، فتلحق بهم ذرياتهم من بعدهم؛ ولذلك قال الله تعالى: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا[الكهف:82] ، قد حقق الله مراد الغلامين ورعى فيهما حق أبويهما بعد موت الأبوين، فكان ذلك سبباً لصلاح الأولاد، وتيسر أمورهم الدنيوية.

    من آثار الخشية: البركة في العلم

    كذلك من آثار هذه الخشية: البركة في العلم:

    فالإنسان لم يؤت من العلم إلا قليلاً، كما قال الله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[الإسراء:85] ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ[يوسف:76] ، لكن إذا خشي الله سبحانه وتعالى وأناب إليه، وكانت الآخرة جل همه، ولم تكن الدنيا جل همه ولا مبلغ علمه، وأقبل على الله سبحانه وتعالى؛ فسيبارك له في اليسير الذي معه من العلم؛ لأن فائدة العلم العمل، وسيوفق الخاشي لله سبحانه وتعالى للعمل بما تعلم، فيكون هذا العلم الذي ناله -ولو كان يسيراً- مباركاً فيه؛ ولذلك يستطيع استغلال الأوقات فيما هو أرشد وأقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

    فالإنسان العالم هو بمثابة التاجر يريد الربح، فهو يبحث عن أرباح الصفقات مع الله سبحانه وتعالى بكل دقيقة أو ثانية يعيشها في هذه الحياة، يبحث عن أفضل ما تصرف فيه الأوقات؛ فيصرفها فيه؛ ولذلك قال أحمد : (لو قيل لـوكيع : إنك تموت غداً، لما استطاع أن يزيد شيئاً)؛ لأن كل أوقاته مشغولة ليس فيها فراغ ولا وقت ليس فيه عبادة، فهو مشغول بالله سبحانه وتعالى، ومقبل على الله بكل أموره، إذا نام فهو يرجو في نومته ما يحتسب في قومته، كما قال أبو الدرداء ، وإذا أكل فمن حلال وسيصرفه بطاعة الله، وإذا شرب فكذلك، فكل أعماله لوجه الله سبحانه وتعالى حتى جلوسه واتكاؤه وقيامه، كل ذلك لوجه الله.

    ولهذا فإن أهل الخشية يجعلون هذه الدنيا محراباً كبيراً للتعبد، فكل ما فيها من الأعمال هو عبادة لله، حتى لو كان تجارة أو زراعة أو صناعة أو دراسة لعلم دنيوي، كل ما في الدنيا من الأعمال يجعلونه عبادة لله، فعبادتهم في المحراب في كل أوقاتهم، إذا كانوا في غرف النوم، أو كانوا في المتاجر، أو كانوا في المكاتب، فهم في محراب للتعبد، كل أوقاتهم مصروفة لعبادة الله تعالى ينتظرون الأمر فيبادرون إليه؛ ولذلك قال أحد علمائنا: (ألذ ما في الدنيا أن يأتيك الخطاب وقد تعلمت أحكامه، فتوفق لتطبيقه على نحو ما علمت)، أي: إن ألذ ما في هذه الحياة الدنيا، أن يأتي الخطاب من عند الله، وقد عرف الإنسان حكمه قبل أن يأتيه، فيطبقه على نحو ما تعلم، فهذه اللذة العجيبة التي يجدها أهل خشية الله تعالى في مثل هذا النوع، سعادة من سعادات الدنيا لا يمكن أن يعدلها ما سواها.

    1.   

    الشهوة والشبهة مرضان ينافيان الخشية من الله

    إن هذه الخشية التي ذكرنا آثارها ومظاهرها، وعلامة نقصها؛ أمر عظيم كما ذكرنا، وقيمة من قيم الإيمان، فعلى كل إنسان أن يحرص على تحقيقها وأن يحرص على زيادتها بعد تحقيقها، ونحن نعلم أن أصحاب الغفلة المعرضين عن الله تعالى، سر ذلك فيهم أحد أمرين: إما الشهوة وإما الشبهة، فهما المرضان اللذان يضادان خشية الله تعالى، فلا بد من علاج هذين المرضين.

    ولا بد أن ينتبه الإنسان لنفسه حتى يشخص مرضه بأي المرضين قد ابتلي، فإذا كان قد ابتلي بالشهوة، فعلاجها يسير جداً وهي أهون من الشبهة؛ لأن الشبهة أمر عقدي قلبي، وهي صعبة الإزالة، وأما الشهوة فهي أمر ظاهر يسهل علاجه.

    علاج مرض الشهوة

    فالشهوة علاجها: أن يتذكر الإنسان أن محبوبه من الدنيا والذي يتعلق قلبه به، نهايته في القمامة، إذا تعلق قلب الإنسان بإنسان آخر فأحبه، ليتذكر مضي أسبوع عليه تحت التراب في القبر، هل يسره أن يراه وقد انتفخ بدنه وتشقق وأكل الدود ما في عينه، وهو يعلم أنه ميت لا محالة؛ فلذلك على الإنسان إذا أحب إنساناً أن يتذكر حاله بعد الموت، وبعد الدفن، وماذا سيحصل من التغير فيه، هل يحب أن تنبش له عظامه ويراها؟! هذا هو الأمر الأول.

    كذلك إذا أحب شيئاً من أمر الدنيا الآخر، كأن أحب داراً من الدور الشاهقة، فليمكث مدة وسيراها في القمامة، سيرى حطامها وقد استأجروا عليه بالأموال الطائلة لينقل إلى القمامة، ومن طال عمره شاهد ذلك في هذه الحياة، يشاهد الدور التي بناها أهلوها بأغلى الأثمان، وتكلفوا عليها الدراسات، وهي تنقل بعد أن تأذوا بأنقاضها وأوساخها، ويستأجرون من ينقلها عنهم إلى القمامة، وكذلك الثياب والفرش والسيارات، إذا تمتع بها الإنسان مدة يسيرة، بحث عنها فوجد بقاياها في القمامة، فالسيارة الفارهة أين توجد بقاياها؟! سترمى في القمامة، والملابس والفرش الغالية أين توجد؟! ستوجد نهايتها في القمامة، فإذا عرف الإنسان هذا هانت عليه ملذات الدنيا وشهواتها.

    ثم عليه أن يفكر أيضاً، فليقدر أنه فعلاً قد وصل إلى ما اشتهاه وتمناه، فالشهوة إنما تتعلق بأمر دنيوي، لا تتعلق بأمر الآخرة، فإذا أحب أمراً دنيوياً فليتصور في نفسه أنه وصل إليه فعلاً، لكن ثم ماذا؟ ألم يصل من قبل إلى كثير من الأمور؟ ألم يتعلق قلبه بكثير من الأمور فنالها؟! إذا كان ذلك شهادة عالية، ليفكر أنه من قبل قد نال بعض الشهادات، ونجح في بعض الامتحانات، فما فائدة ذلك؟ ما الذي حصل؟ هل تغير حاله؟ لا، بل هو هو، ثم عليه أن يفكر في نفسه على أنه قد بلغ مناه ووصل إلى هذه الوظيفة، ثم ماذا؟

    كذلك أي مبتغى من أمور الدنيا، إذا أحب مالاً أو تجارة أو مكانة اجتماعية أو جاهاً، أو أي شيء من أمر الدنيا، ليتصور في نفسه أنه قد وصل إليه فعلاً، فإنه سيحتقره غاية الاحتقار؛ لأنه كان يتمنى أموراً أخرى، فلما وصل إليها امتهنها واحتقرها ولم يقنع بها، ورغب فيما ورائها، فلذلك يحتاج الإنسان إلى أن يعلم أن شهوات الدنيا منتهية مملولة، وأن كل ما فيها من الشواغل، لا ينبغي أن يتعلق به العاقل لسرعة ذهابه وزواله وتغير حاله.

    وعليه أن يتعلق قلبه بما لا يفنى ولا يبيد، وبما لا يمل بوجه من الوجوه: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[البقرة:25] ، فإذا تعلق بما عند الله، ورغب في الدار الآخرة، كان من أهلها كما قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا[الإسراء:18-19] ، وكما قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ[الشورى:20] .

    علاج مرض الشبهة

    أما الشبهة: فعلاجها إنما هو باليقين، أن يفهم الإنسان أن الشيطان عدو له، وأنه يلقي في ذهنه أموراً هي بمثابة نسج العنكبوت، وأن ما يلقيه الشيطان في قلب الإنسان من وحيه وتدبيره ووساوسه؛ ما هو إلا بمثابة نسج العنكبوت، وقد قال الله تعالى: إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[العنكبوت:41] ، حبال العنكبوت هل يستطيع الإنسان أن يتعلق بها، أو أن يتوصل بها إلى أي شيء؟

    وشبهات الشيطان التي يلقيها في قلب الإنسان هي بمثابة بناء العنكبوت؛ ولذلك يزيلها الذكر ويحطمها، فالذكر الحاصل يقطع على الشيطان حبال العنكبوت التي يلقيها في قلب الإنسان؛ وبذلك يستطيع الإنسان التغلب على خطوات الشيطان بالتخلص مما يلقيه من الوساوس والأوهام، وقد قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[الحج:52-54] .

    وقال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ[الأنبياء:18] ، وقال تعالى: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ[سبأ:48-49] ؛ فلذلك كل ما يلقيه الشيطان من الوساوس والأوهام، على الإنسان أن يتخلص منه بذكر الله، فمن وساوس الشيطان -مثلاً- النسيان والغفلة، فإذا أحس الإنسان بذلك فعليه أن يبادر إلى ذكر الله، كما قال الله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا[الكهف:24] .

    ومن وساوس الشيطان كذلك وأوهامه: تشكيكه في أمور الآخرة وفي أمور الاعتقاد، وتخلص الإنسان من ذلك بذكره لله تعالى، فإذا أقبل على الاستغفار ذهبت بالكلية.

    وكذلك من وساوس الشيطان: ما يزينه للإنسان من تطويل الأمل، ومن أنه سيتوب إذا كبر، وأنه سيترك هذه المعاصي إذا تجاوز الخمسين أو الستين من عمره؛ لكن من يضمن لك أن تصل الخمسين أو الستين؟ ومن يضمن لك إذا وصلت إليها أن لا يختم على قلبك فتستمر على المعصية؟ فإن الله تعالى يقول في كتابه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ[الأنعام:109-111] .

    ثم بعد ذلك لو قدر أنك وصلت إلى ما مناك الشيطان، فبلغت الستين أو السبعين من العمر، وعرفت أن ما أنت فيه لا يصلح، وندمت عليه وتبت منه، لكن تجد نفسك قد ضعفت أيضاً عن الطاعات، فكما يضعف الإنسان عن المعاصي يضعف عن الطاعات أيضاً، وإذا تقدم به العمر أحس بالآلام في ظهره وفي كتفيه وفي جنبيه وفي ركبتيه وفي أطرافه، فكما ضعف عن المعصية ضعف عن الطاعة، فلذلك عليه أن يبادر إلى الطاعة ما دام يقدر عليها، وما دام يجد في نفسه طاقة وجلداً، قبل فوات الأوان.

    وعليه أن يتذكر أن الشيطان عدو له في كل أوقاته، ولا يمكن أن ينصحه إلا بما فيه ضرر عليه، فهو يريد إفساد عمره في غير طائل، كما سعى من قبل لإخراج آدم وحواء من الجنة: فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ[الأعراف:22] ؛ فلذلك على الإنسان أن يحرص على عدم اتباع خطوات الشيطان، وأن يتذكر أن الشبهة التي يلقيها الشيطان في نفسه هي من خطوات الشيطان التي نهي الإنسان عن اتباعها، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ[النور:21] ، فعلى الإنسان أن يجتنبها بالكلية وأن يحذر منها.

    علاج النفس بمراقبة الله

    كذلك لا بد لعلاج الإنسان لنفسه من مراقبة دورية دائمة، فكل جهاز من الأجهزة يحتاج إلى عرض على الأخصائي في كل فترة من الفترات، كما يأتي الإنسان بسيارته إلى الشركة لعرضها عليها؛ لتعيد ما تحرك من مكانه، ولتعالج ما حصل فيها من النقص، كذلك لا بد أن يراجع الإنسان إيمانه، وأن يشد عقد الإيمان في قلبه، وأن يراقب أعماله، وأن يحاسب نفسه على ما أوتي من النعم، وعلى ما فعل من المعاصي، فلا بد أن يكون للإنسان وقت دوري يراجع فيه هذه الأمور.

    فإذا فعل الإنسان ذلك كان في مجال خشية الله في ازدياد دائم، وإذا فعل وترك هذه المراجعة أسبوعاً وأسبوعين وثلاثة ختم على قلبه بطابع النفاق -نسأل الله السلامة والعافية- كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الجمعة، فالجمعة فيها الذكرى والموعظة، فإذا تخلف الإنسان عنها ولم يستمع موعظة ولا ذكرى فيصعب عليه فيما بعد أن تسيل دمعتاه من خشية الله، أما إذا كان الإنسان في كل أسبوع يسمع موعظة ويبكي من خشية الله، فسيسهل عليه البكاء من خشية الله في المستقبل.

    وما نشكوه نحن الآن من قسوة القلوب وجمود الدموع، ما سببه إلا الإعراض عن الذكرى والانقطاع عنها ، فلو كان الإنسان في مجالسه في كل أسبوع يجدد الذكرى ويراجع عقد إيمانه، ويتذكر ما فرط فيه في جنب الله، ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة صادقة، فإن ذلك سبب لخشية الله وقوة هذه الخشية لديه وزيادتها.

    1.   

    مجالسة أهل الخشية أحياء وأمواتاً

    وكذلك من الأسباب التي تزيد خشية الإنسان لله تعالى: مجالسته لأهل الخشية، فالإنسان الذي يزور أهل الخشية ويلقاهم ويرى ما هم فيه، فإنهم يذكرونه بالله سبحانه وتعالى في حركاتهم وسكناتهم، ويسمع في أقوالهم وتصرفاتهم ما يدل على الخشية من الله تعالى، ولهذا قال أهل العلم: ليس حسن التلاوة بحسن الصوت، إنما حسن التلاوة إذا سمعت صوته عرفت أنه يخاف الله؛ فلذلك كانت مجالسة هؤلاء مما يقوي خشية الله سبحانه وتعالى في القلوب.

    وقد قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا[الكهف:28] ، فعلى الإنسان أن يحرص على زيارة أهل الخشية، وعلى مجالستهم، وعلى السماع منهم، فذلك مما يزيده خشية.

    وكذلك زيارتهم بعد الموت بالاطلاع على سيرهم وقصصهم، فقراءة الإنسان لحياة أهل الخشية من الذين ماتوا ومضوا مما يزيده خشية وإيماناً، إذا كان الإنسان يدرس سير الصحابة والتابعين، وسير الصالحين من هذه الأمة، فسيجد فيهم أسوة لنفسه وقدوة صالحة يقتدي بها، وإذا مر به أي حال من الأحوال فسيجد نظيره قد مر ببعض السلف الصالح، ومن هنا: يمكن أن يقتدي بهم وأن يجد فيهم الأسوة الصالحة.

    ولهذا كان كثير من أهل العلم والصلاح يزورون أهل الخشية، ولو كانوا دونهم مستوى في العلم، فكان كثير من علمائنا يزورون رابعة العدوية فيرون إقبالها على الله وبكاءها في صلاتها وعبادتها، فتذكرهم بالله سبحانه وتعالى بذلك.

    وقد (كان النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة يسير في الطريق فوقف على باب امرأة من الأنصار فإذا هي تقرأ في صلاتها: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ[الغاشية:1] ، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاء شديداً، وقال: نعم أتاني، نعم أتاني)، والغاشية: القيامة، كذلك فقد زار أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أم أيمن رضي الله عنها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها: (فلما جلسا عندها بكت، فقالا لها: ما يبكيك، أما علمت أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الدنيا؟ فقالت: أما إني لا أبكي لأني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الدنيا، ولكني أبكي لانقطاع الوحي من السماء، فهيجتهما على البكاء، فبكيا بكاء شديداً).

    يحتاج الإنسان إلى زيارة من يبكيه، وإذا لم يجده في الأحياء، اطلع على سيرته في الأموات، ففي الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر، وسيرهم موجودة مدونة، والكتب موجودة بين أيدينا وهي تحوي أخبارهم، وقد قال ابن هلال رحمه الله:

    لنا جلساء ما يُمـل حديثهم ألباء مأمونون غـيباً ومـشهدا

    يفيدوننا من علمهم علم من مضى وعقلاً وتأديباً ورأياً مسددا

    فلا فتنـة تخشى ولا سوء عشرة ولا نتقي منهم لساناً ولا يدا

    فإن قلت أحيـاء فلست بكاذب وإن قلت أموات فلست مفندا

    وقد قال ابن المبارك رحمه الله: (سير الصالحين جند من جنود الله يثبت الله بها قلوب عباده)، ومصداق ذلك من القرآن قول الله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ[هود:120] .

    1.   

    نماذج من أهل الخشية

    ولهذا فقصص الأنبياء في القرآن من تدبره وقرأه بهذه الروح؛ نال بذلك هذه الخشية، وزاده هذا خشية لله سبحانه وتعالى، وبالأخص إذا تذكر الإنسان أنه لا يساوي شيئاً مما كانوا عليه من العبادة والإيمان والقرب والتقريب، فكيف يكونون بهذا المستوى من الخشية ونحن لا نخاف!

    نبي الله موسى بن عمران عليه السلام

    وإذا كان موسى بن عمران الذي اصطفاه الله بسماع كلامه كفاحاً دون ترجمان، وكتب الله له التوراة في الألواح بيمينه، ومع هذا يخاف الله بهذا الخوف الذي قص الله علينا، فقال: فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[الأعراف:155-157] .

    إذا قرأ الإنسان تعامل هؤلاء الأنبياء المكرمين مع الله سبحانه وتعالى احتقر نفسه، وعرف أنه أولى بالخشية والخوف من الله سبحانه وتعالى، فهم قد غفر الله لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، وضمن لهم الجنة، وشفعهم في أممهم، وخاطبهم بالوحي وأعلى منزلتهم، واصطنع موسى على عينه -كما أخبر بذلك- وشرفه بكلامه، ومع هذا فهم يخافون الله هذا المستوى من الخوف، فكيف نحن لا نخاف الله سبحانه وتعالى؟!

    أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    وكذلك من دونهم من أصحابهم وحوارييهم، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من السابقين الأولين من المهاجرين، وقد بذل نفسه لله تعالى وماله، وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر، ولم يتخلف عنه في غزوة من الغزوات، شهد بدراً والمشاهد كلها، وقد دخل في قول الله تعالى لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وبايع تحت الشجرة فدخل في قول الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا[الفتح:18] ، ودخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة)، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعيين بالجنة، وبين أنه رأى قصره في الجنة، وبعض نسائه في ذلك القصر.

    وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون من خلفائه بعده فقال: (رأيت في المنام كأنني على فم بئر وبيدي دلو بكرة فانتزعت بها ما شاء الله أن أنزع، ثم تناولها ابن أبي قحافة فانتزع ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يرحمه! ثم تناولها ابن الخطاب فاستحالت غربا، فلم أر عبقرياً يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن)، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم: (رأى الناس يعرضون عليه وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها دون ذلك، ورأى عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قيل: فما أولتها يا رسول الله؟ قال: العلم).

    وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم: (أتي في المنام بقدح من لبن فشرب منه حتى رأى الرّي يخرج من تحت أظافره، ثم ناول فضلته عمر بن الخطاب ، فقيل: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الإيمان)، ومع هذا ينال الشهادة في سبيل الله في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته عشر سنين وأشهراً وضاعف الرقعة وجاهد في الله، وعدل بين الرعية.

    ومع هذا ينال الشهادة في سبيل الله فيبكي بكاءً شديداً ويقول لابنه وقد كان يجعل خده على فخذه: (آليت عليك لتضعن خدي على الأرض)، فيضع خده على الأرض وهو يبكي حتى تقطر دمعتاه على الأرض، فيقول له ابن عباس : (يا أمير المؤمنين! ألم يشهد لك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة؟ ألم تشهد بدراً؟ ألم تبايع تحت الشجرة؟) فيقول: (لعل ذلك على شرط لم يقع، ليتني كنت حيضة حاضتها أمي، وددت أني خرجت من كل ذلك كفافاً لا عليّ ولا لي!)، هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، ماذا نقول نحن إذاً؟! إذا كان عمر وهو بهذا المستوى يخاف أن لا يتقبل الله منه، ويخاف أن يكون كل ما شهد له به من الخير على شرط لم يتحقق، فماذا عسى أن نكون عليه من خشية الله وخوفه؟!

    نبي الله يحيى بن زكريا عليهما السلام

    إن أنبياء الله سبحانه وتعالى وحوارييهم كانوا يخافون الله خوفاً شديداً، وقد قص علينا النبي صلى الله عليه وسلم قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام، فقد كان يخشى الله تعالى خشية شديدة، فكان يبكي حتى يتخرق شدقاه من البكاء من خشية الله سبحانه وتعالى، وهو نبي ابن نبي، وقد بشر الله به أباه، وشهد له بالخير، وبين الله سبحانه وتعالى درجته في الصالحين، ومع ذلك يبكي من خشية الله حتى يتخرق شدقاه من الخشية.

    سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم

    ومن خشية نبينا صلى الله عليه وسلم لله تبارك وتعالى: (أنه كان يقوم الليل فيطول القيام حتى تورمت قدماه، فيقال له: ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً).

    وكان إذا رأى المطر خاف خوفاً شديداً، فكان يدخل ويخرج ويقبل ويدبر من خشية الله، فقيل له في ذلك، فقال: (خشيت أن تكون كقوم هود الذين قالوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا فقيل لهم: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ[الأحقاف:24] )؛ وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم لما كسفت الشمس -وهذا أمر يتكرر فتكسف الشمس، ويخسف القمر ولا نرى الفزع ولا الجزع في قلوب الناس!! وهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما قلوب عباده- فالنبي صلى الله عليه وسلم لما كسفت الشمس خاف خوفاً شديداً، وقام فصلى فأطال الصلاة، ووعظ الناس وذكرهم.

    وكذلك لما جاء القحط، فخاف وبدا التأثر عليه، وقام في الناس خطيباً في صلاة الاستسقاء، فقال فيما روت عنه عائشة رضي الله عنها : (إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغاً إلى حين، اللهم إن بالعباد والبلاد، والخلائق والبهائم من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً).

    فهذا حال أنبياء الله، وحال أصحابهم من بعدهم، فجدير بنا أن نحرص على أن تزداد خشيتنا لله، وخوفنا منه، وبالأخص عندما يتعرض الله لنا بالأخذ، ففي هذه الأيام -مثلاً- يشكو الناس من ارتفاع في الأسعار، وتراجع في القوة الشرائية، وهذا من أمر الله سبحانه وتعالى، لكن كثيراً من الناس يغفلون عنه، فيبحثون عن الأسباب الدنيوية المباشرة وينسون الذنوب التي هي سر ذلك كله، وقد قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[الروم:41] ، فما يصيب الناس من اللأواء والجهد والضنك، كله بسبب ذنوبهم، وقد أخرج ابن ماجه في السنن وأحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، وابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر المهاجرين! أعيذكم بالله أن تدركوا خمساً، فما ظهرت الفاحشة في قوم فأعلنوا بها، إلا ظهرت فيهم الأوجاع والأمراض التي لم تكن فيمن مضوا من أسلافهم)، ومصداق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، ما نشهده الآن من انتشار الإيدز.

    فلذلك قال: (ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وجور السلطان ونقص المئونة، وما نقض قوم عهد الله وميثاقه إلا سلط الله عليهم عدواً من سواهم فأخذ بعض ما في أيديهم، ولا منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وما حكمت أئمتهم بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم).

    فلذلك لا بد إذا تعرض الله لنا بشيء من أخذه أن نبادر إلى التوبة وأن نزداد خشية لله وخوفاً منه، وقد قال تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[الأنعام:43] .

    نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يرزقنا خشيته في السر والعلانية، وأن يجعلنا من الذين يخافون الله ويخشونه، وأن يجعلنا من المخلِصين المخلَصين، وأن يزيدنا إيماناً ويقيناً، وأن يجعلنا أجمعين قرة عين للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن يرزقنا التمسك بسنته عند فساد أمته، وأن يسقينا من حوضه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً، وأن يبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وأن يعطينا كتبنا بأيماننا تلقاء وجوهنا، وأن يجوزنا على الصراط كالبرق الخاطف، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    1.   

    الأسئلة

    حالة الشعور بالقرب من الله فرصة لابد من استغلالها

    السؤال: ينتابني في بعض الأحيان شعور بالقرب من الله عز وجل، كيف تفسرون هذا الحال، ثم كيف يمكنني توظيف هذا الشعور أحسن توظيف؟

    الجواب: أن هذا من أحوال الإيمان؛ وذلك يعتري المؤمن -أي: الشعور بالقرب من الله سبحانه وتعالى- عندما يحسن في الطاعة، ويوفق للعبادة، وإذا أحس بذلك الشعور، فعليه أن يزداد خشية لله تعالى وقرباً، ولا يكون من الذين يأمنون مكر الله تعالى، وعليه أن يستغل الوقت في الإكثار من الدعاء، فذلك الوقت فتحت له فيه الأبواب، فعليه أن يجتهد في الدعاء فيه، لكيلا يفوت الأوان، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحسون بذلك فقالوا: (إذا كنا عندك نكون على ما ترى، فإذا انطلقنا من عندك عافسنا النساء والأولاد على الفرش فنسينا، فقال: لو تدومون على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة وساعة).

    الإحساس بالسعادة والطمأنينة بعد الطاعة من المبشرات

    السؤال: قد تغمرني سعادة وطمأنينة نفسية رائعة بعد الدعاء والاستغفار من الذنوب، فهل ذلك دليل على قبول دعائي والتوبة؟

    الجواب: إن شاء الله، لكن هذا النوع من المبشرات يسر ولا يغر (وقد سألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ[المؤمنون:60] ، قالت: أهو الذي يسرق ويزني ويخاف الله، قال: لا، بل الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف أن لا يتقبل الله منه)، فهؤلاء هم الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون.

    من قسا قلبه فليكثر من الطاعة

    السؤال: ماذا تفعل من قسا قلبها، وجمد جفنها، وخشيت على نفسها النفاق؟

    الجواب: أن عليها أن تواظب على الطاعة، وأن تجعل لنفسها أوقاتاً تخلو فيها بالله سبحانه وتعالى، وتكثر فيها من تدبر القرآن، وعليها أن تكثر كذلك من مجالسة الصالحين، وإذا كانت تستطيع أيضاً عيادة المرضى والدخول على الموتى بتجهيزهم، فذلك مما يساعد على إزالة قسوة القلب.

    حكم قبض اليدين في الصلاة عند مالك، ومتى يرجع إلى أقوال العلماء

    السؤال: هل القبض على اليدين في الصلاة سنة أم مكروه عند مالك ؟

    الجواب: أن مالكاً لم يصل إلينا من مؤلفاته إلا الموطأ، وقد جاء فيه أحاديث القبض، ذكر هذه الأحاديث في سنن الصلاة، ولا بد أن نعلم أيضاً أن المذاهب ليست ديانات، وإنما هي طرق لفهم النصوص، فإذا جاء النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق لأحد كلام معه، فإنما يحتاج إلى الأئمة المجتهدين، وإلى المذاهب فيما لا نص فيه، أو فيما تعارضت فيه النصوص، أو فيما هو خفي الدلالة والمعنى، فهذا الذي نحتاج فيه إلى الأئمة المستفيدين، أما ما هو واضح الدلالة وما هو صريح وصحيح من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاج فيه إلى مشورة أحد، لا يمكن أن يقول أحد: أشاور فلاناً من الناس، هل أعمل بما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو هل أعمل بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل به؟ هذا غير معقول ولا يمكن أن يصدر عن مؤمن!

    الوسائل المعينة على دوام الخشية

    السؤال: ما هي الوسائل المعينة على دوام خشية الله سبحانه وتعالى؟

    الجواب: مراقبة أمره ونهيه، والتزود من كتابه، وتعلم ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومجالسة أهله.

    السائل الذي يخرج من المرأة باستمرار معفو عنه

    السؤال: أنا فتاة أبلغ التاسعة عشرة، ولديّ مشكلة، وهي أنه يخرج مني سائل دائم يبلّ الملابس، فأريد الحكم فيه؟

    الجواب: هذا هو من السلس المعفو عنه، فقد عفا الشارع عن مثل هذا النوع، وقد قال الله: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[الحج:78] ، فالسائل المستمر معفو عنه، فلا يلزم منه وضوء ولا تطهير للثوب ولا غير ذلك إلا إذا تفاحش وكثر، فيمكن أن يغير الإنسان ذلك الثوب إذا أمكنه ذلك، فتخفيف النجاسة مطلوب شرعاً، ولكن الراجح أن مطلوبيته إنما هي على الندب لا على الوجوب.

    الدليل على تحديد أول الحيض وآخره

    السؤال: هذا السؤال عن تحديد أول الحيض بتسع سنين، وتحديد آخره بخمسين سنة، هل عليه دليل؟

    الجواب: أن هذا لم يرد به نص، وإنما المرجع به إلى عادة النساء، وعادة كل أهل بلد هي المرأة.

    رعية النساء التي سيسألن عنها

    السؤال: ما هي رعية النساء التي سيسألن عنها؟

    الجواب: أن النساء قد استرعاهن الله سبحانه وتعالى أنفسهن وجوارحهن، واسترعى من لها زوج وأولاد وبيت، هذه الرعية أيضاً، فكل ذلك من الرعية التي تسأل عنها، وهي من الأمانة الداخلة في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ[الأحزاب:72] ، فعليهن أن يتقين الله فيها، وأن يعلمن أنهن مسئولات عنها بين يدي الله.

    علاج من يوسوس أن في أعماله رياء

    السؤال: هذه تقول: أنا امرأة ملتزمة ويصيبني مرض، وهو أن لا أفعل فعلاً إلا وسوس لي في نفسي أن فيه رياء، ولو كنت وحدي؟

    الجواب: أن هذا من اتباع خطوات الشيطان، وعلى هذه الأخت أن تنبذ عنها هذا النوع، وأن تعلم أن الله سبحانه وتعالى غني عنها وعن عبادتها، وأنها إذا لم تعبده فسيخلق الله من يعبده: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ[الأنعام:89] ، وعليها أن تعلم أن الدين يسر: (ولا يشاد الدين أحد إلا غلبه)، وأنها عليها أن توغل في الدين برفق، وأن تفعل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    من لم يمرض مرضاً جسمياً فقد أنعم الله عليه فليشكره

    السؤال: ما حكم من لم يمرض مرضاً جسمياً قط، هل هذا يعني أنه لن يكفر عنه؟

    الجواب: لا، هذه نعمة من نعم الله، عليه أن يشكرها لله تعالى وإذا عاش فلا بد أن يصاب بمرض، لكن من نعمة الله أنه دفع عنه هذه الأمراض، ويمكن أن تكون مصائبه في أمور أخرى، فالأمراض قد تكون جسمية، وقد تكون نفسية، وقد تكون إيمانية، وقد تكون عقلية، فإذاً هي متنوعة، نسأل الله السلامة والعافية.

    حكم الصبغ بالسواد

    السؤال: هذا السؤال عن الصبغ بالسواد؟

    الجواب: قد سبق أنه لا يجوز، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وجنبوه السواد).

    تفسير حديث: (دعاة على أبواب جهنم..)

    السؤال: هذا السؤال عن تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: (دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها

    الجواب: أن أبواب جهنم، هي كبائر الإثم والفواحش، فلا بد أن يخرج في الدنيا دعاة إلى تلك الكبائر والفواحش، فمنهم من يدعو إلى الزنا، ومنهم من يدعو إلى شرب الخمر والمخدرات، ومنهم من يدعو إلى قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، ومنهم من يدعو إلى عقوق الآباء والأمهات... إلخ، فمن أجابهم إلى تلك الأبواب قذفوه فيها.

    وفي مقابلهم أيضاً دعاة يدعون على أبواب الجنة: من يدعو إلى الصلاة، ومن يدعو إلى الصوم، ومن يدعو إلى الصدقة، ومن يدعو إلى الجهاد، ومن يدعو إلى الزكاة، وهم على أبواب الجنة من أجابهم إليها قدموه إليها.

    ما يلزم المسلمة نحو قرابتها من النصيحة في الدين

    السؤال: بأية صفة أحدد علاقتي بقراباتي اللواتي يقعن في المعاصي؟

    الجواب: إن تلك الصفة هي صفة النصيحة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، وقرابتها: تقتضي منها الحرص على نجاتهن من النار، وعلى حصولهن على رضوان الله سبحانه وتعالى، وعليها أن تحرص على هدايتهن، والنصح لهن، وتبذل كل ما في وسعها من أجل نجاتهن من النار.

    الأعمال الصالحة تنمي الإيمان

    السؤال: ماذا أفعل مما يعينني على تنمية الإيمان؟

    الجواب: أن منميات الإيمان هي الأعمال الصالحة، فيحرص الإنسان على أن لا يبقى عمل من الأعمال الصالحة، ومن أعمال البر، إلا كانت له فيه مشاركة؛ فإن ذلك مما يزيد إيمانه، ويقوي صلته بالله تعالى.

    الأسباب المعينة على قيام الليل

    السؤال: بماذا تنصحون من يحب قيام الليل ولكنه لم يستطع الدوام عليه، وإن قام ليلة نام الليلة الموالية؟

    الجواب: إن ذلك إنما يكون بالإعداد له، فإذا نام الإنسان وقتاً من النهار ولو كان يسيراً، ونام أول الليل، وضبط الساعة أو الهاتف الجوال على الوقت الذي يريد القيام فيه، وأوصى أهل المنزل أن يقيموه، أو أوصى من جيرانه من يتصل عليه في ذلك الوقت، ويكون هذا من التعاون على البر والتقوى، ومما يعينه على قيام الليل، وكذلك مما يعين عليه: أن يقرأ الإنسان كل ليلة في صلاته ما راجعه في النهار من القرآن.

    الداعي إلى المعصية له قسط منها

    السؤال: قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[الأنعام:164] ، والبعض يحكي قصصاً عن امرأة فعلت معصية فتكون سبباً في معصية غيرها، فما قولك في هذا؟

    الجواب: أن المقصود هنا بقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[الأنعام:164] ، أن الذنب الذي فعله الإنسان هو المسئول عنه، ولا يسأل عنه غيره، فلا يمكن أن يتحمل أحد وزر أحد، ولا يمكن أن يتحمل أحد ذنب أحد، لكن إذا فعل الإنسان ذنباً ودعا إليه، فمن استجاب لدعوته إلى ذلك الذنب، كتب عليه قسط من ذلك الذنب، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم : : (أن ابن آدم الأول هو أول من سن القتل على الأرض، فما قتلت نفس بظلم بعد، إلا كان على ابن آدم الأول قسط من ذلك القتل)، وقال: (من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً)، ومن الدعوة إلى الفعل: إعلانه وإبرازه أمام الناس، فذلك دعوة إليه، وذلك أن كثرة المساس تثير الإحساس.

    علاج عدم البكاء من خشية الله

    السؤال: أنا مسلمة من أسرة محافظة، أحضر بعض المحاضرات وأسمع بعض الأشرطة الدينية؛ لكنني وبكل أسف يصعب عليّ أن أبكي من خشية الله، فبماذا يفسر ذلك؟

    الجواب: أن هذا من القسوة، وبالإمكان إزالته إذا شهدت هذه الأخت كثيراً من المواعظ واستمعت إليها، وفكرت في خاصة نفسها، وتدبرت في خلواتها، فجلست وحدها في غرفة ليس معها فيها أحد، وتذكرت وقت عرضها على الله، وتذكرت حالها في قبرها وانقطاعها عن هذه الدنيا، وتذكرت سؤال الله لها عما آتاها، فكل ذلك مما يعين على الزيادة من خشية الله.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بكل شيء تحب أن تحمد به، على كل شيء تحب أن تحمد عليه، لك الحمد في الأولى والآخرة، لك الحمد كثيراً كما تنعم كثيراً.

    لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض، ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيّون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق.

    لك الحمد أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلى وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتُعصى فتغفر، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس، وأخذت بالنواصي، ونسخت الآثار، وكتبت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرءوف الرحيم، نسألك بعزك الذي لا يرام، وبنورك الذي أشرقت له السماوات والأرض؛ أن تهدي قلوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تكشف كروبنا، وأن تجعل التقى زادنا، وأن تحقق مرادنا، وأن تصلح أولادنا.

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا بين معاصيك، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا.

    اللهم استعملنا في طاعتك، واجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين، اللهم لا تدع لنا في عشيتنا هذه ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا مجاهداً إلا أيدته ونصرته، ولا عدواً إلا كبته وخذلته وكفيته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا جاهلاً إلا علمته، ولا فقيراً إلا أغنيته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً وفيها لنا صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وأوهن كيد الكافرين، وانصرنا عليهم أجمعين، اللهم أظهر دينك وكتابك على الدين كله، ولو كره المشركون، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وتقام فيه حدودك يا سميع الدعاء.

    اللهم حقق رجاءنا واستجب دعائنا، وأصلح أحوالنا وأحوال المسلمين أجمعين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم اجعل القبر خير بيت نعمره، اللهم نور قلوبنا وقبورنا ووجوهنا يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لنا في ساعتنا هذه أجمعين، وأهد المسيئين منا إلى المحسنين يا أرحم الراحمين.

    اللهم هؤلاء عبادك وإماؤك قد اجتمعوا في بيت من بيوتك يرفعون إليك أيدي الضراعة فلا تردهم خائبين، ولا تجعلهم عن رحمتك من المطرودين، وأهد المسيئين منهم للمحسنين يا أرحم الراحمين.

    اللهم حقق رجاءنا واستجب دعاءنا، وأصلح أولادنا، وحقق مرادنا، وأصلح مرادنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم إنا نسألك من كل خير سألك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك الصالحون، ونعوذ بك من كل شر استعاذك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك الصالحون، وأنت المستعان، عليك توكلنا وإليك المصير.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3039373944

    عدد مرات الحفظ

    729771709