إسلام ويب

دور المرأة في الدعوة والجهاد [2]للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للمرأة أدوار مختصة بها لا يستطيعها الرجال نهائياً، والناجحون في العمل أياً كان ذلك العمل، سواءً كان دراسة، أو عملاً تجارياً، أو عملاً وظيفياً، في كثير من الأحيان لا يؤثر فيهم إلا النساء. والأدوار الكبيرة التي كانت منوطة بالنساء في سابق العهد تزداد أهميتها والعناية بها في زماننا هذا.

    1.   

    نماذج من تأثير المرأة على الرجال

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    ثم بعد هذا لا شك أن للمرأة أدواراً مختصة بها لا يستطيعها الرجال نهائياً، وهي: التأثير في كثير من الرواحل، فهؤلاء البشر جعلهم الله سبحانه وتعالى على طبقات وأصناف: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق:19]، جعلهم أصنافاً وطبقات، ومنهم رواحل يمكن أن يتحملوا المسؤوليات، وأن يقوموا بالأمور على الوجه الصحيح وهم محطمو الأرقام القياسية.

    الناجحون في العمل أياً كان ذلك العمل، سواءً كان دراسة، أو عملاً تجارياً، أو عملاً وظيفياً، الناجحون المتفوقون هم أصحاب الأرقام القياسية، وهؤلاء في كثير من الأحيان لا يؤثر فيهم إلا النساء.

    فلا مدخل إلى التأثير فيمن يجد في نفسه تميزاً واستغناءً إلا من قبل النساء، فهذه نقطة ضعف في الرجال لا بد أن تستغل، وبالأخص في أصحاب التميز منهم؛ لأنهم لا يريدون، ليس لهم حاجة إلى الرجال الآخرين، ولا يريدون الاقتداء بهم ولا اتباعهم، ولا علاقة بينهم وبين غيرهم؛ لأنهم أصحاب تميز، وشقوا طريقهم، ونجحوا في أمورهم، فأخذتهم نشوة النجاح وبذلك استمروا في طريقهم، فإذا خاطبهم رجل، وخاطب أحدهم رجل آخر قال له:

    كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا

    لكن يمكن التأثير في هؤلاء عن طريق واحدة وهي: طريق المرأة الصادقة الصالحة الناصحة، التي تريد لهم الخير، وتكون حريصة على هدايتهم، فكم من إنسان كانت زوجته سر نجاحه وإيمانه ورجوعه إلى الحق؛ ولذلك فإن كثيراً من المفكرين الاجتماعيين يقولون: وراء كل عظيم امرأة، سواءً كانت أماً أو زوجةً أو أختاً، وهذا واقع.

    تأثير أم سليم على ولدها أنس بن مالك

    فكما ذكرنا أم سليم بنت ملحان امرأة من الأنصار كانت زوجة لابن عم لها شاب صغير، وقد قتل في حروب بعاث، وترك لها طفلاً صغيراً هو أنس بن مالك فهذا الطفل اليتيم الواحد قامت على تربيته، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة كان هذا الطفل في العاشرة من عمره، فجاءت تقوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم فأهدته إليه، قالت: يا رسول الله! هذا خويدمك أنس يخدمك، فكان من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وتعرفون أنه رجل عظيم، لكن وراءه امرأة هي التي جاءت به تقوده وجعلته في هذا المكان الشريف، الذي ما فكر أحد من الأسر التي آباؤها وأمهاتها أحياء أن يأتي بولده كما جاءت هذه المرأة بولدها، ثم بعد هذا لما بقيت وحدها في البيت، بعد تسليم أمانة زوجها وهي ولدها هذا، بعد تربيتها له، واختيارها له أحسن وظيفة ممكنة هي خدمة النبي صلى الله عليه وسلم وسكناه معه في بيته، بقيت وحدها في البيت، فالآن استطاعت أن تجدد أسرة جديدة، ففكرت في رجال عشيرتها، فإذا أبو طلحة الأنصاري ، زيد وهو أقواهم شكيمة وأشجعهم وأكثرهم مالاً وأشدهم عداوة إذ ذاك للدعوة، فسعت إليه وجعلت صداقها مجرد إسلامه، فدعته إلى الإسلام فأسلم، ثم كانت بعد ذلك خير مساعد له على الجهاد في سبيل الله ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تغزو معه في الغزوات، فقد خرجت معه في غزوة حنين، وهي حامل بأحد أولادها، فمر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما انهزم الناس وقد نضحهم هوازن بالنبال فرجعوا، ولم يبق إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومائة شخص معه من اثني عشر ألف رجل، لم يبق منهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومائة رجل معه، مائة شخص معه، كانت أم سليم هذه فيمن بقي معه، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيدها خنجر، فقال: ( يا رميصاء! وما حاجتك إلى هذا الخنجر؟ قالت: إن مر بي مشرك بعجته به )، وهي تتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه المعركة الحاسمة وهي معركة حنين.

    أم حرام بنت ملحان وزوجها عبادة بن الصامت

    وهكذا نجد أيضاً أن أختها وهي أم حرام بنت ملحان ، وهي زوجة البطل الشجاع عبادة بن الصامت الذي يوزن بألف، عندما كتب عمرو بن العاص في مصر إلى عمر بن الخطاب إنه سيغزو النوبة، وهو يريد أن يمده بثلاثة آلاف مقاتل، أرسل إليه عمر ثلاثة فقط، وكتب معهم كتاباً قال: يا عمرو ! إني قد أمددتك بثلاثة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما منهم أحد إلا يوزن بألف، فإذا لقيت عدوك فاجعلهم صفاً بين العدو وبين المسلمين، وهم: الزبير بن العوام و المقداد بن عمرو و عبادة بن الصامت ، فوزنهم عمر بألف، وقد فعلوا، فكان عمرو بن العاص إذا استقبله جيش المشركين يجعل هؤلاء الثلاثة صفاً وحدهم يتقدمون والمسلمون يقاتلون من ورائهم حتى يفتح الله عليهم.

    وكانت أم حرام بنت ملحان هذه محرماً لرسول صلى الله عليه وسلم، فإن عبد الله بن عبد المطلب ولد بالمدينة لدى أخوال أبيه، وقد أرضعته مليكة ، وهي أم أم حرام بنت ملحان ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيها فينام في بيتها، وكانت تفلي شعره، وتأخذ عرقه فتجعله في طيبها ومسكها.

    ( نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في بيتها فاستيقظ يضحك، فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما يضحكك؟ قال: قوم من أمتي ملوك على الأسرة، أو كالملوك على الأسرة يركبون ثبج هذا البحر هم في الجنة، فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم ) قد رآها، ومنامات الأنبياء وحي، فكل ما يراه نبي من الأنبياء في النوم هو من الوحي، فقد قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى:51]. إِلاَّ وَحْياً [الشورى:51] أي رؤيا المنام، فرآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الجيش وهو أول جيش من المسلمين يغزو في البحر، وهو الجيش الذي يفتح قبرص، وقائده معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فخرجت هي في هذا الجيش، ولما فتحوا قبرص وقعت هي عند دابتها فماتت شهيدة في سبيل الله، وقبرها إلى الآن معروف بقبرص.

    1.   

    دور المرأة المسلمة في الجهاد لإعلاء كلمة الله

    وكذلك من الأدوار العظيمة التي يمكن أن تقوم بها المرأة فيما يتعلق بالجهاد، مع أن الجهاد في الأصل معناه شامل كامل، فهو: بذل الجهاد لإعلاء كلمة الله، فيشمل ذلك بذل الأقوال وبذل الأموال وبذل الأفعال، فكل ذلك جهاد في سبيل الله كما قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذكر القرآن: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً [الفرقان:52]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]، وقد جاهد النبي صلى الله عليه وسلم الكفار بالسنان، وكل ذلك جهاد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)، فإن هذا الجهاد بالسنان في الأصل لا يجب على النساء إنما هو واجب على الرجال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله النساء عن جهادهن قال: ( نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة )، هذا الجهاد الذي لا قتال فيه واجب على النساء كالرجال، لكن الجهاد الآخر الذي فيه القتال ليس واجباً على النساء، ومع ذلك من رأت في نفسها القدرة عليه وإتقانه، فهذا دورها ويمكن أن تقوم به وتؤديه؛ ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغزو بالنساء، فما غزا غزوة قط إلا وفيها عدد من النساء، وكان إذا أراد أن يغزو أقرع بين نسائه، فأيتهن خرجت لها القرعة خرج بها في غزوته؛ ولذلك ففي حديث أنس في صحيح مسلم : ( رأيت فاطمة و عائشة و أم سليم يوم أحد مشمرات عن أسوقهن يحملن القرب ويصببن الماء في أفواه الجرحى )، فهؤلاء النسوة لما شعرن بتهديد بيضة الإسلام، وأن الدين أصبح في خطر، نزعن الملابس عن أسوقهن وحملن القرب على مناكبهن وجئن يصببن الماء في أفواه الجرحى، ويقمن بدورهن الواجب في ذلك الوقت لأن هذا الوقت؛ هددت فيه بيضة الإسلام فاستوى الخطاب، الخطاب هنا مشترك بين الرجال والنساء حينما تهدد البيضة.

    دور نسيبة في الجهاد في سبيل الله

    وكذلك فقد كانت نسيبة رضي الله عنها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت تقاتل بسيفين، تقاتل بسيف في يمينها وسيف في شمالها وهي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما انهزم الرجال يوم أحد لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أحد عشر شخصاً منهم نسيبة هذه، ثبتت بين يديه بعد أن انهزم الرجال، وكذلك فقد كانت من الذين اقتحموا على مسيلمة الكذاب وقتلوه، فكانت لديها حربة ضربت بها مسيلمة بين كتفيه فخرجت من بين ثدييه.

    1.   

    دور المرأة في بعض المجالات الأخرى

    وكذلك فإن من هذه الأدوار التي يمكن أن تقوم بها المرأة أيضاً بالإضافة إلى ما سبق من الدعوة والجهاد: ما يتعلق بالإنتاج الدعوي، فما تقدمه من الدروس، والكتب، والتجارب المختصة ينفع النساء ويشجعهن، وبالأخص إذا عرفنا أن أكثر علم البشر إنما هو راجع إلى تجارب، وهذه التجارب بالإمكان أن يدونها الإنسان، كل إنسان له فيها آثار كبيرة جداً، وإذا قسمنا ذلك إلى مجالات:

    دور المرأة في المجال الثقافي

    فأولاً المجال الثقافي: لاشك أن كل امرأة ترغب أن يكون أولادها من العلماء، ومن المتميزين، ومن الناجحين المتفوقين، وبالإمكان أن تتخذ لذلك وسائل شتى، وإذا وكلت ذلك إلى زوجها أو إلى رغبات أولادها، أو إلى زملائهم وأصحابهم، أو إذا وقع لم تجد هي حلاوة الوجدان لأنها لم تشارك فيه.

    ولذلك كنت سعيداً جداً في هذا الأسبوع عندما أتتني إحدى الأخوات نسأل الله أن يقر عينها، فجاءت بولدها وقالت: هذا ولدي حفظته القرآن من أوله إلى آخره بيدي، أكتبه له بيدي حتى حفظه بكامله، فهذا إنتاج ومشروع عظيم عملاق قامت به هذه الأخت الكريمة، وهذا النوع من الإنتاج يسعد به الإنسان؛ لأنه يرى نتيجة عمله في حياته، فكان هذا أمراً مهماً وعملاً يستحق التشجيع.

    ولذلك ففي المجال الثقافي أمر الله تعالى أمهات المؤمنين بتعليم الناس، فقال: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]، وهذا الخطاب وإن كان موجهاً لأمهات المؤمنين يمكن أن يكون دوراً مشتركاً تقوم به كل امرأة تعلمت، فعليها أن تذكر من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تستطيع توصيله وبيانه وتبليغه؛ وبذلك تكون نائبة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ ما بلغها عنه، وقد زادت عمر النبي صلى الله عليه وسلم بساعة أو بساعتين من عمرها هي، ولو كان ذلك في كل أسبوع، لا شك أننا جميعاً نفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسنا، ونعلم أن الشاعر كان محقاً عندما قال:

    يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم

    نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم

    فلذلك قطعاً نفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسنا، وكل ساعة تنفقها إحداكن في تبليغ آية أو حديث أو علم فإنما هي زيادة في عمر النبي صلى الله عليه وسلم وقيام بوظيفته، كأنها تهدي ساعة من عمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزيد بها عمره، وتؤدي فيها وظيفته، وهذا أعظم شيء يمكن أن تشتغل به.

    ثم كذلك لا شك أن هذه الأمة أمة مظلومة مضطهدة، وأن لها حقوقاً على أفرادها جميعاً رجالاً ونساء، هذه الأمة المحمدية خير أمة أخرجت للناس، وما سعدت البشرية بشيء كما سعدت بتقدم هذه الأمة وقيادتها للأمم؛ ولذلك من المفضل أن يدرس الأخوات كتاب: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله؟ هذا الكتاب أراد فيه أن يبين فائدة تقدم هذه الأمة ومزيتها للأمم، عندما كانت هذه الأمة في قيادة الأمم، كيف كان أهل الأرض؟ وكيف كانت حياتهم وسعادتهم؟ وعندما تأخر المسلمون وحصل الانحطاط فيهم ماذا خسر العالم بذلك؟

    فإذا أدركنا هذا شعرنا أن العالم الآن فيه فجوة عظيمة تحتاج إلى من يسدها، وهذه الفجوة هي مكان هذه الأمة بين الأمم، فلذلك من مسؤولياتنا أن نرد هذه الأمة إلى مكانها بين الأمم، وهذه المسؤولية لا شك أنها شاقة، وهي تقتضي كثيراً من علوم الدنيا ومن علوم الدين، وكثيراً من التطبيقات والأعمال، وكثيراً من الإنتاج المادي والفكري؛ فلذلك نحتاج جميعاً إلى المشاركة في إعادة هذه الأمة إلى مكانتها التي تستحقها وهي قيادة الأمم وريادتها؛ فلذلك لا بد أن يكون من دور المرأة أن تسعى لتقدم هذه الأمة وقيادتها للعالم وسيادتها فيه، وأن تسعى لأن ترد هذه الأمة إلى مكانتها، وهذا الحق هو حق على الرجال والنساء، وإذا شعر به الإنسان في كثير من الأحيان يشعر بأن الوقت ضيق جداً؛ لأنه يريد إنجاز كثير من الأعمال، ولا يجد وقتاً ينجزه فيه، وهذا وإن كان فيه مشقة لكن فيه سعادة جداً فالفراغ لا خير فيه، الإنسان الذي يعمل دائماً سعيد؛ لأنه يحس بأنه ينتج؛ ولهذا قال علال بن عبد الله الفاسي رحمه الله:

    أبعد بلوغي خمس عشرة ألعب وألهو بلذات الحياة وأطرب

    ولي نظر عال ونفس أبية مقاماً على هام المجرة تطلب

    وعندي آمال أريد بلوغها تضيع إذا لاعبت دهري وتذهب

    ولي أمة منكودة الحظ لم تجد سبيلاً إلى العيش الذي تتطلب

    على أمرها أنفقت دهري تحسراً فما طاب لي طعم ولا لذ مشرب

    ولا راق لي نوم وإن نمت ساعة فإني على جمر الغضا أتقلب

    فكذلك من يشعر بحال أمته هذه ويشعر بمسئوليته هو؛ لأننا نحن أهل هذا الجيل قد ابتلينا بواقع أمتنا، فعلينا أن نبذل جهودنا من أجل تغيير هذا الواقع؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11].

    دور المرأة في المجال الاجتماعي

    ثم بعد هذا من الناحية الاجتماعية لا شك أن أصل الضعف التفرقة، وأن أصل القوة الاجتماع، وهذه الأمة ما استعمرها أعداؤها واستضعفوها إلا عندما قطعوها إرباً إرباً ووصلوا إلى مرادهم فيها بالتفرقة والضغائن، وجعل هذه الأمة طبقات متنازعة، وجعلها دولاً متقاطعة، فهذه المشكلات من مشكلات الأمة العظمى ولا بد من سدها، فلا بد من سعي الإنسان لتحقيق العدالة الاجتماعية في الأرض؛ لأن هذا مما يزيل هذه الفروق، ويؤدي إلى اجتماع الكلمة والتحام الصفوف.

    والعدالة الاجتماعية تقتضي أننا جميعاً رجالاً ونساءً مستخلفون في هذه الأرض، وقد سخر الله لنا كثيراً من الخيرات التي فيها، فعلينا أن نسعى لإيصال هذه الخيرات إلى عيال الله، وأن نبذل ما نستطيع من أجل إسعاد عيال الله، فالناس عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله، ولا شك أن كل إنسان منا يحب أن يحبه الله، ومن يسعى لمحبة الله له لا بد أن يحرص على أن يكون من الذين يقومون على عيال الله؛ ولهذا فإن الله تعالى قال لـأبي بكر رضي الله عنه عندما أقسم أن لا ينفق على مسطح بعد أن قال ما قاله المنافقون في قصة الإفك، قال الله لـأبي بكر : وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22] فقال أبو بكر : أنا أحب أن يغفر الله لي، فكفر عن يمينه وأعاد النفقة إلى مسطح .

    وكذلك فإن الإنسان الذي يحب أن يؤدي هذه الأمانة لا بد أن يعلم أن من سعادته أن يحس أنه مسح دموع يتيم أو أرملة، أو شارك في إسعاد إنسان ضعيف، وهذه سعادة ما مثلها سعادة، وهي الأريحية التي يحس بها الكرماء، كما قال الشاعر:

    رأيت رباطاً حين تم شبابه وأودى شبابي ليس في بره عتب

    لنا جانب منه يلين وجانب شديد على الأعداء مركبه صعب

    وتأخذه عند المكارم هزة كما اهتز تحت البارح الفنن الرطب

    فيستشعر الإنسان أن له دوراً وفائدة، وأنه ما خلق عبثاً عندما يقوم بهذا الأمر، ولذلك كان طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الناحية الاجتماعية مبرزاً، فهو يقول: ما رأيت ذا فاقة قط إلا جهدت من أجل سدّها. ما رأيت ذا فاقة قط إلا جهدت، أي: بذلت جهدي من أجل سدها.

    ولذلك حين قتل رضي الله عنه يوم الجمل وقف عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأنشد فيه الأبيات المشهورة:

    فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر

    فتى لا يعد المال رباً ولا ترى به نخوة إن نال مالاً ولا كبر

    ثم إن من سعادة الإنسان كذلك من الناحية الاجتماعية أن يحس أن قلوب عباد الله محبة له، فإذا كان ينفعهم ويقدم لهم الخير كان محباً لهم وحريصاً عليهم فإنه ستوضع له المحبة في هذه القلوب، بقدر حرص الإنسان على حب الآخرين ونفعهم بقدر ما يضع الله له من المحبة في قلوبهم، بخلاف الذي ينفعهم وهو لا يحبهم فإن ما يقدمه لهم سيذهب كما بين الله تعالى مثلاً عجيباً، فذكر أن الذي ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله، كالذي يزرع حبة واحدة فتخرج منها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والذي ينفق ماله وهو يريد أن يقال جواد كالصخرة يجتمع عليها الرمل فيسترها ثم يأتي السيل فيذهب بالرمل وتبقى هي بارزة للشمس ليس عليها شيء، فكذلك هذا الإنسان أنفق ماله، ومع ذلك ما حصل على شيء: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:265].

    قد قال قبل هذا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [البقرة:264]

    فلهذا لا شك أن للناحية الاجتماعية دوراً مهماً، وأن للنساء فيه دوراً أكبر من دور الرجال، فأكثر المجتمع النساء، والضعف فيهن أكثر، والفاقة والفقر فيهن أكثر، والاطلاع على أحوالهن أيسر على النساء منه على الرجال، ومساعدتهن من قبل النساء أيسر؛ ولذلك عرف هذا حتى في الجاهلية؛ ولهذا قال متمم بن نويرة في مرثيته لأخيه مالك بن نويرة :

    لعمري وما دهري بتأبين هالك ولا جزعاً مما أصاب فأوجعا

    لقد كفنا المنهال تحت ردائه فتى غير مبطان العشيات أروعا

    ولا وكل تهدي النساء لعرسه إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا

    فلذلك قد كان هذا معروفاً لديهم أيضاً في الجاهلية؛ ولهذا يقول زياد بن حمل أيضاً في امتداحه لقومه، يقول:

    لا حبذا أنت يا صنعاء من بلد ولا شعوب هوى مني ولا نقم

    ولن أحب بلاداً قد رأيت بها عنساً ولا بلداً حلت به قدم

    إذا سقى الله أرضاً صوب غادية فلا سقاهن إلا النار تضطرم

    وحبذا حين تمسي الريح باردة وادي أشين وفتيان به هضم

    الواسعون إذا ما جر غيرهم على العشيرة والكافون ما جرموا

    والمطعمون إذا هبت شآمية وباكر الحي من صرادها صرم

    وشتوة فللوا أنياب لزبتها عنها إذا كلحت أنيابها الأزم

    حتى انتحى حدها عنهم وجارهم بنجوة من حذار الشر معتصم

    هم البحور عطاءً حين تسألهم وفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم

    وهم إذا الخيل جالوا في كواذبها فوارس الخيل لا ميل ولا قزم

    لم ألق بعدهم حياً فأخبرهم إلا يزيدهم حباً إلي هم

    كم فيهم من فتى حلو شمائله جم الرماد إذا ما أخمد البرم

    تحب زوجات أقوام حلائله إذا الأنوف امترى مكنونها الشبم

    هذا البيت هو محل الاستشهاد:

    تحب زوجات أقوام حلائله إذا الأنوف امترى مكنونها الشبم

    أي إن النساء الأخريات -نساء الفقراء- يبقين من عيال نسوته هو في وقت البرد الشديد الذي يخرج ما بداخل الأنف؛ فلذلك قال:

    تحب زوجات أقوام حلائله إذا الأنوف انترى مكنونها الشبم.

    ابتلاء الله الناس بالشدة والرخاء

    ثم بعد هذا، كذلك من الناحية الاجتماعية لا شك أن الله سبحانه وتعالى يبتلي الناس بتفاوت حالهم، وما آتاهم، فكثير هم أولئك الأغنياء الذين ابتلاهم الله بما جعل تحت أيديهم من المال، وجعل في المدينة التي هم فيها، أو في الحي الذي يقطنونه كثيراً من الفقراء الذين لا يجدون مأوىً، ولا ملجأً، ولا أي شيءٍ يمكن أن يسدوا به خلتهم وحاجتهم، فيكون وجودهم وما آتاهم الله ابتلاءً وامتحاناً، وسيعلم الله تعالى المحسن منهم فيثيبه على إحسانه، ويعلم أيضاً المسيء منهم؛ وبذلك قد امتحن في هذه الحياة الدنيا وعرفت نتيجته قبل الآخرة.

    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً عجيباً، فذكر أنه كان فيمن قبلنا ثلاثة، كان أحدهم أعمى، والآخر أبرص، والآخر أقرع، وهم من بني إسرائيل، فأرسل الله ملكاً إلى ذلك الأعمى فسأله: ماذا تحب؟ قال: أحب أن يرد الله عليَ بصري فقد قذرني الناس، فرد الله عليه بصره، فقال: أي المال أحب إليك؟ فذكر نوعاً من أنواع المال إبلاً أو بقراً أو غنماً، فأعطاه واحدة من ذلك النوع الذي يحب مقرباً، فأنتجها فكان له وادٍ كامل من المال، ثم أتى ذلك الذي كان أبرص فسأله: ما حاجتك؟ قال: أن يرد الله عليَ جلدي فقد قذرني الناس، فرد الله عليه جلده، ثم سأله عن أحب المال إليه، فذكر نوعاً منه، فأعطاه مثلما أعطى الأول أنثى مقرباً من ذلك النوع فأنتجها فكان له وادٍ من ذلك المال، ثم أتى الآخر وهو الأقرع، فسأله عن ماذا يريد مع حاجته؟ فقال: أن يرد الله عليَ شعري فقد قذرني الناس، فرد الله عليه شعره، وسأله عن أحب المال إليه؟ فذكر صنفاً من أصناف المال أيضاً، فأعطاه مثلما أعطى السابقين، فأنتجها فكان له وادٍ من ذلك النوع من الحيوانات، ثم أتاهم ذلك الملك، أتى كل واحد منهم في صورته هو السابقة، فأحدهم لما أتاه في تلك الصورة التي هي صورته هو من قبل، قال: بالذي وهبك هذا المال وشفاك من سقمك، أحسن إليَ فإني محتاج، وذكر له حاله، فقال: ورثت هذا المال كابراً عن كابر، فلم يحسن به أحد إليَ، وتنكر لحاله السابق، فقال: إن كنت كاذباً فردك الله كما كنت، فأذهب الله ماله، وأعاده على الوجه الأول الذي كان عليه، ثم أتى الثاني فقال: بالذي أنعم عليك، وشفاك مما بك، وأعطاك هذا المال أعطني فإني ابن سبيل وفقير، وشرح له حاله، كذلك تكبر وذكر أنه ورث هذا المال كابراً عن كابر، فدعا عليه بمثل ما دعا على الأول به، فذهب ماله وعاد إلى حاله الأول، فأتى الثالث فسأله بالمسألة نفسها، فقال: إني كنت مثلك على هذا الحال، فأنعم الله عليَ وعافني وأسبغ عليَ من هذا المال، فو الله لا أسأل بالله شيئاً منه إلا أعطيته، فخذ منه ما شئت ودع ما شئت، فقال له: بارك الله لك في مالك، وذهب وتركه، لم ينقصه شيئاً.

    فهذا الامتحان العجيب لا بد من استحضاره، واستشعار حال كثير من الذين يؤملون في الناس، وقد قال الحكيم:

    علموا أن يؤملون فجادوا قبل أن يسألوا بأعظم سئل

    إذا علم الإنسان أنه يؤمله الناس، ويعلقون فيه آمالاً فعليه أن يكون على استعداد لذلك، أن يكون مستعداً ليسد ما يعلقه الناس به من أمل، فما علق الناس به الآمال إلا على أساس نعمة الله التي لديه.

    لو كان هذا الإنسان فقيراً ضعيفاً سقيماً لما علق الناس به الآمال، لكن لما وهبه الله العافية والصحة والغنى علق الناس به الآمال على أساس نعمة الله التي عنده؛ فلذلك عليه أن يعرف ذلك، كما قال الحكيم:

    لا تقطعن عادة الإحسان عن أحد ما دمت تقدر فالأيام عادات

    واذكر فضيلة صنع الله إذ جعلت إليك لا لك عند الناس حاجات

    ومن هنا على الإنسان دائماً إذا أنعم الله عليه بأية نعمة أن يتذكر حاله هو قبل أن ينال هذه النعمة، وحال المحرومين الذين لا ينالونها الآن، كما قال حاتم بن عبد الله الطائي :

    لعمري لقدماً عضني الجوع عضة فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا

    فإذا تذكر الإنسان حالهم وما هم فيه، وأن تخفيف أعبائهم مما يؤدي إلى لحمة هذا المجتمع، ويؤدي إلى تحصينهم هم حتى من الخنوع للكفار، فيكفي من إنقاذهم أنك حلت بينهم وبين كارتاس أو بينهم وبين أي منظمة من منظمات التنصير، وجعلتهم لا يمدون أيدي الضراعة إلى أعداء الله الذين يريدون لهم الكفر، فهذا كافٍ.

    وكذلك إذا استشعر الإنسان أن كثيراً منهم لا يشعر أحد بعوزه ولا بفقره، فليس الفقير بالذي ترده اللقمة واللقمتان، ولا الكسرة ولا الكسرتان، الفقير هو المتعفف الذي لا يشعر أحد بحاجته ولا فقره، ولا يسأل الناس إلحافاً، والتطلع إلى مثل أحوال أولئك هو من أقرب القربات التي يتقرب بها إلى الله؛ ولهذا كان علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وأرضاهم ينفق على مائة بيت فقير في المدينة وهم لا يعلمون من ينفق عليهم، يأتيهم في ليلة من ليالي الشهر وقد ناموا، فيضع راتب الشهر بكامله نقوداً وطعاماً ولباساً عند بابهم ويذهب، فيوزعه بهذا التوزيع، فلما مات انقطع عنهم ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان يقوم به.

    دور المرأة في مساعدة الناس في مصابهم وشفاء مرضاهم

    كذلك لا شك أنه من النواحي الاجتماعية أيضاً، من المصائب والأمراض التي ينزلها الله في هذه الأرض، ما يكون ابتلاء وامتحاناً لعباد الله، وهذه الأمراض إذا سعى الإنسان لشفاء إنسان منها، ولو كان ذلك في شفاء إنسان واحد فكأنما أحيا الناس جميعاً، كما قال الله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة:32].

    ومن هنا فمساعدة المرضى في علاجهم وشفاء ما بهم مهمة أساسية ودور اجتماعي كبير وللنساء فيه ما هو أبلغ من دور الرجال، فقد كن من قديم الزمان يمارسن هذه المهنة وهي مهنة التطبيب، وكان عدد من النسوة يخرجن في جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم فيداوين الجرحى، يضمدن الجراح، وعندما جرح سعد بن معاذ أبو عمرو رضي الله عنه في أكحله، وهو عرق داخل مرفقه، أصابه سهم يوم الأحزاب، بنى له النبي صلى الله عليه وسلم قبة في المسجد، وكانت امرأة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تقوم على علاجه وتداويه، فكان سعد سأل الله تعالى أن لا يميته حتى تقر عينه في بني قريظة من اليهود، فلما فتح الله حصن بني قريظة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكموا سعد بن معاذ حكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات، فنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجعوا إلى المدينة، فعاد سعد إلى عيادته عند تلك المرأة التي تعالج، فكانوا من الليل، فاستيقظوا وقد انفجر العرق وسال الدم حتى خرج من تحت طلب الخباء، فمات سعد ، فاهتز عرش الرحمن جل جلاله لموته، فأخبر بذلك جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال فيه حسان بن ثابت رضي الله عنه:

    ما اهتز عرش الله من أجل هالك سمعنا به إلا لـسعد أبي عمرو

    وعلاج المرضى والقيام عليهم كما ذكرت مهمة تحتاج إلى اللطف والرفق، والنساء حظهن من ذلك أعظم وأكبر من حظ الرجال، فلهن من العاطفة واللين والرحمة أبلغ مما لدى كثير من الرجال، فقيامهن بذلك من دورهن البارز.

    دور المرأة في المجال الاقتصادي

    ثم بعد هذا أيضاً من الناحية الاقتصادية، لاشك أن الاستخلاف في الأرض يقتضي إنتاجاً واستغلالاً لما فيها من الخيرات، والنساء مثل الرجال كما ذكرت في العقود والبياعات ونحو ذلك، فقد قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، فشرع الله لهن الاكتساب من الحلال لينفقنه أيضاً في وجوه الخير، وليسد به كل إنسان حاجته، ويستغني به عن المسألة وعن غيره، وهذا مطلوب من الرجال والنساء، مطلوب من كل إنسان أن يكون له إنتاج أياً كان ذلك الإنتاج، فإن كان يستطيع التجارة في المبالغ الكبيرة التي تحقق بعض فوائد المجتمع، وتجلب إليه بعض ما يحتاج إليه فبها ونعمت، وإلا فكل باب من هذا النوع هو نفع، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أخذ الإنسان لحبله واحتطابه وبيعه للحطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.

    وهذا الإنتاج الاقتصادي من المهم جداً في مثل زماننا هذا، التقيد فيه بالحلال، في الوقت الذي كثرت فيه أسباب الغنى من الحرام، وإذا كانت المرأة أو الرجل، في اكتساب الحلال فذلك اليوم هو جهاد في سبيل الله؛ لأنه فتح لباب قد فتح في إزائه كثير من أبواب الربا وأكل أموال الناس بالباطل، والغلول، وأكل المال العام، والسرقات، والنهب، والخيانات، أمور كثيرة جداً استغنى بها عدد كبير من الرجال والنساء، وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به.

    فالتماس الحلال واستحلاله مما يتقرب به إلى الله؛ ولذلك قال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيت إذا أديت المكتوبات، واستحللت الحلال، وتركت الحرام، ثم لم أزد على ذلك شيئاً، هل أدخل الجنة؟ قال: نعم)، فاستحلال الحلال هو مما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، وبالأخص في إيجاد البدائل، ومنها فرص العمل، التي تتاح أمام الذين يصلحون ولا يجدون مجالاً للإنتاج.

    وهذا المجال لا شك أن ذوق النساء فيه يختلف عن أذواق الرجال، فبالإمكان أن ينتجن كثيراً مما يحتاج إليه النساء والبيوت، وهي أمور لا يمكن أن تصل إليها أذواق الرجال، فإنتاج النساء فيها ودورهن فيها أكبر.

    وكذلك الحال في المشاريع التنموية بمختلف أنواعها، ولا شك أن كثيراً من الناس يظنون أن الأرزاق إنما هي في الوظائف، وقد سبق في درس عمل المرأة، أن الوظيفة أصلاً حتى للرجال هي أضيق أبواب الرزق، أضيق أبواب الرزق العمل الرسمي الوظيفة، لكن التجارات هي أوسع أبواب الرزق؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وكل بيع مبرور)، لما ذكر ما جعل الله به البركة من هذه الأرض، قال: (وكل بيع مبرور)، وقد أخرج ذلك البزار في مسنده وغيره، وإسناده صحيح.

    لا شك إذاً أن هذه الأدوار الكبيرة التي كانت منوطة بالنساء في سابق العهد تزداد أهميتها والعناية بها في زماننا هذا، فنحن نعلم حال النساء في هذا الزمان، وأن كثيراً منهن إنما هي آلة يتصرف بها، وأن كثيراً منهن ذللت نفسها وقيظت نفسها لأن تكون وسيلة إغواء وإضلال، وأن كثيراً منهن كذلك كانت سبباً لتصدير الفحشاء والمنكر، جاءت تحمل أنواعاً من الفحشاء والمنكر ونشرت ذلك في كثير من البلدان؛ فلذلك لا بد أن يوجد منهن في مقابل ذلك مصلحات، يقمن بإصلاح ما أفسده النساء على الأقل، وهذا الدور لا بد منه ولا بد من القيام به، ولا يمكن أن يبقى المجال للإفساد مفتوحاً أمام المفسدات من النساء، ويتراجع ذوات الإصلاح، والصادقات، والمحسنات، فيتركن هذا الدور، ولا يقمن به، فمسؤوليتهن أكبر، ودورهن أعظم، والوقت الآن أمامهن متاح، فعليهن أن يبادرن للإصلاح، وأن يقدمن النماذج والقدوة الصالحة التي يؤتسى بها ويقتدى بها.

    فمن النماذج فيما يتعلق بتربية الأولاد مثلاً : أم مالك بن أنس ، وهي مليكة ، فإنها ربته تربية عجيبة، وقد ذكرت بعض الأمثلة من ذلك في شريط تربية الأولاد، وكذلك جدة الشيخ زروق رحمه الله، وقد ذكرت قصتها معه، وبالإمكان أن تتكرر هذه النماذج، وما زلنا نشهدها ولله الحمد بين أخواتنا الحاضرات وغير الحاضرات، فيهن ولله الحمد خير كثير جداً، وبالإمكان أن يقمن بكثير من هذه الأدوار، وأن يجددن هذا الإسلام بعد عفائه، وأن يجددن لهذه الأمة مكانتها، نسأل الله أن يعينهن على ذلك، وأن يأخذ بأيديهن ونواصيهن إلى الخير، وأن يجعلهن في قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يستعملنا أجمعين في طاعته، وأن ييسر لنا هداه، وأن يجعل عملنا في رضاه، وأن يجعلنا أجمعين هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046351866

    عدد مرات الحفظ

    735395334