إسلام ويب

شرح المقدمة فيما على قارئ القرآن أن يعلمه [1]للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم التجويد من أهم علوم الإسلام لكونه يتعلق بقراءة القرآن، فهو علم يهتم بمخارج الحروف وصفاتها وما يتصل بذلك بحيث يمكن القارئ من تلاوة القرآن بصورة سليمة، وواضع هذا العلم هو الإمام الدوري الراوي عن الكسائي وأبي عمرو، وأول من ألف فيه هو موسى بن عبيد الله الخاقاني، فقد نظم فيه أكثر من خمسين بيتاً، ثم جاء مكي بن أبي طالب وكتب (الرعاية في علم التجويد) و(التمهيد في علم التجويد)، وهما مطبوعان، ثم توالت التآليف فيه.

    1.   

    فضل القرآن الكريم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

    فإن الله تعالى أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين، وقد جاء به جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منجماً في ثلاث وعشرين سنة، ينزل بحسب الوقائع، وبحسب ما يسأل عنه أهل الأرض، وكان ذلك اتصالاً بين أهل السماء وأهل الأرض، وارتباطاً بين الخلق والخالق جل وعلا ببيان ما يريده منهم، وتشريع ما يرتضيه لهم.

    وقد ختم الله الرسائل إلى أهل الأرض برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وختم الكتب المنزلة إلى أهل الأرض بالقرآن، وجعله مصدقاً لما بين يديه من الحق، ومهيمناً على كل الكتب، وناسخاً لها؛ فلا يقبل الله من أحد بعد نزول القرآن ديناً إلا هذا الإسلام الذي تضمنه هذا القرآن، وقد أنزل على هيئات متنوعة، فمنها أن يأتي الملك على هيئة رجل، فيكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعي عنه ما يقول، ومنها أن ينزل على قلبه بالمباشرة، فيأتيه فيسمع مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليه، فإذا انفصل عنه حفظ ما قال له، ومنها أن يأتي في رؤيا المنام، ومنها ما يكون بالمباشرة، وكل هذه هي من أصناف الوحي، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ[الشورى:51] فقوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا[الشورى:51]؛ أي: إلا رؤيا في المنام، فالوحي في اللغة يطلق على: رؤيا المنام، وهي المقصودة هنا، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ[الشورى:51] هذا تكليم الله للخلق بالمباشرة، وهو من وراء حجاب كتكليمه لموسى عليه السلام، ((أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا)) وهو الملك ((فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ)) مما أنزل عليه من الوحي، وهو كلام الله تعالى، وهذا الكلام كلام الله بلفظه ومعناه، وجاء به الملك من عنده؛ ولذلك ينسب في تبليغه إلى الملك كما قال الله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ[التكوير:19-21]، وهو جبريل عليه السلام؛ ولهذا قال بعدها: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ[التكوير:22]، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وينسب إلى الرسول المبلغ أيضاً عن الملك، ومن ذلك قول الله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ[الحاقة:40-47]، فالمقصود هنا بالرسول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنزل إليه؛ فلذلك كان نزوله كما ذكرنا مختلفاً عن غيره من الكتب لهذه الخصائص.

    1.   

    خصائص القرآن

    نزول القرآن منجماً

    وخصه الله تعالى بعدد من الخصائص العظيمة، منها: إنزاله دفعة واحدة، ومنها: إنزاله بالتدريج والتقسيط في ثلاث وعشرين سنة منجماً، على خلاف ما كانت تنزل عليه الكتب السابقة، فقد كانت تنزل دفعة واحدة، فالتوراة كتبها الله لموسى بيمينه في الألواح، والإنجيل أنزله الله مكتوباً في الصحف إلى عيسى بن مريم، والزبور أنزله الله مكتوباً في الصحف إلى داود عليه السلام، وصحف إبراهيم نزلت إليه من السماء مكتوبة، أما القرآن فنزل بالتدريج والتقسيط، وإنما أودع القلوب؛ لأن الله تعالى أراد بحكمته أن تكون مصاحف هذه الأمة وأناجيلها في صدورها، كما جاء وصفها بذلك في الإنجيل والتوراة: (أناجيلها في صدورها)؛ ولهذا يسر الله القرآن للذكر، فهو ميسر للحفظ، يحفظه الكبار والصغار، والذكور والإناث، ومن كان من الناطقين باللغة العربية على وجه السليقة، ومن كان من الناطقين بها على وجه التعلم، كلهم يأخذ حظه من هذا القرآن ميسراً له.

    النسخ والإنساء

    ومن هذه الخصائص: أن هذا القرآن في تنزيله حصل فيه النسخ، والإنساء، والتبديل، ولم يكن ذلك يحصل في الكتب السابقة، فقد كانت تنسخ دفعة واحدة؛ ولهذا استنكر المشركون هذه الظواهر؛ لأنهم ما عرفوها في الكتب السابقة، فرد الله تعالى عليهم فيما يتعلق بتنزيله بقوله: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا[الإسراء:106-108]، وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا[الفرقان:32-33].

    وهذه الآية ذكر فيها ثلاث حكم هي سر تنزيله بالتدريج والتقسيط:

    أما الحكمة الأولى من هذه الحكم فهي قوله تعالى: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ[الفرقان:32] تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم عما يعرض من إعراض المشركين، وتكذيبهم له، وأذاهم به، وعما يعرض كذلك في الزمان من المشكلات، وعما يعرض من الأسئلة والاعتراضات، ففي كل ذلك يأتي القرآن تثبيتاً للنبي صلى الله عليه وسلم، كقصص الأنبياء السابقين، فهي تثبيت له؛ لأنهم عانوا أكثر مما عانى؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله أخي موسى! قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، وقال: ( رحم الله أخي يوسف ! لو مكثت في السجن ما مكث، ثم أتاني الداعي لأجبته )؛ ولهذا قال الله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ[هود:120]، وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ[هود:120]، فهذا التثبيت هو من حكمة تنزيل قصص الأنبياء السابقين، مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ[هود:120]؛ ولهذا قال ابن المبارك رحمه الله: (قصص الصالحين جند من جنود الله، يثبت الله بها قلوب عباده، ومصداق ذلك من القرآن قول الله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ[هود:120]).

    والحكمة الثانية هي قوله: وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا[الفرقان:32]؛ أي: خصه الله تعالى بما يتعلق بحفظه، فإن الله تعالى تولى حفظه بنفسه، ولم يكله إلى الناس، بخلاف غيره من الكتب؛ فإن الله وكل حفظها إلى الذين أنزلت إليهم، فهم الذين اؤتمنوا على حفظ تلك الكتب فضيعوها، وبدلوها وحرفوها؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[الحجر:9]، وقال تعالى: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[فصلت:42]، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ[الحج:52]، (إذا تمنى): إذا تلا وقرأ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[الحج:52-54].

    والحكمة الثالثة هي قوله: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا[الفرقان:33]، وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ[الفرقان:33]؛ أي: بحجة، إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ[الفرقان:33] ببيان الرد على تلك الحجة والشبهة؛ ولهذا فإن أول ما جاء به أهل الكتاب من المجادلة ما حصل بمكة عندما أرسل اليهود إلى المشركين بمكة، يقولون: جادلوا محمداً؛ فقولوا: (إنك تزعم أن ما تذبحه أنت بيمينك حلال، وأن ما يذبحه الله بشمشار من ذهب حرام) ويقصدون: الجيف، فرد الله تعالى زعمهم ودعواهم، وأنزل في سورة الأنعام: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ[الأنعام:121]؛ فلذلك رد الله تعالى ما يوحيه الشياطين إلى أوليائهم من المجادلة، وما يزعمه أهل الكتاب من أن الجيف حلال، وهم يعلمون أنها في كتبهم حرام، وإنما قصدوا بذلك مجرد المجادلة، ثم جاءت المجادلة الثانية من طرف النصارى لما أنزل الله تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ[الأنبياء:98]، قال النصارى لمشركي العرب: جادلوا محمداً، فقولوا: إنك تؤمن بأن المسيح بن مريم عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ومع ذلك يأتي في الوحي الذي تزعم أنه كلام الله: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ[الأنبياء:98] ونحن نعبد المسيح؛ فأنزل الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا[الإسراء:57]، وأنزل الله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ[الزخرف:57-61]، (وإنه) أي: المسيح بن مريم، لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ[الزخرف:61]؛ أي: شرط من أشراطها، وعلامة من علاماتها؛ وذلك بنزوله في آخر الزمان ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق عند صلاة الفجر حكماً عدلاً.

    الإعجاز

    وكذلك من هذه الخصائص التي ميز الله بها هذا القرآن أنه معجزة لفظية باقية؛ فالرسائل السابقة كانت في علم الله محددة بوقت محدد لا تتعداه؛ ولذلك تكون معجزاتها مادية بحسب ما تقوم به الحجة على من رآه أو من نقل إليه تواتراً لعلم الله أن تلك الرسالة لا تصلح إلا لذلك الطور البشري، والله تعالى خلق الناس أطواراً، وقال: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ[الانشقاق:19]، وهي مراتب الخلق، وهي تسع بينها الله تعالى في آية المؤمنون: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[المؤمنون:12-14]، والمقصود بذلك تناميه من صباه إلى شيخوخته، يبدأ ضعيفاً، ثم يقوى، ثم يرجع إلى الضعف والشيبة، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ[المؤمنون:14-16]، وهذه التسع في خلق الإنسان الواحد، وغيرها من الأطوار تمر به المجتمعات والشعوب والأمم، فتمر بالرقي والازدهار، والغنى والفقر، والتراجع والانحطاط، كل ذلك تمر به الأمم في حضارتها وهي الأطوار؛ فلهذا كانت المعجزات السابقة مادية، وتكون من جنس ما هو معجز لأهل ذلك الزمان، ومن جنس ما يتوجهون إليه وتتجه إليه حضارتهم، فالعرب لما أرسل إليهم صالح كانت معجزته ناقة؛ لأن الإبل كانت أكبر شيء لدى العرب، وأهل مصر لما أرسل إليهم موسى كانت معجزته العصا التي تأكل ما يأفكه السحرة؛ لأن مستوى حضارتهم إذ ذاك كان يتعلق بالسحر، وكذلك لما أرسل المسيح بن مريم إلى أهل الشام كانوا يشتغلون بالطب والحكمة، فجاء من غير أب، وهو يحيي الموتى بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وهذه أمور وقف دونها العلم، ولا يمكن أن يصل إليها، فهذه معجزات تقوم بها الحجة على كل من شاهدها أو نقلت إليه تواتراً؛ كما صح في صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من نبي بعثه الله قبلي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ). ولذلك كانت هذه الرسالة الخالدة الباقية- وهي رسالة الإسلام- مرتبطة بمعجزة خالدة باقية وهي هذا القرآن، الذي تحدى الله به الثقلين: الإنس، والجن أن يأتوا بسورة مثله، وهذا التحدي باق إلى أن يرفعه الله، فمنه بدأ وإليه يعود.

    ومن هنا فلو كانت معجزة النبي صلى الله عليه وسلم كجنس المعجزات السابقة لما استطعنا نحن الآن إقناع أحد بالإسلام؛ لأنكم أنتم الآن لو لم تسمعوا في القرآن أن المسيح بن مريم كان يحيي الموتى بإذن الله، ويخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، لما صدقتم ذلك، وإنما صدقتموه؛ لأنه جاء في القرآن.

    ولهذا فهذه المعجزة قائمة باقية، وهي إعجاز في اللفظ، وإعجاز في المعنى، وإعجاز في التشريع، وإعجاز في العلم، وإعجاز في القصص، فألفاظ القرآن محصورة يسيرة، آياته ستة آلاف ومائتان وأربع عشرة آية، أو ستة آلاف ومائتان وأربع وثلاثون آية على العد الكوفي، وهي بين أيديكم بين دفتي المصحف، يضعه الإنسان في جيبه، ويحفظه في صدره، ومع ذلك جمعت أنواع علوم الأولين والآخرين، ثم لخص كل ما فيه من العلوم على كثرتها وتشعبها في سبع آيات فقط، وهي السبع المثاني الفاتحة، فيها ما يتعلق بالتوحيد والثناء على الله بالألوهية، والأسماء والصفات، وبالربوبية، وفيها ما يتعلق باليوم الآخر، والعرض على الله، وفيها ما يتعلق بعبادات الناس، وفيما ما يتعلق بمعاملاتهم، وفيها ما يتعلق بالقصص وأطوار الناس في الأرض، الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الفاتحة:2] هذا جامع لتوحيد الله تعالى بربوبيته وألوهيته، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[الفاتحة:3] هذا جامع للإيمان بأسمائه وصفاته، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:4] هذا جامع لليوم الآخر وما اشتمل عليه، إِيَّاكَ نَعْبُدُ[الفاتحة:5] هذا جامع لأحكام العبادات والتعامل مع الله، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة:5]، هذا جامع لأحكام المعاملات، وكل ما يتعلق بشئون العباد فيما بينهم، اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ[الفاتحة:6] هذا جامع لأحوال العباد من بداية النشأة إلى الممات، وما يكلفون به من التكاليف، وما يمر عليهم من الأخلاق والقيم، والمبادئ والأيديولوجيات، وغير ذلك، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ[الفاتحة:7] هذا جامع لقصص الماضين وبيان حالهم من: الالتزام، والاستقامة، والضلال، والغواية، وشأن اليهود والنصارى؛ فكانت هذه الفاتحة ملخصاً للقرآن كله، وجامعة لكل علومه، وهذا من الإعجاز الباقي الخالد.

    كتابة القرآن وعلاقتها بالقراءات

    وهذا الإعجاز اللفظي منه ما يتعلق بنطقه، ومنه ما يتعلق بكتابته؛ فكتابته خص هذا القرآن فيها بأن أنزل أصلاً من عند الله تعالى على سبعة أحرف؛ فلذلك تختلف القراءة فيه في كثير من الكلمات، مع أن المعنى واحد، لكن بعضه يصدق بعضاً ويفسره، فأنت مثلاً إذا قرأت بقراءة نافع: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ[هود:40] (من كل زوجين) بالإضافة، سيشكل عليك المعنى فتقول: كيف أعزل من كل زوجين اثنين وهما اثنان؟! هما زوجان اثنان، فكيف أعزل منهما اثنين؟! فتقرأ بالقراءة الأخرى: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ[هود:40]؛ أي: من كل نوع من أنواع الخلائق زوجين اثنين، والتنوين يزيل عنك هذا الإشكال؛ فتكون القراءة تفسيراً للأخرى.

    وكذلك إذا قرأت بقراءة حمزة: (يا أيها الناس اتقوا ربكمُ الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ إن الله كان عليكم رقيباً) يشكل عليك الجر في (الأرحام) على هذه القراءة، فتقول: هل يقسم بالأرحام كما يقسم بالله تعالى، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تحلفوا بغير الله )، وقال: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، وقال: ( من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت )، وقال: ( لا تحلفوا بآبائكم )، والجواب عن هذا تجده في القراءات الأخرى: وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النساء:1]؛ فتجد أن الجر كان للمجاورة.

    ومثل هذا إذا قرأت بقراءة ابن كثير: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتمُ إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكمُ وأيديكمُ إلى المرافق وامسحوا برءوسكمُ وأرجلِكمُ إلى الكعبين) (وأرجلِكم) بالجر هذه قراءة ابن كثير، وهي تقتضي المسح على الرجلين كالمسح على الرأس؛ فيكون الوضوء غسلتين ومسحتين، فالغسلتان لليدين والوجه، والمسحتان للرأس والرجلين، لكن إذا استشكلت هذا قرأت بقراءة الجمهور، فقلت: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ[المائدة:6]؛ فزال عنك الإشكال.

    فالقراءات بعضها يفسر بعضاً ويبينه؛ وعلى هذا احتيج إلى أن يكون المصحف جامعاً لهذه القراءات، فوفق الله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فجمعوا القرآن في مصحف واحد، وكتبوه بخط يمكن أن تؤخذ منه جميع القراءات، الخط الذي رسموه به ليس فيه نقط ولا شكل، ولم يكن النقط والشكل معروفاً لدى العرب من قبل، وكتبوه بهيئة يمكن أن يقرأ منها جميع القراءات، فإذا قرأت مثلاً: (وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثاً) وقرأت بالقراءة الأخرى: وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا[الزخرف:19] تجد الخط قابلاً للأمرين، ومثل ذلك: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:4]، (ملك يوم الدين) فالألف أسقطها الصحابة؛ فكانت تقرأ بالوجهين، ومثل ذلك: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ[البقرة:9] (وما يخادعون إلا أنفسهم) أسقط الصحابة الألف؛ فكانت تقرأ بالوجهين، وهكذا ما سنذكره من (كلمت) و(كلمات) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ[الأنعام:115] (وتمت كلمات ربك) قراءتان سبعيتان؛ فكتبها الصحابة بالتاء وحذفوا الألف، فكانت قابلة للقراءة بالوجهين، وهكذا في كل موضع من القرآن كتبوه بوجه يمكن أن تقرأ منه كل القراءات، فكان هذا من إعجاز هذا القرآن.

    التأثير النفسي للقرآن الكريم

    ومثله أيضاً إعجازه في النطق، فإن النطق به معجز، فبمجرد السماع يتأثر الإنسان تأثراً بالغاً، فهذا السماع لقراءة القرآن هو مؤثر حتى في الجمادات والبهائم؛ ولذلك فإن الفضيل بن عياض كان في الحج، فجيء بجمل صعب أتعب الناس، فقال: قربوه إلي، فقرأ في أذنه: أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ[آل عمران:83] فاستكان الجمل لها، ومثل ذلك فإن رجلاً من الأعراب لم يكن سمع القرآن من قبل، سمع قارئاً يقرأ سورة النجم، فلما وصل إلى آخرها وهو قول الله تعالى: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا للهِ وَاعْبُدُوا[النجم:59-62] خر ساجداً، فقيل: أتعرف مواضع السجود في القرآن؟ قال: ما كنت أعلم أن في القرآن مواضع للسجود، ولكن هذا الكلام لا يسمعه إنس ولا جن إلا سجد له، وهو أعرابي لا علم له بهذا، لكن سمع هذا اللفظ فأخذ بمجامع قلبه؛ وبلبه فسجد لله تعالى إجلالاً له عندما سمع هذا الكلام.

    وكذلك فإن رجلاً من النصارى كان في ديره يتعبد، وهو يوقد قنديله في الليل في طريق اليمن، فمر حوله راكب، فإذا هو يقرأ سورة النساء، فلما بلغ قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا[النساء:47] انزعج غاية الانزعاج لسماعه لهذا الوعيد، ونزل مسرعاً حتى لحق بالراكب وصحبه إلى المدينة يريد الإسلام، وكان يضع يده على وجهه يخاف أن يطمس إلى قفاه لهذا الوعيد الشديد؛ ولذلك فإن الله تعالى يقول في ذكر الجبال: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَهمْ يَتَفَكَّرُونَ[الحشر:21]، ومن هنا فإن كثيراً من اليهود والنصارى كانوا يسلمون لمجرد سماعه، وقد أخبر الله بذلك في سورة المائدة، فقال: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ[المائدة:82-84]، فذلك بسبب سماعهم لهذا القرآن وتأثيره فيهم، وقد بين الله تعالى تأثيره البالغ في الأجساد؛ شفاء من السقم، وتثبيتاً على الإيمان، وهداية إليه أصلاً، ففي الهداية يقول الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ[الإسراء:9]، ويقول تعالى: الـم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ[البقرة:1-2]، والشفاء من الأسقام الظاهرة والباطنة يقول الله فيه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ[الإسراء:82].

    وكذلك فإن من تأثيره أيضاً تأثيره على القلوب وأخذه بمجامعها؛ فـالوليد بن المغيرة لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم يجادله وهو مشرك، ولم يوفقه الله للإسلام، بل مات على الشرك، نسأل الله السلامة والعافية! لما أتى قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم بعض القرآن، فلما رجع إلى قريش قال: (يا معشر قريش، والله لقد سمعت شعر الشعراء، ورجز الرجاز، وسجع الكهان؛ فما سمعت كلاماً كهذا القرآن، إن عليه لطلاوة، وإن له لحلاوة) وكذلك فإن: (عتبة بن ربيعة لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم يجادله قال: اسمع أبا الوليد، فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[فصلت:1-3].. )، فقرأ عليه آيات من سورة فصلت، حتى وصل إلى قول الله تعالى: ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ[فصلت:13]؛ فقال: حسبك، ووضع يده على فيه خوفًا من مثل هذه الصاعقة )؛ ولهذا فإن طبيباً أمريكيّاً في عصرنا هذا كان يعالج بالعلاج النفسي، وتخصص في ذلك، واشتهر به، فكان يجمع الأشرطة التي فيها أنواع الموسيقى والألحان، فيعرضها على المرضى، ويراقب تأثرهم بها، حتى وصلت يده إلى تسجيل لتلاوة من القرآن، فكان إذا أسمعها لمريض تأثر بها تأثراً لا يساويه تأثره بالتسجيلات الأخرى، ولاحظ أن ذروة التأثير وقمته تصل إلى مقطع معين؛ فسجل ذلك المقطع وحده من شريط، ثم بحث عن تفسيره، فإذا الشريط الذي لديه فيه سورة الرعد، وإذا المقطع الذي تصل إليه قمة التفاعل والاستجابة هو قول الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[الرعد:28]؛ فكان هذا سبب إسلامه.

    1.   

    القرآن شرف أمة الإسلام

    فلذلك كان هذا القرآن الذي ميزه الله بهذه الخصائص كلها شرفاً لهذه الأمة، وميزة لها بين الأمم؛ كما قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ[الزخرف:44]، وإذا كان الحال، كذلك وكان شرف هذه الأمة مرتبطاً بهذا القرآن، احتجنا إلى الارتباط به، والاتصال به، وقد حضنا النبي صلى الله عليه وسلم على قراءته، وبين ثمرة ذلك وأثره، فقال: (اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شافعاً لأهله)، وقال: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ ورتل وارقه؛ فإن منزلتك عند آخر آية ترتلها)، وبين أن القرآن يأتي يوم القيامة تتقدمه البقرة وآل عمران كالغمامتين، يجادل عن صاحبه، وبين أن أهل القرآن الذين يحفظون حروفه وحدوده هم أهل الله، وخاصته من خلقه، وقال: (من قرأ القرآن كان له بكل حرف عشر حسنات، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، وقطعاً لا شك أن المقصود هنا قراءة مخصوصة، وليست كل قراءة، فنحتاج إذاً إلى تعلم ما يتعلق بهذا القرآن من العلوم والأحكام، وأن نعلم أنه مائدة الله في الأرض، وأنه حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، من تمسك به عصم، ومن تركه من جبار قصم الله ظهره؛ فنحن محتاجون إلى التعلق به في كل أمورنا، فهو الشاهد علينا، والحكم الذي من تمسك به وأخذ به لا يمكن أن يضل أبداً، وقد تركه فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرنا بالالتزام به؛ فإنه مع الحق لا يفارقه الحق أبداً.

    العلوم الخادمة للقرآن الكريم

    وقد أنتج علماء هذه الأمة عدة علوم تخدم هذا القرآن ومرجعها، إلى ستة علوم مشهورة؛ أي: ستة تخصصات:

    أما العلم الأول، فهو: علم التجويد والأداء، وهو علم التلفظ بالقرآن، كيف تتقن التلفظ به كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم.

    والعلم الثاني هو: علم قراءاته؛ أي: أن تتعلم الفروق بين القراءات والأحرف؛ حتى تقرأه بعدة قراءات.

    والعلم الثالث هو: علم تفسيره وبيانه.

    والعلم الرابع هو: علوم القرآن؛ أي: ما يجمع تاريخه، وبيان الناسخ والمنسوخ منه، وبيان الشتوي والصيفي، والليلي والنهاري منه، وغير ذلك من أوجه إعجازه، وما يتعلق بترجمته، وما فيه من المعرب، وما فيه من الحقائق العلمية، وغير ذلك.

    والعلم الخامس من هذه العلوم هو: رسمه وكتابته؛ كما رسمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصاحف.

    والعلم السادس: ضبطه؛ كما ضبطه التابعون في أيام عبد الملك بن مروان، وهو النقط والشكل، والرسم تتفق فيه القراءات كلها، والضبط تختلف فيه القراءات.

    فهذه العلوم الستة لابد أن يتعلمها المؤمن ليتصل بالقرآن، وليكون من أهله حقيقة، ونحن إن شاء الله تعالى في هذه الدورات المتتالية سنختار يدرس في كل علم من هذه العلوم أصلاً؛ أي: مرجعاً نقرره في كل دورة من الدورات، وهذه الدورة التي نحن فيها الآن- وهي دورة الشيخ أحمد ياسين رحمه الله- اخترنا أن تكون في علم التجويد، وقررنا فيها كتاب: (المقدمة الجزرية)، وعلم التجويد هو من أهم هذه العلوم، وهو سابق على كلها؛ لأن الإنسان لا يستطيع تعلم علم القراءات ما لم يكن متقناً للحروف وصفاتها، وللوقوف والابتداء، ثم بعد ذلك يتعلم فروق القراءات، وكذلك لا يمكن أن يعرف التفسير دون أن يتعلم النطق بألفاظ القرآن، ولا يمكن أن يتعلم علوم القرآن ولا رسمه ولا ضبطه مالم يتقن النطق به أولاً؛ فالنطق به سابق على ذلك كله؛ فلهذا كانت البداءة بعلم التجويد أمراً لابد منه.

    1.   

    تعريف علم التجويد

    وهذا العلم - الذي هو علم التجويد - مثل غيره من العلوم يحتاج فيه إلى معرفة المقدمات الضرورية لكل علم، وهذه المقدمات عشر، وهي كما يلي:

    المقدمة الأولى: حده، والمقصود به تعريفه؛ أي: تعريف هذا العلم، والتعريف: منه تعريف لغوي، وتعريف اصطلاحي، أو تعريف بالمعنى اللقبي؛ أي: تعريف هذا اللفظ كلقب لعلم من العلوم وتعريف بمعنى الاشتقاق؛ أي: من أين أخذت هذه الكلمة.

    فالتعريف الأول- وهو تعريف علم التجويد في اللغة- حده في اللغة أنه: مصدر جود الشيء إذا حسنه، فالتجويد: التحسين، جود الشيء وأجاده إذا حسنه، وهو يشمل الحسيات والمعنويات، ففي الحسيات، يقال: جود فلان الكتابة، كما في أثر علي رضي الله عنه أنه قال لكاتبه: (ألصق روانفك بالجبوب، وخذ المسطر بأباخسك، واجعل حندورتيك إلى قيهلي حتى لا أنبس نبسة إلا أودعتها في لمظة رباطك) أو قال: (في حماطة جلجلانك) (وأقم الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وجَوِّد الله، ومد الرحمن، وحسن الرحيم) فكل هذا من تعليم علي رضي الله عنه لكاتبه، فقال: (وجود الله)؛ أي: أحسن كتابتها بأن لا يقع نشاز في كتابة الألف واللامين والهاء بعد ذلك.

    ويكون التجويد في المعنويات؛ فتجويد الأسانيد لدى أهل الحديث هو: أن تذكر على وجه يزيل العلة، مثلاً إذا كان للإسناد متابعة، وفي تلك المتابعة علة، فذكره بدون تلك المتابعة تجويد له، مثلاً إذا أخرج البخاري حديثاً في الصحيح، وكان في إسناده مثلاً عن محمد بن سيرين والحسن بن أبي الحسن البصري عن أبي هريرة رضي الله عنه، فتجويد هذا الإسناد ما هو؟ هو أن تحذف منه الحسن البصري، فتقول: عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، لماذا؟ لأن الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة شيئاً، وابن سيرين سمع من أبي هريرة، فـالحسن ما يحدث به عن أبي هريرة كله من المراسيل، وإنما ذكره البخاري هنا متابعة لـمحمد بن سيرين فقط، ولم يذكره استشهاداً، فتجويد الإسناد أن يحذف منه ما فيه علة، وهذا في المعنويات.

    أماعن التجويد في الاصطلاح فتعريفه العام أنه: تعلم القواعد والضوابط المتعلقة بمخارج الحروف وصفاتها، والوقف والابتداء، والوصل والفصل، وتاءات التأنيث المكتوبة بالتاء، فهذا التعريف لنوع واحد من نوعيه وهو: التجويد العلمي، فإذا أضفت إليه (وإتقان ذلك)؛ أي: إتقان التلفظ به وتطبيقه جمع ذلك العلمين معاً؛ فعلم التجويد ينقسم إلى قسمين:

    إلى تجويد علمي وهو: معرفة القواعد فقط، وإلى تجويد عملي وهو: تطبيقها وإتقانها، وهذان العلمان يجمعهما هذا التعريف بإضافة الجملة الأخيرة إليه.

    ومن أهل التجويد من يعرفه بتعريف مختصر يتعلق بالجانب الأول منه فقط، وهو: علم التجويد العلمي؛ فيقول: هو إعطاء كل حرف حقه ومستحقه، وهذا الذي اختاره المؤلف هنا في هذه المنظومة، وسنذكر ذلك إن شاء الله، قال: هو إعطاء كل حرف حقه ومستحقه، إعطاء كل حرف - أي: من حروف القرآن - حقه، وهو: صفاته اللازمة، ومستحقه وهو: صفاته العارضة، وسيأتينا التفريق بينهما إن شاء الله، لكن هذا التعريف قاصر ناقص؛ فلذلك عدلنا عنه واخترنا التعريف الأول الذي بيناه.

    وهذا التعريف إنما يتعلق بالقرآن لا بغيره؛ فلا يشمل ذلك النطق بكل حروف العربية؛ لأن للعربية لهجات ولغات يختلف العرب في أدائها ونطقها، وهذه تشبه في بعضها اللغات؛ ولذلك فإن لغة حمير تختلف عن لغة أهل الحجاز حتى في استعمال الألفاظ، وقد حصل اختلاف بين أهل اليمن وأهل الحجاز لدى الخليفة هارون الرشيد، فقال أحد علماء اليمن: إن القرآن نزل بلغتنا، ودليل ذلك قول الله تعالى: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ[النحل:47]، فالتخوف هو الأخذ بالتدريج شيئاً فشيئاً، وهذا من لغة أهل اليمن، فجاء رجل من أهل الحجاز، فقال له هارون الرشيد: إن هذا يزعم أن القرآن نزل بلغة أهل اليمن، فقال: لا أدري ما يقول، غير أن الله تعالى يقول في كتابه: جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ[نوح:7] ولم يقل: جعلوا شناترهم في صناراتهم، فلغة أهل اليمن- وهي لغة حمير- الأذن اسمها: "الصنارة" والأصابع هي: "الشناتر" فقال: جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ[نوح:7]، ولم يقل: جعلوا شناترهم في صناراتهم، فانقطع الرجل.

    وكذلك، فإن لغات العرب فيها اللهجات التي تأتي غير فصيحة كالكسكسة والكشكشة؛ فالكسكسة: النطق بالكاف كالسين، والكشكشة: النطق به كالشين، والكشكشة هي لغة تميم، والكسكسة لغة بني أسد ومن جاورهم، فمن لغة تميم قول الشاعر:

    أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني لش اليوم من وحشية لصديق

    فعيناش عيناها وجيدش جيدها ولكن عظم الساق منش رقيق

    فهذه الكشكشة، والكسكسة هي لغة بني أسد ومن جاورهم، وهذه اللهجات لا يقصد معرفتها هنا في علم التجويد؛ فلذلك إنما يقصد بمخارج الحروف وصفاتها ما تعلق منها بالقرآن، وإن كان بعض هذه اللهجات يرد في القرآن على وجه الشذوذ، فبعض اللهجات جاء في القرآن على وجه الشذوذ، والقراءات الشاذة لا يقصد تجويدها، كما يقصد تجويد القراءات المتواترة؛ ولذلك جاء في بعض القراءات الشاذة: (قد جعل ربش تحتش سرياً) لكن هذا في القراءات الشاذة، وليس في القراءات المتواترة؛ فلذلك لا نبحث فيه، إنما نبحث فيما يتعلق بالقراءات المتواترة.

    كذلك فإن اللهجات أيضاً منها ما يكون غير فصيح في تركيبه ووضعه، فمثلاً بعض العرب ينصب معمولي: (إن) المبتدأ والخبر معاً، ينصبهما بإن، ومن ذلك قول الشاعر:

    إذا اشتد جنح الليل فلتات ولتكن خطاك خفافاً إن حراسنا أسدا

    وهذا لم يستعمل في القرآن، إلا أن بعض أهل العلم حمل عليه موضعاً واحداً فيه: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ[طه:63] على القول بالإهمال؛ فالارتفاع بإن نظير الانتصاب بها، ارتفاعهما نظير انتصابهما، وهذا الوجه وجه ضعيف من الناحية النحوية، ولنا جواب عنه؛ فلذلك لا نحتاج إلى البحث في مثل هذه اللهجات.

    فقولنا: تعلم القواعد والضوابط، فالفرق بين القواعد والضوابط: أن القواعد هي: ما يكون مضطرداً في كل باب، والضوابط هي: ما يختص بباب دون باب؛ فلذلك القواعد: ما يكون مضطرداً في كل باب؛ فمثلاً القواعد الفقهية منها مثلاً: الأمور بمقاصدها، فهذه قاعدة عامة؛ لأنها تدخل في كل باب من أبواب الفقه، ومنها مثلاً التعبد في الغير لا يحتاج إلى النية، وهذه قاعدة من قواعد الطهارة فقط مثلاً، تختص بباب الطهارة ولا توجد في غيره من الأبواب، فهذه ضابط لا قاعدة، والأولى قاعدة لا ضابط، والقواعد في الأصل هي: أسس البنيان التي يقوم عليها، ما يقوم عليه البنيان من الأسس هو الذي يسمى بالقواعد، ومنه قول الله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ[البقرة:127]؛ فالقواعد: الأسس.

    القواعد هي التي تكون مضطردة في كل باب، والضوابط يختص بها باب دون باب.

    متعلق القواعد والضوابط المتعلقة بمخارج الحروف

    هذه القواعد بعضها يتعلق بمخارج الحروف، وبعضها لا يتعلق بالمخارج، ولكن يتعلق بصفات الحروف، وسيأتينا بيان الفرق قريباً إن شاء الله، وما يتعلق كذلك بالوقف والابتداء، فالحروف لا بد في تعلمها من مرتبتين:

    المرتبة الأولى: هي تجويد كل حرف مستقلاً بغض النظر عن تركيبه مع غيره؛ فلا يمكن أن يعرف الإنسان التجويد ما لم يعرف النطق بكل حرف وحده، فيخرجه من مخرجه ويأتي به بصفته، وذلك إذا أراده الإنسان فإنه يأتي به ساكناً بعد همزة الوصل، كما قال المختار بن بونه رحمه الله:

    لكل حرف مخرج إن سكنا بإثر همز موصل تبينا

    إذا أسكنه الإنسان بعد همزة الوصل، سواء كانت مفتوحة، أو مكسورة، أو مضمومة، خرج الحرف من مخرجه، وكذلك لابد من إتقان صفاته حتى يجعله الإنسان خارجاً من مخرجه ومتصفاً بصفاته، وصفات الحروف سنذكرها إن شاء الله تعالى، وسنذكر أن كل حرف له عدد من الصفات أقلها خمس، أقل ما يتصف به الحرف خمس صفات.

    لكل حرف مخرج إن سكنا بإثر همز موصل تبينا

    (موصل) معناه: همز وصل، (تبينا)؛ أي: تبين ذلك المخرج.

    (بإثر همز موصل تبينا): فهنا هذه القواعد التي تتعلق بالمخارج والصفات، بعدها إذا تعلم الإنسان كل حرف على حدة يحتاج إلى تركيبه مع غيره؛ لأن كثيراً من الصفات تعرض عند التركيب، كتفخيم الألف بعد اللام المفخمة، وكترقيق الراء بعد الكسرة، الراء الساكنة مثلاً، ترقق بعد الكسر كما قال الشاطبي رحمه الله:

    ولا خلف في ترقيقها بعد كسرة إذا سكنت يا صاح للسبعة الملا

    إذا سكنت الراء بعد كسرة ترقق، فهذا الترقيق صفة عارضة للراء، لكن لم تحصل فيها إلا بعد التركيب، لم تحصل فيها وحدها.

    وهذا التركيب ينقسم إلى قسمين:

    إلى تركيب داخل الكلمة، وإلى تركيب في عدد الكلمات، والتركيب في عدد الكلمات يشمل البحث في الوقف والابتداء؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يقرأ القرآن جميعاً جملة واحدة، فقد نزله الله بالتقسيط والتدريج، ولا بد أن يقرأ كذلك، فتحتاج إلى قطع النفس وقطع الصوت، وذلك محوج لك إلى أن تعرف المواقف أين تقف، ومن أين تبتدئ، فقد تقف في مكان لا يمكن الابتداء بما بعده، فلا بد أن ترجع، وقد يكون الوقف حسناً، وقد يكون تامّاً، وقد يكون كافياً، وقد يكون قبيحاً، فتحتاج فيه إلى الرجوع، وهذا الوقف أنواع:

    منه وقف في الاختيار، ووقف في الاختبار، ووقف في الاضطرار، وسنذكر أنواعها إن شاء الله.

    الوصل والفصل وتعلقه بالوقف والابتداء

    ومما يتعلق بالوقف والابتداء ما يتعلق بالوصل والفصل؛ فإن الصحابة رضوان الله عليهم جمعوا بعض الكلمات فأدمجوها في الخط، فكانت كالكلمة الواحدة، وهذا الذي يسمى بالوصل "إنما" فأصلها (إن) وحدها كلمة و(ما) وحدها كلمة، فجمعهما الصحابة في بعض الكلمات، وفصلوهما في بعض، فتحتاج إلى التفريق للوقف؛ لأنك إذا كنت تريد الوقف فلا يمكن أن تقف على أول ما جمعه الصحابة، بل لا بد أن تقف على كل كلمة وحدها، والخط كله مرجعه إلى قاعدتين:

    إحداهما: الأصل أن يوافق المقروء ما يكتب، والثانية: الأصل انفصال كل لفظ عن آخر، قاعدتان عليهما مدار علم الكتابة كله.

    الأصل: أن ينفصل كل لفظ عن الآخر، والأصل موافقة المقروء لما يكتب، كل لفظ عن آخر، والأصل موافقة المقروء لما يكتب، قاعدتان هما أصل علم الرسم.

    نحن الآن لا نتكلم في علم الرسم، اسمعوها وافهموها، ولا تحتاجون إلى كتابتها:

    الأصل أن ينفصل كل لفظ عن آخر، هذه قاعدة، والأصل أن تكون القراءة موافقة للمكتوب، وكلتا القاعدتين قد خرج منها أشياء في رسم الصحابة للقرآن؛ ففي الوصل والفصل: فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ[المعارج:36] الأصل الاتصال في مثل هذا النوع، لكن الصحابة فصلوا فكتبوا: (فمال) باللام وحدها، الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ[المعارج:36]، فهذا فصل، مع أن الأصل هنا الوصل.

    وكذلك في القاعدة الأخرى، فإن الكتابة قد تختلف عن النطق؛ فالصحابة كتبوا (بأييد) بياءين، وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ[الذاريات:47] كتبوها بياءين، وكذلك: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ[النحل:40] كتبوها بالألف، وكذلك: مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ[القصص:76] كتبوها بالألف؛ ولهذا في الرسم:

    واحذف ورا السكن تنوء بالألف.

    فهذا مخالف للقاعدة في الأصل، لكنه أصبح قاعدة الرسم بعد كتابة الصحابة له على هذا النحو، وأنت هنا إنما تحتاج إلى بيان الوصل والفصل للوقف فقط؛ لأن الذي يتعلق بالتجويد هو الوقف والابتداء، فتتعلم ما وصله الصحابة من الكلمات وما فصلوه؛ لتعرف المواقف في وقف الاختبار ووقف الاضطرار، لا في وقف الاختيار؛ فلا يجوز الوقف على مثل ذلك في الاختيار، وإنما يكون في الاختبار أو في الاضطرار، كذلك التاءات التي رسمها الصحابة وهي تاءات التأنيث في الاسم، تاء التأنيث تنقسم إلى قسمين: إلى تاء التأنيث الساكنة، وهي في الفعل، وهذه دائماً تكتب تاءً، إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ[الواقعة:1]، (إذا وقعت) هذه تكتب بالتاء، مثل قول الشاعر:

    ألمت فحيت ثم قامت فودعت فلما تولت كادت النفس تزهق

    هذه تاءات التأنيث اللاحقة بالفعل تكتب تاءً.

    القسم الثاني: تاءات التأنيث اللاحقة بالاسم، وهي تكتب هاء، لكن الصحابة خالفوا هذه القاعدة فكتبوا بعضها في القرآن بالتاء؛ وذلك لتقرأ على الجمع والإفراد، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا[الأنعام:115]، (وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً) فرسمها الصحابة بالتاء لتقرأ بالوجهين.

    ومعرفتك لذلك إنما تحتاج إليه في التجويد أيضاً للوقف، فإذا وقفت وقف اختبار أو وقف اضطرار على (كلمات ربك) (كلمة ربك) قرأتها بالإفراد فقلت: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ[الأنعام:115] هذا الوقف للاختبار، وهو الوقف للاضطرار أيضاً، ولا يجوز أن تقول: (كلمه) بالهاء؛ لأن الصحابة لم يرسموها بالهاء، وإنما رسموها بالتاء، وكذلك: وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ[المجادلة:8]، رسمها الصحابة بالتاء؛ فلا يجوز أن تقف عليها (ومعصيه)، بل تقف عليها: (ومعصيت)؛ لأن الصحابة رسموها كذلك، وهذه لغة من لغات العرب، وهي الوقف على تاء التأنيث اللاحقة بالاسم بالتاء، ومن ذلك قول الشاعر:

    الله أنجاك بكفي مسلمت من بعدما وبعدما وبعد مت

    قد كادت الحرة أن تدعى أمت

    فيوقف على التاء هنا بالتاء.

    (مسلمت) أي: مسلمة، فهذا من لغات العرب، وقد رسم عليه الصحابة القرآن، فوجب اتباع الرسم في النطق والوقف.

    إذاً هذا هو تعريفنا لعلم التجويد؛ إذاً هو حده وهو المقدمة الأولى.

    1.   

    موضوع علم التجويد والمؤلفات فيه

    موضوع علم التجويد

    أما المقدمة الثانية وهي موضوعه؛ أي: ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، فهو حروف القرآن وكلماته، حروف القرآن لابد من معرفة أن القرآن فيه حروف غير مركبة، وفيه كلمات مركبة من حروف، فالحروف غير المركبة هي الحروف المقطعة في فواتح السور: (ق) (ن) (ص) ونحو ذلك، هذه حروف مقطعة، والكلمات هي ما سوى ذلك في القرآن كله، وموضوع علم التجويد النطق بهذه الحروف والكلمات، كيف تنطق بها على الوجه الصحيح، وقد قالت طائفة من أهل العلم: بل موضوع علم التجويد النطق بحروف وكلمات الكتاب والسنة؛ فجعلوا الحديث كالقرآن، والسبب أن الحديث أيضاً لا يجوز اللحن فيه كالقرآن، فالحديث لا يجوز تعمد اللحن فيه؛ ولهذا إذا لحن فيه إنسان يجب عليك أن تصحح لحنه، كالقرآن إذا لحن إنسان في القرآن وجب عليك التصحيح له، إلا إذا كان ذلك أكثر من أن تستطيع تصحيحه؛ فلا بد أن تأمره بالعدول عن تلك الطريقة في القراءة أصلاً؛ ولهذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله: (إن اللاحن في الحديث يخشى عليه أن يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وفي قوله: (من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار )؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلحن، وهذا القارئ نسب إليه هذا الكلام؛ فجعله من قوله وهو لحن، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يلحن، لكن الراجح أن التجويد يختص بالقرآن؛ ولذلك فما يتعلق بالمحسنات اللفظية من الغنة والقلقلة وغيرها إنما هو مختص بالقرآن، ولا دخل للحديث فيه، فلا يطلب تجويده كما يجود القرآن.

    واضع علم التجويد وأوائل من ألف فيه

    أما واضعه- وهو أول من وضع هذا العلم- فقد ذكر كثير من أهل التجويد أنه هو أبو عمر حفص بن عمر الدوري، وهو أحد الرواة في القراءات، وهو الرواي عن أبي عمرو البصري، وهو الراوي أيضاً عن الكسائي أيضاً، فهو درس في الكوفة، فدرس على الكسائي وأتقن قراءته، ودرس في البصرة على اليزيدي، فروى عنه قراءة أبي عمرو بن العلاء، فـأبو عمرو بن العلاء راوياه السوسي، والدوري. والكسائي راوياه: الدوري أيضاً، وأبو الحارث.

    في البصرة روى عن اليزيدي، وهو الراوي عن أبي عمرو بن العلاء عبر شيخه اليزيدي.

    وقد توفي رحمه الله بالدور، وهي محلة بشرق بغداد، في عام مائتين وستة وأربعين من الهجرة، فهو أول من وضع هذه المصطلحات ونظمها.

    وأول من ألف في هذا العلم- وهو علم التجويد، وأفرده عن غيره من العلوم كعلم القراءة وعلوم اللغة- هو الإمام موسى بن عبيد الله بن يحيى الخاقاني، وقد توفي سنة ثلاثمائة وخمس وعشرين من الهجرة، وله قصيدة في علم التجويد رائية، وهي مطبوعة محققة حققها الشيخ عبد العزيز قاري، وهي واحد وخمسون بيتاً، وقصيدته هذه هي أول كتاب ألف في علم التجويد، قصيدته اسمها "رائية الخاقاني"، وهي مطبوعة بتحقيق عبد العزيز قاري، وهي واحد وخمسون بيتاً، هو أول من ألف في علم التجويد، وقد توفي سنة 325 من الهجرة.

    الخاقاني نسبة إلى أسرة بني خاقان، وهي أسرة اشتهرت في زمن العباسيين، وكان فيها عدد من الوزراء، ومنهم الفتح بن خاقان أشهر وزراء الدولة العباسية الأولى، وهو وزير الواثق والمتوكل، وقد قتل مع المتوكل حين اغتيل في رمضان وهو يصلي التراويح، والفتح بن خاقان هذا مشهور بقوته، وهو الذي خنق الأسد حتى قتله، كان يغتسل في طريق مكة، فهجم عليه أسد في الليل فخنقه حتى قتله.

    وهذا الرجل من تلك الأسرة، من أسرة بني خاقان، ولكنه ترك أمور الدنيا، وأقبل على العلم واشتهر بدراسته، وكان من أهل الحديث.

    ومن أهل الاشتغال بالقرآن، وأول من ألف فيه نثراً الإمام مكي بن أبي طالب القيسي الأندلسي، وهو مؤلف كتاب: (مشكل إعراب القرآن)، وله كتب أخرى كثيرة جداً، وقد ألف كتاب (الرعاية في علم التجويد)، وألف كتاب: (التمهيد في علم التجويد)، وهما كتابان مطبوعان، والرعاية هو أول كتاب ألف نثراً في علم التجويد.

    والقيسي نسبة إلى قيس عيلان بن ناس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الأندلسي نسبة إلى إقليم الأندلس، وقد توفي سنة 437هـ.

    وبهذا تعلمون أن حفصاً الدوري مثلاً توفي في القرن الثالث، والخاقاني توفي في القرن الرابع، ومكي بن أبي طالب توفي في القرن الخامس.

    وأهل الأندلس عموماً اشتهروا بإتقان هذا العلم؛ ولذلك فإن مكياً كان مجدداً فيه، ثم جاء بعده أبو عمرو الداني، وهو إمام علوم القرآن كلها بلا منازع، ثم بعده تلميذه أبو داود سليمان بن النجيح، وهو كذلك خليفة الداني في هذا العلم، فأهل الأندلس اشتهروا بعلوم التجويد وبتفسير القرآن كذلك؛ فمنهم ابن عطية، وابن جزي، والقرطبي، وأبو بكر بن العربي، وغيرهم من أئمة أهل التجويد؛ كـأبي حيان وغير ذلك.. ابن الفرس المالكي مؤلف كتاب (أحكام القرآن)، فلهم مؤلفات كثيرة جداً في خدمة القرآن.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3039381494

    عدد مرات الحفظ

    729775145