إسلام ويب

يوم القيامة وتفاوت الناس فيهللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تتفاوت منازل أهل الجنة في الجنة، فهم درجات عند الله، وتتفاوت كذلك منازل أهل النار في النار، ومن عرف هذا التفاوت وأسبابه، فما عليه إلا أن يبادر للنجاة، وأن يكون من ذوي الهمم العالية، وألا يرضى بما دون الفردوس الأعلى من الجنة.

    1.   

    مقارنة بين الحياة الدنيا والآخرة

    بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى لحكمته البالغة، جعل لهذا الكون حياتين: حياة أولى دنيا، وهي هذه الحياة التي نحن فيها، وهي دار عمل ولا جزاء، وحياة أخرى عليا، هي الحياة الحقيقية: وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64]، أي: هي الحياة المتجددة الحقيقية، فجعل تلك الدار دار جزاء ولا عمل، وجعلها دار دوام وخلود، وجعل هذه الحياة الدنيا دار تغير وانتقال، فكل ما فيها إلى زوال، ولا يستقر شيء مما فيها؛ لأنه عرض سيال، وبقاء الحال من المحال، وكل ما في هذه الحياة الدنيا سرعان ما يتغير ويتقلب، ويتراجع أدراجه، ولذلك أخرج البخاري في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كان حقاً على الله ألا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه )، فلا يرتفع فيها شيء إلا اتضع، ولا يحصل فيها شيء إلا سمج وقبح، وكذلك الغني فيها آيل إلى الفقر، والفقير فيها ربما استغنى، والقوي فيها آيل إلى الضعف، والضعيف ربما قوي، وهكذا فأحوالها متقلبة.

    وأحوال أهلها متقاربة، فتقارب أحوال أهلها يقتضي أن الإنسان إذا شعر بذاته وأحس بقوته وغناه، فإن وراء ذلك حالاً آخر، ستقلب له الدنيا ظهر المجن، وتنصرف عنه بعد أن أقبلت، فتعود من حيث أتت أدراجها، وكأنه ما عرفها ولا عرفته، كما قال الشاعر في أبياته المشهورة التي يقول فيها:

    تغيرت الأحوال ما أنا بالذي عرفتِ ولا أنت التي كنت أعرف

    فتتقلب أحوالها تقلب عجيباً مؤذناً بالزوال والانتقال.

    أما الحياة الآخرة، فإن كل ما فيها مؤذن بالثبات والاستقرار، فنعيمها خالد لا ينقطع، وعذابها كذلك دائماً لا ينقطع، نسأل الله السلامة والعافية.

    1.   

    من علامات الدار الآخرة

    جعل الله تعالى للدار الآخرة علامات تدل على انتقال هذه الدنيا وانتقال أهلها إلى الدار الآخرة، وهي أشراط الساعة الكبرى المنتظرة:

    خروج المسيح الدجال

    منها خروج المسيح الدجال، فيخرج بين العراق والشام، يعيث يميناً ويعيث شمالاً، ويمكث في هذه الأرض أربعين يوماً، اليوم الأول كسنة، واليوم الثاني كشهر، واليوم الثالث كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، ويجتمع عليه فلول اليهود من مشارق الأرض ومغاربها، وذلك بعد أن أذلوا وأهينوا، وانتزع منهم بيت المقدس، فإن اليهود قد تعهد الله لهم بدولتين:

    الدولة الأولى: التي كانت في أيام داود وسليمان عليهما السلام، ومن بعدهما من الملوك.

    الدولة الثانية: هي هذه التي هم فيها الآن، وأخبر أنهم سيعيثون فيها في الأرض، ويفسدون فيها، لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ [الإسراء:4-7]، والخطاب هنا: للمسلمين، (إذا جاء وعد الآخرة) أي: إذا جاء وقت الدولة الثانية، ليسوء اليهود وجوهكم معاشر المسلمين، وهذا ما حصل: (( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ )) وهو المسجد الأقصى، (( كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا )) أي: يفسدوا ويهلكوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا [الإسراء:7]، فـ(ما) هنا: يمكن أن تكون موصولاً اسمياً، فيكون المعنى: الذي علوه من الأرض، ويمكن أن تكون حرفاً مصدرياً، فيكون المعنى: وليتبروا مدة علوهم، ومدة حكمهم تتبيراً، أي: ليفسدوا في الأرض إفساداً مدة بقاء ملكهم، وإذا أراد الله إهلاك دولتهم، فإنهم سيحاولون غزو البلاد المقدسة، فيغزون المدينة المشرفة، وإذا فعلوا فسيخرج أهل المدينة منها، فيتركونها على خير ما كانت، لا يغشها إلا العوافي، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: ( لتتركن المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي، قيل: وما العوافي يا أبا هريرة؟ قال: عوافي السباع، حتى يأتي ذئب أبيض -وفي رواية: كلب أبيض- فيدخل المسجد لا يرده أحد، حتى يغذي على المنبر) أي: حتى يبول على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم (وآخر من يدخلها راعيان من مزينة ينعقان بغنميهما، حتى إذا بلغا ثنية الوداع انكبا على وجوههما ).

    وظاهر هذا الحديث أنهم سيضربونها بالسلاح الذي لا يهدم البنيان، ولكنه يهلك الناس، وقد عرف هذا السلاح في زماننا هذا بالغازات السامة ونحوها، وحينئذٍ يترك الناس المدينة، وخرابها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فتح بيت المقدس )، فخراب يثرب فتح بيت المقدس، فيفتح بيت المقدس، وينتزع من اليهود، (وفتح بيت المقدس فتح رومية) أي: تقع حرب دولية، وتستمر حتى تفتح روما.

    ويخرج الدجال في السنة السابعة بعد فتح رومية، وقبل ذلك سيسلط الله على اليهود من يسومهم سوء العذاب، كما تعهد لهم بذلك في كتابه، فقال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف:167]، وإذا غزوا المدينة فسيجتمع أهل الحجاز على رجل منهم فيبايعونه، فإذا بايعوه بايعه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فتقوم الخلافة الثانية التي وعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أخرج أحمد في المسند وغيره من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تكون فيكم النبوة ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةً على منهج النبوة ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةً على منهج النبوة وسكت )، وورد في أحاديث أخرى: ( أنه سيتداول على الخلافة في خلافة آخر الزمان أربع عشرة خليفة وآخرهم المهدي )، وهو الذي يسلم الأمر إلى عيسى بن مريم، بعد أن ينزل المسيح بن مريم عليه السلام.

    نزول المسيح بن مريم

    ومن هذه الأشراط كذلك: نزول المسيح بن مريم، فينزل وقت صلاة الفجر بين ملكين (كأنما خرج من ديماس) أي: كأنما خرج من حمام، وهو يلبس البيض، أي: الثياب البيض، (وله لمة) أي: شعر وافر، (فإذا رفع رأسه تحدر منه مثل الجمان، وإذا طأطأه تقاطر)، فيدخل المسجد الأموي، مسجد دمشق، (وينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيدخل المسجد ويجد الصلاة قد أقيمت، فيقولون له: يا نبي الله! تقدم، فيقول: ما أقيمت لي؟ فإمامكم منكم يصلي بالناس إمامهم، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات من حينه، أو ذاب كما يذوب الملح في الماء، وإن نفسه ليبلغ ما يبلغ بصره)، ويلتقي بجيش الدجال، ويأتي إلى ابن مريم عليه السلام، صفوف المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، ويلتحق به بدلاء الشام وعصائب العراق فينصرونه، ويجاهدون في سبيل الله، ويلتقي بـالمسيج الدجال برملة اللد، وهي المعروفة اليوم: بمطار تلابيب، والمطار اليوم يسمى مطار اللد، وفي هذا المكان يلتقي المسيح بن مريم عليه السلام بالمسيج الدجال فيقتله، وحينئذٍ يكسر الصليب ويقتل الخنزير في الأرض كلها، ويقتل اليهود حتى يتكلم الحجر والشجر، (يا عبد الله يا مسلم! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود).

    طلوع الشمس من مغربها

    ومن هذه الأشراط الكبرى: طلوع الشمس من مغربها، بعد أن تحبس ثلاثاً ينتظرها أهل الأرض، فلا تطلع، لا يؤذن لها بالطلوع، ثم يؤذن لها فيقال: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، وتخرج من باب في المغرب قبل المغرب اسمه باب التوبة، فإذا خرجت منه الشمس أغلق، فلم تقبل توبة من لم يكن تائباً، أو عمل صالحاً من قبل.

    ثلاثة خسوفات

    ومنها كذلك: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم الخسفين الذين في المشرق وبالمغرب، إلا أنه بين الخسف الذي بجزيرة العرب، فبين أن جيشاً يأتي من قبل الشام يغزو البيت الحرام، حتى إذا كانوا بالبيداء، وهي أرض مستوية جنوب المدينة، خسف بأولهم وآخرهم، فقالت عائشة: (يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم، فقال: يبعثون على نياتهم ).

    ومن هذه الأشراط: الدخان المنتشر والنار التي تسوق الناس من قعر عدن، تحشرهم إلى أرض الشام، ومنها يحشرون إلى المحشر.

    ومن هذه الأشراط الكبرى: رفع القرآن، وخروج الدابة التي تخرج في أشد الحرمين حرمة، وتخرج والناس صائمون في رمضان، فتخرج من صدع خلف الصفا، فتدخل المسجد لا يفوتها هارب، ولا يدركها طالب، وتكلم الناس على الصفا بكلام يفهمونه، وتذهب في شعب أجياد، فتختفي عن الناس.

    خروج يأجوج ومأجوج

    ومنها وهو آخرها: خروج يأجوج ومأجوج، فهم آخر الأشراط الكبرى، يخرجون من قبل المشرق، فيعيثون في الأرض فساداً، ويحصرون المسيح بن مريم ومن معه من المسلمين، فيدعو عليهم، فيسلط الله عليهم عذاباً من عنده، فيهلكهم، لكنهم يملئون الأرض بزهمهم ونتنهم، فيستسقي المسلمون، فيأتي مطر فيذهب بجثثهم، فتعود الأرض كالكرسفة البيضاء، قد زال عنها كل ما فيها من الأدران والوسخ.

    وهذه هي المرة الثانية التي تطهر فيها الأرض، وهذه الأرض التي نحن عليها تطهر ثلاث مرات:

    التطهير الأول: بطوفان نوح حين طهرها الله به الشرك.

    والتطهير الثاني: بالطوفان الثاني الذي يأخذ يأجوج ومأجوج ويذهب بهم.

    والتطهير الثالث: عندما يتكفئها الجبار بيمينه، كما يتكفأ أحدكم خبزته، نزولاً لأهل الجنة، فيقلبها الجبار في يمينه، فتجتمع بركتها وخيرها، وتشهد على كل أهلها، بما عملوا عليها، إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:1-8]، يتكأفها الجبار بيمنه، فيجعلها نزلاً لأهل الجنة، (وإدامهم بالام ونون، فقيل: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: سمك وثور، يشبع من زائد كبدهما سبعون ألفاً )، أي: يشبع من القطعة الناتئة في الكبد، سبعون ألفاً، يشبعون من زائد الكبد فقط.

    وهذه الأشراط هي إعداد لليوم الآخر، واستعداد له.

    1.   

    مشاهد اليوم الآخر

    النفخ في الصور

    أول مشاهد اليوم الآخر أن يأذن الله لإسرافيل بالنفخ في الصور، (وقد التقم الصور الآن وأصغى ليتاً)، أي: رفع أحد طرفي عنقه ينتظر الإذن له بالنفخ، فينفخ نفخة الفزع، فيصعق الناس لها جميعاً، ويمكث أربعين سنة، ثم ينفخ النفخة الثانية، فإذا هم قيام ينظرون، وينادى في الناس: هلموا إلى ربكم، فيخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون، وينادي بهم إلى الساهرة، وهي أرض كالطبق مستديرة بيضاء كالكرسفة، أو كالصوفة البيضاء، يقف الناظر في طرفها فيرى طرفها الآخر، ومع ذلك تحيط بالناس جميعاً فيجتمعون فيها، يحشر إليها أولهم وآخرهم، والواقف في طرفها يرى طرفها الآخر، فتحوي الخلائق من لدن آدم إلى نهايتهم، لا يشذ عنها أحد، وإذا حشروا فيها جميعاً، يداركون فيها أولهم وآخرهم، كلما بعثت أمة وجدت الأمة التي قبلها، وتتخاصم الأمم، فكل أمة تشكو من التي سبقتها أنها التي أفسدت الدين، وأنها التي أورثتها البدع والفساد، فيقع الخصام بينهم في ذلك الوقت، وهذا أحد ثلاث مشاهد هي مشاهد الخصام.

    الخصام الأول: في هذه الحياة الدنيا بين الداعين إلى الله وأعدائهم، وهذا الخصام مستمر طويل الأمد وسيبقى، وعليه دام خصام الرسل، فما أرسل الله نبياً قط إلا قال الناس له: كذاب، مجنون، ساحر، كاهن، أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات:53]، وكذلك ما سلك هذا الطريق أحد قط إلا عودي وأوذي، كما قال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنه لم يأت رجل قط بمثل ما جاءت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً ).

    الخصام الثاني: هو هذا الخصام في المحشر، عندما يجتمع الناس جميعاً في الساهرة، فإنهم يختصمون، فكل طائفة سلمت الدين إلى التي بعدها، إلى أولادها، تخاصمه الأمة التي بعدها، فتقول: أؤتمنتم على دين الله فحرفتموه، وبدلتموه، وما أوصلتموه إلينا خالصاً، ويختصم المستضعفون والمستكبرون، فـ: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31]، ويخاصمهم المستكبرون كذلك بأنهم لو كانوا يملكون لأنفسهم شيئاً لوقوهم، ولحملوا عنهم بعض عذاب الله، ولكنهم لا يستطيعون ذلك.

    الخصام الثالث: هو الخصام الذي سيعقد له الجبار سبحانه وتعالى محاكمةً، يجتمع فيها طرفان، طرف يمثل أهل الخير والإيمان، وطرف يمثل أهل الكفر والنفاق، هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:19-21]، وهذا الخصام يجثو فيه الناس، بين يدي رب العالمين للمخاصمة، ويتخاصمون فيه عند الملك الديان العدل الذي لا يظلم عنده أحد، وتعلمون لمن الغلبة في ذلك الخصام، ولمن العاقبة، فإن العاقبة للمتقين، وهذا الخصام هو مشهد من مشاهد القيامة بعد الحشر.

    الإيتاء بجهنم

    ثم بعده المشهد الآخر: عندما يؤتى بجهنم تقاد بسبعين إلف زمام، في كل زمام سبعون ألف ملك، وتحيط بالناس من كل جانب، فإذا أحاطت بالناس من كل جانب، وركب بعضها بعضاً، وطال ثبورها، ودعاؤها، وهي تدعو بالويل والثبور، وتتوعد وفدها الذين سيرسلون إليها، اشتكى الناس وبكوا من هول ما يرون عندما يرون جهنم يركب بعضها بعضاً، وفيها الظلال المتعاقبة من دخانها، ووبالها، وعندئذٍ تقول: يا رب! أكل بعضي بعضي، فإذا طال دعاؤها واستغاثتها، وقد ضمن الله لها أهلها، فحينئذٍ يأمر الله آدم أن يخرج بعث النار، فيقول: ( يا رب! من كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ [الحج:2] )، وحينئذٍ يخرج بعث النار إلى النار، ويساقون إليها ويهيئون لها، ويطول الموقف بالناس، ويؤتى بالشمس عقيرة، فترفع فوق رؤوسهم كالميل، وتدنو منهم، ويشتد العرق، فمنهم من يلجمه إلجاماً، ومنهم من يصل إلى حلقه، ومنهم من يصل إلى ترقوتيه، ومنهم من يصل إلى ثدييه، ومنهم من يصل إلى خصريه، ومنهم دون ذلك، ويطول بهم الموقف حتى يسري عرقه في الساهرة أربعين، قيل: أربعين ذراعاً، وقيل: أربعين خريفاً، ثم بعد ذلك يلجؤون إلى الشفاعة، فيبدؤون بآدم عليه السلام، فيقولون: (يا آدم! أنت أبو البشر خلقك الله بيمنه، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وجعلك خليفته في الأرض، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة، وإما إلى نار، فيقول آدم: نفسي نفسي، رب لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني عصيت الله فأكلت من الشجرة، ولكن اذهبوا إلى نوح، فيذهبون إلى نوح فيقولون: يا نوح! أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، فاشفع لنا إلى ربنا، إما إلى جنة، وإما إلى نار، فيقول نوح: نفسي نفسي، رب لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن بغضب بعده مثله، وإني سألت الله ما لم يأذن لي به، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتونه، فيقولون: يا إبراهيم! قد اتخذك الله خليلاً، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة، وإما إلى نار، فيقول إبراهيم: نفسي نفسي، رب لا أسألك إلا نفسي، إن رب غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كذبت ثلاث مرات، ولكن اذهبوا إلى موسى فيأتونه فيقولون: يا موسى! قد اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة، وإما إلى نار، فيقول موسى: نفسي نفسي، ربي لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم يؤذن لي بقتلها، ولكن اذهبوا إلى عيسى، فيأتونه فيقول عيسى: نفسي نفسي، رب لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني عبدت من دون الله، لا يجد شيئاً يأزره غير ذلك، ولكن اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيأتونه فيقول: أنا لها، فيخر ساجداً تحت العرش، فيلههم الله ثناءً، لم يكن يحسنه ولا يحسنه من سواه، فيثني به على الله، فيناديه: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع، وأسأل تعطه)، فيشفع في الناس إلى الله عز وجل، فيؤذن لهم بالخروج.

    ويتجلى الباري سبحانه وتعالى لفصل الخصام، وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17]، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر:22-24].

    وضع الميزان

    ثم بعد ذلك تتوالى المشاهد، فيوضع الميزان بالقسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً، فلا يمكن أن يفقد أحد أي شيء من أعماله سواءً كانت خيراً أو شراً، إلا جعلت بين يديه، وجعلت في كفة الميزان، وهو ينظر، ويقال له: إنك لا تظلم شيئاً، ويؤتى بكل إنسان ومعه سائق وشهيد، وهو يحمل طائره في عنقه، قد كتبت فيه أعماله خيرها وشرها، وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:13-14].

    نصب الصراط

    ثم بعد ذلك ينصب الصراط، (وهو جسر منصوب على متن جهنم، أحد من السيف، وأرق من الشعر، وعليه كلاليب كشوك السعدان، يتفاوت الناس عليه بحسب أعمالهم، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يمر كالرجل يشتد عدواً، ومنهم من يمر كالرجل يزحف على مقعدته، فناجٍ مسلم ومخدوش مرسل، ومكردس على وجه في نار جهنم)، وفي ذلك الموقف عندما ينصب الصراط يتسابق الناس إليه، فإذا استبقوا الصراط: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13]، فتبيض وجوه أهل الإيمان والسنة، وتسود وجوه أهل الكفر والبدعة، وحينئذٍ يتخبط أولئك في الظلام الدامس، لا يعرفون موطأ أقدامهم، ولا ما تلقاء وجوهم، وقد مثل الله حالهم مثالاً عجيباً فقال: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:19-20].

    وحينئذٍ من لم يجعل الله نوراً فما له من نور، فيمتد النور أمام المؤمنين خمسمائة عام، ويبقى الكفار والمنافقون يتخبطون في الظلام، وينادون من يعرفونهم من أهل الإيمان، فيقولون: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد:13-14]، فقد كانوا يعاشرونهم في الحياة الدنيا، ويخالطونهم ويجاورونهم، لكن هيهات وشتان بين مصير هؤلاء، ومصير أولئك، فلذلك يقولون: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ المَصِيرُ [الحديد:14-15].

    فأولئك بين الله سبحانه وتعالى سبب تخلفهم عن الذين كانوا يخالطونهم من أهل الإيمان، فقال: وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد:14]، فأول الاستجابة للفتن الاستجابة لأوامر ابليس واتباع خطوات الشيطان، فهؤلاء كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، ولذلك فتنوا أنفسهم، وكذلك تربصوا بالمؤمنين، وانتظروا ما يئول إليه الأمر، فهم ينتظرون حسم المعركة، ويقولون: المعركة دائرة، ورحى الإسلام دائرة بين أهل الحق والباطل، ونحن متفرجون محايدون، فإذا غلب أهل الحق كنا معهم، وإذا غلب أهل الباطل لم نكن استعديناهم، وهذا حال المنافقين في وقتنا هذا، وفي سائر الأوقات الماضية، يرون المعركة قائمة بين الحق والباطل، فيحاولون أن يجعلوا لأنفسهم حياداً، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، وينتظرون العاقبة فيقولون: إذا تغلب أهل الإيمان كنا معهم، وإذا تغلب الآخرون لم نكن استعديناهم، فلذلك يقال لهم: وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد:14]. وَارْتَبْتُمْ [الحديد:14]، فهم يشكون في العاقبة لمن هي؟ أما أهل الإيمان فهم جازمون بأن العاقبة للمتقين، وبأن وعد الله حق لا محالة ولابد أن يتحقق، وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55]، كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21]، وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [الأنبياء:105-106].

    فأهل الإيمان جازمون بأن وعد الله حق، وأن الله لا يخلف الميعاد، طال ذلك أو قصر، امتدت الدنيا أو لم تمتد، فلابد أن يحقق الله ما وعد، ولذلك فالمنافقون الأولون كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تغامزوا أن اخرجوا معهم، حتى إذا خرجوا من المدينة خرجتم لواذاً، وتسللتم من أرحلكم، ورجعتم إلى المدينة، فتعدون في الخارجين، وترجعون إلى دياركم وأهليكم، فكانوا يفعلون ذلك، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام السابع إلى خيبر لقتال اليهود، اجتمع نادي المنافقين فقالوا: يزعم محمد وأصحابه أنهم سينتصرون على اليهود، والله لن يرجع إليكم أي أحد منهم، فأنزل الله في ذلك سورة الفتح، وفيها يقول: وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالمُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح:6]، وبين (ظَنَّ السَّوْءِ) بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا * وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا [الفتح:12-13].

    دخول أهل النار النار وأهل الجنة الجنة

    فحينئذٍ يسير الناس على الصراط، ويرى أهل الإيمان النار، ويراها أهل الكفر، فأهل الكفر إذا عبروا تساقطوا، أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ [الفرقان:13]، وهي تستبشر بهم وتفرح لمجيئهم، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [الفرقان:13-14]، وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر:61]، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ [الأنبياء:102].

    فيمرون مروراً ويعبرون عبوراً، وحينئذٍ إذا دخلوا الجنة، وتذكروا نعمة الله عليهم، وما أنجاهم منه من النار، تذكروا أحوال قرنائهم، والذين كانوا يخالطونهم ويشغلونهم عن ذكر الله وعبادته، ونصرة دينه، فيتذكرون أحوالهم، فيقول بعضهم لبعض: تعالوا بنا نطلع عليها، هل نرى أصحابنا أولئك الذين كادوا يفتنونا عن ديننا، فيطلعون فيرونهم في غاية العذاب، فيقول القرين لقرينه: إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ المُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:56-61].

    فأولئك القوم إذا جاؤوا إلى أبواب الجنة، أول من يقعقع الحلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشفع الشفاعة الثانية بدخول الجنة، فيشفعه الله عز وجل فتفتح أبواب الجنة الثمانية، وينادى من كل باب بأهله، فباب الصلاة ينادى منه بالمصلين الذين لم يكن يشغلهم شيء عن الصلاة، لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:37]، فينادون من باب الصلاة، ويرحب بهم الملائكة قائلين: ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ [الحجر:46]، والذين كانوا من أهل الصدقة ينادى بهم من باب الصدقة، وقد كانوا في ظل صدقاتهم في المحشر، فما من أحد إلا ويستظل بظل صدقته في المحشر، فمن مستقل أو مستكثر، وينادى بالصائمين من باب اسمه الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون، فإذا دخلوا منه أغلق، فلم يدخل منه أحد، وينادى بالمجاهدين من باب الجهاد، فيدخلون منه على مختلف رتبهم، لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى [الحديد:10].

    إن الذين عاشوا في مثل ما أنتم عليه في حالكم اليوم، في وقت غربة الإسلام، وفي وقت تكالب أعداء الدين عليه، إذا صبروا على الحق، وصمدوا عليه، وكانوا من أنصار الله، ووهبوا أنفسهم لله، وباعوها بالثمن الغالي الربيح، فأولئك هم الذين أنفقوا من قبل الفتح، ولا يمكن أن يستوي معهم من جاء ودولة الإسلام قائمة، فعاش في ظلالها، وتربى في أحضانها، وهو يجد السلامة والعافية، فشتان بين الطائفتين في الأجر، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ( أجرك على قدر نصبك )، فهذا النصب والتعب الذي تجدونه على قدره يكون الأجر والمثوبة عند الله سبحانه وتعالى، وهكذا أبواب الجنة كلها.

    بل إن من الناس رجالاً ينادون من جميع أبواب الجنة، ولهم الخيار، وما على صاحب الخيار من ضرورة، ما على صاحب الخيار من ضرورة إذا خير من أي أبواب الجنة شاء دخل، بل يكفي شرفاً أن يكتب اسم الإنسان على أبواب الجنة، فينادى به من الزمرة المفضلة المقدمة، الذين بيض الله وجوههم وآتاهم كتبهم بأيمانهم تلقاء وجوههم، وأعلى منزلتهم، وجعلهم شهداء على الناس، ولذلك فإنهم يلقون فيها تحية وسلاما، فالتحية سلام الملائكة لهم، يقولون: ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ [الحجر:46]، والسلام سلام الجبار سبحانه وتعالى.

    وبينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور من فوقهم، فلا ينظرون إلى شيء مما هم فيه ما داموا ينظرون إليه، فإذا الجبار سبحانه وتعالى قد تجلى لهم من فوقهم، فيقول: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:58]، ويرونه لا يضامون في رؤيته، كما يرى أهل الأرض القمر ليلة البدر، لا يضامون في رؤيته، ويتفاوتون في القرب والتقريب، وفي قدر الرؤية بتفاوت خشوعهم في الصلاة، وإخلاصهم في العمل.

    إخراج بعض أهل النار من النار

    ثم بعد هذا تأتي الشفاعات الأخرى، فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من عصاة أمته، ويشفع النبيون كذلك في عصاة أممهم، ويشفع الصالحون كذلك في ذويهم، ومنهم من يشفع في مثل ربيعة ومضر، وهم أقوام ليسوا بأنبياء، لكنهم يشفعون في مثل ربيعة ومضر، من ناحية العدد، فإذا انتهت شفاعات الشافعين، قال الله عز وجل: انتهت شفاعات الشافعين، وبقيت شفاعة أرحم الرحمين.

    فيقول الله لملائكته: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ثم يمكث ما شاء أن يمكث، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من خير، ثم يمكث ما شاء أن يمكث، ثم يقول: أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، فيخرجون منها قد اسودوا وامتحشوا، فيلقون في نهر الحياة، فتنبت أجسامهم كما تنبت الحبة في حميل السيل)، ويرجعون حينئذٍ فيدخلون إلى الجنة، وينالهم من روحها، وريحانها، ما يذهب عنهم كآبة النار، وما شاهدوه فيها من العذاب، فإن أهون أهل النار عذاباً: رجل تحت أخمصه جمرة، يغلي منها دماغه، فتوضع جمرة واحدة تحت أخمص رجله، فيغلي منها دماغه، وهذا أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة.

    توالي النعيم لأهل الجنة والعذاب لأهل النار

    ثم بعد ذلك يتوالى النعيم لأهل الجنة، والعذاب لأهل النار، بأصناف عجيبة، لا تخطر على قلب أحد، وأبلغ ما في الجنة من النعيم رؤية الباري سبحانه وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس:26-27].

    وأبلغ ما في النار من العذاب: إعراض الملك الديان عنهم، وإهانتهم لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، فما أهونهم على الله.

    ويستمر النعيم بأهل الجنة، فلا يملون أي شيء من ملذاتها وشهواتها، كلما جاءتهم نعمة من نعمها، قالوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة:25]، فكل ما في الحياة الدنيا من الملذات والشهوات يملها أصحابها، ولا يمكن أن يدوم عليهم شيء منها، بل تنقطع وتزول، وإذا لم تزل هي زال آثرها، أما ما في الجنة من النعيم، فإنه يستمر ولا ينقطع، فاللذة الأولى التي ينالها الإنسان عندما يتجاوز عتبة الباب، ويناله من روحها وريحانها، تستمر معه مليارات السنوات، لا تنقطع ولا تزول ولا تحول، ويأتي بعدها مليارات اللذات ولا تنقطع هي، وكل لذة تبقى وتأتي بعدها أخرى، وهكذا دون انقطاع ولا ملل ولا تعب.

    أما أهل النار كذلك فإن كل عذاب يجدونه لا ينقطع به ما قبله، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56]، فتضخم أجسامهم، فمقعد أحدهم في النار كما بين مكة والمدينة، ليشتد نصيبه من العذاب، وضرس أحدهم في النار كجبل أحد، وأقدامهم فيها في الأغلال والسلاسل كالجبال السود المتراكمة، فتبسط أشداقهم بالمجاديف، فتطول وتعرض، ويحمى على أموالهم فتكوى بها أشداقهم وجنوبهم وظهورهم، هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:35]، ويلقون من المهانة والمذلة ما يزول به كل ما كان في نفوسهم من الكبرياء والتعاظم، ويستمرون على ذلك وهم ينادون: يا مالك! نضجت منا الجلود، يا مالك! أخرجنا منها، فإن خرجنا فإنا لا نعود، فيطول دعاؤهم بذلك حتى إذا مكثوا زماناً طويلاً يقول: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، فهذا جوابهم وهو في غاية المذلة والمهانة.

    1.   

    تفاوت منازل وأحوال أهل الجنة

    إن هذا الحال الذي أمامنا ونحن نؤمن به ونصدق، ونعلم أنه كائن كما قد كان، وأن ما أخبرنا به كما هو، لا اختلاق فيه ولا اختلاف، نعلم تباين أهله، وتباين منازلهم، واختلاف أحوالهم، فأحوال أهل الدنيا متقاربة، وأحوال أهل الآخرة متباعدة.

    فالذي يعيش في هذه الحياة الدنيا، ولو كان مريضاً، ولو كان فقيراً، ولو كان حقيراً لدى الناس، على كل هو يتنفس ويأكل ويشرب، ويعيش كما يعيش الناس، فحاله متقارب مع حال من سواه، كل لا يملك لنفسه ولا لغيره حياة ولا موتاً ولا نشوراً، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج:73-74]، كل كذلك لا يملك لنفسه أي نفع، ولا يستطيع التدبير في أي شيء، وما ظن أنه خير له اليوم، سينقلب فيه تفكيره ورأيه، فيراه شراً له في المستقبل، وكل كذلك لا يعلم من العلم إلا قليلاً، ولا يدري متى يأتي أجله، ولا يدري ماذا يكسب غداً، ولا يدري بأي أرض يموت.

    فإذاً أحوالهم متقاربة غاية التقارب، لكن انظروا إلى أحوال أهل الآخرة، ولا أريد هنا أن أبين البون الشاسع بين أحوال من كان في الدرجات العلى من الجنة في الفردوس الأعلى تحت عرش الرحمن، ومن كان في أسفل سافلين في قعر جهنم، بل إنما أقتصر على بيان حال أهل الجنة أنفسهم، فشتان وهيهات بين منازل أهل الجنة، ( إن أهل الجنة ليتراءون الغرف كما يتراءى أهل الأرض الكوكب الدري في السماء )، انظروا إلى هذا البون الشاسع! كم بينكم الآن وبين المريخ من المسافات؟ كم بينكم وبين المجرات العالية من السنوات الضوئية؟ إن هذا البون الشاسع ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً لتفاوت منازل أهل الجنة.

    إن المقربين منهم هم أهل الفردوس الأعلى، وظل الفردوس الأعلى عرش الرحمن سبحانه وتعالى، وأنتم تعلمون ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن السموات السبع والأرضين السبع في الكرسي كدراهم نثرتها في ترس، وأن الكرسي في العرش كحلقة في فلاة )، فلا يساوي شيئاً من هذا الكون كله هذا العرش العظيم، فالسموات السبع على طولها وعرضها، والأرضون السبع كذلك في الكرسي كدراهم نثرت في ترس كبير، والكرسي في العرش كحلقة رميت في فلاة من الأرض.

    ثم بعد ذلك تأتي منازل من دونهم من أهل الجنة على اختلاف درجاتهم، وتباين أحوالهم، والله سبحانه وتعالى: لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:44]، فكل ينال قدر ما علم الله فيه من الخير، ما علم في قلبه من الاخلاص لله، والحرص على عبادته، فعلى ذلك تفاوت منازلهم ودرجاتهم، يقال لقارئ القرآن غير الجاف عنه ولا الغالي فيه يوم القيامة: ( اقرأ ورتل وارق، فإن منزلتك عند آخر آية ترتلها )، فيرتل كما كان يرتل في الدنيا، ويرقى حتى ينتهي به ترتيله، فمن مستكثر ومن مستقل.

    انظروا إلى أنفسكم، من أراد أن يكون في الفردوس الأعلى من الجنة، من أراد أن ينافس أولئك على جوار محمد صلى الله عليه وسلم فليرتل، ينظر إلى وقته كم يأخذ الترتيل منه اليوم؟ كم ترتل يا أخي في السبح الطويل الذي آتاك الله في أربع وعشرين ساعة من كتاب الله، ألا فإنه طريقك إلى الجنة، وسلمك الواصل إلى الفردوس الأعلى من الجنة، فإن شئت فرتل وأكثر، وإن شئت فاستقلل، هو مقامك يا أخي تخططه لنفسك.

    إن الجنة لا تنال بجزاء العمل، ولكن تنال بسبب العمل، وقد سبقتها النعمة، وتلحقها النعمة بالقبول، سبقتها النعمة بالإعانة عليها والتوفيق، وتلحقها النعمة بقبولها عند الله، فكيف تكون تلك الطاعات جزاءً للجنة؟

    هذا لا يمكن أن يتم ( فلن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته )، لكن مع ذلك، فإن الجنة سبب دخولها هذا العمل، وسبب تفاوت الناس فيها هذا العمل: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]، أي: بسبب ما كانوا يعملون.

    فهذه الأعمال: هي الأسباب التي يدخل بها الإنسان الجنة، ويتلقى فيها بعد ذلك إلى الدرجات العلى من الجنة.

    إن هذه الأعمال التي لنا فها اليوم الفرص، نعرض عنها، أو يعرض عنها الكثير منا، ويعيننا الله عليها، فنسمع نداء المنادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ونرى نداء منادي آخر صامت لا يسمع له صوت، وهو الفجر عندما ينبزغ وينفجر، فينادي بنا في صمت رهيب، فيقول: يا ابن آدم! أنا يوم جديد، عليك فيه لله عهد أكيد، فأحسن فيّ قبل أن أبارحك، فكل يوم من الأيام هو عمر كامل، تطوى صحائفه، ويختم عليها، وأمسِ الدابر أمره لا يعود، ولا تنشر الصحائف إلا عند الوزن يوم القيامة.

    1.   

    وعاظ الله في خلقه

    كم نرى في أيامنا وليالينا من المذكرين بالله سبحانه وتعالى:

    فأكبر واعظ هو الموت، وهو سيد الواعظين، ترون كل يوم ميتاً ينقل على الرقاب إلى الدار الآخرة، فإذا لم تمت أنت اليوم، فقد مات خليلك، وصديقك، ومات من هو في سنك، ومات من هو أكبر منك، ومات من هو أصغر منك، ومات والدك، ومات ولدك، وأنت سائر على الأثر لا محالة، وهذا الموت واعظ لك مذكر.

    ومن الواعظين المذكرين: هذا الوقت، وهذا الزمان العجيب البديع، فهو تذكير لك، كما قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:61-62]، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:15]، وهذا التذكير تقوم به الحجة لله تعالى، ولذلك ينادي أهل النار يوم القيامة، فيقول: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37].

    ومن الواعظين المذكرين: الشيب:

    وقبل الشيب إيجادي نعاني فليس الشيب أول ناعيين

    فهذا الشيب مؤذن بالانتقال من هذه الدار إلى الدار الآخرة، ولذلك يقول أحد الحكماء:

    ذهب الزمان فلا زمان جمانا وكأنما قد كان لم يك كانا

    يا من لشيخ قد تطاول عهده أفنى ثلاث عمائم ألوانا

    سوداء حالكة وسحق مفوف وأشد ثوباً بعد ذاك هجانا

    والموت يأتي بعد ذلك كله وكأنما يعنى بذاك سوانا

    كذلك مذكر الله ومناديه، هذا القرآن الذي ينطق علينا بالحق، ويذكرنا بالانتقال إلى الله سبحانه وتعالى، ويشهد علينا بما نعمل، هو مذكر وواعظ يعظنا ويذكرنا، يبين لنا ما يرتضيه منا خالقنا، وينهانا ويزجرنا عما لا يرتضيه منا، فما لنا نعرض عنه، وما لنا لا نأخذ به.

    1.   

    تفاوت أهل النار فيما بينهم

    إن التفاوت العجيب بين أهل الجنة يلزم أن نستحضر به كذلك التفاوت العجيب بين أهل النار، فهم درجات عند الله، منازل متفاوتة.

    فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً، وفوقهم أنواع الكفرة على مختلف درجاتهم.

    وفي أعلى النار وأخفها عذاباً العصاة من أهل الإيمان على تفاوت منازلهم في ذلك، ومن أبلغهم عذاباً من قتل نفساً بغير حق، ( لا يزال المسلم في فسحة من دينه، ما لم يصب دم حراماً )، فأولئك الذين يغرقون في بحار من الدماء، وكلما سبح أحدهم فأراد أن يخرج قام عليه ملك، فرماه بصخرة رجعت به إلى أسفل بحيرة الدماء، فإذا أراد أن يخرج رماه بصخرة أخرى.. وهكذا.

    وكذلك أكلة الربا، فإن لهم مجادف تجدف بها أشداقهم إلى خلاف وجوههم، كلما جذب الشق الأيمن إلى خلف الإنسان، بدأ بشق الأيسر أيضاً، فلا يصل إلى قفاه حتى يرجع الأيمن إلى مكانه، فيعاد أيضاً وهكذا، مدة بقائهم في ذلك التعذيب.

    وكذلك الزناة والزواني، فهم معلقون في قدور تغلي في النار، نسأل الله السلامة والعافية.

    وكذلك أصحاب عقوق الآباء والأمهات، فهم معلقون بألسنتهم وأيديهم، في غاية الوبال والنكال نسأل الله السلامة والعافية.

    وكذلك أصحاب التجسس والذين يمشون بالنميمة، فهم منكسون كذلك معلقون بألسنتهم، نسأل الله السلامة والعافية.

    وكذلك الذين يمنعون زكاة أموالهم، فتجمع عليهم أموالهم فتطؤهم بأخفافها، وتنهسهم بأسنانها، وتنطحهم بقرونها، كلما مر عليهم آخرها، أعيد إليهم أولها. وهكذا، فدرجاتهم متباينة متفاوتة.

    1.   

    فائدة معرفة تفاوت أهل الجنة في درجاتهم

    إن فائدة تعلمنا لهذا التفاوت الذي جاء في وحينا، وجاء به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، أن نجد الفرصة بين أيدينا للنجاة، فنحن اليوم في فسحة من أمرنا، وكل إنسان منا يملك زمام نفسه، يمكن أن يعبد الله، يمكن أن يقول: لا إله إلا الله، قبل أن يحال بينه وبينها، يمكن أن يكون من المرتلين للقرآن، يمكن أن يكون من الذين يقدمون خيراً، يمكن أن يكون من الذين يكفون آذاهم إذا لم يستطيعوا تقديم الخير.

    فعليك عبد الله أن تبادر للنجاة بعد أن عرفت، وعليك ألا تكون من ذوي الهمم الدنية، فلا ترضى بما دون الفردوس الأعلى من الجنة.

    إذا نافست في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم

    فلا تقنع بما دون الفردوس الأعلى من الجنة، ولا ترضى أبداً بجوار غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتهد في ذلك، فالآن فرصتك، وهذا العمل بين يديك، وهذا الوقت الذي لك، فاجتهد قبل أن يفوت الأوان، واعلم أن ذريعاً واحد من العمر بمثابة الذراع أو دون الذراع، إذا أخلصت فيه لله، وأتقنت فيه العمل، سيكون تكفيراً لكل ما سبق، ولو لم يبق من العمر إلا قدر ذراع أو دونه.

    وكذلك عليك يا عبد الله أن تعلم أن الأماني والظنون هي منهاة لك، وقتل لوقتك، ولا يمكن أن تغني عنك بين يدي الله شيئا، أليس يقال للمنافقين يوم القيامة: وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ [الحديد:14].

    إن الأماني لا يغتر بها إلا المخذولون، فاليهود يظنون أنهم لن يعذبوا يوم القيامة إلا أياماً معدودات، وما هي إلا أماني، وسيرون ذلك العذاب المقيم الدائم الذي لا ينقطع، نسأل الله السلامة والعافية، ولذلك فهم يعذبون أيضاً في قبورهم، ليسوا كسائر الكفرة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنه كان ذات ليلة في سمر مع بعض أصحابه، فسمعوا أصوات مروعة، فقالوا: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: تلك يهود تعذب في قبورها ).

    وكذلك انظر يا أخي إلى رغبتك اليوم في هذه الحياة الدنيا، أن تدرك أقواماً تنافسهم، فكثير منا يرى الذين وسع الله عليهم في هذه الحياة الدنيا، في المساكن والمنازل، والمراكب، والأموال، والأهلين، والأولاد، ويريد منافستهم أن يكون مثلهم، ولكن ليتذكر من خطر ذلك بباله حال أولئك الذين عندما رأوا قارون، فخرج عليهم في ملكه، وبزينته الكاملة، فقالوا: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:79-83].

    وليتذكر كل واحد منا عندما يتمنى شيئاً من هذه الحياة الدنيا، أنه مشغلة فتنة للناس، وليتذكر خطاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم عندما قال: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:131-132]، وليتذكر كل واحد منا أن العاقبة للتقوى، وأن حال الناس اليوم لا ينبئ عن شيء، فما من حسن في هذه الحياة إلا سيعود قبيحاً فيها قبل الآخرة، وإذا سرك الحسن من أي وجه فاعلم أن مصيره إلى القبح، إما أن تعجل موتته، فهو غذاء الدود في اللحود، وإما أن يعيش فإلى الهرم والتجاعيد، فلابد أن يتغير الحال، وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

    لم تفتها شمس النهار بشيء غير أن الشباب ليس يدوم

    فكل ما في هذه الحياة الدنيا من الحسن آئل إلى القبح، وانظروا إلى أحسن مبنى في مدينتكم قبل عشر سنوات، أليس كان أحسن مبنى؟ وكل من أراد الحسن في المباني نظر إليه، فإنه الآن من أسمج المباني وأقبحها، وتجاوزه البناء بمراتب عديدة، وهكذا حال الدنيا كلها كذلك، كل ما فيها بتعاقب الزمان سيفنى ويبلى.

    ثم بعد ذلك كم من ذي وجه حسن أبيض في الحياة الدنيا يأتي قبيحاً منتناً أسود يوم القيامة: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران:106-107]، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر:60-61].

    كم من غني في هذه الحياة الدنيا يعد في زمرة الفقراء يوم القيامة، ويأتي يوم القيامة مفلساً على رؤوس الملأ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ذات يوم: ( أتدرون من المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: ليس المفلس بالذي تعنون، بل المفلس من يأتي يوم القيامة وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا نفدت حسناته ألقي عليه من سيئاتهم، ثم ألقي هو في النار ).

    وكذلك يا رب مستور في هذه الحياة الدنيا لا يعرف الناس وجهه إلا بالستر، وهو مفضوح على رؤوس الملإ يوم القيامة، وهي الفضيحة التي ما بعدها فضيحة، فلا يرضى أحد منكم أن يفضح فقط على رؤوس هذا الملإ الحاضرين، فكيف يرضى بالفضيحة بحضرة الديان سبحانه وتعالى والملائكة والرسل والخلائق أجمعين، إنها الفضيحة التي ما بعدها فضيحة.

    وكذلك يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استيقظ ليلة فزعاً، فقال: ( أيقظوا صواحب الحجر، فيا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة )، كم من امرأة تتبع الموضات، ولا يتجدد جديد إلا اشترته، ولا يحصل أي حسن في أي مكان من العالم إلا حصلت عليه، لكنها مفضوحة يوم القيامة في غاية الأذى والعذاب، وكم من رجل عاش في هذه الحياة الدنيا، يتتبع ملذاته وشهواته ولم يبقَ له شيء يريده إلا وصل إليه، فهو يتمثل بقول قيس بن الخطيم:

    متى يأت هذا الموت لم تبق حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها

    وهو يوم القيامة في غاية الأذى والعذاب والمهانة والاستذلال.

    إن هذه الأحوال المتباينة المتفاوتة مقتضية منا للبدار البدار، قبل أن يفوت الأوان، فعلينا أن نبادر غاية البدار، وأن نتنافس فيما بيننا: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، وإذا أراد كل واحد منا أن ينتقل هذا الكلام من العموميات إلى الخصوصيات، وأن ينتقل من مجرد كلام يسمعه، فيتعظ به ساعته، ثم ينساه بعد ذلك إلى أن يكون كلاماً يعتبر به في كل أوقاته ويجعله ميزاناً لنفسه، فليجعل كل واحد منا الجنة والنار نصب عينيه، وليعلم أنه قد أثبت رجليه على الطريق، وليتذكر وصف أبي تمام لـمحمد بن حميد عندما قال:

    فأغرز في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر

    تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر

    1.   

    أهمية محاسبة النفس

    علينا أن نتأهب لما أمامنا، وأن نتهيأ من الآن، وأن يحاول كل إنسان منا أن يجعل لنفسه ورداً للمحاسبة، إذا اضطجعت يا أخي على فراشك بعد أن نام الناس وهدأت العيون، وغارت النجوم، وأقبلت على الحي القيوم، فحاسب نفسك عندما تسلمها لبارئها، وتقول: (اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك)، حاسب نفسك حينئذٍ على الساعات الأربع والعشرين التي مضت، ماذا عملت فيها مما يقربك من الله؟ هل آثرت فيها رضا الله على رضا نفسك؟ هل قدمت فيها أمر الله على شهوتك؟ هل أديت فيها فرائضك؟ هل تزودت فيها من السنن والمندوبات التي هي أرباحك؟ هل وصلت فيها رحمك؟ هل قمت فيها بحق أهلك ووالديك؟ هل قلت فيها كلمة العدل في الرضا والغضب؟ هل كنت فيها قواماً لله بالقسط؟ هل كنت فيها صادقاً مع الله ناصحاً لله ورسوله والمؤمنين؟ هل نصرت فيها الله ورسوله؟ هل تعلمت فيها حكماً مما أمرك الله بتعلمه؟ هل ركعت فيها ركيعات تخفيها لا يطلع عليها إلا علام الغيوب؟ هل رفعت فيها أكف الضراعة إلى الله تشكو إليه قسوة قلبك وجمود عينك، وتشكو إليه ما فرطت ما في جنبه، ليقيل عثراتك، ويمحو سيئاتك؟ هل تقربت فيها إلى الله تعالى باقتحام العقبة، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد:12-16]؟ هل ناصرت فيها قضية من قضايا المسلمين التي تنادي تتطلب الأنصار؟

    إذا كنت فعلت فقد حصل الاستغلال والاستفادة من الوقت الماضي، وإلا فإنا لله وإنا إليه راجعون، كانت حسرة وكانت في الكفة الأخرى، وهي الكفة اليسرى، نسأل الله أن يرجح كفات حسناتنا يوم القيامة.

    إن هذا الميزان إذا جعلته بين يديك في شأنك كله، فحاسبت نفسك هذه المحاسبة، فذلك عون لك على الالتزام بالطاعة، عون لك على أن تكون صادقاً، وعلى أن تترجم تأثرك بالحق عند سماعه إلى منهج وعمل تسير عليه طيلة حياتك، ما أكثر السامعين للحق، لكن ما أقل العاملين بالحق.

    إن الذين يسمعون الحق إذا لم يستفيدوا منه، فتأثروا به وقتاً يسيراً، ثم فارقوا ذلك الحال، ونسوه بالكلية، وأقبلوا على ما كانوا مقبلين عليه من قبل، قامت عليهم الحجة بتلك اللحظة التي قرب فيها.

    إن علينا أن نتذكر كلاماً نفيساً لـابن الجوزي رحمه الله، يقول فيه: إن أشد عقوبة يعاقب الله بها عبده أن يحجب عنه؛ لأن معنى ذلك أنه لا يرتضيه عبداً له، فيشغله بملذاته وشهواته، أو بالكفر، أو بالمعصية، أو بالطغيان، فيحتجب عن الله عز وجل، وأبلغ من ذلك ألا يطلعه على الحجب.

    أبلغ عقوبة أن يكون محجوباً، وهو لا يعلم أنه محجوب، وعلامة ذلك أن يفرح بالمعصية، فالذي لا تسوؤه معصيته، ولا يفرح لطاعته محجوب غير عالم بالحجب، والذي تسوؤه سيئته ويفرح بحسنته، قد عرف طريق الحق على الأقل، حتى لو استزله الشيطان ووقع في معصية، فإنه سرعان ما يتوب ويندم، ويأسف على ما فرط فيه في جنب الله.

    إن عليك يا أخي، إذا كنت فيما مضى مفرطاً مقصراً، أن تتذكر أن ذلك الحال حال حجب حجبت فيه، فإذا أنعم الله عليك بلحظة المحاسبة، بلحظة سمعت فيها موعظةً فرق قلبك، بلحظة سمعت فيها آية فأثرت فيك، سمعت فيها قولاً وصل إلى سويداء قلبك، فكرت فيها تفكيراً شارداً وارداً فأثر فيك، رأيت فيها موعظة من مواعظ هذه الحياة الدنيا المتقلبة فأثرت فيك، أصبت بمرض من الأمراض، وكان تنبيهاً وتذكيراً فرفعك الله من مرضك وعادت إليك صحتك، فتذكرت حالك السابق، وأنه كان بالإمكان أن تعد من موتى هذا الوقت هذه السنة، إنك إذا أنعم الله عليك بتلك اللحظة قد بدأت أمارات انفتاح قلبك وإزالة الغين عنه، وقد كان مغطىً مستوراً بالمعصية، فانكشف شيء يسير من الحجاب، فرأيت بصيصاً من النور، وهذا البصيص إذا اتبعته أنجاك، وإذا تركته وأعرضت عنه كان حجة عليك.

    إن الله سبحانه وتعالى إذا ابتعثك من فراشك، وأقامك من محل تجارتك، أو من محل وظيفتك، أو من مكان استراحتك في بيتك، فأتى بك إلى المسجد لتسمع موعظةً، وجعلك ممتعاً بعقلك، ولم يختم على سمعك ولا بصرك، فسمعت الحق فاتعظت به وهز كيانك، فإن معنى ذلك أنه قد حل عليك الآن بعض هداية الله التي هي هداية الإرشاد، ولم يبقَ بعدها إلا هداية التوفيق، فاسأل الله هداية التوفيق واستمر على الطريق.

    إننا لم نأتِ إلى المواعظ عن ملكنا وطوعنا واختيارنا، وإنما ذلك باختيار ربنا سبحانه وتعالى، فهو الذي جمعنا في هذا المكان، وهو الذي يوفقنا لأن نقول ما نقوله، وهو الذي يسدد ويختار ما يقال، وهو الذي يوصل ذلك إلى القلوب، ولذلك لاحظوا أن بعض الحاضرين تمر موعظة من المواعظ لو سمعتها الجبال لتأثرت، لكنه يكون شارد الذهن، غافلاً في وقت تلك الموعظة، فليست من حظه ولا نصيبه، ولم تكتب له، وآخر تمر عليه موعظة دون ذلك بأضعاف مضاعفة، ولكنه يتأثر بها تأثراً بالغاً، فيخرج من مجلسه إذا أراد أن ينهض من مجلسه الذي يجلس فيه الآن، تذكر عهداً ثقيلاً وأمانة عظيمةً حملها بين يدي الله، فهاله ذلك العبء الثقيل، وأرجعه إلى الأرض ثانيةً حتى يفكر لماذا أقوم؟ وهل أنا قائم بمهمتي التي أتيت من أجلها؟ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:185].

    إن هذا الهدى يجد طريقه إلى القلوب، من خلال الاستماع إلى الحق، لكن يتفاوت الناس بعد ذلك، فمنهم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وهم المبشرون ببشارة الله تعالى لهم: فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:17-18].

    ومنهم الذين يستمعونه في وقت سماعه، فإذا خرجوا لم يبقَ معهم منه أي شيء، وأولئك هم المنافقون الذين تكون آذانهم غير أمينة فلا توصل الذكرى إلى القلوب، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [محمد:16]، فقد ختم الله على قلوبهم، يمكن أن يستمعوا بآذانهم، لكن ما دخل في هذه الأذن يخرج من الأخرى دون أن يصل إلى القلب، ودون أن تتأثر به الجوارح.

    إن الله سبحانه وتعالى قد بين لنا ما ينتظرنا، وما أمامنا، وأرانا طريق الحق، وبين لنا سبل النجاة، وجعلنا نتسابق في هذه المسابقة التي نتفاوت فيها هذا التفاوت العظيم، والبون الشاسع، فمنا الناجحون المتفوقون، ومنا المنتظرون للدورة، ومنا الراسبون، وهذا الامتحان قد بدأ وقته وعده التنازلي ببداية العمر، عندما نفخ فيك الروح شاركت في المسابقة وبدأت الامتحان، فتعجل يا صاحبي قبل أن يفوت الأوان، وبادر لتنجح في هذا الامتحان.

    واعلم يا أخي أن هذه المسابقة العظيمة لا تنفع فيها الوساطة، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:28]، ولا يمكن أن يقع فيها التزوير، ولا تسرق أسألتها، فهي الامتحانات عند الحكم العدل الذي لا يظلم عنده أحد، فاجتهد لتكون من الناجحين يا أخي.

    نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا لما يرضيه عنا، وأن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجه الكريم، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يجعلنا أجمعين هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين، وأن يختم بالصالحات أعمالنا، وبالحسنات آجالنا، وأن يجعلنا من الفائزين، وأن يجعلنا أجمعين من المتجاورين في الفردوس الأعلى من الجنة. اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3027199174

    عدد مرات الحفظ

    725642330