إسلام ويب

سلسلة حول دخول البرلمان [2] نظرية السيادةللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السيادة المطلقة في الحكم والتشريع، والأمر والنهي والإباحة هي لله سبحانه وتعالى، فهو المتفرد بصفات الألوهية، وهذا على خلاف ما هي عليه اليوم الحكومات العلمانية، والبرلمانات الديمقراطية، فقد جعلت السيادة للشعب، فله أن يختار لنفسه نظاماً أو قانوناً وإن كان معارضاً لشرع الله، وهدي رسوله.

    1.   

    زيف الديمقراطية الموجودة عند الغرب

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فنشرع إن شاء الله تعالى في دراسة قضايا الساعة بنوع من التفصيل والتنظير، بحيث أنها تبقى ملفات تصلح مع الزمن خاصة أننا في هذه الأيام نخوض نوعاً من التجارب الجديدة ينبغي أن تضاف إلى رصيد الدعوة وخبرتها فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الواقع الذي نعيشه، ومع احترامنا لوجهة نظر إخواننا: الإخوان المسلمين، ونعذرهم باعتبار أن الخلاف في هذه المسألة معروف، حتى إن بعض العلماء السلفيين لهم اجتهاد في إباحة الحل البرلماني، لكن دعونا نخوض هذه التجربة ونرصدها، ونستفيد منها ما ينبغي أن يكون لنا رصيداً، ونعتقد أن أعظم وأهم فائدة هو ما أشرت إليه مسبقاً أنه لن يحمل هم هذه الدعوة، ولن يجري تمكينها إلا على يد النائحة الثكلى، وهي الأم التي فقدت ولدها، فتخيل كيف تبكي عليه! وكيف تحزن عليه! فلا يمكن أن يحمل هم الدعوة وهم الدين إلا أهله الذين رضوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، والذين ارتضوا هذا المنهج وعاشوا من أجله، وماتوا في سبيله، فهؤلاء هم لبنات الدعوة وأصحابها. أما المشجعون والمتحمسون عاطفياً للإسلام فهم ليسوا الثقل الحقيقي بالنسبة للدعوة، الثقل الحقيقي هو فيمن يتبنونها، ويقتنعون بها، ويضحون من أجلها، أما المصفقون والمتعاطفون فساعة الجد لا يبقى منهم معنا أحد، وإنما نريد النائحة الثكلى، وليس النائحة المستأجرة. ومع ذلك أنا أعتقد أن التجربة سوف تزيد وعينا لزيف الدعوة الديمقراطية، والديمقراطية لا تزيف عندنا فقط، الديمقراطية في أي نظام هي تزيف حتى في أمريكا، فالنظام الرأسمالي له طرق أخرى يكون فيها التزييف، وعندنا في هذا الوقت اختراع طرق عجيبة للتزييف مثل أطفال الأنابيب، وأطفال المفاتيح، وعندنا في هذا الوقت نظام جديد يطلق عليه نواب الظرف وهو أنه يوزع على الناخبين ظروفاً بسعر أصواتهم التي يعطونها له، يعني: بعض المرشحين يحكي لي موضوع نواب الظرف هذا، فقلت له: من الممكن أن يأخذ منه الفلوس ويدخل ينتخب شخصاً غيره، يعني: يأخذ خيري وينتخب غيري، قال لي: هو يعطيه قبل دخول اللجنة نصف المبلغ ويعطيه موبايل بكاميرا، ويدخل في الداخل ينتخب ويصور بالكاميرا، ويطلع خارج يأخذ بقية المبلغ، وهذه في الحقيقة أشياء عجيبة جداً، والتجارب سوف تزيد رصيدنا من أننا نقدر فعلاً أن نحكم على هذا الاتجاه، هل هو فعلاً فيه خيارات بغض النظر عن اعتقادنا نحن أنه يخالف الشرع من الأساس، لكن نقول: حتى إخواننا الذين عندهم أمل وطموح أن يحدث التغيير لحال الأمة بهذه الطريقة أعتقد سيستفيدون كثيراً، ونحن أيضاً سنستفيد معهم من هذه التجربة. الديمقراطية تزيف في كل العالم لماذا؟ لأنها نظام بشري، والنظام البشري لابد أن يخضع للأهواء، يعني: أمريكا التي تدعي أنها صاحبة رسالة لتجمل وجهها القبيح وتقول: حقوق الإنسان والبيئة، والديمقراطية والإصلاح. وأمريكا نفسها إذا نحن قعدنا تضربنا وتأمرنا بأن نقف، وعندما نقف تضربنا وتأمرنا بأن نقعد، فهي لا تريد لنا استقراراً؛ لأن عدم الاستقرار هو الذي يسوغ تدخلها كما حصل في العراق، وكما حصل من يلتسن لما ضرب مبنى البرلمان المنتخب في روسيا بالأسلحة والنار، وقد حوصر فيه النواب، فهذا ذبح للديمقراطية حقهم، لكن الغرب كله سكت وهلل؛ لأنهم كانوا يريدون انهيار المعارضة ضد يلتسن لأجل الوضع الذي كان معروفاً في روسيا. فنحن متعودون على أن الشرق بالأولى يتعامل مع موضوع الديمقراطية نفس تعامل المشرك الجاهلي مع صنم العجوة، الإله الذي كان يعبده، وفي ساعة الاحتياج والجوع يأكل الصنم رغم أنه إلهه، والأمر نفسه يحدث عند الغرب فتراهم يمجدون الديمقراطية والإصلاح وكذا وكذا، لكن إذا جاعوا يلتهمون هذا الإله ويأكلونه في بطونهم، فهذا نموذج متكرر وليس حالة مفاجئة، فهذه الأساليب موجودة بصورة أو بأخرى تتفاوت بين مجتمع إلى آخر، لكن السبب أنه نابع من الأهواء البشرية، وهذه إحدى المزايا العظمى للشريعة الإسلامية أنها منهج رباني معصوم من الأهواء. ولذلك لو تأملنا القرآن الكريم سنجد دائماً الهوى أنه يكون في مقابلة الوحي، فهما عدوان لا يلتقيان وضدان لا يجتمعان أبداً، قال تعالى: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26]. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4] وقال: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ [القصص:50] يعني: للوحي فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50] ولو استقرأت القرآن فستجد دليلاً للوحي في مقابلة الهوى، فالتحيز يكون نتيجة للهوى، ونتيجة العنصرية في اللون أو الجنس أو نحو ذلك، وسوف تجد هذا في هذه النظم الوضعية الأرضية، أما النظم المنزهة عن الهوى فهو النظام الإلهي الذي يتجسد في القرآن الكريم. فنموذج صنم العجوة موجود، وهذه هي الديمقراطية؛ لأنها نابعة من نظام بشري غير معصوم، فبالتالي يحصل اتباع الهوى، وهذا ما أشار إليه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في سورة الحديد حينما نعى على النصارى اتباعهم وإحداثهم الرهبانية، فقال عز وجل: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد:27] فقوله تعالى: (( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا )) هذا إثبات أنها بدعة في النصرانية، ولم يشرعها الله سبحانه وتعالى، فتحريم الطيبات وتحريم الحلال هذا ابتداع من البشر. قوله: (( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ )) أي: ما شرعها الله سبحانه وتعالى ولا أمرهم بها. قوله: (( إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ )) هذا استثناء منقطع، بمعنى: ولكن كتبنا عليهم أن يبتغوا رضوان الله عن طريق العبادات المشروعة لا المبتدعة، ومع أنهم ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم إلا أنهم لم يرعوها حق رعايتها، فهنا الذم يكون أشد وأبلغ؛ لأنك تبتدع مبدأ ثم أنت لا تحترمه ولا تلتزمه فهذا أجدر بالذم، ونفس الشيء في الديمقراطية التي ابتدعوها ما كتبناها عليهم، وما رعوها حق رعايتها، وما أسهل ما تلتهم بكل ما أمكن من الأساليب. ففي تركيا مثلاً توجد انتخابات وحرية وكذا وكذا، وليس عندهم تزوير، لكن عند ساعة الجد وعند أي اختراق للون الإسلامي أو الطيف الباهت فإنه يحسم الأمر ويحل البرلمان. وفي الجزائر كانت تجربة صارخة، فمن الذي صنع الديمقراطية في الأصل؟ هم الغرب. وفي الكويت في يوم من الأيام حُلّ البرلمان بجرة قلم. وأنا أعتقد أن برلماننا العظيم سوف يكون برلماناً منحلاً على غرار الجماعة التي يصفونها بأنها منحلة، بمعنى: أنها حزب منحل، وإن كانت الكلمة لا تخلو من نوع من اللمز، لكن يبدو هكذا أنه سوف يبقى البرلمان كله منحلاً، والله المستعان!

    1.   

    نظرية السيادة

    أصل نظرية السيادة ونشأتها

    يذكر هنا في بحثه أن نظرية السيادة أصلاً هي: نظرية فرنسية الأصل نشأت في فرنسا في نهاية العصور الوسطى، ونشأت نظرية السيادة دفاعاً عن سلطة الملوك، ولأنه كانت هناك سلطات أخرى تنازع سلطة الملوك، وبالتالي أراد الملوك بنظرية السيادة أن يتميزوا عن السلطات الأخرى التي كانت تنازعها سلطة أمراء الإقطاع في الداخل، وسلطة الإمبراطور أو البابا في الخارج، وكان النزاع على أشده بين الملك من ناحية، وبين البابا من ناحية أخرى، أو بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، فهذا أدى إلى نشأة هذه النظرية، وكل طرف أراد أن يوجد النظريات التي تسوغ أو تدعم موقفه في مواجهة خصمه.

    كان هناك نظرية السيادة وكان فيه نظرية (السيفين المتقاطعين)، والمراد بها السلطتان يعني: تجعل لكل من السلطة الدينية والسلطة الزمنية مجالاً مستقلاً لا تتعداه، هذه النظرية كانت غامضة لم تستطع أن تحدد بوضوح اختصاص كل طرف من هذين الطرفين بجانب الطموح والطمع من كل سلطة، إلى أنها تعتدي على سلطة الآخر وتخضعه، من أجل ذلك سعى كل فريق -التي هي السلطة الزمنية الممثلة في الملوك، والسلطة الدينية الممثلة في الباباوات- في تدعيم مطامعه، وإخضاع الطرف الآخر.

    فأصل نظرية السيادة هي نظرية قذف بها الباباوات في وجه خصومهم من الملوك أو أمراء الإقطاع في الداخل والقانون الفيزيائي يقول: لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويضاده في الاتجاه، فلما قذفت الباباوية بنظرية السيادة في وجه خصومها كان رد فعل بعض الملوك الطامحين أن استخدموا نفس السلاح، وردوه إلى نحور الباباوات مطالبين بإخضاع الكنيسة للسلطة الزمنية، ومن ثم تلقف القانونيون الفرنسيون هذه النظرية، وصاغوا منها نظرية السيادة دفاعاً عن سلطة الملوك، فأصلاً الذي طالب بهذه النظرية هو الباباوات فجوبهوا من الملوك بنظرية السيادة التي صاغها القانونيون من أجل أن يخضعوا الكنيسة لسلطة الملوك لإبطال مساعي الباباوات وسلطة الكنيسة.

    تعريف السيادة عند القانونيين

    القانونيون لهم في تعريف السيادة اتجاهان: الاتجاه الأول: يرى أن السيادة خاصية من خصائص السلطة، مفادها عدم وجود سلطة أخرى أعلى منها أو مساوية لها في الداخل، وعدم الخضوع لسلطة دولة أخرى في الخارج، وهذا يعكس مرحلة من مراحل تطور نظرية السيادة وهي المرحلة الأولى، حيث لم تكن تفهم على أنها سلطة سياسية، لكنها خاصية لسلطة سياسية معينة، وهي سلطة الملك. الاتجاه الثاني: يرى أن السيادة هي السلطة العليا الآمرة للدولة، والتي لا تعرف فيما تنظمه من علاقات سلطة أعلى منها أو مساوية لها، أو هي الحق في إصدار الأوامر إلى كل الأفراد المقيمين على إقليم الدولة، أو هي سلطة عليا على المواطنين والرعايا لا يحدها قانون. وهذا تطور ثان للتعريف الثاني يمثل مرحلة أخرى من مراحل تطور نظرية السيادة عندما تم الفصل بين الملك والسيادة، فأصبحت السيادة عنصراً من عناصر تكوين الدولة، لم تعد -كما كانت في الماضي- مجرد خاصية من خصائص السلطة التي هي سلطة الملك، بل تجاوزت ذلك إلى اعتبارها مرادفة لسلطة الدولة، مما أعطاها المضمون الإيجابي لهذه السلطة، وأكد هذا المضمون سلطة عمل القوانين.

    مفهوم خصائص السيادة

    أما فيما يتعلق بمفهوم السيادة وخصائصها فالسيادة: هي عبارة عن إرادة عليا تتميز بخصائص لا توجد في غيرها من الإرادات، وجماع هذه الخصائص أنها الإرادة التي تحدد نفسها بنفسها، فصاحب السيادة لا يمكن أن تلزمه إرادة أجنبية عنه بالتصرف على نحو معين، وهو لا يلتزم بالتصرف على نحو معين إلا إذا أراد هو ذلك كما أشار إلى ذلك دوبي في كتابه: ( السيادة والحرية ) وهذا يعني: أن سلطة صاحب السيادة مطلقة؛ لأنها لو لم تكن كذلك سوف تعتمد على إرادة أخرى تقوم بتحديدها، مما يتعارض مع ما تقرر لها من أنها سلطة أصيلة بمعنى: أنها لم تتلق هذه الخاصية من إرادة سابقة عليها، أو من إرادة أعلى منها.

    إذاً: نستطيع أن نجمل خصائص مفهوم السيادة فيما يلي:

    أولاً: الإطلاق يعني: أنها سلطة مطلقة.

    ثانياً: السمو.

    ثالثاً: الوحدانية والتفرد.

    رابعاً: الأصالة.

    خامساً: عدم القابلية للتملك.

    سادساً: العصمة من الخطأ.

    فأول خصائص السيادة: الإطلاق، صاحب السيادة لا يفرض عليه قانون، بل القانون هو تعبير عن إرادته، وليس لإرادة أجنبية عنه أن تلزمه بالتصرف على نحو معين؛ لأنه لا توجد إرادة تساميه أو تساويه، إرادته آمرة دائماً، وليس لأحد قبله حقوق، وعلاقته بغيره علاقة السيد بالرعية، أو المتبوع بالتابع، وعلى الرعية أو التابع تنفيذ ما يصدر عنه من أوامر، ليس بسبب مضمون الأوامر أو فحواها، ولكن لأنها صادرة عن إرادة هي بطبيعتها أعلى من إرادتهم.

    يقول أحد فلافسة نظرية السيادة: إنه لا يتفق مع طبيعة النظام السياسي نفسه أن يفرض على صاحب السيادة قانوناً لا يستطيع أن يخالفه أو ينقضه.

    إذاً: هذا فيما يتعلق بأنها سلطة مطلقة، فصاحب السيادة لا يمكن أن يفرض عليه قانون، بل القانون يعبر عن إرادته هو.

    الخاصية الثانية من خصائص السيادة: السمو، فهي في مجالها إرادة تعلو جميع الإرادات، العلو والفوقية، وهذه كلمة حساسة عند السلفيين (الفوقية)، فعندهم الفوقية للسيادة، فهي في مجالها إرادة تعلو جميع الإرادات، وسلطة تعلو كافة السلطات، لا توجد فيما تنظمه من علاقات سلطة أعلى منها، ولا سلطة مساوية لها.

    الخاصية الثالثة: الوحدانية والتفرد، فلا يوجد على الإقليم الواحد إلا سيادة واحدة، إذ لو وجدت سيادتان على إقليم واحد لفسدت أحواله، ووجه ذلك أنه لو صدر من كل منهما تكليف يناقض ما أصدرته الأخرى فلا يخلو الأمر من أحد هذه الأحوال: تنفيذ التكليفين المتضادين معاً، وهو محال، أو الامتناع عنهما معاً، وفي ذلك إبقاء لسيادتهما معاً، أو إنفاذ واحدٍ منهما فقط فيكون صاحبه هو الأحق بالسيادة، وتبطل سيادة ما سواه.

    رابعاً من الخصائص: الأصالة، فهي قائمة بذاتها، يعني: السيادة قائمة بذاتها لم تتلق هذا العلو من إرادة سابقة عليها أو إرادة أعلى منها.

    الخاصية الخامسة: عدم القابلية للتملك، السيادة غير قابلة لأن يتملكها أحد، فإذا اغتصبها من ليس أهلاً لها، وفرض على الناس سلطانه مدة من الزمن طالت هذه المدة أو قصرت، فإنه لا يستطيع أن يدعي شرعية سلطته أو شرعية سيادته مهما طال الأمد، فغصب السيادة سيظل دائماً غصباً لا يثبت بالحيازة، ولا يسوغه التقادم.

    الخاصية السادسة والأخيرة: العصمة من الخطأ، فنظرية السيادة تنزع إلى اعتبار إرادة الأمة إرادة مشروعة، وأن القانون يعد مطابقاً لقواعد الحق والعدل، لا لسبب إلا لأنه صادر عن إرادة الأمة أو ممثليها، ولذلك فإن هذه النظرية تنسب إلى الأمة أو الشعب صفة العصمة من الخطأ حتى قال أحد زعماء وفقهاء ذلك العصر وهو بابلي : حينما يتكلم القانون يجب أن يصمت الضمير، هذه هي السيادة كما أصدرها الكتاب الفرنسيون، ونصَّت عليه القوانين الفرنسية المتعاقبة، وكما انتقلت منها بعد ذلك إلى معظم الدساتير في كثير من بلدان العالم، السيادة سلطة عليا آمرة تفردت بالحكم، فلا تشرك في حكمها أحداً، إرادتها هي القانون، وتوجيهاتها هي الشريعة الملزمة.

    إذاً: تفردت بالحكم فلا تشرك في حكمها أحداً.

    ثانياً: تفردت بالعلو، فلا تعرف سلطة أخرى تعلو عنها أو تساويها.

    ثالثاً: قائمة بذاتها، فلم تكتسب سلطانها من إرادة أخرى.

    رابعاً: حقوقها مقدسة لا تقبل التنازل، ولا يسقطها التقادم، معصومة من الخطأ، فكل ما يصدر عنها هو الحق والعدل.

    إذاً: يضع الدكتور الصاوي تعريفاً للسيادة بناء على هذه الخصائص فيقول: إن السيادة هي السلطة العليا المطلقة التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال.

    أو بتعبير آخر: هي السلطة العليا المطلقة التي تملك وحدها الحق في إنشاء الخطاب المتعلق بأفعال المواطنين على سبيل التكليف أو الوضع.

    والتكليف قد يكون تكليفاً بفعل شيء، أو تكليفاً بتركه، أو تخييراً بين الفعل والترك، فخطاب التكليف هو الخطاب المتعلق بجعل الشيء واجباً أو محرماً أو مباحاً، أما الوضع فهو الربط بين شيئين برابطة السببية أو الشرطية أو المانعية.

    فخطاب الوضع: هو الخطاب المتعلق بجعل الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً، وعلى هذا فالسيادة: هي السلطة العليا المطلقة التي تفردت بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال، فهي التي تملك جعل الفعل واجباً أو محرماً أو مباحاً، وهي التي تملك جعل الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً.

    طبعاً الذين درسوا منكم أصول الفقه يشاهدون التشابه الشديد في قضية الحكم، مبحث الحكم في كتب أصول الفقه سواء الحكم الوضعي أو الحكم التكليفي.

    يقول: هذا ويلاحظ أن السيادة والديمقراطية تعبيران عن فكرة واحدة، فالسيادة: هي التعبير القانوني، والديمقراطية: هي التعبير السياسي، وعلى هذا فنظرية سيادة الأمة: هي التعبير القانوني عن الديمقراطية التي تميز نظام الحكم في الدول الرأسمالية.

    السيادة في المجتمعات الغربية

    ثم يناقش بعد ذلك قضية: السيادة في المجتمعات الغربية، فيذكر تحت عنوان: (انتقال السيادة إلى الأمة على يد الثورة الفرنسية) يعني: السيادة فيما مضى كانت تمزج بين شخص الملك وبين الدولة، كان نظام الحكم قبل الثورة الفرنسية قائماً على المزج بين الشخصيتين: شخصية الملك وشخصية الدولة، وعبر عنها في أوضح صورها لويس الرابع عشر بقولته المشهورة: أنا الدولة! أنا الدولة! وكان الملك هو صاحب الحق في السيادة بمقتضى ما له من الصفات الشخصية، وكانت تتركز فيه وحدة سلطة الدولة، فلما قامت الثورة الفرنسية توجه النظام إلى أساس آخر، وهو: المزج بين الأمة والدولة، وأصبحت السيادة ملكاً للأمة، وأخذت فكرة سيادة الأمة طريقها إلى القانون العام الفرنسي، وفي المادة الثالثة من إعلان حقوق الإنسان الصادر في (1879م) النص على أن السيادة للأمة، وعلى أن القانون هو التعبير عن إرادة الأمة.

    خلاصة هذا: أن السيادة للأمة باعتبارها شخصاً متميزاً عن الأفراد المكونين لها، فالسيادة ليست ملكاً لأفراد الأمة مستقلين، فليس لكل منهم جزء من السيادة، وإنما للسيادة صاحب واحد، وهو الأمة التي هي شخص جماعي مستقل عن الأفراد الذين يكونونها، فالإرادة العامة للأمة التي صارت مستقراً ومستودعاً لهذه السيادة هي ذلك الوجود المعنوي أو المجازي الذي انبثق من مجموع الإرادات الفردية، واستقل عنها.

    جوانب نظرية السيادة

    هذه النظرية كما صاغتها الجمعية التأسيسية بعد الثورة الفرنسية لها جانبان: أحدهما سلبي، والآخر إيجابي.

    الجانب السلبي يتمثل في أمرين:

    الأول: أن الملك لم يعد هو صاحب الحق في السيادة كما كان مقرراً من قبل؛ لأنه كانت تتركز فيه وحدة سلطة الدولة، بل أصبحت الأمة هي صاحبة السيادة باعتبارها العنصر الحقيقي المكون للدولة.

    الوجه الثاني: أن السيادة لا تعتمد على أي سلطة أخرى، ويقصد بذلك: التأكيد على أن إرادة الأمة مطلقة، يعني: لا تعتمد على أي إرادة أخرى.

    الجانب الإيجابي لهذه النظرية في تلك المرحلة: ويشتمل على سلطات ثلاث: الانتخاب، والتشريع، والتنفيذ.

    الانتخاب وهو أولى السلطات، وذلك أن إرادة الأمة وسيادتها تقرر هذه السلطة، كما تقرر دائماً لغة الأدب السياسي، وتتمثل وظيفتها في أن يتم بطريق الاقتراع العام اختيار السلطة التشريعية.

    أما اختصاصها: فهو التعبير عن إرادة مضمرة أو مادة خام لم تتضح بعد، ولهذا يعهد بها إلى جمهور الناخبين، وهم على الجملة غير مؤهلين للعمل الذي يحتاج إلى دراسة وتفكير، وأيضاً الانتخاب في ظل نظرية سيادة الأمة هو وظيفة وليس حقاً، وهذا مبني على أن السيادة لا تتجزأ، ولذلك بأنه وظيفة وليس حقاً يسوغ تقييده بما تقيد به الوظائف العامة من الشروط والقيود، هذا بالنسبة للجانب الإيجابي من النظرية في المرحلة، فيعتمد على الانتخاب والتشريع والتنفيذ.

    أما التشريع: فهو آكد مظاهر السيادة وأبرز علاماتها، وتختص هذه السلطة بتوضيح الإرادات المضمرة الناشئة عن الانتخاب لتستخلص منها -من خلال المداولات- تمثيلاً أكثر وضوحاً من الإرادة العامة، فهذه السلطة في التشريع سلطة مطلقة لا تحدها حدود، ولا تقيدها قيود، ولا تلتزم بالتصرف على نحو معين إلا إذا أرادت هي ذلك.

    أما السلطة الثالثة: فهي سلطة التنفيذ، ووظيفتها: تتلخص في الحكم والإدارة، الحكم الذي يتمثل في ابتكار الحلول الملائمة للمشكلات التي تطرأ على المستويين الدولي والداخلي، والإدارة التي تتمثل في العمل على ضمان سير المرافق العامة بانتظام واطراد.

    النتائج والانتقادات التي ترتبت على انتقال السيادة للأمة

    ما هي النتائج التي ترتبت على انتقال السيادة إلى الأمة؟

    أولها: أن القانون هو التعبير عن الإرادة العامة للأمة، وهي إرادة تعلو إرادات الأفراد، ولذلك تجب الطاعة لها.

    ثانياً: الأمة وحدها هي صاحبة الحق في وضع الدستور أو تعديله دون ما أدنى تدخل من أي هيئة أخرى.

    ثالثاً: أن النائب لا يعتبر ممثلاً لدائرته فحسب، ولكنه ممثل للأمة كلها.

    إذاً: ما هي الانتقادات التي وجهت إلى نظرية سيادة الأمة؟

    منها: أن فيها نوع من تضييق دائرة الحرية السياسية لا تؤدي دورها في ظل هذه النظرية إلا مرة واحدة، المرة التي يتجه فيها الأفراد إلى صناديق الاقتراع، لاختيار الأشخاص الذين سيمارسون مهمة السيادة.

    بعدها: يتم تجريدهم من كل شيء، فلا يقدرون على ممارسة أي نوع من أنواع الحرية السياسية المباشرة.

    والعلة أن هذه الممارسات تجزء السيادة، والسيادة في ظل هذه النظرية كل لا يتجزء، أيضاً لا يستطيعون ممارسة شيء من الحرية من خلال الوسائط السياسية الشعبية كالنقابات الطائفية والمهنية ونحو ذلك.

    من عيوبها أيضاً: تضييق دائرة الاقتراع، وهذا من ثمرات القول بأن السيادة كل لا يتجزء، فبما أن الأفراد الذين يذهبون إلى انتخاب سينتخبون من سوف يضطلع بمهام السيادة نيابة عنهم لا يمارسون حقاً أو جزءاً من أعمال السيادة؛ لأن السيادة كل لا يتجزء، لكنهم يؤدون وظيفة من الوظائف، ولما كانت السلطة السيادية هي التي تسند الاختصاص بالوظائف إلى الأفراد، وتعدد لشروطها، فإن لها أن تضع ما تشاء من الشروط أو القيود بما يكفل حسن الاختيار، ويوفر الكفايات المطلوبة.

    أدى هذا الوضع من الناحية العملية إلى التمييز بين نوعين من أفراد الأمة.

    أولهما: الأمة كحقيقة إجتماعية.

    الثاني: الصفوة من أفراد الأمة، وهم الذين يؤهلون ويقدرون على ممارسة مهام السيادة نيابة عن الأمة.

    أدت الانتقادات التي وجهت نظرية سيادة الأمة إلى طرح جديد يتلافى هذه النقائص، ويحقق مزيداً من المكاسب، فجاءت نظرية سيادة الشعب، وكانت تمثل تطوراً سياسياً وقانونياً بالنسبة لنظرية سيادة الأمة.

    الإخوة الذين يدرسون القانون هم القادرون على فهم هذا الكلام، لكن حاولوا فهم ولو العناوين الرئيسية لأجل أن هذا تمهيد للذي سيأتي.

    نقطة البداية في نظرية سيادة الشعب أنها تقرر انتقال السيادة إلى الجماعة بوصفها مكونة من عدد من الأفراد، وليس باعتبارها وحدة مستقلة عن الأفراد المكونين لها.

    إذاً: السيادة هنا -في نظرية السيادة للشعب- لم تعد كلاً لا يتجزأ، بل أصبحت -وفقاً لهذه النظرية- شركة بين جميع أفراد هذه الجماعة لكل امرئ منها نصيب معلوم، ولذلك نص الدستور الفرنسي في (1793م) على أن السيادة للشعب، ترتب على هذه النظرية الأخذ بمبدأ الاقتراع العام، وتحول الانتخاب من وظيفة إلى حق.

    أيضاً: ترتب عليه تعبير النائب عن دائرته الانتخابية باعتباره ممثلاً عن ذلك الجزء من السيادة الذي يملكه ناخبوه، يعني: كل واحد له حق في التعبير، فأصبح الناخب يمثل الدائرة التي انتخبته.

    توسيع قاعدة المشاركة الشعبية لإلغاء التمييز بين نوعي المواطنين الذي كان في ظل نظرية سيادة الأمة، بإتاحة الفرصة للمشاركة الشعبية المباشرة للحرية السياسية عن طريق الاستفتاء الشعبي، أو الاعتراض الشعبي، أو طلب إعادة الانتخاب، أو طلب حل الهيئة النيابية ونحو ذلك.

    الاتجاهات الدستورية الحديثة ترمي إلى الأخذ بنظرية سيادة الشعب باعتبارها أكثر تحقيقاً للديمقراطية.

    إذاً: هذا هو مفهوم نظرية السيادة في الفكر الغربي نشأة وتطوراً وخصائص وآثاراً.

    نتائج نظرية السيادة في الفكر الغربي

    يمكن أن نخرج مما تقدم بالنتائج التالية: أولاً: أن هذه النظرية على الجملة قد تبلورت إثر صراع عنيف مع السلطة الدينية التي كانت تحيل الأمر في قضية السيادة إلى جهة مقدسة تستحل باسمها ومن خلال الانتساب إليها كل صنوف القهر والإفساد والطغيان في الأرض، فجاءت ردة الفعل في هذه النظرية مساوية للاتجاه الأول في القوة، ومضادة له في الاتجاه، جاءت لتعلن خلع الربقة والتمرد على كل ما هو مقدس، وتأليه إرادة الإنسان، واعتبارها معيار الحقيقة المطلقة، فجاء تمرد مطلق، يعني: رد فعل عكسي تماماً لطغيان الكنيسة والباباوات؛ لأننا لو درسنا تاريخ الباباوات والكنيسة في القرون الوسطى المظلمة، وطبعاً كل قرون أوروبا مظلمة، لكنهم يطلقون عليها القرون الوسطى المظلمة، ولن ندرسها من أي مصادر إسلامية، بل من كتب الغربيين أنفسهم، فهم شهود من أهلها يكشفون الطغيان والظلم والقهر والاستبداد والإذلال الذي مارسته الكنيسة في ذلك الوقت. فحصل رد فعل في العبارة التي دائماً نكررها: (اشنقوا آخر قسيس بأمعاء آخر ملك) الصراع الذي خاضه رجال الكنيسة في هذه القضية لم يخوضوه باسم الوحي المعصوم، ولم يلتزموا فيه بأبسط مبادئ العدل الفطري، بل أطلقوا لأهوائهم وجبروتهم العنان، وتردوا خلاله إلى أسوأ دركات الفساد والإجرام، ثم نسبوا كل ذلك إلى الوحي، وإلى السماء، والذي درس رواية: (أحدب نوتردام) بأقلام غربية ولم يكتبها المسلمون، يجد هذا القدر من التسلط والقهر والإذلال الذي كانت تمارسه الكنيسة وعدائها الشديد للعلم وللكتب ونحو ذلك.

    1.   

    انتقال نظرية السيادة إلى العالم الإسلامي

    ثم يناقش بعد ذلك انتقال نظرية السيادة إلى العالم الإسلامي يقول: لقد كانت الشريعة الإسلامية هي الشريعة الوحيدة التي يقضى بها، ويتحاكم إليها في بلاد المسلمين، وقد يتهاون بعض الناس أو الحكام في التزام أحكامها، ولكن هذه الانحرافات لم تتجاوز على الجملة دائرة التنفيذ العملي لبعض الأحكام الشرعية، ولم تتعد ذلك إلى دائرة التشريع بحال من الأحوال، يعني: كان يحصل فساد من الجهة التنفيذية، لكن من جهة التشريع كانت الراية مرفوعة دائماً للتحاكم إلى الشريعة الإسلامية، بل ظلت الشريعة دينهم الذي به يدينون، ودعوتهم التي إليها يردون عند التنازع، ويتحاكمون إليها عند الاختلاف، ولم يحدث أن استبدلت الأمة بها شريعة أخرى عبر تاريخها الطويل، ثم أخذ الوهن يدب في جسم هذه الأمة، فضعفت شوكتها، وذهب ريحها، واجتمع عليها عدوها فغزا ديارها، وأوضع خلالها، وبث فيها سمومه، ونشر فيها كفره ورجسه فتنة لها في الدين، وتكريساً لما آلت إليه من تصدع وانكسار، وكان من بين المناهج الغربية التي غزت بلاد المسلمين نظرية السيادة التي سبق أن بيناها تحت ستار من التحرير، ومقاومة الطغيان، ووصف جوقة من العزف على نغمة حقوق الإنسان، ثم عرفت هذه النظرية طريقها إلى الدساتير العربية والإسلامية بعد أن أقصيت الشريعة، وألغيت أحكام الإسلام من قوانين هذه البلاد، فكانت هذه النظرية هي الحلقة الأخيرة في مسلسل إقصاء الشريعة وفصل الدين عن الحياة. وتتجسد مظاهر السيادة التي نصت هذه الدساتير على تقريرها للأمة أو الشعب في ثلاثة مظاهر رئيسية: الأول: السلطة التشريعية. الثاني: السلطة التنفيذية. الثالث: السلطة القضائية. أما السلطة التشريعية: فدورها سن القوانين التي يتحاكم إليها في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شئون الحياة. الثاني: السلطة التنفيذية، ووظيفتها: المحافظة على النظام العام، والسهر على حماية هذه القوانين. الثالث: السلطة القضائية، ووظيفتها: حل المنازعات والفصل في الخصومات، وفقاً للقوانين الصادرة من السلطة التشريعية. وباستقراء الدساتير الصادرة في البلاد الإسلامية نجد أن هذه النظرية قد تم النص عليها صراحة في هذه الدساتير، كما أنه باستقراء الواقع العملي في هذه البلاد نجد أن إقصاء الشريعة وتحكيم القوانين الوضعية هو السمة البارزة على أنظمة الحكم فيها، وأن فصل الدولة عن الدين هو الواقع العملي المستيقن في ظل هذه النظم، وإن كان النص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، ولا يزال موجوداً في أغلب هذه الدساتير، الأمر الذي يؤكد أن تطبيق الشريعة وتقرير السيادة والتشريع للأمة أو الشعب نقيضان لا يجتمعان أبداً في نظام من الأنظمة، ولا في أمة من الأمم. ثم يضيف ملمحاً جديداً وهو: أن رؤساء الدول يعتبرون أعضاء أصليين في السلطة التشريعية، والبرلمان الذي ينتخب بالصورة المعروفة هو سلطة تشريعية، لكن رئيس الدولة أو الملك في بعض البلاد يكون عضواً أصلياً في السلطة التشريعية لما له من حق الاقتراح وحق الإصدار، وحق الاعتراض أو التصديق، ومن هذه الحقوق ما يشتركون فيه مع غيرهم كحق الاقتراح، ومنها ما يستقلون به كالحق في التصديق على القوانين بعد إقرارها من السلطة التشريعية، أو الحق في الاعتراض على القانون، أو إعادته إلى البرلمان لمراجعته، والتصويت عليه مرة أخرى بأغلبية خاصة. وقد نصت بعض الدساتير صراحة على اعتبار رئيس الدولة جزءاً أصيلاً من السلطة التشريعية، ومنها ما اكتفي بالنص على الحقوق التي يمارسها رئيس الدولة في مجال التشريع، وهي حق الاقتراح والإصدار، وحق الاعتراض أو التصديق. فمثلاً: الدستور الدائم لمصر ينص على هذا الحق لرئيس الدولة، الذي هو التشريع في حالة تعطيل الحياة البرلمانية، إذا كان الأصل هو أن يمارس رئيس الدولة اختصاصاته التشريعية بالتعاون مع البرلمان، فقد تعرض بعض الحالات يستقل فيها رئيس الدولة بممارسة الوظيفة التشريعية وتتمثل فيما يلي: أولاً: التشريع في حالة تعطيل الحياة البرلمانية، مثلما كان يفعل السادات حيث يعطيه إجازة يوم الجمعة، ويصدر القانون الجمعة، فيبقى رئيس الدولة له الحق أن يشرع كما سار على نفس النسق الدستور المؤقت للجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية.. إلى آخره. ثانياً: التشريع فيما بين أدوار انعقاد البرلمان، يعني: عند تعطيل الحياة البرلمانية الرئيس له أن يشرع ما شاء من القوانين، والنظام النيابي يقوم على توقيت البرلمان بمدد معينة يعود الأعضاء بعدها إلى الشعب ليجددوا انتخابهم، أو يسحبوا منهم ثقتهم، كما أن البرلمانات لا تنعقد باستمرار، بل يتخللها فترات من الراحة، فإذا حدث أمر طارئ لا يمكن مواجهته إلا بقانون كان لرئيس الجمهورية أن يصدر مراسيم لها قوة القانون على أن يعرضها على البرلمان عند انعقاده ليقرر في شأنها ما يشاء، وهذا نص الدستور في المادة (147). ثالثاً: التشريع بتفويض من البرلمان، فالبرلمان هو الذي يفوض الرئيس أن يشرع، فمعظم الدساتير العربية تجيز هذا التفويض وتقيده ببعض القيود التي تمنع من اللجوء إليه إلا عند الضرورات، وإن كان الفقهاء القانونيون يضيقون ذرعاً من هذا الأسلوب، ويرون فيه تخلياً من البرلمان عن وظيفته الأصلية، كما لا يرون له الضرورة التي تسوغه كما في الحالتين السابقتين، يعني: هنا في دستور مصر مادة (108) لرئيس الجمهورية عند الضرورة وفي الأحوال الاستثنائية بناءً على التفويض من مجلس الشعب بأغلبية ثلثي أعضائه أن يصدر قرارات لها قوة القانون، ويجب أن يكون التفويض لمدة محدودة، وأن تبين فيه موضوعات هذه القرارات والأسس التي يقوم عليها، ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الشعب في أول جلسة بعد انتهاء التفويض، فإذا لم تعرض أو عرضت ولم يوافق عليها زال ما كان لها من قوة القانون.

    1.   

    السيادة في المنهج الإسلامي

    أنتقل إلى الموضوع المهم وهو: السيادة في المنهج الإسلامي، ما تقدم كان يتناول نظرية السيادة في نشأتها الأولى وتطورها في المجتمعات الغربية، فهو من حيث المضمون أو الخصائص أو الآثار، ثم انتقالها إلى المنطقة الإسلامية، وتبين من خلال هذا الكلام حقيقة هذه النظريات، وكيف أنها تعني الإقرار بالحق في السلطان المطلق، والتشريع المطلق، والإرادة العليا الماضية لممثلي الشعب أو الأمة، وما يقتضيه ذلك من فصل الدين عن الدولة، وخلع ربقة الإسلام، بل سائر الأديان في مجالات الحياة العامة؛ لتكون السيادة للأمة، وليكون القانون هو التعبير عن إرادتها الحرة، فماذا عن السيادة في الفقه الإسلامي أو الشريعة الإسلامية؟

    لقد تقرر في قواطع الشريعة وبدهياتها الأولى أن الحجة القاطعة والحكم الأعلى هو الشرع لا غير، بل إن هذه الحقيقة هي الإسلام، فالقبول بها قبول بالإسلام، والكفر بها أو الإعراض عنها مروق من الدين وخروج من الإسلام، والدليل على هذه الحقيقة هو الإسلام نفسه، فمن صح عنده الرضا بالإسلام ديناً فقد صح عنده الرضا بهذه الحقيقة، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، ومن أعرض عن الإسلام، أو تشكك في صحته، أو تردد في قبوله ساغ له أن يعرض عن هذه الحقيقة أو أن يتشكك في صحتها ويتردد في قبولها، يعني: لن يصدر التردد إلا ممن رفض هذا الشعار (رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً) فهذا هو الذي سوف يتردد، فما من دليل يشهد بصحة إلا وهو دليل شاهد بصدق هذه الحقيقة، ولكننا نتنزل مع من تلتبس عليه البدهيات ويعشى عن الشمس وقت الظهيرة ليس دونها سحاب فنطرح هذا السؤال:

    ما هو الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله؟ أليس هو الإسلام؟

    وما حقيقة هذا الإسلام الذي جاء به؟ إليه دعا، وعليه قاتل، ومن أجله فرق بين الولد وأبيه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرء وزوجه أليس هو تصديق الخبر والانقياد للشرع؟

    وما حقيقة الانقياد للشرع أليس هو الرضا بالشرع حاكماً وآمراً وناهياً، ومصدراً للحلال والحرام، وقبول سائر ما يصدر عنه من شرائع وأحكام؟

    أرأيت لو أن رجلاً قال -سواء بلسان الحال أو بلسان المقال-: لا أقبل شرعاً يأتيني من عند الله، أو لا أقبل الإسلام حكماً في شئون الحياة، ولا أرضى بسلطان إلا سلطان الإرادة الإنسانية الحرة التي تحدد نفسها بنفسها، ولا تتقيد بقانون؛ لأن التعبير عنها هو القانون، وهي -أي: هذه السيادة والإرادة- لا تخضع لأي جهة سماوية كانت أو أرضية؛ لأن إرادتها عالية، وسلطانها مطلق، أفرأيت رجلاً يقول هذا القول هل يبقى له تعلق بالإسلام أو بقية انتماء إليه؟

    ثم يذكر الإجماع على أن السيادة العليا، والتشريع المطلق حق لله تعالى وحده، يقول: إن الإرادة التي تعلو على جميع الإرادات، والسلطة التي تهيمن على جميع السلطات هي إرادة وسلطة الله، ومن خلال تعريف السيادة: فالسيادة هذه بالمعنى هذا هي أننا حين نرى أن من صفاتها العلو والفوقية نتذكر مباشرة الآيات التي فيها وصف الله سبحانه وتعالى بالعلو والقهر قال تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] وغير ذلك من الأشياء التي فيها منازعة واضحة للتوحيد، فالإرادة التي تعلو على جميع الإرادات، والسلطة التي تهيمن على جميع السلطات، والتي لا تعرف فيما تنظمه أو تقضي فيه سلطة أخرى تساويها أو تساميها، إنما هي إرادة الله عز وجل وحده لا شريك له، ولقد انعقد إجماع الأمة كلها في مختلف الأعصار والأمصار إجماعاً لم يشذ عنه كبير ولا صغير، ولا ذكر ولا أنثى، ولا حر ولا عبد، ولا طائع ولا عاص، أنه لا دين إلا ما أوجبه الله، ولا شرع إلا ما شرعه الله، ولا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، وإن من جادل في هذه البدهية فأحل ما حرمه الله، أو حرم ما أحله، أو رد شيئاً من حكمه، أو أعطى غيره حق التحليل والتحريم والإيجاب والندب، فهو مارق من الدين، كافر بإجماع المسلمين.

    السيادة العليا والتشريع المطلق حق الله وحده

    ثم يذكر الإجماع على أن السيادة العليا والتشريع المطلق حق لله تعالى وحده، يقول: إن الإرادة التي تعلو على جميع الإرادات، والسلطة التي تهيمن على جميع السلطات هي إرادة وسلطة الله، ومن خلال تعريف السيادة نرى أن من صفاتها العلو والفوقية وهنا نتذكر مباشرة الآيات التي فيها وصف الله سبحانه وتعالى بالعلو والقهر قال تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] وغير ذلك من الأشياء التي فيها منازعة واضحة للتوحيد، فالإرادة التي تعلو على جميع الإرادات، والسلطة التي تهيمن على جميع السلطات، والتي لا تعرف فيما تنظمه أو تقضي فيه سلطة أخرى تساويها أو تساميها، إنما هي إرادة الله عز وجل وحده لا شريك له، ولقد انعقد إجماع الأمة كلها في مختلف الأعصار والأمصار إجماعاً لم يشذ عنه كبير ولا صغير، ولا ذكر ولا أنثى، ولا حر ولا عبد، ولا طائع ولا عاص، أنه لا دين إلا ما أوجبه الله، ولا شرع إلا ما شرعه الله، ولا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، وأن من جادل في هذه البدهية فأحل ما حرمه الله، أو حرم ما أحله، أو رد شيئاً من حكمه، أو أعطى غيره حق التحليل والتحريم والإيجاب والندب، فهو مارق من الدين، كافر بإجماع المسلمين.

    1.   

    الأدلة على تفرد الله سبحانه وتعالى بالسيادة والتشريع المطلق

    أما الأدلة على تفرد الشرع الشريف أو تفرد الله سبحانه وتعالى بالسيادة والتشريع المطلق فهي مستفيضة ومتعددة منها:

    حقيقة الإسلام الذي لا يقبل الله غيره

    أن حقيقة الإسلام هي الاستسلام لله وحده، فقد أجمع الأولون والآخرون من المسلمين على أن الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، بل الذي جاء به الرسل جميعاً هو الإسلام، وأن حقيقته هي الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وطاعته وحده عز وجل. فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، ولهذا كان الإسلام دين الرسل جميعاً، قال عز وجل: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] وقال عز وجل: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85] إذا تقرر هذا فقد علم بيقين أن السيادة العليا، وأن السلطان المطلق هو لما جاء من عند الله عز وجل لا غير، وأنما سوى ذلك كفر وشرك وضلال.

    تضمن عقيدة التوحيد لإفراد الحكم لله

    ثم إن عقيدة التوحيد تتضمن إفراد الله سبحانه وتعالى بالحكم والتشريع، وهذه المعاني للأسف في وسط الجو الذي نعيش فيه الآن أصبحت عند كثير من الناس معان غريبة مهجورة رغم أنها أصل دين الإسلام، وصلب عقيدة التوحيد؛ لأننا -كما قلت- في عصر زلزلة الثوابت زلازل على مقياس ريختر تكون في أعلى ما يكون، فتهد الدين من جذوره وأصوله، فلا بد أن ننتبه إلى تأثير مثل هذه الأشياء على عقائدنا وعلى زلزلة ثوابت هذا الدين، وهو أخطر ما نتعرض له الآن. فإذاً: من اتبع غير شرع الله في خلاف شريعة الله وهو يعلم أنه خلاف حكم الله، وترك تحليل الله وتحريمه إلى تحليل غيره وتحريمه فهذا شرك بلا نزاع، وهذا متخذ لهذا المصدر الجديد إلهاً من دون الله تبارك وتعالى، إذا كان الأمر كذلك فقد صح أن السيادة للشرع لا غير، وأن الوحي المعصوم وحده هو مصدر التحليل والتحريم فقط لا غير، يقول الله سبحانه وتعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، ويقول تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، وحرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قول الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] أي: هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله. ويقول في موضع آخر: وأما إذا حكم حكماً عاماً في دين المسلمين فجعل الباطل حقاً والحق باطلاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً، ونهى عما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأمر بما نهى عنه الله ورسوله، فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين، وإله المرسلين، مالك يوم الدين الذي له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون. إذاً: هذا كله يدل على أن السيادة العليا والسلطان المطلق للشرع لا غير، وقد أوجبت قواطع الشريعة التحاكم إلى الشرع الشريف، وجعلته شرطاً للإيمان، ونفت الإيمان، بل أثبتت النفاق لمن يعرض عن هدي الله عز وجل، ويصد عن التحاكم إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:49] كما قلنا: الهوى دائماً عدو للوحي الشريف، وقال الله عز وجل: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]، وقال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، وقال عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] فأقسم بذاته المقدسة على نفي الإيمان عمن لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم، أو وجد في نفسه حرجاً من حكمه. يقول الإمام الجصاص الرازي رحمه الله تعالى: وفي هذه الآية وهي قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُون) دلالة على أن من رد شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة، وقتلهم، وسبي ذراريهم؛ لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان. وهذا في الذين امتنعوا من أداء الزكاة جحوداً، أما المتأولون فهذا كان لهم حكم البغاة. ويقول شيخ الإسلام أيضاً: ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله. ويقول الحافظ ابن كثير : فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟ فمن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. وهذا كله دليل على أن السيادة للشرع لا لغيره، وأن ما عدا الشرع الإسلامي الشريف كفر وضلال. ويقول الله تعالى أيضاً: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء:60-61]. فالإيمان لا يعدو أن يكون زعماً إذا أراد صاحبه أن يتحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت هنا يقابل ما أنزل الله، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والكفر بهذا الطاغوت هو أقصى درجات الرفض والتبرؤ، وهو الحكم الشرعي الواجب في مواجهته، والصد عن التحاكم إلى الشرع شأن المنافقين الذين آمنت ألسنتهم وكفرت قلوبهم. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله. وقد تكرر الأمر المطلق بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم زهاء ثمانية وعشرين مرة، ولم تأت الشريعة بطاعة مطلقة لأحد بعد الله وبعد رسوله صلى الله عليه وسلم. فالطاعة لأولي الأمر مشروطة بطاعتهم لله؛ لأنه لا طاعة في معصية، و(إنما الطاعة بالمعروف)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) ويقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] وكررت الآيات ذكر الطاعة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تكرره مع ولي الأمر للدلالة على أن الطاعة لهم ليست مطلقة، بل فيما كان طاعة لله وللمسلمين فيه مصلحة، حتى طاعة الأبوين هي طاعة مقيدة وليست مطلقة قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15] وطاعة الزوج أيضاً مقيدة إذ لا طاعة لزوج في معصية الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة لأحد في معصية الله إنما الطاعة في المعروف)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وقال أيضاً: (لا طاعة لمن لم يطع الله). وقال شيخ الإسلام : إن من أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. يعني: من قال: إنه يجب تقليد أبي حنيفة أو الشافعي أو مالك أو نحو ذلك فيستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه قال كلمة: (يجب) لأن الله لم يوجب طاعة شخص طاعة مطلقة في كل ما يأتي ويذر سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما من عدا ذلك فلا يوجد عالم واحد من علماء المسلمين يقول: يجب أن تقلد الشافعي أو مالكاً أو أحمد أو أبا حنيفة ، وإنما أقصى ما في التقليد أنه يسوغ أو يجوز رخصة للمقلد غير المجتهد في أوضاع معروفة، لكن من قال: يجب تقليد إمام بعينه ويأثم من لم يفعل، علماً بأنه لو أخذ بقوله بالدليل فيكون هذا مما يؤمر به، لكنه يأخذ قول الإمام دون أن يعرف دليلاً، وهذا هو التقليد. فيقول شيخ الإسلام : من أوجب تقليد إمام بعينه استتيب فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه يوجب طاعة شخص طاعة مطلقة غير الرسول صلى الله عليه وسلم، فالطاعة المطلقة والاتباع المطلق لا يكون إلا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمن أسبغ هذه المنزلة على أحد من الناس فقد أشرك بالله عز وجل. إذاً: هذا كله يثبت أيضاً أن السيادة للشرع لا غير، حتى الإجماع، يعني: الإجماع نفسه الذي إذا ثبت فإنه يعد حجة شرعية قاطعة ومعصومة؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، فإذا انعقد الإجماع بالفعل وثبت، فإنه أصل من أصول الشريعة، لكن مع ذلك الإجماع لا ينعقد إلا على نص، فأولى ألا ينعقد على خلاف نص شرعي. وهذا أيضاً يدل على أن السيادة للشرع؛ لأن الإجماع عندما ينعقد فإنه يكون إجماعاً على نص، فالمرجع إلى النص لا غير، فالأمة في الإسلام لا تملك أن تنشئ الأحكام كما هو الحال عند الغربيين، وإنما يقتصر دورها على فهم الأدلة والتخريج عليها، يعني: دستور الدولة اللقيطة في فلسطين المحتلة دستورها هو التوراة، وهم ينتسبون زوراً إلى نبي الله إسرائيل أو يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فينبغي أن يكون المسلمون دستورهم هو القرآن، فإذا كان المستند في الإجماع هو النص فما فائدة الإجماع حينئذ؟ فائدته قطع الشك في دلالة الحكم على المراد، فجميع الأئمة في الاجتهاد فهموا النص بهذه الطريقة فخرجوا منه بالإجماع على مسألة معينة، فعندما تقول: إن هذا إ

    إجماع العلماء على أن العقل ليس مصدراً من مصادر التشريع

    أيضاً: أجمع العلماء على أن العقل ليس مصدراً من مصادر التشريع، ليس بشرع وليس بدليل، فالأصوليون اتفقوا جميعاً على أن الحكم هو: خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو الترخيص أو الوضع. كما انعقد إجماعهم بل إجماع المسلمين أجمعين على أن العقل ليس بشارع؛ لأنه لا حكم إلا لله تعالى، حتى المعتزلة الذين جعلوا للعقل دوراً في تقرير بعض الأحكام اتفقوا على أن العقل كاشف عن الحكم الشرعي، وليس بمنشئ له.

    يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم فإنما تستعمل مركبة على الأدلة السمعية أو معينة في طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك لا مستقلة بالدلالة؛ لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع.

    وجاء في كتاب (فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت) مسألة: لا حكم إلا من الله تعالى.

    يقول: بإجماع الأمة لا كما في كتب بعض المشايخ أن هذا عندنا، وعند المعتزلة الحاكم العقل، يعني: هو هنا يقول: إنه لا حكم إلا من الله تعالى بإجماع الأمة، ويرد على بعض المشايخ الذين قالوا: إن أهل السنة عندهم لا حكم إلا لله، بخلاف المعتزلة الذين يقولون: إن الحاكم هو العقل، فهو هنا يدافع عن المعتزلة، ويقول: لا، بل كل الأمة حتى الفرق الضالة كالمعتزلة يوافقوننا في هذه القاعدة مثل ما قلنا: إن العقل كاشف للحكم، وليس منشئاً له كما قال المعتزلة، يقول مسألة: لا حكم إلا من الله تعالى بإجماع الأمة لا كما في كتب بعض المشايخ أن هذا عندنا، وعند المعتزلة الحاكم العقل، انظر إلى التعليل يقول: فإن هذا مما لا يجترئ عليه أحد ممن يدعي الإسلام، يعني: هل يوجد واحد ممن يدعي الإسلام يجترئ ويقول: إن العقل حاكم، أو العقل مشرع فهو هنا يدافع عن المعتزلة، وينفي أنهم يعتقدون أن العقل منشئ للأحكام، يقول: مسألة لا حكم إلا من الله تعالى بإجماع الأمة، لا كما في كتب بعض المشايخ أن هذا عندنا، وعند المعتزلة الحاكم العقل، فإن هذا مما لا يجترئ عليه أحد ممن يدعي الإسلام، بل إنما يقولون: إن العقل يعرف بعض الأحكام الإلهية سواء ورد بها الشرع أم لا، وهذا مأثور عن كبار مشايخنا أيضاً.

    وفي كتاب (دروس في تاريخ الفقه) للشيخ فرج السنهوري : لا حاكم إلا الله، ولا حكم إلا ما حكم به، على اتفقت كلمة المسلمين، حتى الذين قالوا: إن للأفعال حسناً وقبحاً عقليين أي: يدركهما العقل، إذ أنهم لم يذهبوا إلى أكثر من اتخاذ الوصفين أساساً لحكم الله سبحانه يصدر على موقفهما، فالعقل لا دخل له في إنشاء الأحكام وإصدارها، وإن كان هو شرط التكليف، وله أعظم الأثر في فهم الشرع.

    الله جل وعلا قد قصر إنشاء الحكم عليه وحده عز وجل، قال تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [يوسف:40]، وقال تعالى: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26]، وقرأ ابن عامر من السبعة: (ولا تشرك في حكمه أحداً) بصيغة النهي، والخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى عموم المخاطبين أي: ولا تشرك أيها المخاطب أحداً في حكم الله عز وجل، بل أخلص الحكم لله من شوائب الشرك، وهذا كله مما يؤكد الحقيقة أن السيادة للشرع لا غير.

    إجماع الصحابة على أن الشورى لا تكون إلا في دائرة المباح

    كذلك أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم والأمة على أن الشورى لا تكون إلا في دائرة المباح أو العفو، يعني: أنه لا يصلح أن نتشاور ونناقش في شيء منصوص عليه، لكن الشورى تكون في الأشياء المباحة، أو الأشياء المعفو عنها، ففي البخاري : كانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة فقال عمر : كيف تقاتل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تابعه عمر ، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله في نص، في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، وأرادوا تبديل الدين وأحكامه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن بدل دينه فاقتلوه) وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولاً كانوا أو شباناً وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل.

    فالشورى تكون في دائرة المباح والعفو، أما ما قطعت فيه النصوص فليس لأحد أن يتقدم عنه أو يتأخر، ولهذا لما ترجح لدى أبي بكر أن النص ظاهر في وجوب قتال مانعي الزكاة لم يلتفت إلى مشورة عمر ولا غيره، وهذا كله يدل على أن السيادة للشرع لا لغيره.

    إجماع الصحابة وتابعيهم على أن الحجة في الكتاب والسنة

    كذلك الصحابة رضي الله عنهم والأئمة أجمعوا على أن الحجة القاطعة والحكم الأعلى هو الشرع لا غير، وأن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يدعها لقول أحد من الناس كائناً من كان. يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لم أسمع أحداً نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله تعالى اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتسليم لحكمه؛ فإن الله تعالى لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله عز وجل أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الشافعي أيضاً: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وقال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقال: كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي. وقال مالك رحمه الله: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه، يعني: الدليل، وفي رواية: حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، فإننا بشر نقول اليوم القول ونرجع عنه غداً، وقال أيضاً: إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي. وقال أحمد رحمه الله: لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا. وقال أيضاً: من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة. يقول ابن رجب رحمه الله: فالواجب على كل من بلغه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفه أن يبينه للأمة، وينصح لهم، ويأمرهم باتباع أمره، وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة، فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يعظم ويقتدى به من رأي معظمٍ قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأً. فهذا كله مما يدل على أن كل الحجة في الكتاب والسنة، وأن السيادة المطلقة هي لشرع الله تبارك وتعالى لا غير، فإذا كانت هذه النصوص كلها هي مقولات أئمة الإسلام رضي الله تعالى عنهم، وهي متعلقة باجتهاداتهم في فهم أدلة الشرع، يعني: كل كلام الأئمة الأربعة كما رأينا يدور حول اجتهاداتهم في فهم أدلة الشرع، فهذا الاجتهاد إنما يحوم حول فهم أدلة الشرع، فالمصدر هو أدلة الشرع، وهم أئمة مجتهدون ثقات عدول أجمعت الأمة على قبولهم، وشهدت لهم بما كانوا عليه من ديانة وصيانة، وتحري للحق، واتباع للسنة، ومع ذلك انظر إلى كلامهم في أنه لا منازع أبداً لحكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم حتى الأئمة الأربعة أنفسهم، فما الظن بجهة أو مجلس قام ابتداء على ادعاء الحق في التشريع المطلق، واطراح كل ما يمت للكتاب والسنة بصلة.

    اتفاق العلماء على أنه لا اعتبار لمصلحة شهد لها الشرع بالبطلان

    اتفق أيضاً أهل العلم على اعتبار المصالح في الأحكام، إلا أنهم اتفقوا أيضاً على أنه لا اعتبار لمصلحة شهد لها الشرع بالبطلان، وذلك بوجود نص يدل على حكم في الواقعة، بخلاف الحكم الذي تمليه المصلحة، يعني: أحياناً تظهر لنا بالعقل مصالح في بعض التصرفات، لكن إذا كانت هذه المصلحة تصادم دليلاً شرعياً فهذه مصلحة ملغاة لا يلتفت إليها، مثال ذلك:

    فتوى أحد الفقهاء لملك جامع في نهار رمضان، فالمفتي تحذلق فأفتى الملك بالصوم بدلاً من العتق، رغم كونه واجداً للرقبة وقادراً على إعتاقها، فالمفتي هنا المفروض أن يفتيه بالعتق دون بالصوم، فهو أفتاه بالصوم بدل العتق لمصلحة اعتبرها من عند نفسه، فيقول لك: إن الملك هذا رجل غني فعندما نقول له: إن الكفارة عتق رقبة فهذا أسهل شيء بالنسبة له فسيعتق رقبة، لكن لأجل أن أزجره فأنا أقول له: إن الكفارة هي الصيام، فعندما يصوم ستين يوماً أو شهرين متتابعين فهذا يكون أزجر له، فهو هنا ينظر لمصلحة معينة، لكن هذه المصلحة غير معتبرة شرعاً، ألغاها الشرع الشريف، فبالتالي هذا نوع من المصالح المهدرة أو الملغية، هي مصلحة لكنها ملغاة لمصادمتها للنص الشرعي، فهي مصلحة متوهمة في مقابلة نص فلا اعتبار لها.

    مثال آخر: بعض الناس يقول: إن الأنثى ينبغي أن تساوي الذكر في الميراث بدعوى: أن المصلحة تقتضي ذلك؛ لأنهما يتساويان في درجة القرابة من الوارث، يعني: هذه بنته وهذا ابنه، فدرجة القرابة واحدة، فبناء على هذا النظر المصلحي تسوى الأنثى بالذكر في الميراث، ثم إن البنت أصبحت تشارك زوجها في أعباء الحياة، فساوت الابن من هذه الجهة، هذه مصلحة لكنها مهدرة وملغاة وغير معتبرة؛ لأنها وقعت في مقابلة النص الصريح القاضي بأن: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فإذا كان الأمر كذلك، وكانت الأحكام الثابتة بالنصوص مشتملة على المصلحة لا محالة أدركها من أدركها، وغفل عنها من غفل، فإنه لا اعتبار لمصلحة أهدرتها نصوص الشريعة، فهذا كله أيضاً مما يؤكد أن السيادة للشرع لا لغيره.

    إجماع الأمة على أن كل ما أحدث على خلاف الدين فهو رد

    كذلك الأمة مجمعة على أن كل ما أحدث على خلاف الدين فهو رد، يعني: مردود في وجه فاعله باطل، والحديث في ذلك واضح، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا) أمرنا: ديننا الإسلام (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وهنا يقرر النبي صلى الله عليه وسلم إبطال كل ما أحدث على خلاف الدين، وهذا يعطينا معيار القبول والرد، ما الذي نقبله أو ما الذي نرفضه؟ نقبل ما يوافق الدين، ونرفض ما يخالفه، وهذا مما يؤكد أن السيادة للشريعة الإسلامية بلا منازع.

    كذلك حتى في تقليد العلماء حينما نقلد العلماء في بعض الأوضاع التي يسوغ فيها التقليد خاصة بالنسبة لعوام المسلمين فاتباع أهل العلم لا يكون اتباعاً لهم من ذواتهم من حيث هم، وإنما هو باعتبارهم ممثلين للشريعة ووسائط بيننا وبين الشريعة الشريفة في العلم والفقه.

    اتفقت الأمة على أن اتباع أهل العلم إنما يكون من جهة علمهم بالشريعة وقيامهم بحجتها، وحكمهم بأحكامها جملة وتفصيلاً، وأن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعي المطلوب شرعاً ضلال وبهتان، وأن من علم أو غلب على الظن عدم إصابته للحكم الشرعي فيما ألقاه فلا يتبع في ذلك، بل يجب التبين ومواصلة السؤال حتى يغلب على الظن أنه حكم الله تبارك وتعالى، فأنت لا تتبع المفتي أو الفقيه أو الإمام لذاته، وإنما أنت تتبعه من حيث كونه وسيلة إلى تعليمك أو إعلامك وتعريفك بحكم الشرع الشريف، فحتى في التقيلد المتبوع الحقيقي هو الشرع الشريف ليس هذا فحسب، بل أجمعت الأمة على أن زلة العالم الفقيه المخلص -الذي كل الصفات فيه- لا يصح الاعتداد بها، ولا البناء عليها، ولا على اعتبارها قولاً يعتد به في مسائل الخلاف، ولا يصح نسبته إلى الشريعة بأي حال من الأحوال، لأنها لم تصدر عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإنما كان صدورها لمجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته.

    الخلاف الذي يعتد به هو الخلاف الصادر عن أدلة معتبرة في الشريعة، لكن إذا زل العالم زلت شديدة -وهذا كثير موجود في العلماء- فهل تنسب زلته إلى الشريعة؟ وهو ليس قاصد ولا متعمد، فما بالك بمن يرفض التحاكم إلى الشرع أصلاً وابتداءً ويهدر سيادة الشريعة؟!

    السؤال الأخير الذي يفرض نفسه الآن: هل يعتبر تفرد الشرع الشريف بالسيادة موضع خلاف في المنهج الإسلامي، أو في داخل الأمة المسلمة؟!

    لا بد أولاً أن نحرر محل النزاع في هذه القضية، فالسيادة التي جرى حولها النزاع هي السيادة في مفهومها الغربي كما فصلنا فيما تقدم من الكلام، وهي السلطة العليا المطلقة التي تحدد نفسها بنفسها، فلا تتقيد بقانون؛ لأنها هي التي تضع القانون، ولا تعرف فيما تنظمه من علاقات سلطة أخرى تساويها أو تساميها.

    فإذاً: أبرز ما يميز هذه السلطة الإطلاق، سلطة مطلقة بلا قيود.

    العلو.

    التفرد أو الوحدانية.

    الأصالة والقيام بالنفس.

    تعرفون كلام الأشاعرة: قيامه تعالى بنفسه، فهذه صفات الواجب الوجود وهو الله سبحانه وتعالى وهذه في اللغة الكلامية، فكذلك يشبه قيامه تعالى بنفسه، قولهم: قيام صاحب السيادة بنفسه أي: أنها لم تستمد هذه الخصائص من جهة أخرى؛ لأنه لا توجه فوقها، بل ولا مثلها جهة.

    كذلك أبرز علامات السيادة: الحق في التشريع المطلق، فالقانون هو التعبير عن إرادتها الحرة، وليس لأي جهة كائنة ما كانت، ولا لشخص كائن من كان أن يقيد هذه الإرادة أو أن يلزمها بالتصرف على نحو معين إلا إذا أرادت هي ذلك، فهل كانت السيادة على هذا النحو موضع نزاع في الفكر الإسلامي؟ وهل قال أحد من علماء المسلمين: أن أحداً بعد الله عز وجل له سلطان مطلق في التشريع يحل ما يشاء ويحرم به ما يشاء إلى آخره؟

    إن الذي نقطع به ويقطع به كل مسلم أن أحداً من أهل الإسلام لم يجترئ على هذه المقالة في تاريخ الإسلام، اللهم إلا إذا كان قد كفر بعد إيمانه، وخلع ربقة الإسلام من عنقه، والدليل على ذلك ما سبق سرده من الأدلة، وأي محاولة لتصوير القضية على غير هذا النحو تمييع لها، ولذلك تلاحظوا الجماعة الذين يأتون في الإعلام ويتناولون هذه القضايا بناء على مصطلح يستعملونه وهو (دايالوج) و(مونولوج) فال(مونولوج) يطلق على الطرح عندما يكون المتكلم واحداً ويفرض كلامه على الجالسين، أما ال(دايالوج) فهو اشتراك أناس في حوار فيكون الحوار مفتوحاً لكن هناك الواحد الذي يفرض رأيه على الناس، فتجد أنه يتكلم في غرف مغلقة ولا يسمح لأحد أن يعترض عليه، ولا يمكن للصوت الآخر أن يصل، فيسمم أفكار الناس بما شاء من ضلالاتهم، الحقيقة كما ذكرنا مراراً أن عموم الناس ما زالوا على ولائهم للإسلام يكفي أن الناس لو تجد أدنى ثغرة ينفسون فيها عن ولائهم للإسلام فإنه يحصل هذا الطوفان الهادر المزعج لأعداء الإسلام، وهذا الذي يجعلنا ندعو أن لا يتورط أحد في التكفير المطلق لعموم الناس؛ لأن المسألة أنه يحال بينهم وبين شرع الله تبارك وتعالى.

    عدم مشروعية التقليد للعلماء إلا في أوضاع خاصة

    كذلك حتى في تقليد العلماء حينما نقلد العلماء في بعض الأوضاع التي يسوغ فيها التقليد خاصة بالنسبة لعوام المسلمين، فاتباع أهل العلم لا يكون اتباعاً لهم من ذواتهم من حيث هم، وإنما هو باعتبارهم ممثلين للشريعة ووسائط بيننا وبين الشريعة الشريفة في العلم والفقه. وقد اتفقت الأمة على أن اتباع أهل العلم إنما يكون من جهة علمهم بالشريعة وقيامهم بحجتها، وحكمهم بأحكامها جملة وتفصيلاً، وأن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعي المطلوب شرعاً ضلال وبهتان، وأن من علم أو غلب على الظن عدم إصابته للحكم الشرعي فيما ألقاه فلا يتبع في ذلك، بل يجب التبين ومواصلة السؤال حتى يغلب على الظن أنه حكم الله تبارك وتعالى، فأنت لا تتبع المفتي أو الفقيه أو الإمام لذاته، وإنما أنت تتبعه من حيث كونه وسيلة إلى تعليمك أو إعلامك وتعريفك بحكم الشرع الشريف، فحتى في التقليد المتبوع الحقيقي هو الشرع الشريف ليس هذا فحسب، بل أجمعت الأمة على أن زلة العالم الفقيه المخلص -الذي كل الصفات فيه- لا يصح الاعتداد بها، ولا البناء عليها، ولا على اعتبارها قولاً يعتد به في مسائل الخلاف، ولا يصح نسبته إلى الشريعة بأي حال من الأحوال، لأنها لم تصدر عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإنما كان صدورها لمجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته. والخلاف الذي يعتد به هو الخلاف الصادر عن أدلة معتبرة في الشريعة، لكن إذا زل العالم زلة شديدة -وهذا موجود في العلماء- فهل تنسب زلته إلى الشريعة؟ وهو ليس قاصداً ولا متعمداً، فما بالك بمن يرفض التحاكم إلى الشرع أصلاً وابتداءً ويهدر سيادة الشريعة؟!

    1.   

    نفي وجود أي خلاف في سيادة الشرع للمنهج الإسلامي

    والسؤال الأخير الذي يفرض نفسه الآن: هل يعتبر تفرد الشرع الشريف بالسيادة موضع خلاف في المنهج الإسلامي، أو في داخل الأمة المسلمة؟! لا بد أولاً أن نحرر محل النزاع في هذه القضية، فالسيادة التي جرى حولها النزاع هي السيادة في مفهومها الغربي كما فصلنا فيما تقدم من الكلام، وهي السلطة العليا المطلقة التي تحدد نفسها بنفسها، فلا تتقيد بقانون؛ لأنها هي التي تضع القانون، ولا تعرف فيما تنظمه من علاقات سلطة أخرى تساويها أو تساميها. فإذاً: أبرز ما يميز هذه السلطة الإطلاق، سلطة مطلقة بلا قيود، والعلو، والتفرد أو الوحدانية، والأصالة والقيام بالنفس. وهذه الصفات تشبه كلام الأشاعرة: قيامه تعالى بنفسه، فهذه صفات الواجب الوجود وهو الله سبحانه وتعالى وهذه في اللغة الكلامية، فكذلك يشبه قيامه تعالى بنفسه قولهم: قيام صاحب السيادة بنفسه، أي: أنها لم تستمد هذه الخصائص من جهة أخرى؛ لأنه لا توجه فوقها، بل ولا مثلها جهة. كذلك أبرز علامات السيادة: الحق في التشريع المطلق، فالقانون هو التعبير عن إرادتها الحرة، وليس لأي جهة كائنة ما كانت، ولا لشخص كائناً من كان أن يقيد هذه الإرادة أو أن يلزمها بالتصرف على نحو معين إلا إذا أرادت هي ذلك، فهل كانت السيادة على هذا النحو موضع نزاع في الفكر الإسلامي؟ وهل قال أحد من علماء المسلمين: إن أحداً بعد الله عز وجل له سلطان مطلق في التشريع يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ... إلى آخره؟ إن الذي نقطع به ويقطع به كل مسلم أن أحداً من أهل الإسلام لم يجترئ على هذه المقالة في تاريخ الإسلام، اللهم إلا إذا كان قد كفر بعد إيمانه، وخلع ربقة الإسلام من عنقه، والدليل على ذلك ما سبق سرده من الأدلة، وأي محاولة لتصوير القضية على غير هذا النحو تمييع لها، ولذلك تلاحظوا الجماعة الذين يأتون في الإعلام ويتناولون هذه القضايا بناء على مصطلح يستعملونه وهو (دايالوج) و(مونولوج)، فالـ (مونولوج) يطلق على الطرح عندما يكون المتكلم واحداً ويفرض كلامه على الجالسين، أما الـ (دايالوج) فهو اشتراك أناس في حوار مفتوح لكن هناك من يفرض رأيه على الناس، فتجد أنه يتكلم في غرف مغلقة ولا يسمح لأحد أن يعترض عليه، ولا يمكن للصوت الآخر أن يصل، فيسمم أفكار الناس بما شاء من ضلالاته. والحقيقة كما ذكرنا مراراً أن عموم الناس ما زالوا على ولائهم للإسلام، ويكفي أن الناس لو تجد أدنى ثغرة ينفسون فيها عن ولائهم للإسلام فإنه يحصل هذا الطوفان الهادر المزعج لأعداء الإسلام، وهذا الذي يجعلنا ندعو أن لا يتورط أحد في التكفير المطلق لعموم الناس؛ لأن المسألة أنه يحال بينهم وبين شرع الله تبارك وتعالى. يقول الدكتور الصاوي حفظه الله تعالى: إن أي محاولة لتصوير القضية على غير هذا النحو تمييع لها، وتزييف للوعي في أخطر قضية تتعلق بواجب هذا الوقت، فأي مسلم أو عالم من علماء المسلمين في يوم من الأيام قال: إنه ممكن أن تكون السيادة لغير الشرع فالزعم بهذا حدث يجافي الواقع ويكابر الحقائق كما بينا، فحتى كبار علماء الحقوق الذين هم غير متخصصين في الدراسات الشرعية يقررون أن تفرد الشرع بالسيادة موضع إجماع الأمة قاطبة. يقول الدكتور فرج السنهوري وهو من الذين عملوا في التشريع الوضعي ليس هنا فقط ولكن أيضاً خارج مصر، يقول: روح التشريع الإسلامي تفترض أن السيادة بمعنى السلطة غير المحدودة لا يملكها أحد من البشر، فكل سلطة إنسانية محدودة بالحدود التي فرضها الله، فهو وحده صاحب السيادة العليا، ومالك الملك، وإرادته هي شريعتنا التي لها السيادة في المجتمع، ومصدرها والتعبير عنها هو كلام الله تعالى المنزل في القرآن، وسنة رسوله المعصوم الملهم، ثم إجماع الأمة. يعني: حتى الحقوقيين حينما تأتي تكلمه عن الإسلام يقول: اختاروا الذي أنتم تريدونه، لا إكراه في الدين، لكن عندما يأتي ذكر الإسلام يقول الحقيقة، ولا يمكن أن يوجد عامي من عوام المسلمين باق وثابت على إسلامه ويقول: إن السيادة -بالمعنى الذي ذكرناه- تكون لغير الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى يقول: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54] فالذي يخلق هو الذي له الحق في الأمر والتشريع، أما هؤلاء فيفرقون ممكن يقولون: ربنا هو الخالق، لكن يرفضون أن يكون الله هو الآمر والمشرع سبحانه وتعالى. وهنا نلخص فصلاً مما عقده يقول في خلاصته: إن الاجتهاد يكون في دائرة المباح والأمور التنفيذية البحتة، يعني: الاجتهاد يكون في دائرة المباح فلا تأت تجيش في قضية أن الخمر حرام وتفتح باب الاجتهاد فيها، فالأمور التي حسمت شرعاً لا اجتهاد فيها، وإنما الاجتهاد في دائرة الأمور المباحة، أو الأمور التنفيذية البحتة، أو في عملية القوانين الإدارية، لأن هناك فرق بين القوانين الإدارية وبين القوانين التي تصادم الشريعة، فالقوانين الإدارية تنظم مثلاً كشوفات العمال والموظفين وحقوقهم وكذا وكذا، وهذه أمور إدارية بحتة لا حرج فيها؛ لكن مطلوب فيها الالتزام بروح الشريعة والقواعد العامة من العدل والمساواة وغيرها. يقول: كذلك: إن الاجتهاد يكون في دائرة المباح في الأمور التنفيذية البحتة التي يتولاها أهل الحل والعقد، الذين هم أهل الشورى مع رقابة عامة من علماء الشريعة، أما الاجتهاد في دائرة الحلال والحرام، وما كان مستنداً إلى النصوص أو حمل عليها بطريق الاجتهاد فإنه يتولاه العلماء وأئمة الفتوى، مع الاستعانة في معرفة الواقع وتوصيفه بأهل الاختصاص.

    1.   

    أوجه المقارنة بين السيادة في المنهج الغربي والسيادة في المنهج الإسلامي

    ثم يعقد مقارنة بين السيادة في المنهج الغربي، والسيادة في الشرع الإسلامي، يقول: الفرق الأول: مصدر السيادة في الفقه الإسلامي هو الله عز وجل الذي يقضي فلا راد لقضائه، ويحكم فلا معقب لحكمه قال تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] الدين ما أوجبه، والشرع ما شرعه، والحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، كما تفرد بالخلق فلم يشاركه فيه أحد تفرد بالأمر فلا يشرك في حكمه أحداً. أما السيادة في النظريات الغربية فمردها إلى الإرادة العامة للأمة سواء باعتبارها شخصية معنوية، أو باعتبارها مكونة من عدد من الأفراد، وهذه الإرادة المطلقة لا تلتزم بقانون؛ لأن التعبير عنها هو القانون، ولا تقيدها جهة؛ لأنها أعلى من كل جهة، ولم تكتسب سلطانها من أحد؛ لأنه لا يماثلها ولا يساميها أحد، وبالجملة فإن الصفات التي يعتقدها المؤمنون في الله، يخلعها هؤلاء على هذه الإرادة المطلقة. يقول السنهوري : روح التشريع الإسلامي تفترض أن السيادة بمعنى السلطة غير المحدودة لا يملكها أحد من البشر، فكل سلطة إنسانية محدودة بالحدود التي فرضها الله، فهو وحده صاحب السيادة العليا، ومالك الملك، وإرادته هي شريعتنا التي لها السيادة في المجتمع، ومصدرها والتعبير عنها هو كلام الله المنزل في القرآن، وسنة الرسول المعصوم الملهم، ثم إجماع الأمة. يعني: حتى موضوع نظرية السيادة في المفهوم الغربي فهي ناشئة عن صراع داخلي هناك عندهم في الغرب، صراع بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، هل نحن المسلمين عرفنا هذا الصراع؟ ما عرفنا هذا الصراع؛ لأن الصورة قاتمة جداً، لو درستم تاريخ القرون الوسطى المظلمة -كما يسمونها- فإن الفرق شاسع، فالحاصل أنه تعميم على بلاد المسلمين بما لا ذنب لهم فيه، فأمتنا لم تعرف مثل هذا الصراع، ولا هذا التجزؤ كما شرحنا ذلك في محاضرة بعنوان: (العلمانية طاغوت العصر) حيث تكلمنا عن تاريخ أوروبا في تلك الحقبة بنوع من التوضيح والتفصيل. إذاً: الوجه الأول من أوجه المقارنة بين نظرية السيادة في الشرع الإسلامي وبينها في الغرب مصدر السيادة، فمصدر السيادة هنا في الشرع الإسلامي هو الله سبحانه وتعالى كما بينا. الوجه الثاني هو من حيث الثبات والتغير، فالقواعد التي تقررها السيادة الغربية قابلة للنسخ والتبديل في كل وقت؛ لأن من يملك الإنشاء يملك الإلغاء، حتى أنكم تلاحظون في بعض البلاد الدستور الذي هو يعتبر أقوى مرجعية في أي شعب فإنه يتغير، وها نحن رأينا أمريكا ماذا عملت في العراق؟ بمنتهى البساطة لأن ضابطها في ذلك أهواء البشر والضغوط التي تحصل على الأمم أحياناً، فهو فحوى كلامهم أن السيادة هذه أو السلطة هذه معصومة؛ لأنها مصدر السلطات، ومع ذلك يقبل حكمها التغيير والتبديل والنسخ في كل وقت؛ لأن من يملك الإنشاء يملك الإلغاء. ولما كانت هذه القواعد تعبيراً عما سموه بالإرادة العامة الحرة فإن هذه الإرادة الحرة لها مطلق الصلاحية في نسخها وتبديلها متى تشاء، فقد تحل الشيء اليوم وتحرمه غداً أو العكس، ولا بأس عليها في ذلك ولا تثريب، ولكن القواعد التي تقررها السيادة الشرعية في الإسلام تتسم بالثبات والخلود، وقد انقطع الوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا فهي ثابتة باقية ما دامت السماوات والأرض، ولا مبدل لكلمات الله، فما أحله الله ورسوله فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، ولا تملك الأمة الإسلامية ولو اجتمعت كلها في صعيد واحد أن تحل شيئاً مما حرم الله، أو أن تحرم شيئاً مما أحل الله. يقول الدكتور الطماوي : إن القواعد والأحكام المستمدة من القرآن والسنة باعتبارها تعبيراً عن إرادة الله سبحانه وتعالى -بطريق مباشر وهو القرآن، أو غير مباشر وهو السنة- تتسم بالخلود، ولا يمكن أن تتغير بحال من الأحوال لأنها ليست من وضع جماعة المسلمين حتى يجوز لهم التعديل فيها، لهذا لا يمكن تشبيه القرآن والسنة حتى بالقواعد الدستورية وفقاً لاصطلاحات فقهاء القانون العام المعاصرين؛ لأن المسلم به أن للجماعة في كل وقت أن تغير دستورها بمطلق حريتها، ودون أي قيد في هذا الخصوص. الوجه الثالث من أوجه المقارنة من حيث العلاقة بالدين: السيادة في المنهج الإسلامي هي سيادة الشرع، وغايتها تحقيق العبودية لله عز وجل، وسياسة الدنيا بالدين، فلا مجال في ظل هذه السيادة لعزل الدين عن شأن من شئون الحياة، أو تقليص سلطانه عليه، أو أن الدين يحبس في داخل القفص الصدري أو داخل جدران المساجد. الفارق الأساسي بين دين الإسلام وغيره من الأديان، الدين الإسلامي دين حياة، ونظام كامل للحياة، لا يمكن أن يرضوا بنا حتى إن رضينا نحن بهم، لأن أهم شيء في الفرق بين الإسلام وغيره من الأديان أن الإسلام ليس ديناً كهنوتياً بل هو دين حياة، وتطبيق الشريعة الإسلامية يعتبر العدو اللدود لأعداء الإسلام. فالشاهد من الكلام أن الإسلام دين حياة، ولا يمكن أن يعزل عن الحياة، فلذلك تجد العلماني دائماً حريصاً على خنق الإسلام.. منع الأذان.. منع الشعائر الإسلامية.. عدم اضفاء الصبغة الدينية على المجتمع، وهذا هو الهم الأكبر عند العلمانيين. يقول الدكتور صلاح الصاوي حفظه الله تعالى: السيادة في المنهج الإسلامي هي سيادة الشرع، وغايتها تحقيق العبودية لله عز وجل، وسياسة الدنيا بالدين، فلا مجال في ظل هذه السيادة لعزل الدين عن شأن من شئون الحياة، أو تقليص سلطانه عليه، اللهم إلا جانب فوض الدين فيه الأمر إلى الخبرة والتجربة، وفيما عدا ذلك فالدين هو الروح التي تسري في أوصال المجتمع كله؛ لأن الإمامة في الإسلام موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، ولكن السيادة في المنهج الغربي لها مع الدين شأن آخر، فقد قننت نظريات السيادة في هذه المجتمعات الغربية لتنزع ابتداء السلطة من كل الملوك ورجال الكنيسة، والثورة الفرنسية التي يرجع لها الفضل الأول في نشر هذه النظريات كان شعارها ( اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس ). وإذا كانت السيادة كما يقول فقهاء الغرب: لا تقبل التعدد، ولا تعرف التقييد، فإن في تقرير هذه السيادة المطلقة لإرادة الأمة أو الشعب إلغاء لدور الدين بالكلية في مجال التوجيه والتشريع، وإبقاؤه مجرد ترانيم وطقوس يمارسها من شاء في أعماق المعابد دون أن يكون لها أدنى دور في مجال من مجالات الحياة العامة، فلا بأس بالدين في ظل هذا المنهج أن يبقى عقيدة في الحنايا، يعني: عقيدة محبوسة داخل القفص الصدري، وشعائر تؤدى في المعابد على أن تنتهي رسالته، ويقف دوره عند هذا الحد؛ لأن ما وراء ذلك من الشئون مرده إلى سيادة الأمة، وهي إرادتها العامة الحرة الطليقة التي تحدد نفسها بنفسها ولا تقبل سلطاناً عليها من أحد، ولهذا كان فصل الدين عن الحياة أمراً ملازماً لهذا المنهج لا ينفك عنه؛ لأن السيادة واحدة لا تتعدد، وقد نزعها هذا المنهج من الدين ومن الملوك، وجعلها حقاً خالصاً لإرادة الأمة. كذلك من أوجه المقارنة من حيث الحق في التشريع: التشريع في المنهج الإسلامي لا يكون إلا لله، ولا تملك الأمة في ظل هذا المنهج إلا الاجتهاد في فهم النصوص الشرعية وتطبيقها على ما يجد من الحوادث، وليس لفقهائها ولو اجتمعوا في صعيد واحد أن يتجاوزوا الإطار الذي تحدده هذه النصوص، ومن فعل ذلك منهم ففعله منعدم لا شرعية له ولا اعتبار، يعني: نحن نقول للإخوة الذين يذهبون إلى الغرب ليقيموا: هناك كلام للعلماء في هذا، وهو أنه يجوز لك الإقامة في بلاد الكفار بشروط معينة من ضمنها إظهار الدين، هل من يدخل مجلس الشعب سيقوى على إظهار الدين بهذه المفاهيم التي نتحدث فيها؟ هل يستطيع أحد أن يدخل ويأخذ فرصة ليتكلم عن السيادة التي يمثلها مجلس الشعب في المنهج الغربي والسيادة التي يمثلها الإسلام؟ فهل هو قادر على إظهار دينه في وسط هؤلاء القوم؟ لا يستطيع. نعم هناك دائرة المباح والعفو، وهو ما سكت الله عنه، وهذه فوضتها الشريعة إلى الأمة لتقرر فيها ما يحقق مصالحها العامة في إطار مقاصد الشرع وقواعده الكلية، ولكن الأصل فيما وراء ذلك هو التقيد بالنصوص والأدلة الشرعية، وقد تقرر في عقيدة التوحيد أن من زعم لنفسه الحق في التشريع بغير سلطان من الله فقد تجاوز حدود العبودية، وتطاول إلى مقام الربوبية، وجعل نفسه نداً لله تعالى، وإنه بذلك يكون قد خلع ربقة الإسلام من عنقه، قال تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، ويعد هذا المعنى من الأمور البدهية التي يقف عليها كل من له صلة بعلوم الشريعة، وإن لم يكن من المتخصصين في هذه العلوم. يقول الدكتور الطماوي : التشريع بمعناه الدقيق في الإسلام إنما هو لله تعالى، وعلى هذا الأساس لا تملك أي سلطة في الدولة الإسلامية -سلطة التشريع- أي: ابتداع أحكام في الدولة، وأما مواجهة الضرورات الجديدة فإنما يكون عن طريق استمداد ما يناسبها من أحكام من التشريع الإلهي، ولقد رأينا أن هذه الوظيفة إنما يقوم بها فئة خاصة من المسلمين هم المجتهدون. انتهى. ويقول الدكتور الصاوي : أما التشريع في ظل سيادة الأمة فهو حق خالص من الأمة، لا ينازعها فيه منازع، ولا يشركها فيه شريك، وهذا الحق ثابت لها بالأصالة وهو مطلق بلا حدود، فما تحله هو الحلال، وإن اجتمعت على حرمته كافة الشرائع السماوية كالزنا عن تراض على سبيل المثال، وما تحرمه هو الحرام، وإن اتفق على حله من في الأرض كلهم جميعاً، فإرادة الأمة في هذا طليقة من كل قيد؛ لأنها تعلو جميع الإرادات وتهيمن على كافة السلطات. ثم يقارن من حيث المصادر الشرعية، فيقول: المصادر الشرعية في المنهج الإسلامي تتمثل في القرآن والسنة، وما حمل عليهما بطريق الاجتهاد، والمراجع التي يرجع إليها الباحثون في هذا المجال هي كتب التفسير، وكتب الحديث، وكتب الفقه، وكتب الأصول ونحوها، والأعلام الذين يستأنس بتفسيراتهم واجتهاداتهم هم الأئمة ال

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007965410

    عدد مرات الحفظ

    720735052