إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [39]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدلائل على معرفة الله جل وعلا كثيرة ومبثوثة في الإنسان وفي الكون، وكذلك الدلائل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة ومتوافرة، ومنها: القرآن الكريم الذي تحدى به عمالقة البيان، وأرباب الفصاحة، ومنها إخباره بأمور غيبية، تحققت في حياته، وجاءت كما أخبر، وغير ذلك من الآيات الدالة على صدقه ونبوته عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    التبرك بالأشجار والقبور والأحجار شرك

    قال الشارح رحمه الله: [ وفي هذه الجملة من الفوائد: أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها، والعكوف عندها، والذبح لها هو الشرك، ولا يُغتر بالعوام والطغام، ولا يستبعد كون الشرك بالله تعالى يقع في هذه الأمة، فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك حسناً وطلبوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى بين لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]، فكيف لا يخفى على من دونهم في العلم والفضل بأضعاف مضاعفة، مع غلبة الجهل وبعد العهد بآثار النبوة؟! بل خفي عليهم عظائم الشرك في الإلهية والربوبية، فأكثروا فعله واتخذوه قربة].

    هناك كثيرون ممن اشتغلوا بالكلام وبالعلم والكتابة، بل وبتفسير القرآن، وبشرح الحديث أخطئوا في هذا المعنى، وضلوا فيه؛ بسبب بعد عهدهم بالنبوة، وبسبب كثرة الواقعين في ذلك، فتوارثوا هذا الشيء وصار كأنه أمر مسلم لا خطأ فيه، ولا ينكره أحد، فقبلوه، وهذا مثل ما يقول كثير من المتكلمين: معنى الإله: هو القادر على الاختراع، وهذا من أكبر الخطأ؛ لهذا يقول بعض العلماء: من اعتقد هذا فهو مشرك، والإله ليس معناه: القادر على الاختراع، بل الإله معناه الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم: ألا يعبد إلا هو جل وعلا، أما القادر على الاختراع فهو معنى الرب، وكذلك بعض المفسرين -الذين تفاسيرهم مشهورة- أكثروا من ذكر هذا المعنى في تفاسيرهم، حتى إن أحدهم لما جاء إلى قصة بني إسرائيل مع موسى حرف الكلام، وقال: هذا لا يعقل أن يقع، فجاء بأمور عجيبة! والسبب أنه اعتقد أن قول بني إسرائيل: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138] أن معناه: اجعل لنا رباً مثل الله، وهذا هو الذي دعاه إلى التحريف والتأويل، وهذا خطأ من الأصل: خطأ في الفهم، وخطأ في الشيء الذي بنى عليه، فإذا كان مثل هذا يقع من علماء كبار، فيخشى أن يقع ممن لم يصل إلى ما وصلوا إليه في العلم.

    فالمقصود: أن الإنسان يجب أن يعتني بهذا الأمر كثيراً، وألاّ يفرط في ذلك بعدم السؤال وعدم البحث؛ لأن هذا أمر مهم جداً، الإنسان ليس له إلا عمر واحد وحياة واحدة، فإذا ذهبت حياته وهو على غير الهدى فمن أين له أن يستدرك ذلك؟! فينبغي أن يهتم بنفسه قبل فوت الأوان.

    العبرة بالمعاني والأحكام لا بالأسماء

    قال الشارح رحمه الله:[ وفيها: أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء؛ ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك مشرك وإن سمى شركه ما سماه، كمن يسمى دعاء الأموات والذبح والنذر لهم ونحو ذلك تعظيماً ومحبة، فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه، وقس على ذلك.

    قوله: (لتركبن سنن من كان قبلكم)بضم الموحدة وضم السين أي: طرقهم ومناهجهم، وقد يجوز فتح السين على الإفراد أي: طريقهم، وهذا خبر صحيح، والواقع من كثير من هذه الأمة يشهد له، وفيه علم من أعلام النبوة من حيث إنه وقع كما أخبر به صلى الله عليه وسلم.

    وفي الحديث: النهى عن التشبه بأهل الجاهلية وأهل الكتاب فيما كانوا يفعلونه، إلا ما دل الدليل على أنه من شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم].

    يعني: أن ما يفعله اليهود والنصارى -سواءً كان من الأمور الدينية أو من الأمور الاعتيادية- لا يجوز لمسلم أن يتشبه بهم ويقتدي بهم في ذلك، إلا إذا جاء الدليل من الكتاب والسنة على أن هذا مشروع لنا، فلا ننظر إلى فعلهم، يعني: وافقونا أو لم يوافقونا، بل نتبع كتابنا وسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم، أما إذا لم يأت دليل على مشروعيته؛ فإنه لا يجوز لنا أن نفعل ذلك؛ لأنه يكون تشبه بهم.

    المسائل التي يسأل عنها الإنسان في قبره

    قال الشارح رحمه الله: [وفيه التنبيه على مسائل القبر أما: من ربك؟ فواضح، وأما: من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما: ما دينك؟ فمن قولهم: ( اجعل لنا إلهاً ).. إلخ ].

    قوله: فيه التنبيه على مسائل القبر، أما: من ربك؟ فواضح، وأما: من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينك؟ فمن قولهم: اجعل لنا إلهاً، المقصود بهذا: أن يقول: إن الأصول الثلاثة كانت معروفة وواضحة، والأصول الثلاثة هي التي يسأل عنها الإنسان في قبره، وهي معرفة الإنسان لربه، ومعرفته لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومعرفته لدينه، ويقول: إن هذا شيء متقرر عندهم وواضح، وإن كان التنبيه على ذلك جاء من الوحي، ولكن فيه ما هو واضح وجلي، فاتفق الوحي والفطرة والعقل عليه، وهذا معنى قوله: أما من ربك؟ فواضح، يعني: أن الدلائل على معرفة الله جل وعلا متواترة ومتكاثرة، وموجودة في النفوس بالفطر، وموجودة في الآيات، وموجودة في المخلوقات، وكذلك دعت إلى ذلك الشرائع التي جاءت بها الرسل، هذا معنى قوله: أما: من ربك؟ فواضح، يعني: وضوح من ناحية الدلائل الظاهرة البينة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ({كل مولود يولد على الفطرة).

    1.   

    بعض الدلائل على معرفة الله عز وجل

    والمقصود بالفطرة التي ذكرها في هذا الحديث -على القول الصواب الصحيح: أنها ما خُلق عليه الإنسان من حبه للدين وإيثاره وقبوله له، وكما أنه فطر على التقام ثدي أمه إذا خرج من بطنها فكذلك فطر على دين الله، فهي خلقة خلقه الله جل وعلا عليها، وخلقها فيه، وإنما يغير هذه الفطرة المربي الذي يربيه، فإذا تركت فإنه عارف قابل، وليس معنى ذلك أنه يخرج من بطن أمه عالماً بالإسلام عارفاً به، ولكنه مؤثراً له وقابلاً له ومستعداً لقبوله، بل يكون استكنانه به في قلبه ومحبته له مثل استكنان قبوله لثدي أمه، فهو مفطور على هذه الفطرة.

    ولهذا إذا وقع الإنسان في كرب وفي شدة يهرع إلى ربه جل وعلا ويسأله، ويرفع يديه إليه متضرعاً داعياً مستغيثاً، فهذا من ناحية الفطرة وناحية النفس.

    أما من ناحية الآيات المشاهدة في المخلوقات فهي كثيرة جداً: في الأرض، وفي السماء، وفي النبات، وفي الأنفس، وفي غير ذلك، وقد نبه الله جل وعلا على شيء من ذلك فقال: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53]، والأمر في هذا واضح، وقال سبحانه: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] يعني: هناك آيات في الأنفس، ولهذا أكثر الله جل وعلا من تنبيه الناس إلى النظر إلى خلقهم، فقال: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق:5]؛ لأن هذه من أكبر العبر، وأكبر الأدلة على الله جل وعلا، فكون أصله ماء مهين، قطرة ماء ثم يخلق منها عظام وأعصاب ولحم، ويفتح له جوف فيه قلبه، وفيه الأشياء التي لا يمكن أن يكون للأب أو من الخلق في ذلك تصرف، ثم يكون بعد ذلك ذكراً أو أنثى، ويجعل فيه السمع والبصر والعقل وأشياء كثيرة، كل هذا ليعتبر الإنسان في خلقه، فإن فيه هذه الآيات الباهرة التي تدل على وجود الله، ولهذا نبه عليها جل وعلا.

    وكذلك المخلوقات: في السماء، وفي الأرض، وفي اختلاف الليل والنهار، وفي النجوم، وفي الشمس، والقمر، والجبال، والسحاب، والمطر وغيرها، إذا نظر الإنسان إليها بعقله فإنه يتبين له ذلك، وجاءت الرسل بالوحي مؤيدة في هذا، ولهذا لما أعرض بعض الكفار عن رسلهم، وكذبوا ما قالوا لهم، قال لهم رسلهم: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ [إبراهيم:10]، يعني: هذا أمر مسلم، فهذا معنى قوله: (أما: من ربك؟ فواضح) أي: جلي لكل عاقل يبصر ذلك أو يضطر إليه، ولكن الإعراض والتكبر والعادات قد يغفل الإنسان بسببها عن هذا.

    بعض المعجزات والدلائل على صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم

    وقوله: (وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب) يعني: معرفة النبي جاءت بالآيات التي جاء بها، وبالمعجزات التي دلت على صدقه صلوات الله وسلامه عليه، وهي كثيرة؛ لهذا قال: (فمن إخباره بأنباء الغيب) يعني: هذا شيء منها، وإلا فهي كثيرة جداً، منها: ما هو متصف به صلوات الله وسلامه عليه بنفسه من الصدق والأمانة ومراقبة الله جل وعلا، ومنها التحدي، فكونه يأتي إلى قوم كفار فيخالفهم في دينهم، ويخبرهم بأنه منابذ لهم ومعادٍ لهم على هذا الدين، وأنه يلزمهم ترك دينهم ومتابعته، فإن لم يفعلوا فإنه سوف يكون عذابهم في الدنيا والآخرة، ويتوعدهم على هذا وهو وحده، وليس معه سلطان ولا جيش ولا قوة، وحده يقوم أمام أمة تخالفه وتعاديه وتنابذه فيتحداهم بهذا الشيء، ويقول لهم: إنكم لن تصلوا إليَّ بسوء، إذا لم يرده الله جل وعلا بي.

    وهكذا كانت الرسل، كما قال هود عليه السلام لقومه لما قالوا له: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:54-56]، وهكذا الرسل كلهم قالوا هذه المقالة، وآخرهم وخاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فهذا دليل من أعظم الأدلة على صدقه حيث تبين ثقته وصدقه: ثقته بالله جل وعلا بتحدي هؤلاء الذين يعاديهم ويعادونه، ثم يخبرهم أنهم لن يصلوا إليه، وإذا قام أحدهم يريد به كيداً أو أذىً وتوعده وقال له: سوف أقتلك؟ يقول صلى الله عليه وسلم له: بل أنا الذي أقتلك، ثم يصبح خائفاً من هذا القول؛ لأنهم عرفوا صدقه، وعرفوا أنه لا يقول قولاً إلا ويرون صدقه.

    ولهذا لما أنزل الله جل وعلا عليه: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] خشي صلوات الله وسلامه عليه أن يكون قصر في الإنذار والدعوة، فقام مسرعاً، وصعد على الصفا، وصار يهتف: (واصباحاه) وكانت عادة العرب إذا دهم الإنسان أمر قريب يقول كذا، فاجتمعوا إليه، والذي لم يأت إليه بنفسه أرسل من ينوب عنه من ولد أو أخ أو غير ذلك، فلما اجتمعوا قال لهم: (أرأيتم لو أخبرتكم أن خلف هذا الجبل جيشاً يريد أخذكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبة واحدة) فهم كانوا يعرفون صدقه وأمانته.

    ثم كذلك الآيات الأخرى، مثل: انشقاق القمر، فلما طلبوا منه آية انشق القمر، وصار فلقتين: فلقة من جهة الشمال، وفلقة من جهة الجنوب في السماء، فصار يريهم ويقول: (اللهم اشهد) ومع ذلك قالوا: هذا سحر، يا للعجب، السحر يصل إلى القمر ؟!! لكنه التكبر والعناد والإباء.

    وكذلك إجابة دعوته، فقد كان يدعو بالدعاء فيُستجاب.

    وكذلك القرآن الذي نزل عليه، تحداهم -وهم أمراء البيان في البلاغة والفصاحة- أن يأتوا بأقصر سورة من سوره فلم يستطيعوا وعجزوا، والعاقل من الناس من لم تسول له نفسه أن يفعل شيئاً من ذلك؛ لأنه أمر لا يطاق، كما قال الله جل وعلا: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88]، وهذا يدخل فيه بعضه ليس كله.

    أما سخفاء العقول الذين تزين لهم شياطينهم، ويزين لهم توهمهم وطغيانهم في السيطرة والرئاسة إذا جاءوا بشيء من هذا صاروا أضحوكة للعقلاء، مثل ما فعل مسيلمة فقد ذكر ابن كثير رحمه الله وغيره من المؤرخين: أن عمرو بن العاص قبل أن يسلم كان صديقاً لـمسيلمة ، وأنه اجتمع به فسأله: ماذا أنزل على صاحبكم ؟ فقال: لقد أنزل عليه سورة بليغة وجيزة، قال: ما هي؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر [العصر:1-3] ففكر في نفسه قليلاً ثم قال: وأنا أنزل عليّ مثلها، قال: ما هي؟ قال: يا وبر يا وبر! إنما أنت رأس وصدر، وباقيك حقر نقر، ماذا تقول يا عمرو ؟! قال: والله! إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب! فلم يكتف أن يخبر عن علمه هو، بل قال: أنت تعرف في نفسك أني أعلم أنك كاذب، يعني: أنك تكذب كذباً واضحاً جلياً، وهكذا كل من تحاول له نفسه أن يأتي بشيء من ذلك يصبح أضحوكة للناس، فهذا من أعظم الآيات التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولكن لا يعرف هذا على الوجه المطلوب إلا الذي يعرف لغة العرب، ويعرف الفصاحة والبلاغة.

    ومنها: الأمور التي تقع على خلاف العادة التي أجراها الله جل وعلا في خلقه على يد رسوله صلى الله عليه وسلم، مثل: كون الماء القليل يكفي الجيش بأكمله، وخروج الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وينبع منها كأنها عيون، فيشربون ويتوضئون من هذا الإناء، وكذلك الطعام القليل الذي يكون مصنوعاً لثلاثة فقط يكفي الجيش بأكمله، ثم يبقى كما هو كأنه لم يؤكل منه شيء.. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي وقعت له صلوات الله وسلامه عليه.

    ومن المعلوم -عند كل إنسان له عقل يفكر- أن الذي يأتي إلى الناس ويقول: أنا نبي، أنه أحد رجلين: إما أن يكون أتقى الناس وأبر الناس وأصدق الناس وأقرب الناس إلى الله، أو يكون أكذب الناس وأفجر الناس وأبعدهم من الله جل وعلا، ولا يمكن أن يلتبس هذا بهذا، بل مستحيل أن يلتبس هذا بهذا؛ لأنه إما أن يكون صادقاً براً رسولاً حقاً، أو يكون كاذباً على الله، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ [الزمر:32] أي: قد تناهى في الظلم، وهذا معنى قوله: (وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب).

    وقوله: (وأما ما دينك؟ فمن قولهم: اجعل لنا إلهاً يعني: أنه متقرر عندهم أن الدين مبني على وروده من الرسول صلى الله عليه وسلم، على الأمر والنهي، وليس بالاستحسان ولا بالعقل ولا بالأوضاع التي وجد عليها الناس، وهذا هو الذي يسأل عنه الإنسان في قبره، ويقال له: ما دينك؟ فإذا أجاب الإنسان، قيل له: وما يدريك أن هذا هو دينك؟ فإما أن يقول: وجدت الناس على شيء ففعلت مثل فعلهم، أو يقول: قرأت كتاب الله وآمنت به، فإن كان الأول: فهو الضال المرتاب الذي يعذب، وإن كان الثاني: فهو المؤمن، هذا هو معنى ما ذكره في هذا التنبيه.

    قال الشارح رحمه الله: [ وفيه: أن الشرك لابد أن يقع في هذه الأمة خلافاً لمن ادعى خلاف ذلك].

    هذا مأخوذ من قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) والذين قبلنا وقعوا في الشرك، ووقعوا في أشياء كثيرة، والرسول صلى الله عليه وسلم إذا أخبر بخبر فلابد من وقوعه؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه لا ينطق عن الهوى.

    1.   

    غضب النبي صلى الله عليه وسلم إذا انتهكت محارم الله

    قال الشارح رحمه الله: [ وفيه: الغضب عند التعليم، وأن ما ذم الله به اليهود والنصارى فإنه قاله لنا لنحذره، قاله المصنف رحمه الله].

    أما الغضب عند التعليم فهذا إذا اقتضى الأمر ذلك، وهذا يؤخذ من قوله: سبحان الله، أو قوله: الله أكبر على حسب ما جاء في الرواية، ففي رواية أنه قال: (الله أكبر! الله أكبر!)، وفي رواية أنه قال: (سبحان الله! سبحان الله!) وهذا يدل على أنه غضب؛ لأن هذا تنزيه لله جل وعلا وتكبير له، أن يجعل لهم سدرة يعكفون عندها ويعلقون فيها أسلحتهم ويتبركون بها، وقد وقع له صلوات الله وسلامه عليه نظير هذا في بعض المسائل، كما سيأتي في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد في القصة التي سيذكرها المؤلف وهي: (أن أعرابياً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله! استسق لنا، فقد جاع العيال، ومات الحلال، وانقطعت السبل، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فأكبر صلوات الله وسلامه عليه ذلك القول، وقال: ويحك أتدري ما الله؟!. .)إلى آخره، فهذا مثله أيضاً، وهكذا صلوات الله وسلامه عليه إذا انتهك شيء من حقوق الله فإنه يغضب، ولا أحد يقوم لغضبه صلوات الله وسلامه عليه.

    أما عند التعليم دون أن يكون هناك انتهاك لمحارم الله فهو أكمل الناس خلقاً، وأتمهم حلماً، ويسع الجاهل ما لا يسعه غيره، ولهذا لما دخل الأعرابي إلى المسجد فأناخ بعيره في المسجد، ثم جلس يبول في المسجد انتهره الناس، فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: (دعوه، لا تزرموه، فتركه حتى انتهى ثم دعاه، فقال: إن المساجد لا تصلح لهذ،ا وأمر بأن يصب على البول ذنوباً من ماء)، وفي الحديث الصحيح من حديث أنس أن أعرابياً لقيه صلوات الله وسلامه عليه، وعليه درع غليظ الحاشية، فأمسك بالنبي صلى الله عليه وسلم وجبذه جبذة شديدة، يقول أنس : حتى رأيت أثرها في رقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: يكاد الدم يخرج، يقول: فلم يعنف عليه، وأمر أن يحسن إليه، إلى غير ذلك.

    فصلوات الله وسلامه عليه كان يعلم الجاهل برفق ولين، وأما إذا انتهكت المحارم فإنه يغضب لله جل وعلا، ولما جاءه الذي يشفع في المرأة المخزومية التي سرقت غضب، والمرأة المخزومية هي من قريش، فثقل ذلك على بعض رجالات قريش، وقالوا: كيف تقطع يدها وهي شريفة وهي كذا وكذا؟! ثم قالوا: من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: ما أحد يجرأ على كلامه إلا ابن حبه أسامة بن زيد ، فكلموه، فذهب وكلمه فغضب صلوات الله وسلامه عليه وقال: (تشفع في حد من حدود الله؟ وأيم الله! لو أن فاطمة بنت محمد -صلى الله عليه وسلم- سرقت لقطعت يدها، إنما جاء النقص على بني إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق الشريف فيهم تركوه، وإذا سرق الوضيع فيهم أقاموا عليه الحد) والمقصود: أن غضبه ليس دائماً، وإنما هو عند انتهاك المحارم.

    وأما قوله: وأن ما ذم الله به اليهود والنصارى فإنه قاله لنا لنحذره فهذا واضح؛ لأن اليهود في قصتهم مع نبيهم شيء قد مضى أمره وانتهى، وهم أيضاً لم يؤمنوا برسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وإنما الذي آمن به منهم-في وقته- قلة لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة، فهذا في وقته، وكونه جل وعلا يذكر ذلك الأمر إنما أراد به أن يبين ما فعلوه وذموا عليه لئلا نقع في ذلك، وهذا في جميع القرآن وليس خاصاً ببني إسرائيل، بل كل القصص التي جاءت عن الأمم وعن الأنبياء نحن المقصودون بها؛ لأن هذه سنة الله لا تتغير ولا تتبدل، من خالف الرسل وكذبهم وعصاهم فإن مصيره إلى ما صار إليه أولئك المخالفون لرسلهم، ومن أطاع الرسل واتبعهم ونصر الله ودينه، فالعاقبة تكون له في الدنيا والسعادة في الآخرة، هذا هو مضمون القصص الذي قصه الله جل وعلا علينا في القرآن، سواء عن بني إسرائيل أو عن غيرهم.

    1.   

    الأدلة على عدم جواز التبرك بآثار الصالحين

    قال الشارح رحمه الله: [ وأما ما ادعاه بعض المتأخرين من أنه يجوز التبرك بآثار الصالحين فممنوع من وجوه:

    منها: أن السابقين الأولين من الصحابة ومن بعدهم لم يكونوا يفعلون ذلك مع غير النبي صلى الله عليه وسلم، لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وأفضل الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وقد شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن شهد له بالجنة، وما فعله أحد من الصحابة والتابعين مع أحد من هؤلاء السادة، ولا فعله التابعون مع ساداتهم في العلم والدين وأهل الأسوة، فلا يجوز أن يقاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الأمة، وللنبي صلى الله عليه وسلم في حال الحياة خصائص كثيرة لا يصلح أن يشاركه فيها غيره.

    ومنها: أن في المنع عن ذلك سداً لذريعة الشرك كما لا يخفى].

    يقول بعض المتأخرين مثل الإمام النووي رحمه الله وغيره: قد جاءت بعض الأحاديث التي فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوزع شعره على صحابته للتبرك به، وكذلك كان إذا توضأ سارعوا إلى فضلة وضوئه يتبركون بها، وإذا تفل أو تنخم صلوات الله وسلامه عليه أحب كل واحد منهم أن تكون بيده حتى يدلك بها وجهه؛ تبركاً به صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك إذا أمكن أحدهم أن يأخذ شيئاً من ثيابه التي تلي جسده أخذها، وبعض الصحابيات التي لها صلة بالرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا عرق تأخذ عرقه وتضعه في الطيب؛ لأن عرقه صلوات الله وسلامه عليه أحسن من الطيب، والمقصود أن هذا شيء مشهور ومعروف، فكانوا إذا جاءوا إلى مثل هذه القضايا قالوا: هذا فيه جواز التبرك بالصالحين وبآثارهم، والمؤلف هنا يقول: هذا خطأ من وجوه:

    الوجه الأول: أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، بدليل أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يفعلوا هذا مع أحد منهم، فما فعلوه مع أبي بكر ولا مع عمر ولا مع عثمان ولا مع علي ، ولا مع غيرهم من سادات الصحابة، وهم أعلم برسول صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.

    الوجه الثاني: أنه لا يجوز أن يقاس غير الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، وهذا لا يقول به من يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن يقاس آحاد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، بل ولا يجوز أن يدان به، وهذا قياس مع الفارق البعيد جداً، فإذا جاء القياس مع الفارق فهو قياس باطل غير معتبر شرعاً.

    الوجه الثالث: أن هذا فيه سد للذرائع كما قال المؤلف، وهي قاعدة معروفة في الشرع، والمعنى: أننا لو أجزنا ذلك لجر هذا إلى ما لا يجوز، ولصار طريقاً إلى الشرك وإلى سؤاله والتوسل به، وما أشبه ذلك، وكل ما كان وسيلة إلى ما هو محرم فممنوع.

    وهناك أيضاً وجه رابع لم يذكره المؤلف وهو: أن الصلاح أمر لا يعرف إلا من قبل الوحي؛ لأنه في القلب وليس للإنسان إلا الظاهر، فيجوز أن يكون في الباطن غير ما هو في الظاهر، ويجوز أن يتبدل في آخر حياته ويتغير، بخلاف الذين أخبر الله جل وعلا -كالصحابة- أنه رضي عنهم؛ فإن الله لا يخبر جل وعلا عن شيء يتبدل ويتغير.

    فإذا قال قائل: هذا من التبرك بالصالحين قلنا: هذا أمر مظنون غير متيقن، وإنما هو من باب الظن، وباب الظن لا يجوز أن تبنى عليه الأحكام في مثل هذا، إلى غير ذلك من الأوجه التي تمنع ذلك، وكل وجه من هذه الأوجه يكفي في منع ذلك.

    والخلاصة: أن التبرك بالآثار ومماسة الجسد وما أشبه ذلك خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو من خصائصه لا يجوز أن يقاس عليه أحد من الناس.

    وأما والذين استدلوا بفعل ابن عمر ، ففعل ابن عمر كان اتباع آثار الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس من هذا الباب، وإنما هو اتباع آثاره، يعني: كان يتتبع الأثر الذي صلى فيه الرسول فيصلي فيه، والمكان الذي جلس فيه فيجلس فيه، وما أشبه ذلك؛ لأنه كان يرى أن هذا سنة، وأنه اتباع للرسول صلى الله عليه وسلم، فليس من باب التبرك، وإنما الكلام في التبرك بما لامس جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو انفصل عنه، وهذا شيء معروف عند الصحابة رضوان الله عليهم حتى أنه جاءت الأحاديث فيه إلى حد التواتر.

    1.   

    مسائل باب: ( من تبرك بشجرة أو حجر ونحوها )

    قال المصنف رحمه الله:[ وفيه مسائل:

    المسألة الأولى: تفسير آية النجم].

    المقصود بآية النجم قوله جل وعلا: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى [النجم:19-21]، فهذه الآيات إلى آخرها قد مر معناها.

    [المسألة الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا].

    يعني: معرفة صورة الأمر الذي طلبوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنهم ظنوا أن هذا أمر مقرب إلى الله، وأنه محبوب لله جل وعلا ولرسوله، أما لو كانوا يعرفون أنه منكر، وأنه داخل في أقسام الشرك، ويناقض معنى لا إله إلا الله فلا يمكن أن يقدموا عليه ويطلبوه، ومعنى ذلك: أن الإنسان لا يعذر بالجهل في مثل هذه الأبواب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم وأغلظ لهم في ذلك.

    [المسألة الثالثة: كونهم لم يفعلوا].

    يعني: أنهم طلبوا ولم يفعلوا حتى لا يقال: إن هذا فيه العذر للجاهل، وإنه معذور في هذا الباب؛ وسبق أنه يضاف إلى هذا أنهم حدثاء عهد بشرك، يعني: عهدهم بالشرك قريب، ولم يعرفوا ما يعرفه غيرهم ممن سبقهم إلى الدين، وأن غيرهم يعرف أنه لا يجوز.

    [المسألة الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه].

    هذا يدلنا على أن التقرب إلى الله جل وعلا لا يجوز إلا بالشرع الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني: إذا كان الإنسان قصده حسناً، ولكن فعل ما هو مخالف للشرع، فإن هذا لا يبرر الفعل المخالف، بل يجب إنكاره، ويعاقب عليه ولا يثاب؛ لأن الله جل وعلا قد أنزل الكتاب، والرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ، فليس للناس عذر في جهلهم دينهم الذي جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم، والعلماء أخذوا من هذا قاعدة وهي: أن العبادات ممنوعة -أصلها ممنوع- حتى يأتي الأمر بها، فالأصل في العبادة المنع والتحريم حتى يأتي الشرع بالإذن بها، بخلاف الأمور المباحة: مثل المعاملات والمأكولات والمطعومات وغيرها، فإن الأصل فيها الحل حتى يأتي الشرع بتحريمها، يعني: عكس العبادات.

    قال الماتن رحمه الله: [المسألة الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل].

    يقصد الناس الذين جاءوا بعدهم وليسوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم بركة، ولا يمكن أن يكون من يأتي بعدهم مثلهم، ولهذا أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن خير الخلق بعد الأنبياء هم الذين صحبوه فقال: (خير الناس القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).

    [المسألة السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم].

    قصده بهذا: أنه لو قدر أن هذا من الإثم ومن الشرك فإنهم ليسوا كغيرهم، فلهم من السوابق والحسنات ما لا يصل إليه غيرهم، ولكن الإنسان إذا جاء بشرك لا ينظر إلى حسناته؛ لأن الله جل وعلا يقول لنبيه ولمن سبقه من الأنبياء: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، والله ليس بينه وبين أحد من الخلق نسب ولا صلة إلا بالطاعة والعبادة، ولما ذكر أفضل الخلق وهم الأنبياء قال بعد قصصهم والثناء عليهم: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، فالشرك يحبط الأعمال كلها، وهو أعظم الذنوب التي يعصى بها الله جل وعلا، نسأل الله العافية، ولهذا أخبر جل وعلا أن الذي يموت عليه يكون خالداً في النار، لكن الإنسان -مثلاً- قد يقع في مخالفة ثم يكون معذوراً لأسباب: إما لأنه لم يبلغه الأمر، أو أنه جهل وظن أن هذا مشروعاً ووقع فيه، أما إذا كان لا يجهل ذلك فهذا لا يعذر.

    [المسألة السابعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعذرهم في الأمر، بل رد عليهم بقوله: (الله أكبر! إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم) فغلظ الأمر بهذه الثلاث].

    يعني: تغليظه لهم في قولهم ذلك، فإنه ذكر الآية بعد قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم....) وهذا من باب التغليظ لهم للأمر، وهو الواقع الظاهر، ويكفي في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى.....).

    ترك الشرك من معاني (لا إله إلا الله)

    [المسألة الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود: أنه أخبر أن طلبهم كطلب بنى إسرائيل لما قالوا لموسى اجْعَل لَنَا إِلَهًا [الأعراف:138].

    المسألة التاسعة: أن نفى هذا من معنى (لا إله إلا الله)، مع دقته وخفائه على أولئك].

    يعني: أن ردّ هذا الطلب وبيان أنه من الشرك من معاني (لا إله إلا الله)؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أن لا يؤله ويعبد إلا الله، وطلب البركة والعكوف من العبادة، والعبادة كلها يجب أن تكون لله، وكلها داخلة في قوله: لا إله إلا الله، فلهذا قال الصحابة: إن الدين كله من الأوامر والنواهي والأحكام من حق لا إله إلا الله.

    جواز الحلف على الفتيا

    [المسألة العاشرة: أنه حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة]

    هذا ليبين المطابقة، ويبين أن هذا القول يماثل ما قال أولئك لموسى، وأنه لا فارق في المعنى بين هذا وهذا، وإن اختلف اللفظ.

    وكذلك ليبين أن هذا من الشرك، وأن نفيه من التوحيد، وأن هذا واجب على الإنسان؛ لأنه أكد هذا بالحلف.

    1.   

    الشرك قسمان: أكبر وأصغر

    [المسألة الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا].

    كأنه يشير إلى أن هذا من الشرك الأصغر، وليس كذلك، بل هذا من الشرك الأكبر، فطلب الإنسان أن يكون له شجرة يتبرك بها أو يعكف عندها أو يعلق بها ثوبه أو ما أشبه ذلك حتى تحصل له البركة هذا يعد من الشرك الأكبر، وليس من الأصغر، وهذا أمر واضح.

    وأما ما وجه كونهم لم يرتدوا بذلك؟

    فلم يرتدوا بذلك للأمرين اللذين سبق ذكرهما:

    لأنهم لم يفعلوا، ولأنهم كانوا جاهلين هذا؛ لقرب عهدهم بالشرك، ولأنهم لم يعرفوا التوحيد كما ينبغي، كما عرفه الذين سبقوهم، هذا هو وجه كونهم لم يرتدوا.

    التكبر عند التعجب

    [المسألة الثانية عشرة: قولهم: (ونحن حدثاء عهد بكفر) فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك.

    المسألة الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب خلافاً لمن كرهه].

    بعض العلماء كره ذلك، ولكن لا دليل له على هذه الكراهة، فالسنة واضحة في هذا، وهي جاءت في أكثر من حديث.

    التشبه بالكفار من الذرائع التي يجب سدها

    [المسألة الرابعة عشرة: سد الذرائع.

    المسألة الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية].

    هذا مأخوذ من قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) فإنه يفهم منه أن هذا القول فيه التحذير من اتباعهم، وقد جاء هذا صريحاً في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم)، وكذلك التشبه بأهل الكتاب.

    اتباع المتأخرين للمتقدمين سنة كونية

    [المسألة السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.

    المسألة السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنها السنن)].

    قصده بالقاعدة الكلية أن الناس يتبع بعضهم بعضاً، وأن هذه سنة، ولهذا ذكر الله جل وعلا عن الأولين والآخرين أن الأنبياء إذا جاءوهم يدعونهم إلى عبادة الله جل وعلا وترك الشرك قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23]، وكذلك كل رسول يأتي قومه يردون عليه بهذا القول، وهذا لا يزال في الناس ولن يزال، فأنت -مثلاً- إذا وجدت إنساناً ودعوته إلى أمر لا يعرفه يقول: الناس على خلاف ما تقول، فقول هذا مثل قول أولئك، يعني: أنهم وجدوا الناس قبلهم يعملون هذه الأعمال فاتبعوهم، وحجتهم هي كما قال فرعون لموسى: مَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى [طه:51] يعني: لماذا لم يعملوا بما تقول، واتبعوا خلاف ما تقول؟! فهذه هي الحجة المطّردة عند الكفار كلهم.

    وإبراهيم عليه السلام لما كسر الأصنام وجعلها جذاذاً، ثم علق الفأس في رقبة الكبير ولم يكسره؛ حتى يكون ذلك حجة عليهم، فلما قالوا: أنت فعلت هذا بآلهتنا؟ قال: كلا، بل الذي فعله كبيرهم هذا، فسألوهم إن كانوا ينطقون؟ فعند ذلك جاء دور العقل، فنظروا ورجعوا إلى أنفسهم فقالوا: الواقع أننا ظلمة! كيف نعبد هذه وهي لا تستطيع أن تدفع عن نفسها، ولا تنطق، ولا ترد كلاماً، ولا تخبر بمن فعل بها هذا الشيء؟! ثم نكسوا، وقالوا: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ [الأنبياء:65]، فقال لهم: أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنبياء:67] يعني: طلب منهم الحجة، كيف تعبدون هؤلاء؟ فجاء أتباع الآباء والتقليد فقالوا: بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء:74]، فهذه هي الحجة التي يملكون: (وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) وهل هذه حجة؟! هذه ليست حجة، وإن كانت حجة فهي حجة باطلة.

    ولهذا يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره من الصحابة: (لا يكن أحدكم إمعة) يعني: إمعة مع الناس، فإن اهتدى الناس اهتدى، وإن ضل الناس ضل، بل عليه أن يستعمل عقله، ويستعمل الدليل، وينظر ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فيتبعه.

    هذا معنى قوله: إنها قضية عامة في الناس، يعني: أنهم يتبعون بعضهم بعضاً، وينظرون إلى الكثرة وإلى الإرث الذي توارثوه، والعادة التي اعتادوها فيتبعونها.

    تقليد المسلمين لأهل الكتاب علم من أعلام النبوة

    [المسألة الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة، لكونه وقع كما أخبر].

    يعني: أن قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) علم من أعلام النبوة، وهذا لا يزال يقع على حسب التتبع، والناس اليوم يتبعون اليهود والنصارى شبراً بشبر، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فالشيء الذي أخبر به لابد أن يقع، وليس معنى ذلك أن في هذا الخبر إقراراً له، بل هو من باب التحذير، وأن نحذر هذا ونبتعد عنه، ومع ذلك لابد من وقوعه؛ لأن الجهل يغلب والمعاصي تكثر في الأمة، فالناس يتبعون أهل الكتاب ويكثر اتباعهم لهم، وتقليدهم لهم، وهذا الآن يزداد، فإذا نظر الإنسان في وضع الناس يجد أن أكثرهم يقلد الغرب تماماً في كل شيء، حتى أصبح الأمر أنهم يقلدونهم في الأمور السخيفة والسافلة، مثل جعل الكلاب في البيوت أو في السيارات، ومثل الأكل باليد الشمال والشرب بها، حتى صار التقليد في اللباس والمساكن وفي كل شيء، فهذه ظاهرة وقعت كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

    تحريم اتباع اليهود والنصارى مأخوذ من ذم الله لهم

    [المسألة التاسعة عشرة: أن ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.

    المسألة العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر: أما من ربك؟ فواضح، وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينك؟ فمن قولهم: (اجْعَل لَنَا..) إلى آخره.

    المسألة الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين].

    ولهذا نهينا عن اتباعهم، وهذا في الأمور التي لم يأت شرعنا بها، أما ما جاء شرعنا به فلا ننظر إلى موافقتهم لنا أو مخالفتهم، بل نتبع الشرع.

    [المسألة الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقولهم رضي الله عنهم: (ونحن حدثاء عهد كفر)].

    وهذا معناه واضح.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007963130

    عدد مرات الحفظ

    720602064