إسلام ويب

نفحات حبللشيخ : عبد الله سردار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ألقى الشيخ حفظه الله نفحات حب صادق، به ينال الأجر، وبه يحصل الفخر، إنه حب حبيب الخالق جل وعلا، إنه حب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ذاكراً ضمن هذه النفحات الأسباب التي لأجلها أحببنا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، ثم تكلم عن ثمار تلك المحبة.

    1.   

    أسباب حبنا لنبينا صلى الله عليه وسلم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة المسلمون: إن حديثنا اليوم عن أمر عظيم، عن نبي عظيم، فداه أبي وأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ ولكن عمَّ سنتحدث حول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ إن حديثنا سيكون عن الحب العظيم، الحب المبارك، سيكون عن حب في سويداء القلب، إنا نتحدث عن محبة نبينا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. غنىّ فؤادي وذابت أحرفي خجلاً ممن تألق في تبجيله كَلِمي ما أعذب الشعر في أجواء سيرته! أكرم بمبتدأ منه ومختتمِ! إخواني: إن العنصر الأول في هذه المحاضرة عنوانه: لماذا نحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أخي الكريم: أنت تحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلمَ أنت تحبه؟

    نحب الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله شرع لنا حبه

    أولاً: لأن الله عز وجل شرع لنا حبه، قال الله تبارك وتعالى: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ))[الأحزاب:6]. قال الإمام الشوكاني

    رحمه الله تعالى: يجب أن يحبوه زيادة على حبهم لأنفسهم.

    نحب النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله عز وجل يحبه

    ثانياً: نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله عز وجل يحبه، ومن يحبه الله عز وجل فنحن نحبه، قد جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه من حديث الصحابي الكريم أبي هريرة

    رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريلَ: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريلُ في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء)، وعند الإمام الترمذي

    رحمه الله تعالى زيادة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم تنزل له المحبة في الأرض). فهذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا شك أنه من أولى من يقال له هذا، إن الله يُحب نبينا فأحبوه يا عباد الله. وروى الإمام مسلم

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم عبد الله بن مسعود

    رضي الله عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو كنتُ متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر

    خليلاً؛ ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله عز وجل صاحبكم -يعني: نبيكم- خليلاً)، والخلة أعلى درجات المحبة. وروى الإمام الترمذي

    رحمه الله تعالى، والحاكم

    أيضاً وصححه وأقره الذهبي

    رحم الله الجميع عن الصحابي الكريم عبد الله بن عباس

    رضي الله عنهما أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (أحبوا الله لِمَا يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله). أسمعت أخي الحبيب؟! أسمعت أيها المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أحب رسول الله لحب الله عز وجل له، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد.

    نحب الرسول صلى الله عليه وسلم لأن حبه أصل من أصول الدين

    ثالثاً: نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن حبه من أصول الإيمان، وفرض من فرائضه العظام، فإن العبد لا يكمل إيمانه حتى يكون محباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه وأهله وولده وماله، وقد جاءت الأحاديث بهذا، فقد روى الإمام البخاري

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم أبو هريرة

    رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده). وروى الإمام مسلم

    رحمه الله تعالى أيضاً عن الصحابي الكريم أنس بن مالك

    رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، والناس أجمعين) أرأيت عبد الله؟! إن رسولنا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجب أن يكون أحب إلينا من آبائنا، وأمهاتنا، وأولادنا، وأهلينا، وأموالنا، والناس أجمعين، ثم ماذا بعد؟! ألهذا الحد فقط؟ كلا، بل يجب أن يكون أحب إلينا من نفوسنا. روى الإمام البخاري

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم عبد الله بن هشام

    رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب

    رضي الله تعالى عنه، فقال عمر

    رضي الله عنه: يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، والذي نفسي بيده! حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر

    رضي الله عنه: والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر

    ). هكذا المؤمنون يا أيها العبد المسلم الموحد المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا المؤمنون يجب أن يكونوا، كأني بأحدهم يقول: إن حل في القلب أعلى منك منزلة في الحب حاشا إلهي بارئ النسمِ فمزق الله شرياني وأوردتي ولا مشت بي إلى ما أشتهي قدمي

    نحب الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله يُثيب من يحبه

    رابعاً: نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم للثواب العظيم الذي رتَّبه الله عز وجل لمن يحب نبينا صلى الله عليه وسلم حباً صادقاً، ثواب وثمرات يجنيها العبد في الدنيا، ويجني أعظم منها في الآخرة، روى الإمام البخاري

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم أنس بن مالك

    رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث مَن كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ...) ثم ذكر بقية الحديث، وشاهدنا: أنك يا أيها العبد المسلم! يا أيها العبد الموحد! يا أيها المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تجد في الدنيا ثواباً على حبك الصادق له صلى الله عليه وسلم؛ حلاوة إيمان يؤتيك الله عز وجل إياها، ومن رُزِق حلاوة الإيمان فلقد رُزِق سعادة الدنيا. وأما ثمرات الآخرة فمنها ما جاء في هذا الحديث، أخي الكريم: استمع إلى هذا الحديث، وانظر ماذا أعد الله تبارك وتعالى للمحب الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم! روى الإمام البخاري

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم أنس بن مالك

    رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (متى الساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددتُ لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت) الله أكبر! أنت مع من أحببتَ، إن أحببت رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً صادقاً فأنت معه يوم القيامة، وأين سيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إنه سيكون في تلك المنزلة العالية. انتظر لم يتم الحديث بعد! قال: (... أنت مع من أحببت، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم. يقول أنس

    رضي الله عنه: ففرحنا يومئذٍ فرحاً شديداً، لم أرَ المسلمين فرحوا فرحاً أشد منه) حُقَّ لهم والله، حُقَّ لهم أن يفرحوا بهذا الوعد العظيم من نبينا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    نحب الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه رءوف بنا

    خامساً: نحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنه رءوف بنا، حريص على منفعتنا، ويحبنا صلى الله عليه وسلم، أوَما سمعت قول الله تبارك وتعالى؟ ((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ))[التوبة:128]. قال الإمام الشوكاني

    رحمه الله: ((عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ))[التوبة:128] أي: شاق عليه ما يشق عليكم. عبد الله: الذي يشق عليك وعلى أحد من الأمة يشق على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فحين كان أحد من الصحابة يصاب بشيء يؤذيه ويشق عليه؛ كان الأمر يشق على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويقول الإمام ابن كثير

    رحمه الله: ((حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ))[التوبة:128] أي: حريص على وصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم. هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه رأفته بنا، وحرصه على منفعتنا، وهاكَ شواهد تدل على هذا المعنى: روى الإمام مسلم

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم عبد الله بن عمرو بن العاص

    رضي الله عنه وعن أبيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم عليه السلام: ((رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي))[إبراهيم:36] وقول عيسى عليه السلام: ((إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ))[المائدة:118] فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم أمتي .. أمتي ..! وبكى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال الله عز وجل: يا جبريل! اذهب إلى محمد فسله: ما يبكيك -وربك أعلم- فأتاه جبريل عليه السلام، فسأله، فأخبره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال الله تبارك وتعالى: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءُك)، أرأيت يا عبد الله! أيها المسلم! كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي شفقة على أمته، ورحمة لأمته؟! روى الإمام مسلم

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم أبي هريرة

    رضي الله عنه في حديث طويل، وهو حول ما يكون يوم القيامة، حين يُجمَع الناس في عرصات يوم القيامة، حتى يشتد بهم الكرب، فيذهبون إلى الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا لهم عند ربنا تبارك وتعالى، فيعتذر الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، فيأتي الناس نبينا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيقوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليشفع للعباد عند رب العباد تبارك وتعالى، يقول صلى الله عليه وسلم: (فأنطلقُ فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقول: يا محمد! ارفع رأسك، وسَلْ تُعطَه، واشفعْ تشفَّع، فأرفع رأسي فأقول -ماذا قال؟! تصور عبد الله ماذا يقول حينذاك نبينا صلى الله عليه وسلم.. أيقول: يا رب! أهلي؟! يا رب زوجاتي؟! يا رب! أبنائي وبناتي؟! كلا- فأقول: يا رب! أمتي .. أمتي) اللهم صلِّ وسلم عليه. ومن رأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم: رحمته ورأفته بنا في التشريع، روى الإمام البخاري

    رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). أخي الكريم! استياكك عند كل صلاة ماذا يكلفك؟! ومع هذا فالنبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد ألا يُفرض على الأمة حتى لا يكون شاقاً عليها. وروى الإمام مالك

    رحمه الله تعالى في موطئه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) وهذا يدل على رحمته أيضاً صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كذلك في صلاة التراويح حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى صلى صلاة الليل فصلى الناس بصلاته، ثم في الليلة الثانية كثر الناس، ثم كثر الناس، حتى جاءت ليلة فلم يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما قيل له في ذلك قال: (خشيت أن تُفْرَض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها) والحديث صحيح رواه الإمام أحمد

    رحمه الله تعالى، إنها رأفته بنا في التشريع، ألا يُشرع لنا وعلينا ما قد يشق علينا، فاللهم صلِّ وسلم على نبينا، واجزه عنا خير الجزاء.

    نحب رسولنا الكريم لأن الله جعله سبباً لهدايتنا

    سادساً: نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله جعله سبباً في هدايتنا، الله المنعم المتفضل الكريم سبحانه وتعالى لما شاء وأراد أن ينقذ الإنسانية من الضلالة والعمى أنقذها بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخي الكريم: تصور حال أجدادك قبل ألف وأربعمائة سنة: على أي حال كانوا يعيشون؟! ماذا كانوا يعبدون؟! وكيف كانوا يعيشون؟! إن الله عز وجل بعث نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم لينقذهم وينقذنا من بعدهم من الشرك والضلالة والعمى، وهذا فضل الله عز وجل جعله على يد نبينا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أحيا بك الله أرواحاً قد اندثرت في تربة الوهم بين الكأس والصنمِ ثم تحمل نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم لأجل تحمل هذا الوحي وتبليغه للناس؛ تحمل المشاقِّ العظيمة. أخي الكريم: أنت تقرأ القرآن اليوم وتحمله، وتأخذه من موضعه، فتفتحه وتقرأ، أتجد عناءً؟! أتجد صعوبة؟! كلا، لا تجد شيئاً؛ لكن نبينا صلى الله عليه وسلم حين كان يتلقى آية واحدة، ويتحمل آية واحدة، كان يجد مشقة عظيمة، فوجد المشقة العظيمة عند بدء الوحي، فاستمع رعاك الله لتعرف كيف تحمل نبينا صلى الله عليه وسلم الوحي في بدايته؟! روى الإمام البخاري

    رحمه الله تعالى عن أم المؤمنين عائشة

    رضي الله عنها وعن أبيها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في غار حراء أتاه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، فقال: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ..))[العلق:1-3] تقول أم المؤمنين رضي الله عنها: فرجع النبي صلى الله عليه وسلم يرجف بها فؤاده، فدخل على خديجة

    فقال: زمِّلوني .. زمِّلوني! حتى ذهب عنه الروع، وأخبرها الخبر وقال: لقد خشيتُ على نفسي) أرأيت كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم تحمل تلك المشقة العظيمة في أول مرة يوحَى فيها إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! ثم استمر بعد ذلك الأمر، فكان حين يوحى إليه يجد أيضاً مشقة عظيمة، واستمعْ إلى بعض الأخبار في هذا الشأن! روى الإمام أحمد

    رحمه الله تعالى عن أم المؤمنين عائشة

    رضي الله عنها وعن أبيها قالت: (إن كان لَيُوْحَى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته، فتَضْرِبُ بِجِرانِها -أي: تمد عنقها- لتبرك مِن ثِقَل ما تجد من الوحي الذي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم). وروى الإمام البخاري

    رحمه الله تعالى أيضاً عن زيد بن ثابت

    رضي الله عنه، قال: (أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي، فثَقُلَت عليَّ حتى خِفْتُ أن تُرَضَّ فخذي) هذا من أي شيء يا أخي الكريم؟! هذا مِن الثِّقَل الذي وجده زيد

    رضي الله عنه مِن ثِقَل فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحي إليه. وروى الإمام البخاري

    رحمه الله تعالى عن أم المؤمنين عائشة

    رضي الله عنها، قالت: (ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفْصَم عنه وإن جبينَه ليتفصَّد عرقاً) جبينُه يتفصَّد عرقاً وهو في يوم شديد البرد، وذلك من أثر الوحي الذي ينزل عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. آخر الأخبار في هذا: روى الإمام أحمد

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم عبد الله بن عمرو

    رضي الله عنه وعن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فما من مرة يوحى إليَّ إلا ظننتُ أن نفسي تُقْبَض) ما ظَنَّ هذا الظنَّ إلا لأنه كان يجد شيئاً عظيماً، كان يجد ثِقَلاً عظيماً، فاللهم اجزه عنا خير الجزاء. كم من المشاق تحملها صلى الله عليه وسلم حين كان يتحمل الوحي فقط؟! فهل انتهى الأمر إلى هذا الحد؟ كلا، إنه كان يبلغ الوحي، وفي سبيل تبليغ هذا الوحي كان يؤذَى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلكي ينتشر هذا الإسلام كان يؤذى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد جاء في الصحيح أن عقبة بن أبي معيط

    وضع رداءه في عنق النبي صلى الله عليه وسلم فخنقه خنقاً شديداً، وأنه نفسُه أيضاً جاء بسلى جزور -وسلى الجزور: اللفافة التي يكون فيها ولد الناقة، مثل المشيمة عند المرأة- فقذفه على ظهر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أيُفْعَل هذا برسول الله صلى الله عليه وسلم؟! نعم. فعله أشقاهم، وصبر على هذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكم صبر على أنواع الأذى من الكافرين! فاللهم اجزه خيراً وصلِّ وسلم عليه: ترمى وتؤذى بأصناف العذاب فما رُئِيتَ في ثوب جبار ومنتقمِ حتى على كتفيك الطاهرَين رَمَوا سلى الجزور بكف المشرك القزمِ حين يرفضون الدعوة، حين يرفضون قبولها كان ينزل الحزن على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما حصل له ذلك عند خروجه من الطائف ، حين خرج يدعو الناس إلى الجنة فأبوا ورفضوا أن يتقبلوا دعوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكيف خرج؟ يقول صلى الله عليه وسلم -والخبر في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى-: (فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بـقرن الثعالب ) وحين يعظُم عليه الهم، وينزل به الحزن -لأن القوم قد أعرضوا ولم يستجيبوا ولم يؤمنوا- ينزل عليه كلام ربنا تبارك وتعالى: ((لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ))[الشعراء:3] يعني: هل أنت مهلك نفسَك حزناً عليهم لأنهم لم يؤمنوا؟! دعهم، لقد بلغت الذي عليك.

    نحب الرسول صلى الله عليه وسلم لأخلاقه العالية العظيمة

    سابعاً: نحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأخلاقه العظيمة، ويكفيك أن الله تبارك وتعالى قال فيه: ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ))[القلم:4].

    1.   

    محبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .. ثمارها وعلاماتها

    إخوتي الكرام: محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كالجذع، له جذور، وله فروع ذات ثمار، لابد من الجذور، ولابد من الجذع، حتى تظهر الفروع والثمار.

    فالجذور والأساس: الإيمان بالله عز وجل، والإيمان برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    والجذع: محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والفروع ذات الثمار: علامات المحبة، وثمراتها، وآثارها، ومقتضياتها.

    لابد إذاً من الإيمان حتى تكون المحبة نافعة للعبد في الدنيا والآخرة، وإلا كانت هباءً منثوراً.

    ولقد أحب نبيَّنا صلى الله عليه وسلم أبو طالب مثلاً، ودافع عنه، ونصره نصرة عظيمة حتى قال:

    كذبتم وبيتِ الله نُبْذى محمداً     ولَمَّا نطاعِنْ دونه ونناضلِ

    ونُسْلِمُه حتى نصرَّع حوله     ونُذْهَلَ عن أبنائنا والحلائلِ

    حدبْتُ بنفسي دونه وحميته     ودافعتُ عنه بالذُّرَى والكلاكِلِ

    حدبْتُ بنفسي: عطفتُ. إنه يريد أن ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصرَّع حوله، وحتى يغفُل عن الأبناء والبنات والزوجات، ويدافع عنه بالذُّرَى والكلاكِل، أي: يدافع عنه بأعلى ما عنده، وبكل شيء فيه، ومع هذا قبل أن يموت قال: (هو على ملة عبد المطلب) لم تنفعه تلك المحبة أن يكون من المؤمنين، لم تنفعه بشيء لأنه لم يكن من المؤمنين.

    فليحذر المسلم من الشرك بالله تعالى، فليحذر المسلم من الغلو الموقِع في الشرك، حتى لا تضيع محبته سدى.

    وينبغي على المسلم ألا يخلط بين المفاهيم؛ بين الجذور والجذع والثمار، فيعرف الإيمان وحقيقته وأهميته، ويعرف معنى المحبة الذي هو الميل والعاطفة نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعرف الثمار وهي التي تأتي في الحديث إن شاء الله تعالى، وهي العنصر الثاني في هذه المحاضرة.

    الصحابة رضي الله تعالى عنهم توفَّر لديهم الأساس، وهو الإيمان بالله عز وجل وبنبينا صلى الله عليه وسلم، ثم حصلت لهم المحبة العظيمة في قلوبهم، فحصلت الآثار، والثمرات، والعلامات، والمقتضيات لمحبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما كونهم يحبونه فهذا أمر لا شك فيه؛ ولكن اسمع بعض الأخبار التي تؤكد هذا!

    روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم أنس رضي الله عنه، قال: [ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم].

    وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: [والله إن مجلس بني سلمة لينظرون إليه -يعني: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو أحب إليهم من عيونهم].

    وشهد بهذا أبو سفيان حين كان كافراً، فقال: [والله ما رأيتُ أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً] اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد.

    فما هي هذه العلامات، أي: الثمرات والآثار والمقتضيات لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عاشها الصحابة رضي الله تعالى عنهم؟

    طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم

    أولها وأعظمها وأهمها: طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في كل جوانب الحياة، في أمورنا كلها، في بيوتنا وأسواقنا وطرقاتنا، وأماكن أعمالنا، في لباسنا وزينتنا وهيئتنا، وصلاتنا وحجنا وصيامنا، في سائر شئون الحياة نطيع نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، طاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع، قال الله تبارك وتعالى: ((مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ))[النساء:80] إذاً: طاعة نبينا صلى الله عليه وسلم من طاعة ربنا العظيم تبارك وتعالى. قال الإمام القاضي عياض

    رحمه الله تعالى: اعلم أن مَن أحب شيئاً آثره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقاً في حبه، وكان مدعياً، فالصادق في محبة النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها: الاقتداء به، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. انتهى كلامه رحمه الله. فكن مطيعاً يا عبد الله، كن مطيعاً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم وإلا فالمحبة ناقصة، كيف تكون محباً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنت لا تبالي في أي معصية من معاصي الله وقعت، وأنت تدعي أنك تحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! نعم. ليس المراد أن يكون العبد عبداً معصوماً؛ لكن المراد أن يكون حريصاً، وأن يكون في أغلب حاله مطيعاً لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن زل يوماً من الأيام فإنه رجاع تواب، يرجع ويتوب إلى الله تبارك وتعالى، فكن مطيعاً يا عبد الله! أيها المحب لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. تعصي الرسول وأنت تظهر حبه هذا وربي في القياس بديعُ لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيعُ

    الحرص على اتباع سنته صلى الله عليه وسلم

    ثانياً: من العلامات والمقتضيات التي كان يعيشها الصحابة رضي الله تعالى عنهم: الحرص على اتباع سننه صلى الله عليه وسلم :- الحرص على جعله قـدوة وأسـوة، قال الله تبارك وتعالى: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ))[الأحزاب:21]. وقال: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ))[آل عمران:31]. اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنتم صادقين في حبكم لله تبارك وتعالى، فإن فعلتم ((يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ))[آل عمران:31] نتبع سننه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن لم تكن واجبة، والحديث هنا عن كل ما ليس من الواجبات، وإنما هو عن المستحبات والسنن والمندوبات، نتبعها ونحرص عليها. وإني والله لأذكر أحد طلبة العلم -وهو شيخ كبير- يتحدث عن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وينصرها ويطبقها، سنة قد يراها الناس صغيرة، وهو يقول: والله! إن نفسي فداء لسنة واحدة من سنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    نشر دينه

    ثالثاً: العلامة الثالثة من علامات محبة نبينا صلى الله عليه وسلم من الثمرات: نشر دينه، ونصرة هذا الدين، دين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:- أخي الكريم: إن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم نشر هذا الدين، ونصره بعد أن كان رجلاً وحيداً يدعو إلى توحيد الله تبارك وتعالى، لم يَمُتْ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا وقد انتشر الإسلام في الجزيرة العربية، بل صار صلى الله عليه وسلم يخاطب الملوك؛ كسرى وقيصر، والمقوقس

    وغيرهم، فواصِل الطريق حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إيماناً بالله تبارك وتعالى، واصل الطريق، قال الله تبارك وتعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي))[يوسف:108]. فهذه -يا أيها المسلم- الكريم هي سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصر دينه، وانشره؛ ليكثر أتباعه.. ليكثر المصلون عليه.. ليكثر المحبون له صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    أن نكون فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسنا وأموالنا

    وأما رابع العلامات والمقتضيات فهي: الاستعداد لبذل النفس والمال فداءً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم :- وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقولون هذا ويعملون به عملاً بالقرآن، نعم عملاً بالقرآن؛ فقد قال الله تبارك وتعالى: ((وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ))[التوبة:120]. قال الإمام الشوكاني

    رحمه الله تعالى: ما كان لهم أن يصونوا أنفسهم ويشحوا بها على نفس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل الواجب عليهم أن يبذلوا أنفسهم دون نفسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لذا كانوا يقولون: فداك أبي وأمي! وكانوا يعملون بها، يقولونها كثيراً، فهذا مثلاً أبو طلحة

    يَطمَئن على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيقول: [جعلني الله فداك يا رسول الله! هل أصابك شيء؟!]. وهذا عبد الله بن عمرو

    رضي الله عنهما يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤالاً، فيقول: [كيف أفعل جعلني الله فداك؟!]. وهذا أبو بكر

    رضي الله عنه يقبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ويقول: [فداك أبي وأمي، ما أطيبك حياً وميتاً!]. وهذا أبو بكر

    رضي الله عنه أيضاً يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: [فديناك بآبائنا وأمهاتنا]. هذه أقوالهم، وهذا قليل من كثير. وأما أفعالهم فتعال أسمعك قليلاً من كثير أيضاً! أمير المؤمنين علي

    رضي الله تعالى عنه وأرضاه يوم أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شاباً صغيراً، يقول الصحابي الكريم عبد الله بن عباس

    رضي الله عنهما: [كانت قريش تريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فشرى علي

    نفسه، ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ونام في مكانه] وهذا الأثر رواه الإمام الحاكم

    رحمه الله تعالى وصححه، وأقره الذهبي

    رحمه الله. فـعلي

    رضي الله عنه هنا شرى نفسه، واستعد أن يبذل نفسه فداء لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم لما خرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في طريقه إلى غار ثور كانت هناك صورة أخرى أيضاً، يقول الصحابي الكريم أمير المؤمنين عمر

    رضي الله عنه: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار، ومعه أبو بكر

    ، يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله! أذكر الطَّلبَ فأمشي خلفك، ثم أذكر الرَّصَد فأمشي بين يديك) أي: أذكر الذين يأتوننا من الخلف فأمشي خلفك، وأذكر الذين يأتونا من الأمام فأمشي بين يديك، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يا أبا بكر

    ! لو كان شيءٌ أحببت أن يكون بك دوني؟! -يعني: لو كان شيء من المصيبة من الأذى أتحب أن يصيبك أنت ولا يصيبني؟!- قال أبو بكر

    رضي الله عنه: نعم، والذي بعثك بالحق، ما كانت لتكون من ملمة إلا وددت أن تكون بي دونك) فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر

    رضي الله عنه: (مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الغار) يريد أن يتأكد من سلامة الغار من أي شيء يسبب الضرر؛ من الإنس أو من الحيوان والهوام، فدخل واستبرأ الغار، ثم ذكر أنه لم يستبرئ الجُحْر، فدخل واستبرأه ثم خرج، فدخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لقد كان أبو بكر

    رضي الله تعالى عنه على أتم استعداد لأن يصاب بالأذى ويتلقاه دون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نموذج آخر: روى البخاري

    رحمه الله تعالى: أن قيس بن أبي حازم

    رحمه الله تعالى قال: [رأيتُ يد طلحة

    -رضي الله عنه- شلاء وقَى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد] حمى بها النبي صلى الله عليه وسلم فأصيبت، فأصبحت شلاء لا تقوم بالدور، أو لا تقوم بما ينبغي أن تقوم به. وهذا أبو دجانة

    رضي الله تعالى عنه كما في سيرة ابن هشام في يوم أحد تَرَّس بنفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبل يقع في ظهره وهو منحنٍ عليه حتى كثر فيه النبل وهو لا يتحرك. الله أكبر! أي صبر هذا؟! وأي حب يجعله يثبت وهو منحنٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم والسهام تصيب ظهره وهو صابر لا يتحرك؛ لأنه إن تحرك قد يصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر الشنيع الذي لا يرضاه ولا يريده أبو دجانة

    رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وأما أبو طلحة

    -رضي الله عن أبي طلحة

    - فله شأن يوم أحد في هذا الجانب أيضاً: عن أنس

    رضي الله عنه قال: (لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو طلحة

    رضي الله عنه بين يديه مُجَوِّب علـيه بِحَجَفَة -يعني: يحمي النبي صلى الله عليه وسلم بتُرْس كان عنده- وكان رامياً شديد النزع، وأشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم، فقال أبو طلحة

    : بأبي أنت وأمي! لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك!) رواه الإمام البخاري

    رحمه الله. حتى النساء يا نساء المسلمين! حتى النساء الصحابيات لهن مشاركة في هذا الأمر، كُنَّ على استعداد لبذل النفس والمال، كُنَّ ينسين أنفسهن عندما يقال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد أصابه مكروه، فعن أنس

    رضي الله عنه قال: (لما كان يوم أحد قيل: قُتِل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكثُرت الصوارخ في المدينة، خَرَجَت امرأة من الأنصار فاستُقْبِلت بأبيها وأخيها وزوجها -قُتِل في المعركة أبوها وأخوها وزوجها، وهي ماذا تقول؟! أين عقلها؟! أين قلبها؟!- يقول أنس

    رضي الله عنه وهي تقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وهم يقولون: أمامكِ، وهي تقول: أرونيه حتى أنظر إليه -إن قلبها متعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي خائفة عليه أن يكون قد أصيب بمكروه- حتى دُفِعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بناحية ثوبه وقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلمتَ مِن عطب)رواه الإمام الطبراني

    رحمه الله تعالى في الأوسط.

    كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    خامس العلامات والمقتضيات؛ علامات محبة نبينا صلى الله عليه وسلم التي كان يعيشها الصحابة رضي الله تعالى عنهم: كثرة الصلاة عليه :- الصلاة عليه عندما يُذْكر على وجه الخصوص، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذُكِر يجب على العبد أن يصلي عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (البخيل مَن ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ) والإكثار من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم في الصباح وفي المساء وفي غير ذلك من الأوقات، روى الإمام أحمد

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم أنس

    رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن صلَّى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطَّ عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات) هذه كلها تنالها إذا صليت على نبيك الكريم صلى الله عليه وسلم مرة واحدة! لاحظ أخي الكريم! (صلى الله عليه عشر صلوات) الله العظيم المجيد الكبير تبارك وتعالى يصلي عليك أي: يثني عليك ويشيد بك في الملأ الأعلى حين تصلي مرة واحدة على نبينا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو يصلي عليك عشر صلوات، ويحط عنك عشر خطيئات، ويرفع لك عشر درجات، اللهم ارزقنا الاجتهاد في هذا الأمر. وروى الإمام أحمد

    رحمه الله تعالى، وكذا الإمام الترمذي

    وغيرهما عن أبي بن كعب

    رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله! كم أجعل لك من صلاتي؟ ...) ومعنى هذا كما ذكره الإمام ابن تيمية

    رحمه الله -ذكره عنه تلميذه الإمام ابن القيم

    رحمه الله في جلاء الأفهام - أن الصحابي الكريم أبي بن كعب

    رضي الله عنه كان له ورد من الدعاء، فقوله: (صلاتي) يعني: دعائي، كان له ورد من الدعاء، فيسأل النبي صلى الله عليه وسلم: كم أجعل لك من هذا الورد؟! (يا رسول الله! كم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير، قلت: النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير، قلت: الثلثين؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تُكْفَى هَمَّك، ويُغْفَرُ ذنبُك) والحديث حسَّنه الإمام ابن حجر

    رحمه الله تعالى. فهذه ثمرة تجنيها حين تكثر من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، تُكْفَى هَمَّك ويُغْفَرُ ذنبُك. عبد الله! أخي الكريم! يا أيها الموحد! يا أيها المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم! كم وردك من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟! كم صليت عليه اليوم في الصباح؟! كم مرة صليت على النبي صلى الله عليه وسلم؟! وكم مرة صليت عليه حين أمسيت؟! إني أعرف شيخاً مسناً من أهل العناية بالعقيدة والسنة ورده من الصلاة والسلام على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في اليوم الواحد ألف مرة، الله أكبر! فكم وردك أنت؟! كم مرة تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة؟! إننا بحاجة إلى أن نعتني بهذا الأمر عناية بالغة لائقة.

    الحرص على رؤيته

    أخي الكريم: ثم ننتقل إلى سادس العلامات والمقتضيات والآثار والثمرات، آثار محبة النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة رضي الله عنهم -ونحن كذلك يجب أن نكون- الحرص على رؤيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم :- كانوا يحرصون على رؤيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى إن أحدهم يقول ما يأتي: روى الإمام الطبراني

    رحمه الله تعالى عن أم المؤمنين عائشة

    رضي الله تعالى عنها قالت: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك) قال الشيخ أحمد شاكر

    رحمه الله: حديث صحيح لغيره. الشاهد: (فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك) إن غيابه ساعات عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجعله يشتاق، فيأتي فينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للصحابة رضي الله عنهم في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم أبي هريرة

    رضي الله تعالى عنه: (والذي نفسي بيده! ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معه) وهذه العلامة -أعني الحرص على رؤيته، أو تمني رؤيته صلى الله عليه وسلم- نستطيع نحن أن نعيشها أيضاً، نتمنى أن نرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الآخرة، وأن نكون بصحبته، ونتمنى أن نراه في الدنيا في المنام، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والحديث في صحيح الإمام مسلم رحمه الله: (مِن أشدِّ أمتي لي حباً ناسٌ يكونون بعدي، يودُّ أحدُهم لو رآني بأهله وماله) والمعنى: أنه لو خُيِّر بين أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم -لو كان ذلك الأمر ممكناً- وأن يفقد غرضاً من أغراضه لاختار أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو فَقَدَ ما فَقَدَ، قال هذا المعنى الإمام ابن حجر

    رحمه الله تعالى في الفتح . أخي الكريم: فهل تعيش هذا الشعور؟! هل جربت هذا الشعور؛ تمني رؤية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟!

    حب ما يحبه وبغض ما يبغضه رسول الله صلى الله عليه وسلم

    سابعاً: من علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المقتضيات التي كان يعيشها الصحابة رضي الله تعالى عنهم: حب ما يحب ومن يحب، وبغض ما يبغض ومن يبغض: من يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نحبه، ومن يبغضه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نبغضه، هذا في الأشخاص، وكذلك في الأشياء. قال الإمام النووي

    رحمه الله تعالى: من أوصاف المحب الصادق: أن يحب ما أحب محبوبه، ويكره ما يكره. فيا أيها المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انظر! هل أنت تحب من كان يحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل أنت تبغض من كان يبغضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ انظر في الناس.. في الأماكن.. في الطعام.. في الشراب.. في اللباس.. في الهيئة.. في الزينة.. في الأخلاق.. قَوِّم نفسك، أأنت تحب كل ما كان يحبه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! ينبغي أن نحب الذين كان يحبهم، وأن نبغض الذين كان يبغضهم، وأن نبغض الذين يحاربون شرعته صلى الله عليه وسلم، وإلا كيف نكون محبين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونحن نحب -وأحياناً حباً جماً- الذين يعادون شريعته، ويفسدون عباد الله تبارك وتعالى؟! أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في إمكان؟! يجب أن نكون كالذي قال -وهو صحابي أنصاري رضي الله عنه-: نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعاً وإن كان الحبيب المصافيا والصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا ممتثلين لهذا الأمر، وكانوا عاملين به، فمثلاً: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أهل بيته وقرابته، وكان يوصي بهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال مثلاً: (من أحب علياً

    فقد أحبني) رواه الحاكم

    وهو صحيح. وقال: (من أحب الحسن

    والحسين

    فقد أحبني) رواه ابن ماجة

    وهو صحيح، رحم الله الجميع. فكيف كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته؟! تقول أم المؤمنين عائشة

    رضي الله عنها: [قال أبو بكر

    رضي الله عنه لـعلي

    رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي] رواه الإمام البخاري

    رحمه الله. وقال عمر

    رضي الله تعالى عنه للعباس

    عم النبي صلى الله عليه وسلم: [والله لإسلامك يوم أسلمتَ كان أحب إلي من إسلام الخطاب

    لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب

    ]. وعمر

    رضي الله عنه أيضاً بعث مرة إلى الحسين بن علي

    رضي الله عنه ليأتيه، فجاء الحسين

    رضي الله عنه وعن أبيه، وفي الطريق التقى بـعبد الله بن عمر

    رضي الله عنه وعن أبيه، فإذا هو قد أتى أمير المؤمنين فلم يؤذن له، فرجع الحسين

    رضي الله عنه وعن أبيه، فلما التقى به عمر

    رضي الله عنه سأله: لِمَ لَمْ تأتِ؟! فأخبره الخبر، وأنه التقى بـعبد الله بن عمر

    رضي الله عنهما فوجده راجعاً لَمْ يؤذن له فرجع هو أيضاً، قال عمر

    رضي الله عنه: وهل أنت مثله؟! إنه يقدم الحسين بن علي

    رضي الله عنه لأجل قرابته من رسول الله؛ لأنه حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقدمه على ابنه عبد الله بن عمر

    رضي الله عنهم جميعاً. ويقول عروة بن الزبير

    رحمه الله: [كانت أم المؤمنين عائشة

    رضي الله عنها أرقَّ شيء على بني زهرة؛ لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم]. أخي الكريم: هذا في الأشخاص، وفي الأشياء أيضاً كانوا يحبون ما يحب، ويكرهون ما يكره، روى الإمام البخاري

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم أنس بن مالك

    رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء، فلم أزل أحب الدباء من يومئذ) صار يحب الدباء -نوع من الخضروات- لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحب الدباء، ولأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الدباء ويختارها في الطبق. وروى الإمام مسلم

    رحمه الله تعالى عن الصحابي الكريم أبي أيوب

    رضي الله عنه، وهذا الخبر في نزول النبي صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب

    رضي الله عنه في بيته، فكان أبو أيوب

    رضي الله عنه يبعث بالطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينتظر، فإذا أعيدت الفضلة سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم فأكل من نفس الموضع، ومرة أُرْسِل الطعام ثم جيء بالإناء، ففتش فإذا النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يأكل، ففزع رضي الله تعالى عنه، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعلم أن السبب هو أن في الطعام ثوماً، فقال أبو أيوب

    رضي الله عنه: (يا رسول الله! أحرام هو؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا؛ ولكني أكرهه من أجل ريحه، فقال أبو أيوب

    رضي الله عنه: وأنا أكره ما تكره يا رسول الله) صلى الله عليه وسلم، يكرهون ما يكرهه رسول الله، ويحبون ما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا في الأشياء وفي الأطعمة، ومع هذا يحرصون على أن يحبوا ما يحبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بعد هذا: تعال أخي الكريم نتعرف على بعض من يحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى بعض الأشياء التي يحبها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نحبها، كما كان يحبها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: (من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة

    ، قيل: فمن الرجال؟ قال: أبوها، قيل: ثم من؟ قال: عمر

    ) هؤلاء الثلاثة هم أبرز مَن يحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الإمام مسلم

    رحمه الله تعالى عن فاطمة بنت قيس

    رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يحبني فليحب أسامة

    ) أسامة بن زيد

    رضي الله عنه، حِبُّ رسول الله، وابنُ حِبِّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن الذين كان يحبهم النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار، عن عبد الله بن زيد بن عاصم

    وغيره: (لما أفاء الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قَسَم في الناس المؤلفة قلوبهم، ولم يعطِ الأنصار شيئاً، فكأنهم وجِدوا في أنفسهم إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟! قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، قال: وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟! قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، قال: وعالة فأغناكم الله بي؟! قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، ثم قال: لو شئتم لقلتم: جئتنا خائفاً فآمنَّاك، وطريداً فآويناك، ومخذولاً فنصرناك، فقالوا: بل المنُّ علينا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟! لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكتُ وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، فبكى القوم حتى أخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قَسْماً وحظاً). وشاهدنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الأنصار شعار والناس دثار) الشعار: اللباس الذي يلي الجسد، والقريب من الجسد، يعني: أنتم أقرب مني من غيركم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب مكة والمدينة، فكان من دعائه صلى الله عليه وسلم الذي دعا به، وهو في صحيح البخاري : (اللهم حبَّب إلينا المدينة كما حبَّبت مكة أو أشد) فحُب مكة وحب المدينة من علامات حب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، (كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا قدم من سفر فنظر إلى حيطان المدينة أوْضَعَ راحلته -يعني: أسرع بها وجعلها تسرع- وإن كان على دابة حركها؛ مِن حُبِّها) يعني: مِن حُبِّ المدينة ، والخبر في صحيح البخاري رحمه الله تعالى. فانظر حالك يا عبد الله مع مكة! هل أنت ممن يعتمر، ويأتيها ويصلي في المسجد الحرام عند بيت الله تبارك وتعالى، وتحرص عليها؟! أم أنك كثير الهجران لـمكة؟! وانظر حالك مع المدينة النبوية؛ مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم! متى عهدك بـمدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! كن أيضاً لها زواراً، وصلِّ بمسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واحرص على الإكثار من الصلاة فيه. إني وإن فارقتُ طيبة حقبة لأحن من شوق إلى لقياها والله أسأل أن أقيم بأرضها ويضمني بعد الممات ثراها

    الحرص على التعرف على المصطفى صلى الله عليه وسلم

    ثامناً: من الآثار والثمرات والعلامات والمقتضيات لمحبة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: التعرف عليه صلى الله عليه وسلم :- الحرص على التعرف على نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شئونه كلها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول الإمام ابن القيم

    رحمه الله تبارك وتعالى: يجب على كل من نصح نفسه أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه صلى الله عليه وسلم ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل في عداد أتباعه وحزبه وشيعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكانت بيوتات السلف رضي الله تعالى عنهم فيها هذا الأمر، فيها العناية بسيرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص

    رحم الله الجميع، ورضي الله عنهم: [كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعدها علينا، ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوها]. وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب

    رضي الله عن الجميع ورحمهم يقول: [كنا نُعَلَّمُ مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نُعَلَّمُ السورة من القرآن]. عبد الله! أيها المسلم! هل نحن نفعل هذا؟! هل نحن ننشر مغازي رسول الله، وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتنا؟! هل لنا لقاءات مع أولادنا نعلمهم فيها سيرة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! الجواب عندك، فإن كنت بهذا الأمر معتنياً فهنيئاً لك، وإن كنت فيه مقصراً فأصلح واستدرك ما فات. أخي الكريم: من التعرف على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: التعرف على سيرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كذلك التعرف على فضائله وخصائصه، وخصائصُه هي فضائلُه الخاصة به صلى الله عليه وسلم، وله فضائل مشتركة بينه وبين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً. ومن التعرف عليه: التعرف على معجزاته ودلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، تلك الأعلام وتلك الأمور الخارقة التي كان يفعلها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن التعرف على نبينا صلى الله عليه وسلم أيضاً: التعرف على شمائله وأخلاقه صلى الله عليه وسلم. والتعرف على صفاته الخلقية. إن مَن يحب شخصاً يحرص على التعرف عليه في أموره كلها، حتى ربما نعتني بالأمور التافهة من أمور بعض البشر مِن الأحياء مثلاً، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولى بأن نتعرف على جميع جوانب سيرته وشخصيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكن ينبغي أن نحرص حرصاً عظيماً على أن نتأكد من ثبوت كل ما ننسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السيرة، والفضائل والخصائص، والمعجزات والأخلاق، والصفات الخَلْقية، ففي كل شيء يجب أن نتأكد من ثبوت ذلك الأمر سنداً عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فإننا لا نتقرب إلى الله بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بقبول الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي كذلك أن نحذر من الغلو في الشئون كلها.

    الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

    تاسعاً: من علامات محبة نبينا صلى الله عليه وسلم التي كانت بارزة في حياة الصحابة رضي الله تعالى عنهم: الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانوا يحبونه فيشتاقون إليه، كانوا يجدون بالقرب منه أُنْساً وإيماناً، فيشتاقون إليه، روى الإمام أحمد

    رحمه الله تعالى عن أنس

    رضي الله عنه أن الأشعريين -والأشعريون هم: قوم أبي موسى الأشعري

    رضي الله عنه- كانوا يرتجزون وهم في طريقهم إلى المدينة بهذا الرجز، يقولون: غداً نلقى الأحِبَّة محمداً وحزبَه اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد. ويقول أبو عبد الرحمن السلمي

    رحمه الله تعالى: [رأيت عماراً

    -يعني: ابن ياسر

    - وهاشم بن عتبة

    وهو يسعى بين الصَّفَّين، فقال عمار

    رضي الله عنه: يا هاشم

    ! الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسنة، وقد فُتِحت أبواب الجنة، وتزينت الحور العين، اليوم ألقى الأحِبَّة؛ محمداً وحزبَه]. اللهم صلِّ وسلم عليه. أرأيت! في ساحة القتال يشتاقون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنهم يريدون أن يُقْتَلوا في ساحات الجهاد حتى يلقوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد كانوا من شوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرضون بالموت. يقول بلال

    رضي الله تعالى عنه في مرضه الذي مات فيه عندما قالت امرأته: [وا حزناه! قال: بل وا طرباه! غداً ألقى الأحِبَّة؛ محمداً وصحبَه] اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد. وتقول أم المؤمنين عائشة

    رضي الله عنها: [إن أبي أبا بكر

    لما حضرته الوفاة قال: أيُّ يوم هذا؟ قالوا: يوم الإثنين، قال: فإن مت من ليلتي فلا تنتظروا بي الغد، فإن أحب الأيام والليالي أقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم]. أخي الكريم: ليس الصحابة رضي الله عنهم فقط كانوا يشتاقون إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل الجذع حَنَّ واشتاق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح البخاري رحمه الله تعالى: (أن المسجد في زمنه صلى الله عليه وسلم كان مسقوفاً على عُمد من جذوع النخل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى أحدها، فلما اتخذ المنبر فخطب عليه حَنَّ الجذع، فسمعنا النخلة تصيح صياحَ الصبي، فنزل النبي فمسح بيده عليه، وضمَّه إليه وهو يئِن أنين الصبي الذي يُسَكَّن)، وكان الإمام الحسن البصري

    رحمه الله تعالى إذا ذكر هذا الحديث يقول: [الخَشَبَة تحِنُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه].

    حب لقائه والفرح به صلى الله عليه وسلم

    عاشر العلامات والمقتضيات؛ مقتضيات محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يحبون لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفرحون بلقائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم :- تجد هذا واضحاً -مثلاً- في خبر مَقْدَم نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة يوم الهجرة، والخبرُ بعضُه في صحيح البخاري وبعضُه في غيره من الكتب: [لما سمع المسلمون بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة كانوا يغدون كل غداة إلى الحرَّة، فينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم. فخرجوا يوماً فطال انتظارهم، فلما أحرقتهم الشمس رجعوا إلى بيوتهم كما كانوا يفعلون كل يوم. فلما رجعوا إلى البيوت أوْفَى رجلٌ من يهود على أُطُمٍ مِن آطامهم -يعني: صَعَد رجل من اليهود على حصن مِن حصونهم- لأمر ينظر إليه، فبَصُر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه مُبَيِّضِين، يزول بهم السراب -أي: عليهم ثياب بيض- فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب! هذا جَدُّكم الذي تنتظرون -أي: هذا حَظُّكم الذي تنتظرونه- فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرَّة، فقيل في المدينة : جاء نبي الله! جاء نبي الله! صلى الله عليه وسلم، فأشرفوا ينظرون، ويقولون: جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاه الناس في الطريق وعلى الأجاجير -يعني: على السطوح- والصبية يقولون: الله أكبر! جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء محمد صلى الله عليه وسلم. يقول أنس

    رضي الله عنه: فما رأيت يوماً قط أنورَ ولا أحسن من يوم دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ] رواه الإمام أحمد

    رحمه الله تعالى. وقال البراء بن عازب

    رضي الله عنه: [فما رأيتُ أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم] رواه الإمام البخاري

    رحمه الله تعالى. أخي الكريم: الأمهات، أمهات الصحابة كن يسألن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، عن أي شيء؟! اسمع هذا في هذا الخبر! عن حذيفة

    رضي الله تعالى عنه قال: [سألتني أمي: منذ متى عهدك بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلت لها: منذ كذا وكذا، فنالت مني وسبتني، فقلت لها: دعيني، فإني آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأصلي معه المغرب] رواه الإمام أحمد

    رحمه الله تعالى. إذاً: حتى الأمهات، أم تسأل ابنها الصحابي: منذ متى عهدك بالنبي؟ ما هي آخر مرة أتيت فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟!

    حب البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم

    الحادي عشر من العلامات؛ علامات محبة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ العلامات التي كانت تظهر على الصحابة رضي الله عنهم، منها: أنهم كانوا يحبون البقاء معه صلى الله عليه وسلم: يحبون القرب منه، يحبون مرافقته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يحبون القرب منه في الدنيا، بل ويحبون القرب منه في القبر عند الدفن، بل ويحبون القرب منه في الآخرة في جنات الله سبحانه وتعالى. هذا الصحابي الجليل أمير المؤمنين في زمانه، أبو بكر

    رضي الله تعالى عنه في يوم الهجرة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (فإني قد أُذِن لي بالخروج، فقال أبو بكر

    : الصحبة يا رسول الله! -يعني: أكون معك- بأبي أنت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. قالت أم المؤمنين عائشة

    رضي الله عنها: فرأيت أبي أبا بكر

    يبكي، وما كنت أحسب أحداً يبكي من الفرح) إنه البكاء بكاء الفرح بمرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعيته، وحُقَّ له أن يبكي من الفرح، مَن الذي صحب نبي الله صلى الله عليه وسلم؟! ومن الذي فاز بذلك الشرف كما فاز به أبو بكر

    رضي الله تعالى عنه وأرضاه؟! وفي خبر الأنصار يوم فتح مكة أيضاً ما يدل على هذا، عن أبي هريرة

    رضي الله تعالى عنه (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما كان يوم الفتح، وحصلت بعض مَقْتَلَة في المشركين في أهل مكة، جاء أبو سفيان

    وهو يومئذٍ زعيمهم، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أُبِيْحَت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ... ومَن دخل دار أبي سفيان

    فهو آمِن، فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أدْرَكَتْه رغبةٌ في قريته، ورأفةٌ بعشيرته، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم: يا معشر الأنصار! قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: قلتم: أما الرجل فقد أدْرَكَتْه رغبةٌ في قريته؟ قالوا: قد كان ذاك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلا. إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والممات مماتكم، فأقبَلوا إليه يبكون يقولون: والله يا رسول الله! ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله ورسوله يصدِّقانكم ويعذرانكم) رواه الإمام مسلم

    رحمه الله تعالى. وأما أمير المؤمنين عمر

    رضي الله تعالى عنه فإنه لما طُعِن تلك الطعنات، وهو يصلي بالناس صلاة الفجر، تلك الطعنات التي بعدها فارق الحياة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فإنه لما كان في ساعاته الأخيرة نادى ابنه عبد الله

    رضي الله عنه، قال: [يا عبد الله بن عمر

    ! انطلق إلى أم المؤمنين عائشة

    فقل: يقرأ عمر

    عليك السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب

    أن يُدْفَن مع صاحبَيه، فذهب عبد الله بن عمر

    رضي الله عنه فأتى أم المؤمنين رضي الله عنها فوجدها تبكي، فكلَّمها في استئذان عمر

    رضي الله عنه، فقالت: كنتُ والله أريده لِنَفْسِي، ولَأُوثِرَنَّه به اليوم، فلما رجع عبد الله

    رضي الله عنه ورآه عمر

    رضي الله عنه مِن بُعْد، قال: ارفعوني، فأسنده رجل، فقال: ما لديك؟ قال عبد الله

    رضي الله عنه: أَذِنَتْ، فقال عمر

    رضي الله عنه: الحمد لله، ما كان مِن شيء أهم إلي مِن ذلك] لقد أهَمَّه ألا يُدْفَنَ مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنهم يحبون مرافقته حتى بالقرب من قبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكانوا يحبون مرافقته في الدار الآخرة، فهذا ربيعة بن كعب الأسلمي

    رضي الله عنه، وخبره في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، يقول: (كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته مرة بوضوئه وحاجته، فقال: سَلْ، قلتُ: يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوَغير ذاك؟ قلت: هو ذاك يا رسول الله، قال: فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود). أرأيت أيها المسلم؟! أرأيت أيها المسلم هذا الصحابي الكريم من أعظم أمانيه أن يكون مع نبي الله صلى الله عليه وسلم في الجنة: (أسألك مرافقتك في الجنة). وروى الإمام الطبراني

    رحمه الله تعالى عن أم المؤمنين عائشة

    رضي الله تعالى عنها قالت: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنك لَأَحَبُّ إليَّ من نفسي، وإنك لَأَحَبُّ إليَّ من ولدي، وإني لَأَكون في البيت فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك عرفتُ أنك إذا دخلت الجنة رُفِعْتَ مع النبيين، وأني إذا دخلتُ الجنة خشيتُ أن لا أراك، فلم يَرُدَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى نزل جبريل بقوله تعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً))[النساء:69]). كانوا يحبون القرب من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    بكاء الصحابة حين يتذكرون فراقهم للنبي صلى الله عليه وسلم

    أخيراً: من علامات محبة الصحابة رضي الله عنهم، وآثار المحبة عليهم: أنهم كانوا يبكون عندما يذكرون فراق النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته :- روى الإمام البخاري

    رحمه الله تعالى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عبداً خَيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فلما قالها النبي صلى الله عليه وسلم بَكى أبو بكر

    وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، فعجِبْنا لبكائه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المُخَيَّر، وكان أبو بكر

    أعْلَمَنا) يعني: أعْلَمَنا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا أبو بكر

    رضي الله عنه كما روى ذلك أبو هريرة

    رضي الله عنه قال: [صَعَدَ أبو بكر

    رضي الله عنه منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم من عامِ أولَ يقول: ثم استَعْبَرَ وبكى -خنقته العَبْرة، لم يستطع أن يُكْمِل، لقد تذكر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم أعاد فقال مرة ثانية، فخنقته العَبْرة فبكى، فلم يستطع أن يُكْمِل، ثم أعاد ثالثة، ثم أتم خطبته رضي الله تعالى عنه وأرضاه]. وعن عمر بن محمد

    ، عن أبيه قال: [ما سمعتُ ابن عمر

    رضي الله عنهما يذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بكى] رواه الإمام الدارمي

    رحمه الله تعالى. وفي مسند الإمام أحمد

    رحمه الله تعالى، عن المثنى

    رحمه الله قال: [قال أنس

    رضي الله تعالى عنه: قَلَّ ليلة تأتي علي إلا وأنا أرى فيها خليلي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم]. هذه بعض علامات محبة الصحابة رضي الله تعالى عنهم لنبينا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا ينبغي أن نكون محبين صادقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ذات الوقت تظهر علينا علامات وثمرات ومقتضيات محبة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأعظمها وأعلاها منزلة: طاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى أن ترزقنا الإيمان بنبيك صلى الله عليه وسلم، إيماناً عظيماً طيباً مباركاً. ونسألك يا ألله أن تكرمنا بمحبته صلى الله عليه وسلم، محبة صادقة خالصة ترضى بها عنا يا رب العالمين! اللهم ارزقنا محبته حباً يدفعنا إلى طاعته، واتباع سنته، ونشر دينه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. اللهم إنا نسألك أن تكثِر المؤمنين والمتبعين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى أن تجعلنا ممن ينصر سنته، وينشر دينه، ويدافع عنه، برحمتك يا أرحم الراحمين! والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015591543

    عدد مرات الحفظ

    723688089